مقدّمة
السياق التاريخي: جذور تدهور البيئة المبنية في طرابلس
خريطة الخطر: ٣٧ حالة، وعائلات على حافة الانهيار
عن غياب الإجراءات الرسمية لحماية السكان
لجنة الحق في السكن في طرابلس: مسار نضالي في وجه الانهيار
الواقع والممكن
مقدّمة
“انزِلوا عالأرض، شوفوا بعينكن، ما حدا عم يطلب شي مستحيل، بدنا بس نعيش بأمان وبدون خوف من سقف يوقع فوق راسنا.“
هذه الكلمات نداءٌ يتردّد صداه في أزقة مدينة طرابلس وشوارعها، أطلقه أحد سكان مبنى مهدد بالانهيار، ووجّهه للبلدية والمسؤولين، ملخّصاً أزمة تدهور البيئة المبنية التي تعيشها المدينة، في الوقت الذي تهدّد مئات المباني السكنية المتصدعة والآيلة للسقوط حياة آلاف السكان.
وبالرغم من النداءات والتحذيرات المتكررة من السكان والناشطين حول خطورة الوضع لسنوات طويلة، لم تبادر السلطات الرسمية المعنية إلى اتخاذ أي إجراءات حقيقية وجذرية لحماية السكان وتأمين حقهم في السكن اللائق. بل على العكس، اقتصرت التدخّلات الرسمية على إنذارات بالإخلاء، دون توفير بدائل سكنية حقيقية، ممّا زاد من معاناة الأهالي وتركهم في مواجهة مصير مجهول.
وفي خطوة غير متوقّعة، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في 4 نيسان 2025 مقرّراً هامّاً يقضي بـ”تحديد الأبنية المتصدّعة غير الصالحة للسكن في طرابلس، وتأمين أماكن بديلة واعتمادات ضرورية، على أن يُعمل على مسوحات في مناطق أخرى تباعاً أيضًا”. أُعلن عن هذا المقرّر على لسان وزير الإعلام بول مرقص عقب الجلسة الحكومية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستجري بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والمجالس البلدية، مع إعطاء الأولوية للمناطق المتضرّرة من الزلازل، وفي مقدّمتها طرابلس.
يشكّل هذا المقرّر أول محاولة رسمية ذات طابع شامل لمعالجة أزمة المباني المتصدعة والمهددة بالانهيار في المدينة، وذلك بعد سنوات طويلة من الإهمال والتقاعس الرسمي تجاه الملف. ولا شكّ أنه جاء تتويجاً لحراك وتراكم ضغوطات شهدتها المدينة. فبالإضافة إلى المطالبات الفردية والمتفرّقة، برز في السنوات الأخيرة دور بارز لما سمّي “لجنة الحق في السكن في طرابلس”. هذه اللجنة، التي نشأت من قلب الأزمة، جاءت كردّة فعل مباشرة لانهيارات متكررة شهدتها المدينة ولغياب أي تحرّك جدّي من الدولة. شكّلت اللجنة منصة جامعة لناشطين وسكان متضررين، واعتمدت مقاربة أفقية تشاركية تسعى إلى الدفاع عن الحق في السكن الآمن، والتصدي للإهمال المؤسسي المزمن. وممّا لا شكّ فيه أن المقرّر تأثّر أيضاً بالاجتماع الموسّع الذي عُقد في نهاية كانون الثاني 2025 في سرايا طرابلس، برئاسة محافظ الشمال السابق القاضي رمزي نهرا، وبحضور ممثلين عن الهيئة العليا للإغاثة، بلدية طرابلس، اتحاد بلديات الفيحاء، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ونقابة المهندسين. تناول هذا الاجتماع أزمة الأبنية المتصدعة، وتم التأكيد خلاله على خطورة الوضع وضرورة التحرّك العاجل.
إلا أن المقرّر، ورغم الإعلان عنه، لم يُنشر على شكل قرار أو مرسوم أو غيره في الجريدة الرسمية حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، مما يُثير تساؤلات مشروعة حول مدى جدية الدولة في التنفيذ. فضلاً عن ذلك، يثير محتوى المقرّر نفسه العديد من التساؤلات الجوهرية: ما هو المقصود فعلياً بـ”السكن البديل”؟ هل هو إيواء مؤقت أم توفير مساكن دائمة لائقة؟ وما هو شكل الدعم الذي سيُقدّم للعائلات؟ فضلاً عن ذلك، ما هو الإطار الزمني المتوقّع لتنفيذ هذه الخطوة؟ ولماذا صدر المقرّر الآن تحديداً، ولم يصدر عقب الزلازل التي ضربت شمال لبنان في السنوات الماضية؟ تسلّط هذه الأسئلة مجتمعة الضوء على الغموض الذي يحيط بالقرار، وتطرح شكوكاً حول مدى جديّة الالتزام الرسمي، مما يبرز الحاجة إلى المساءلة والمتابعة الحثيثة لضمان ألّا يبقى المقرّر مجرّد تصريح إعلامي من دون أي أثر فعلي على الأرض.
لا يسعى هذا التقرير للإجابة على كل التساؤلات المطروحة حول مقرّر مجلس الوزراء بانتظار صدوره الرسمي. بل نهدف من خلاله إلى توصيف أزمة تدهور البيئة المبنية في طرابلس من خلال تحليل حالات مبانٍ مهددة بالانهيار في المدينة وثّقها مرصد السكن في استوديو أشغال عامة. كما نتطرّق إلى الأسباب الرئيسية وراء هذا التدهور في المدينة. ويستعرض التقرير الدور المحوري لـ”لجنة الحق في السكن” في الدفاع عن حقوق السكان والضغط المستمر من أجل اتخاذ إجراءات ملموسة، من خلال نقل أصوات السكان المتضررين وتجاربهم ومخاوفهم وتطلعاتهم. لعلّ هذا التقرير يدفع نحو تنفيذ المقرّر بشكل أسرع.
السياق التاريخي: جذور تدهور البيئة المبنية في طرابلس
أزمة المباني المهددة بالانهيار في طرابلس ليست وليدة اللحظة، بل تجلّت في حوادث مأساوية متكررة منذ عقود، عكست تراكماً من الإهمال المؤسسي وغياب السياسات الوقائية. شكّل سقوط مبنى الفوّال في الميناء عام 2019 ووفاة أخ وأخته نقطة تحوّل سلّطت الضوء على عمق المشكلة أمام الرأي العام. توالت بعدها الانهيارات بشكل مأساوي: ففي عام 2020، انهار جزئياً مبنى قديم في حي الزاهرية في المدينة. ثم في عام 2021، لقيت شقيقتان حتفهما إثر انهيار شرفة مبنى سكني في منطقة القبة. واستمرّت الكارثة في عام 2023، بانهيار كلّي لمبنى المير في الزاهرية، وفي عام 2024، انهار جزئياً مبنى في منطقة الرفاعية. أما في عام 2025، فشهدت المدينة حادثة جديدة تمثّلت في انهيار مدرسة قديمة مهجورة قرب طريق قلعة طرابلس، من دون تسجيل أي إصابات بشرية، إلا أن دويّ الانهيار سُمع بوضوح في أرجاء المنطقة والمناطق المجاورة، ما أثار حالة من الهلع في صفوف السكان، وأعاد تسليط الضوء على الخطر الكامن في الأبنية المتروكة والمهملة.

وما هذه الانهيارات المتتالية إلا مقدمة لما قد يتبعها. فوفقاً لدراسة أجرتها وزارة الثقافة عام 2017، يفوق عدد الأبنية المتصدعة في طرابلس الثلاثمائة مبنى، علماً أنها مبان تراثية بمعظمها. تتفاوت حالتها بين الخطر المتوسط والمتقدم والآيل للسقوط. ومن المرجح أن “تكون الأخطار تزايدت بفعل مرور الزمن” في ظل غياب إحصاءات رسمية شاملة عن وضع المباني السكنية وغير السكنية الأخرى. ومع ذلك، توجد ترجيحات تقريبية أصدرها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية عام 2021 في بعض أحياء المدينة، حيث تشير إلى أن 46% من المباني في باب الرمل (الحدّادين) تحتاج إلى متابعة أو إصلاحات إنشائية عاجلة، وترتفع النسبة إلى 51% في التبانة، بينما تصل إلى 27% في القبة و14% في جبل محسن.
وفي شباط 2023، أضاف الزلزال العنيف الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، وامتدت ارتداداته القوية إلى شمال لبنان، وطرابلس تحديداً، فصلاً جديداً من الخطر، وسلّط الضوء مجدداً على هشاشة البنية السكنية في عدد من أحياء المدينة. تسبّب الهلع العام الناتج عن الهزة بخروج جماعي للسكان من منازلهم، خاصة في الأحياء القديمة، حيث افترش العديد منهم الشوارع أو احتموا في مساحات عامة كساحة النور، ومحيط معرض رشيد كرامي الدولي، في ظل انعدام الثقة بمتانة الأبنية التي يسكنون. أعاد هذا المشهد إلى الواجهة واقع البنية التحتية السكنية الضعيفة، وكشف مرة أخرى عن غياب أي خطة استجابة رسمية أو دعم طارئ من الدولة للأهالي.
ورغم وضوح التهديد وخطورته، لم تُعلن حالة طوارئ، ولم تُطلق الحكومة أي خطط استجابة أو حتى مسح ميداني للضرر على الصعيد الوطني. وبحسب تقرير “الزلزال الذي لم يحدث” الذي أصدرناه سابقاً، فإن تحييد السلطة المركزية نفسها عن هذه القضية ليس نتيجة ضعف إداري فحسب، بل يُعبّر عن نهج ممأسس في تجاهل المناطق “الهامشية” التي تقع خارج أولويات الدولة، والتي كانت طرابلس جزءاً منها لفترة طويلة من الزمن. في لحظة اجتمعت فيها الكارثة الطبيعية مع اللامبالاة الرسمية، بدا المشهد وكأنه ذروة تواطؤ بين الطبيعة والسلطة، وحين تتواطأ الطبيعة والسلطة معاً، تُفاقمان الهشاشة، وتعرّيان تقاعساً مزمناً يهدّد الأرواح ويقوّض الحق بالسكن الآمن.
لكن تدهور البيئة العمرانية في طرابلس لا يمكن فهمه بمعزل عن جملة من الإشكاليات البنيوية على المستوى الوطني، والتي تُسهِم بشكل مباشر في تفاقم المخاطر الإنشائية ليس فقط في طرابلس، بل في مختلف المدن اللبنانية. هذه الإشكاليات، التي سبق تناولها في ملف خاص أعده استوديو”أشغال عامة” بعنوان “الحق في السكن: هشاشة الأبنية وسوء التنظيم”، لا تزال قائمة من دون إصلاح جذري، وتُظهر فشل الدولة في تطوير منظومة متكاملة للسلامة الإنشائية والعدالة العمرانية.
من أبرز الإشكاليات التي تُفاقم من هشاشة المباني في طرابلس وتحدّ من إمكانيات التدخل الوقائي:
- غياب آلية للفحص الدوري لسلامة المباني القديمة: يقتصر مرسوم السلامة العامة المعمول به على شروط البناء الجديد، أي الأبنية المنشأة بعد عام 2012، من دون أن يفرض أي فحوصات دورية إلزامية على الأبنية المشيّدة قبل هذا التاريخ. هذا الفراغ التشريعي يترك النسيج العمراني التاريخي في حالة تهديد دائم، ويؤدي إلى غياب أي رصد منتظم أو متابعة دورية لحالة المباني1 مرسوم السلامة العامة: لا ضمان لسلامة السكان ولا وقف لتدهور البيئة العمرانية • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio، خصوصاً في طرابلس حيث لا تتوفر بيانات رسمية محدّثة حول أوضاع الأبنية.
- توسّع الأحياء الشعبية في ظل هشاشة عمرانية: شهدت أحياء كالتبانة والزاهرية وأبو سمرا توسّعاً في ظلّ ظروف اقتصادية واجتماعية هشّة، وشُيّدت نسبة كبيرة من أبنيتها من دون إشراف هندسي أو تقني. نتج عن ذلك تراكم للعيوب الإنشائية منذ لحظة البناء، وهو ما تفاقم مع الوقت بفعل البناء العمودي غير المرخّص، حيث أضيفت طوابق فوق أساسات غير مجهّزة لتحمّلها، في ظل غياب الرقابة من نقابتَي المهندسين أو من السلطات المحلية.
- غياب التخطيط الوقائي في التوسّع العمراني: توسّعت المدينة، خصوصاً حول ضفّتي نهر أبو علي، من دون دراسات جيولوجية أو تخطيط بنيوي يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأرض والمخاطر الطبيعية. فنَشئت أحياء سكنية في مناطق مهددة بالفيضانات أو الانزلاقات الأرضية، من دون تجهيز البنى التحتية الملائمة أو إجراء تقييمات للمخاطر، ما جعلها عرضة للانهيارات، خاصة أثناء الطقس القاسي أو الزلازل.
- إشكالية تصنيف المناطق وقوانين البناء: تخضع المدينة القديمة في طرابلس لتصنيف كامل كموقع أثري، ما يقيّد التدخلات العمرانية الضرورية. هذا التصنيف يفرض قيوداً تنظيمية صارمة تعيق أعمال الترميم أو التكييف العمراني مع احتياجات السكان. كما أن النسيج المعماري المتراكم والمعقّد يتطلّب صيانة دقيقة ومنتظمة، وهي غير ممكنة في ظل غياب أي خطة تمويل شاملة من الدولة أو البلدية أو المديرية العامة للآثار2 لقراءة المزيد: طرابلس: مدينة أثرية على حساب سكانها • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio تُبيّن هذه المقالة كيف أن تصنيف المدينة القديمة كموقع أثري يُستخدم كأداة تنظيميّة تُقيّد السكان وتمنعهم من الترميم، ما يؤدي إلى تعميق التهالك البنيوي..
في هذا السياق، تُعَدّ الاحياء التاريخية مثل تحت السباط وضهر المغر مثالاً حيًّا على هذه الإشكالية. فحي “تحت السباط” مثلاً، هو مزيج بين الطابعين المملوكي والعثماني القديم ويتميّز ببنيته المتشابكة، أزقته الضيّقة، ومبانيه المتلاصقة. ورغم حاجته الماسّة إلى أعمال تدعيم وترميم، فإن تصنيفه كجزء من المدينة الأثرية يجعل أي تدخلات من قبل السكان أو الجمعيات محفوفة بالعقبات الإدارية والقانوني.، حيث تتطلّب الإجراءات موافقات معقدة من المديرية العامة للآثار، غالباً ما تستغرق وقتاً طويلاً أو تُرفض دون تقديم بدائل.
أما ضهر المغر، وهو أحد أقدم أحياء المدينة وأكثرها هشاشة، فيشهد إهمالاً مضاعفاً. يُعاني الحيّ من بنية تحتية مهترئة ومبانٍ متصدعة، بينما يعجز السكان عن إجراء تعديلات أساسية لتحسين ظروف عيشهم3تُسلّط المقالة الضوء على الانهيارات المتكررة، وتقدّم مثالًا عن حي ضهر المغر كمنطقة مهمّشة تعاني من غياب التخطيط الحضري الفعّال والإهمال الرسمي. انهيار المبنى السكني في الميناء يستدعي ثورة على التنظيم المدني • استوديو أشغال عامّة . فحتى النوافذ أو الحمّامات أو خطوط الكهرباء، لا يمكن تجديدها دون المرور بإجراءات بيروقراطية خانقة. وفي ظلّ غياب دعم مالي، تُترك المباني لمصيرها، وتُحمّل مسؤولية الحفاظ على “الطابع التراثي” لسكان يعيشون في ظروف اقتصادية هشّة.
إن تجميد هذه الأبنية تحت غطاء “الحفاظ على التراث” دون تقديم بدائل أو حلول واقعية، يحوّل التراث إلى عبء على السكان بدلاً من أن يكون مصدر حماية وحفظ للنسيج العمراني الاجتماعي ولطرق العيش المحلية.
من ناحية أخرى، على غرار المدن اللبنانية الكبرى مثل بيروت وصيدا وصور، تشكّلت في طرابلس وعلى أطرافها مناطق سكنية غير رسمية على امتداد العقود الماضية، نتيجة تراكم ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية قاهرة. ففي خمسينات القرن الماضي، تسبب طوفان نهر أبو علي بتهجير مئات العائلات، ممّا دفع كثيرون منهم للانتقال إلى الضفة الغربية للنهر، وشكّلوا لاحقاً أحياء سكنية غير مخططة على أملاك عامة وخاصة. كما ساهمت موجات النزوح من الأرياف والمناطق المهمشة، في ظل غياب سياسات إسكان عادلة، إلى توسّع هذه المناطق. هذا إضافة إلى تبعات الحرب الأهلية اللبنانية ومعارك طرابلس في الثمانينات ومطلع التسعينات، التي أرغمت أعداداً كبيرة من السكان على الانتقال إلى أماكن جديدة داخل المدينة أو في محيطها، وتوطّنوا فيها بشكل دائم رغم أن نشأتها كانت ناتجة عن ظرف طارئ.
اليوم، تحتوي طرابلس والميناء على أكثر من عشر مناطق غير رسمية رئيسية، منها: حي التنك، حوش العبيد، الحارة الجديدة، المساكن الشعبية، رأس الصخر، الغرباء، مشروع الحريري، المنكوبين (الأترنيت والعمار)، ومخيّم البداوي للاجئين الفلسطينيين وما يحيط به من سكن غير رسمي. كما تتداخل مناطق السكن غير الرسمي في بعض الأحياء الرسمية داخل المدينة نفسها، ما يوسّع من رقعة الهشاشة الحضرية. تعاني هذه المناطق من هشاشة إنشائية حادّة، حيث شُيّدت غالبية مبانيها من دون أي إشراف هندسي، وتفتقر إلى البنى التحتية والخدمات الأساسية، وتُبنى غالباً بمواد غير دائمة أو بشكل تدريجي بحسب الإمكانيات المحدودة للقاطنين. كلّ ذلك يجري في ظل غياب أي اعتراف رسمي بوجود هذه الأحياء، ما يعفي السلطات العامة والمحلية من مسؤولياتها في التخطيط، والخدمات، والترميم، وبالتالي يترك البيئة العمرانية فيها مهدّدة بشكل مستمر.
وبالرغم من أن طرابلس شهدت العديد من المشاريع والخطط التي سعت لرسم “رؤية حديثة” للمدينة، إلا أن هذه الرؤى جاءت نتيجة تخطيط مركزي مفصول عن حاجات السكان الفعليين، ولم تدرج هذه المناطق غير الرسمية ضمن نسيج المدينة ولا اعترفت بها كجزء عضوي من واقعها العمراني. فبدلاً من دمجها وتطويرها، غالباً ما عوملت هذه الأحياء كمصادر “تشويه بصري” أو “تعديات” على المدينة الرسمية. خير مثال على هذا التهميش، ما حصل في حي التنك4 يُبرز هذا المقال كيف تحوّلت أدوات التخطيط في طرابلس، كالمشاريع العقارية والضم والفرز، من أدوات تنموية إلى أدوات تهجير مموّهة، كما حصل في حي التنك حيث وُضع السكان في مواجهة دائمة مع خطر الطرد والتهميش. السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio، أحد أكثر الأحياء غير الرسمية هشاشة. فقد شهد هذا الحي مشروع ضمّ وفرز، بدل أن يوفّر أمن حيازة لسكانه ويحسّن ظروف سكنهم، تحوّل إلى تهديد فعلي لطردهم، خاصة مع غياب الشفافية وضمانات المشاركة المحلية. هكذا، بدلاً من أن يكون التخطيط أداة للعدالة الحضرية، أصبح مشروع الضم والفرز أداة لإعادة إنتاج الإقصاء وشرعنة التهجير.
وتتعمّق أزمة الأبنية المتصدعة في طرابلس في سياق اجتماعي واقتصادي بالغ الهشاشة، يجعل من الحفاظ على المباني مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لغالبية السكان، ولا سيما المالكين. تُعدّ المدينة من الأفقر على مستوى لبنان، حيث تشير تقارير دولية5 تقرير البنك الدولي Lebanon Economic Monitor إلى أن أكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، بحسب مؤشّر الفقر المتعدد الأبعاد للبنك الدولي، والذي أظهر تفاوتات مناطقية كبيرة، مع تمركز واضح للفقر في المناطق الشمالية مثل طرابلس6أظهر مؤشّر الفقر المتعدد الأبعاد أن 53% من السكان أصبحوا فقراء بعد الأزمة، مع تمركز الفقر في طرابلس والمناطق الشمالية. لبنان: مؤشر الفقر متعدد الأبعاد: 53% من السكان كانوا فقراء قبل الأزمة . كما تعاني بعض الأحياء من معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى 50%، خاصة بين فئات الشباب والنساء، بحسب تقرير اقتصادي صدر في 2017 عن أوضاع الأحياء الأكثر تهميشًا في المدينة7تصل معدلات البطالة في بعض مناطق طرابلس إلى 50%، ما يعكس حجم التهميش الاقتصادي. 50 percent unemployment in Tripoli poor areas. Chronic illnesses are the most commonly reported health condition – Lebanon.
هذا الواقع المعيشي القاسي يُلقي بظلاله مباشرة على قدرة العائلات على إجراء صيانة منتظمة لمنازلها، أو حتى المساهمة في تكاليف الترميم الجماعي للأبنية المهددة. ويزداد الوضع تعقيداً في ظل انتشار الإيجارات القديمة في أحياء طرابلس التاريخية، حيث تسود عقود الإيجار الممتدة منذ عقود طويلة. في هذا السياق، يُجبر المالك على تقاضي بدلات إيجار زهيدة لا تكفي لتغطية أبسط تكاليف الصيانة، بينما لا يتحمّل المستأجر أي مسؤولية مباشرة عن صيانة الهيكل الخارجي للمبنى. هذه العلاقة غير المتكافئة تجعل الأبنية عرضة للإهمال البنيوي المتراكم.
إلى جانب ذلك، أدّى الانهيار الاقتصادي المستمر منذ عام 2019 إلى تآكل القدرة الشرائية للسكان، وارتفاع تكاليف مواد البناء وأجور العمال إلى مستويات غير مسبوقة. في طرابلس تحديداً، حيث معدلات الفقر هي الأعلى في لبنان، لم يعد بالإمكان تحمّل أعباء الترميم، حتى بالنسبة لأولئك الراغبين بذلك8مع تدهور قيمة الليرة اللبنانية، لم يعد بإمكان معظم السكان تحمّل كلفة الصيانة. In Lebanon’s Tripoli, residents hunger for economic revival . ووفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية، فإن آلاف السكان يعيشون اليوم في مساكن غير آمنة، خاصة في المناطق الأكثر تهميشاً، وسط غياب أي خطط رسمية لحمايتهم أو دعمهم في أعمال الصيانة الضرورية9تُظهر تقارير حقوقية أن آلاف السكان في طرابلس يعيشون في مساكن غير آمنة، دون تدخل رسمي. Lebanon: Thousands in Tripoli living in unsafe housing a year on from devastating earthquakes – Amnesty International .
في هذا الواقع، لا يمكن وصف الإهمال البنيوي بأنه ناتج عن تقاعس الأفراد، بل هو نتيجة مباشرة لمعادلة قسرية يفرضها الإفقار المستمر، وغياب السياسات العامة الداعمة، وفشل السلطة المحلية في لعب دورها في حماية البيئة العمرانية.
خريطة الخطر: ٣٧ حالة، وعائلات على حافة الانهيار

بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، وثّق مرصد السكن في استديو أشغال عامة ٣٧ حالة لمبانٍ مهدّدة بالانهيار في طرابلس. توزّعت هذه الحالات على أحياء المدينة كما يلي: باب الرمل (٨ حالات)، الزاهرية (٧ حالات)، باب التبانة (٥ حالات)، أبو سمرا (٥ حالات)، جبل محسن (٤ حالات)، إلى جانب ٧ حالات أخرى في مواقع متفرّقة أخرى مثل شارع سوريا والعجم وعزمي، وحالة واحدة في كل من الميناء والبداوي. يُظهر هذا التوزيع انتشار التهديد البنيوي بشكل واسع، مع تركّز ملحوظ في الأحياء التي تعاني من التهميش والكثافة السكانية.
في هذه الحالات، رُصدت مظاهر خطرة ومتكررة، من تصدعات عميقة في الجدران والأعمدة، وانهيارات جزئية في الشرفات، ترهّل في الأسقف، تسربات دائمة لمياه الشتاء، وهبوط في الأرضيات نتيجة تآكل الأساسات. وقد بلغ مستوى التهديد ذروته في ١١ حالة، حيث كان الخطر إنشائياً والانهيار ممكناً ووشيكاً، ويستدعي إخلاءً فورياً أو تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة.
إحدى أبرز هذه الحالات كانت حالة بناية حسني في منطقة باب التبانة، وهي مبنى قديم من ثلاثة طوابق يضم ست شقق، يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من ثمانين عاماً. ظهرت فيه تصدعات كبيرة في الجدران الحاملة، وسقطت أجزاء من شرفة في الطابق الثاني. أفاد السكان أنهم شعروا باهتزازات متكرّرة في الهيكل عند مرور المركبات الثقيلة، وتزايدت مخاوفهم مع كل هطول مطر. وقد أجري كشف إنشائي من قبل مهندس خلُص إلى أن سلامة المبنى مهددة بشدة، وأوصى بإخلائه فوراً.
في ٩ حالات أخرى، لم يكن الانهيار وشيكاً، لكن ظروف السكن وصلت إلى مستوى تهديد مباشر للصحة والسلامة العامة، نتيجة للرطوبة العالية، سوء التهوية، وتسرب مياه الصرف الصحي إلى داخل الشقق.
من بين هذه الحالات، يمكن الإشارة إلى حالة بناية المصري في حي الزاهرية، وهو مبنى من أربعة طوابق يضم ثماني شقق، يعود بناؤه إلى ستينيات القرن الماضي. كان السكان يعانون من تسرب مزمن لمياه الأمطار من السطح، ما أدّى إلى انتشار الرطوبة وتلف الأسقف الداخلية، بالإضافة إلى تسرّب مياه الصرف الصحي في الطابق الأرضي، ممّا تسبّب بروائح كريهة وتكاثر الحشرات. أبلغ الأهالي عن حالات مرضية متكررة بين الأطفال نتيجة البيئة السكنية المتدهورة، خصوصاً أمراض الجهاز التنفسي. وعلى الرغم من عدم إجراء كشف إنشائي رسمي، إلا أن السكان حاولوا التواصل مع البلدية من خلال تقديم شكاوى وشهادات شخصية حول خطورة الوضع.
فخلف هذه الجدران المتصدعة، حياة كاملة لنساء ورجال وأطفال يكافحون يومياً من أجل البقاء. لا يقتصر الخطر على تشققات شكلية في الإسمنت، بل يشمل تهديداً مباشراً لحياة الناس وسلامتهم، ويُعرّضهم لخطر التهجير القسري في حال حصول أي انهيار. في كثير من الحالات، يعيش السكان في خوف دائم من لحظة الانهيار التالية، ما يجعل مستقبلهم السكني غامضاً، في ظل غياب شبه كامل للأمن السكني أو أي بدائل توفّرها الدولة.
في إحدى أكبر الحالات الموثقة، مثلاً، تتضمن بناية في منطقة الزاهرية ما يزيد عن ١٤ شقة مأهولة، يأوي معظمها عائلات من خمس إلى سبع أفراد. ممّا يعني بأن أكثر من ٧٠ شخصاً، بينهم أطفال، مرضى، ومسنون، يعيشون وسط خطر يومي بانهيار المبنى فوق رؤوسهم. وفي مبانٍ أخرى، تم تسجيل وجود ذوي احتياجات خاصة عاجزين عن مغادرة المبنى بسرعة، ما يرفع من مستوى الخطر.
وعقب الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا في شباط 2023، وتحديداً خلال الأسابيع التي تلت ارتداداته في مدينة طرابلس، وثّق مرصد السكن مجموعة من الحالات التي أظهرت مدى ضعف البنية السكنية في عدد من الأحياء الشعبية، وغياب أي استجابة رسمية جدية. ففي حي الشلفة بأبي سمراء، تساقطت أجزاء من سقف شقة مأهولة في الطابق الخامس، تسكنها أم وأطفالها الثلاثة، ما دفع الجيران للتواصل مع البلدية. وبعد يومين، حضر موظف بلدي لإجراء كشف بصري سريع، من دون تقديم أي تقرير مكتوب أو اتخاذ إجراءات فعلية. لاحقاً، تفاقمت الأضرار وتشقّق السقف بشكل أوسع، لتُبلّغ العائلة لاحقاً بضرورة الإخلاء على مسؤوليتها الخاصة، من دون توفير بدائل أو دعم.
وفي حالة أخرى في الزاهرية، سجّل المرصد تقدّم السكان بشكوى خطيّة إلى البلدية بعد ملاحظة تصدعات في أعمدة البناء، لكن الطلب قوبل بالتجاهل لأكثر من شهر، رغم استمرار التدهور. خلال تلك الفترة، بدأ سكان المبنى يتناوبون على السهر ليلاً، خوفاً من انهيار مفاجئ، في ظل غياب أي تدخل تقني أو هندسي رسمي. في مناطق أخرى، مثل باب التبانة وأبو سمرا والميناء، أُبلغ عن تشققات ظهرت بعد الزلزال، دون أن يتبعها أي تقييم أو مسح ميداني.
مع تكرار الهزات الارتدادية خلال العام، وازدياد العوامل المناخية مثل الأمطار الغزيرة وضعف شبكات الصرف، وتسرّب المياه إلى الأساسات، تزايدت خطورة هذه الحالات وتكرّرت الإنذارات من الأهالي، من دون أن تواكبها استجابة على مستوى التهديد. أدّت الطبيعة دورها في تأزيم الوضع في ضعف المباني أو قدمها، لكنها لم تكن وحدها، بل تواطأت معها بنية سلطوية قائمة على الإهمال المزمن وغياب التخطيط الاستباقي. وبحسب تقرير “الزلزال الذي لم يحدث” الذي أصدرناه سابقاً، فإن تحييد السلطة المركزية نفسها عن هذه القضية ليس نتيجة ضعف إداري فحسب، بل يعكس توجّهاً مستمراً في تهميش المناطق الطرفية، وإقصائها من السياسات العامة والخطط الوطنية، ولطالما كانت طرابلس مثالاً واضحاً على هذا الإقصاء.
وتُظهر بيانات مرصد السكن أن المتضرّرين في الحالات الـ٣٧ الموثقة هم في الغالب من الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة: عائلات نواتية تضم أطفالاً ومسنين، أفرادٌ يعانون من أمراض مزمنة، وأشخاصٌ من ذوي الاحتياجات الخاصة، يعيشون جميعاً في مساكن تفتقر إلى شروط الأمان الإنشائي والصحي. وبحسب التقديرات التقريبية، بلغ عدد الشقق المتضررة في المباني المهددة بالانهيار أكثر من ٣٠٠ شقة، ما يعني أن عدد السكان المعرّضين للخطر قد يتراوح بين ٥٠٠ و٦٠٠ شخص. هذا الرقم لا يُظهر فقط حجم الكارثة المحتملة، بل أيضاً مدى تقاعس الدولة عن حماية الحق في السكن الآمن والمستقر.
في عدد من الحالات، تترأس النساء، إمّا أرامل أو مطلقات، هذه الأسر، ويعشن مع أطفالهن في هذه المنازل الآيلة للسقوط، ويتحملن العبء الاقتصادي والمعنوي في غياب أي دعم رسمي. وقد وثّق المرصد ما لا يقل عن خمس حالات من هذا النوع، ما يسلّط الضوء على هشاشة هذه الفئة تحديداً في ظل انعدام شبكات الحماية. في حالات أخرى، وُثق ما لا يقل عن ثلاث أسر لاجئة من سوريا تعيش في مساكن غير رسمية وغير مرخصة، من دون أي حماية قانونية، ما يجعلها في موقع هش أمام أصحاب العقارات والسلطات المحلية على حد سواء. تعكس هذه الحالات أيضاً واقع الفقر المدقع الذي تعيشه شرائح واسعة من السكان. كما يسكن عدد من المالِكين الذين يعجزون عن صيانة ممتلكاتهم بسبب الضائقة الاقتصادية هذه المباني المهددة بالانهيار.
يتراوح الإيجار الشهري المدفوع بين ٣٠٠ ألف ومليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل ١٠ إلى ٣٠ دولاراً حسب سعر الصرف، وهو مبلغ بسيط ظاهرياً، لكنه يشكّل عبئاً هائلاً في ظل تدني معدلات الدخل. تشير الشهادات الميدانية إلى أن بعض الأسر تنفق أكثر من ٥٠٪ من دخلها على السكن، ما يتركها عاجزة عن تأمين أساسيات الحياة الأخرى كالغذاء والدواء والتعليم. في إحدى الحالات الموثقة في منطقة التبانة، تعيش عائلة من سبعة أفراد في غرفة واحدة داخل مبنى مهدد بالانهيار، مع دورة مياه مشتركة مع الجيران وسقف يتساقط جزء منه كل شتاء. في حالة أخرى، رفض السكان إخلاء منازلهم رغم تقارير هندسية تؤكد خطورة الوضع، ليس عن جهل أو إنكار، بل لأنهم لا يملكون ببساطة مكاناً آخر يذهبون إليه، ولا يثقون بأي وعود بالإيواء المؤقت أو التعويض.
عن غياب الإجراءات الرسمية لحماية السكان


لم يقتصر تحييد السلطات المركزية والمحلية نفسها عن قضية المباني المتدهورة على فترة حصول الزلزال وهزّاته الارتدادية. بل تُظهر الحالات الموثّقة، قبل الزلزال وبعده أيضاً، أن الاستجابات الرسمية غالباً ما كانت شكلية أو غير كافية أو متأخّرة بشكل خطير. في حالات كثيرة، اكتفت بلدية طرابلس بإرسال فرق هندسية للمعاينة، دون أن يُرفق ذلك بأي تقرير فنّي هندسي مفصّل أو توصية واضحة بالإخلاء أو الترميم. في حالات أخرى، لم يتم التجاوب إطلاقاً رغم التبليغات والشكاوى المتكرّرة من السكان، وهو ما أدّى إلى تدهور الوضع تدريجياً وصولاً إلى تشكيل خطر مباشر.
في النصوص القانونية، تقع المسؤولية الأساسية عن سلامة المباني على عاتق المالك. فالمادة 133 من قانون الموجبات والعقود (القانون 0/1932) تُحمّل المالك تبعة أي ضرر ينشأ عن هبوط أو تهدّم البناء، سواء كان السبب نقصاً في الصيانة، أو عيباً في البنيان، أو تقادماً في عهده. وتُعزّز المادة 18 من قانون البناء (رقم 646/2004) هذا الواجب، إذ تُلزم المالكين بصيانة عقاراتهم وترميمها وتدعيمها وتقويتها لضمان متانتها واتزانها، حفاظاً على سلامة الشاغلين والجوار. وفي حال كشف تقرير المهندس عن خلل في اتزان البناء أو متانته، يصبح لزاماً على المالك إجراء أعمال التدعيم اللازمة فوراً وعلى نفقته ومسؤوليته، مع إبلاغ البلدية أو السلطات المختصة دون إبطاء. أمّا بالنسبة للمباني التراثية المسجلة على لائحة الجرد العام، فتقع مسؤولية صيانتها وترميمها وتدعيمها على عاتق من يملكها أيضاً، وذلك وفقاً لقانون حماية الآثار “نظام الآثار القديمة”10الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio. إلا أن تقاعس المالكين عن القيام بهذه التصليحات، سواء لأسباب مادية أو غيرها، لا يُعفي الإدارات الرسمية من مسؤولياتها القانونية، وضرورة اتخاذ الإجراءات التي تقع ضمن صلاحياتها لحماية السلامة العامة وتأمين الأمن السكني للسكان.
في الواقع، تُناط بالبلديات مسؤوليات أساسية في ما يتعلّق بسلامة الأبنية وصيانتها، وفق ما نصّت عليه المادة 74 من قانون البلديات (مرسوم اشتراعي رقم 118/1977)، التي أعطت رئيس السلطة التنفيذية في البلدية صلاحية هدم المباني المتداعية وإصلاحها على نفقة أصحابها، وفقاً لأحكام قانون البناء. كما تمنح المادة 18 من قانون البناء البلديات صلاحيات مباشرة في فرض الصيانة والترميم على المالِكين، وفي حال تمنّعهم، يحقّ للبلدية بعد توجيه إنذار، المباشرة بتنفيذ هذه الأعمال على نفقتهم. وفي الحالات الطارئة التي تهدّد السلامة العامة، يمكن للبلدية أن تُخلي السكان وتنفّذ الهدم الفوري للمبنى. أمّا في حال عدم قدرة المالِك على الترميم، فلا تقع مسؤولية الترميم على عاتق أي جهة أخرى11للإطلاع على تفصيل صلاحيات البلديات في التدخل بهدم أو إصلاح المباني المتداعية، يُرجى مراجعة مقال منشور من قبل “استوديو أشغال عامة” بعنوان: “انهيار المباني: الأسباب الرئيسية ودور البلدية”، متاح عبر الرابط: الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني .
وتتحمّل البلدية أيضاً، بموجب المادتين 49 و50 من قانون البلديات، مسؤولية تأمين مساكن بديلة أو شعبية للسكان عند الضرورة، بما يشمل الحالات الناتجة عن كوارث أو انهيارات مبانٍ. أما الهيئة العليا للإغاثة، فتُعتبر الجهة المركزية المكلّفة بإدارة الكوارث، بحسب مرسوم إنشائها، بما في ذلك حالات انهيار المباني أو خطر انهيارها. وتُحمّل هذه الهيئة مسؤولية تأمين مساكن بديلة للمتضرّرين أو تقديم بدلات إيواء مناسبة تحفظ الأمن السكني لهم. ويقع ضمن مهامها أيضاً التنسيق مع الوزارات المعنية واتخاذ الإجراءات العاجلة، بناءً على إحالات من مجلس الوزراء12يتناول تقرير “استوديو أشغال عامة” حول “انهيار المباني ومصائر السكان” مسؤوليات مختلف الجهات الرسمية، بما فيها البلديات والهيئة العليا للإغاثة، في تأمين السكن البديل في حالات الخطر، ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط: ما بعد إنهيار المباني: ما مصير السكان المتضرّرين؟ .
تشير عدّة حالات موثّقة إلى تقاعس واضح من قبل البلديات والهيئة العليا للإغاثة عن التدخل في الوقت المناسب، رغم توفّر مؤشرات خطيرة حول تدهور الحالة الإنشائية للأبنية وسوء ظروف السكن. ففي منطقة التربيعة في طرابلس مثلاً، تقطن عائلة موسّعة في مبنى قديم مؤلّف من طابقين، يعاني من تصدّعات ومشاكل إنشائية، وسط ظروف سكنية غير صحية. ورغم أن التهديد واضح على السلامة العامة، لم تُسجَّل أي خطوة من البلدية للكشف الفني أو لتأمين سكن بديل، كما لم تبادر الهيئة العليا للإغاثة إلى تقديم أي نوع من الإيواء أو الدعم السكني، على الرغم من صلاحياتها الواضحة في هذا السياق.
وفي منطقة الشلفة – أبو سمرا، أدى تضرّر مبنى مأهول من جرّاء الهزّة الأرضية إلى تشقّقات تهدد سلامته، واضطرت عائلة إلى البقاء خارج المنزل لعدّة أيام خوفاً من الانهيار. ورغم التواصل مع الجهات الرسمية، لم تتخذ البلدية أي تدابير ملموسة، لا من حيث الكشف الفني ولا من ناحية تأمين البدائل، واقتصر التفاعل على إنذارات عامة دون تنفيذ فعلي، ما ترك السكان عرضة للخطر.
هذا التراخي لا ينسجم مع الصلاحيات التي يمنحها القانون للبلديات، والتي تخوّلها اتخاذ قرارات سريعة تتعلّق بالإخلاء، الترميم أو حتى الهدم الفوري عند وجود خطر داهم. أما على مستوى الهيئة العليا للإغاثة، فغيابها عن مثل هذه الحالات يتعارض مع دورها المفترض في إدارة الكوارث وتأمين الحماية السكنية للمتضررين. وقد وُثّق في إحدى الحالات المعرّضة للانهيار في القبة أن بلدية طرابلس اشترطت التغطية الإعلامية وتحويل قضية المبنى إلى “رأي عام” مقابل تدخّلها، ما يشير إلى أن البلدية تتعامل مع قضايا السلامة العامة كفرص دعائية بدلاً من كونها مسؤوليات قانونية فورية ومُلزمة13وثّق “استوديو أشغال عامة” في تقريره حول الأداء البلدي الإعلامي حالة طالبت فيها بلدية طرابلس بالتغطية الإعلامية أثناء تنفيذ قرار هدم، وذلك في مادة منشورة بعنوان: “بلدية طرابلس تطالب بالتغطية الإعلامية”، متاحة عبر الرابط: بلدية طرابلس تشترط الدعاية الإعلامية مقابل حماية أرواح السكان • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio .
الواقع أن البلديات، وعلى رأسها بلديتي طرابلس والميناء، تميلان إلى تبرير تقاعسهما بذريعة ضعف الموارد أو “عدم الاختصاص القانوني”، وهو ما عبّر عنه أحد السكان بقوله “البلدية دايماً بتحس عندهم قرون استشعار بس ما بيتحركوا إلا ليرفعوا المسؤولية عن حالهم.” إذ غالباً ما يتم تحويل المسؤولية إلى وزارة الأشغال العامة أو نقابة المهندسين، لتعود هذه الجهات وتحيل الملف إلى البلديات نفسها. والواقع أيضاً، أن الهيئة العليا للإغاثة تميل إلى تبرير تقاعسها عن التدخّل بحجّة أنها لا تستطيع التحرك إلا بناءً على تكليف مباشر من مجلس الوزراء، وعلى أن يُخصّص لها اعتماد مالي يُمكّنها من التدخّل. وفي هذا السياق، صرّح اللواء محمد خير، الرئيس السابق للهيئة، بأن ميزانيتها بعد الانهيار الاقتصادي بالكاد تكفي لتغطية رواتب موظفيها العشرين، وبالتالي فإنها غير قادرة على تأمين بدلات الإيواء للأسر التي تعيش في مبانٍ مهددة بالسقوط، إلا في حال توفر دعم دولي14 للإطلاع على تفاصيل التصريحات الرسمية حول إمكانيات الهيئة العليا للإغاثة وحدود تدخلها، يُرجى مراجعة تقرير “استوديو أشغال عامة”: “انهيار المباني ومصائر السكان” ما بعد إنهيار المباني: ما مصير السكان المتضرّرين؟ . هذه الدورة من التراشق البيروقراطي لم تنتج سوى حالة شلل مؤسسي وضعت السكان في قلب معادلة مستحيلة: الخطر قائم، ولا أحد يتحمل مسؤولية مواجهته.
أمّا على الصعيد الوطني، فالحكومة كانت تتعامل مع الملف بمنطق اللامبالاة. الإعلانات الرسمية، كتصريح وزارة الأشغال العامة عام 2024 بنيّتها تنفيذ مسح وطني شامل للأبنية المتصدعة، بقيت حبراً على ورق، دون أي خطوات عملية أو ميزانيات مرصودة. هذه الإعلانات، بدل أن تطمئن السكان، باتت رمزاً لتخلي الدولة عن دورها، وكأن السكن ليس من ضمن مسؤولياتها الأساسية.
والأخطر من ذلك أن التلكؤ في إنتاج سياسة سكنية واضحة يتحوّل إلى شكل من أشكال التواطؤ البنيوي، حيث يُعاد إنتاج الخطر عبر الصمت الرسمي والجمود القانوني. الدولة، بعدم تحركها، لا تكتفي بالغياب، بل تشرعن، ضمناً، بيئة سكنية غير آمنة وغير عادلة تجعل الفئات الأكثر استضعافاً عرضة للعنف السكني، سواء من قبل الطبيعة أو السوق العقاري أو حتى القرارات القضائية غير المصحوبة بضمانات.
يتحوّل السكن إذذاك إلى مسؤولية فردية تقع خاصة على عاتق الأكثر استضعافاً وفقراً في لبنان، لا حقاً إنسانياً يمسّ الحق في الحياة والكرامة والأمان. والحل لا يكمن في الترقيع أو ردود الفعل الآنية، بل في تحوّل جذري في كيفية تعامل الدولة مع الحق في السكن كأولوية سياسية واجتماعية، لا كمسؤولية تُلقى على عاتق السكان وحدهم.
في وجه الانهيار لجنة الحق في السكن في طرابلس: مسار نضالي
أمام هذا الواقع الذي لا يتجلّى بالانهيار الفعلي فقط، بل يتجلى في صيغ أخرى، بدايةً من التأخير المتعمد في الاستجابة، في تجاهل الشكاوى، في تحميل السكان مسؤولية النجاة، وفي تركهم يواجهون الخطر بأجسادهم، دون أي حماية أو دعم، كان المجتمع المدني خط الدفاع الأخير. وقد كان لمرصد السكن في استوديو أشغال عامة و”لجنة الحق في السكن في طرابلس” دور بارز، حيث أعادا صياغة قضية البيئة المبنية المتدهورة والسكن كقضية حقوقية جماعية، لا مجرد أزمات فردية.
فبعد تلقي مرصد السكن أول أربعة بلاغات من طرابلس، تحديداً من سكان أربعة مبانٍ في ضهر المغر كان سكّانها يتخوّفون من وجود خطر إنشائي، أدرك المرصد على الفور ضرورة التأكد من وضع المباني، فكلّف مهندساً إنشائياً أجرى كشفاً بصرياً أولياً، أكّد فيه وجود علامات واضحة على خطر إنشائي وفروقات في درجة الخطورة بين مبنى وآخر. وأبرز تقرير المهندس ضرورة التدخل السريع، مقدماً اقتراحات لكيفية التدخل وتقديرات تقريبية للتكاليف. عقب هذا التقييم، جمع المرصد سكان المباني الأربعة في اجتماع حضره المهندس لشرح الوضع والمخاطر. كما دُعي إلى الاجتماع عضوان من المجلس البلدي لطرابلس آنذاك وبعض الناشطين المحليين. تبيّن خلال الاجتماع أن السكان، سواء كانوا مالكين أو مستأجرين، لا يملكون القدرة المالية على تحمّل التكاليف المُقدّرة، ولا يملكون مكاناً بديلاً للذهاب إليه. كما أبدى عضوا البلدية آنذاك رأيهما قائلَين بأنه ليس بيد البلدية شيء يمكن فعله على الفور. حاول مرصد السكن التواصل مع عدد من الجمعيات العاملة في هذا المجال للتدخل، لكن محاولاته لم تلقَ استجاب، ممّا دفع بالمرصد والناشطين الذين حضروا الاجتماع إلى استنتاج أن القضية في طرابلس جماعية ولا يمكن حلها إلا برؤية شاملة.
دفعاً بهذا الإدراك، بادر الناشطون والسكان المتضرّرين، بدعم من مرصد السكن، إلى تأسيس “لجنة الحق في السكن في طرابلس” في نهاية عام 2022.
منذ اللحظة الأولى، تبنّت اللجنة رؤية واضحة تتمحور حول تمكين الأهالي وتنظيمهم بشكل جماعي، بهدف ممارسة ضغط منظّم على السلطات المحلية لضمان حق السكن الآمن والحفاظ على حياة السكان، إضافة إلى تأمين مساكن بديلة مؤقتة لجميع المتضررين من الإخلاء أو خطر الانهيار، مع ضمان حق العودة إلى منازلهم بعد إنجاز عمليات الترميم والإصلاح.
لتطبيق هذه الرؤية، وضعت اللجنة خطة تصاعدية عملت على مراحلها بالتوازي:
- بناء قاعدة مجتمعية متينة من خلال التواصل المستمر مع المتضررين في المناطق الأكثر تضرراً، وخصوصاً في ضهر المغر، حيث تركزت جهود اللجنة.
- إطلاق حملات إعلامية توعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفرق إعلامية متخصصة، لتسليط الضوء على الأزمة وكشف تقصير الجهات الرسمية.
- تشكيل فرق عمل متخصصة لكل جانب من العمل، مثل المسح الهندسي، المتابعة الإدارية للعريضة، والأنشطة الإعلامية.
- العمل الميداني المتواصل بتنظيم لقاءات منزلية وجولات ميدانية وحوارات مع السكان لجمع بيانات دقيقة وتوحيد المطالب.
وفي هذا السياق، شكّلت الحالات الـ37 التي تم توثيقها لأبنية متصدعة أو مهددة بالانهيار منطلقاً أساسياً لتحفيز سكانها على الانخراط في العمل الجماعي، والانضمام إلى “لجنة الحق في السكن في طرابلس”. فقد تم استخدام هذه الحالات كأداة تعبئة وتنظيم، حيث جرى التواصل مع عدد من المتأثرين بها، وتشجيعهم على المشاركة في الاجتماعات المنزلية، والمساهمة في صياغة المطالب الجماعية، والتوقيع على العريضة التي رُفعت لاحقاً إلى البلدية. كما ساعد هذا التفاعل المباشر في تحديد مواقع الأولوية للتدخل الميداني، وإنتاج “أنباء من الميدان” لتوثيق الوضع وتفعيل الضغط الإعلامي.
تطلّبت بعض الحالات إلى الموقع وإعداد Field Watch (أنباء من الميدان) لتوثيق الوضع ونشره بهدف تحريك الرأي العام. في حالات أخرى، تم توجيه السكان المتأثرين للانضمام إلى اللجنة والانخراط في الاجتماعات العامة، وهو ما سمح بتوسيع قاعدة الضغط الشعبي. كما ساهمت بعض هذه الحالات في بلورة مضمون العريضة التي جمعت توقيعات الأهالي، وتم تسليمها لاحقاً للبلدية. هذه العملية لم تكن فقط أداة ضغط، بل شكلت تمريناً عملياً على التنظيم الجماعي والمشاركة الشعبية في المطالبة بالحقوق.

الإنجازات العملية للجنة
- تشكيل فريق نواة مكوّن من ثمانية ناشطين وناشطات قادوا بشكل دؤوب تنظيم الاجتماعات وتحريك العمل الميداني، ووضع آليات واضحة للعمل الجماعي.
- تنظيم خمس اجتماعات منزلية في ضهر المغر حضرها عدد كبير من السكان، ما ساعد على تعميق الوعي وتوثيق حالات الخطر، وأسفرت هذه اللقاءات عن جمع 150 توقيعاً على عريضة رسمية موجهة إلى بلدية طرابلس للمطالبة بالتدخل الفوري.
- تنظيم وقفة احتجاجية في أيار 2024 أمام مبنى البلدية، تم خلالها تسليم العريضة إلى رئيس البلدية بحضور الإعلام المحلي، ممّا أكسب القضية اهتماماً أكبر وغطاءً إعلامياً مهماً.
- إطلاق صفحات رسمية على منصات التواصل الاجتماعي وتشكيل فريق إعلامي بدأ بإنتاج محتوى توعوي وتوثيقي متنوع، يشمل فيديوهات، تقارير مكتوبة، وصور توثق حالة المباني والوقائع الميدانية.
- التعاون مع مؤسسات مدنية مثل “استوديو أشغال عامة” و”مؤسسة أهل” لتنفيذ تدريبات متخصصة في مجال التنظيم المجتمعي، الإعلام المجتمعي، وحقوق السكن، مما رفع من كفاءة أعضاء اللجنة وقدرتهم على إدارة حملاتهم ونشاطاتهم.
- تشكيل فرق عمل متعددة حسب الحاجة، منها فريق المسح الهندسي الذي قام بجمع بيانات ميدانية دقيقة حول حالة المباني المهددة، وفريق متابعة العريضة وفريق الإعلام، مما ساهم في تنظيم العمل بشكل منهجي وعملي.
وقد شكّل التعامل مع الحالات فرصة لتجربة أدوات التدخل المختلفة وتقييم فعاليتها، كما ساعد على تحديد الفجوات في الاستجابة الرسمية، وتوجيه النقاش العام نحو ضرورة وجود سياسة إسكانية عادلة تضمن الحق بالسكن الآمن للجميع.
التحديات والصعوبات
واجهت اللجنة عدة تحديات على المستويات المختلفة، منها:
- غياب تجاوب فعلي من البلدية رغم التواصل المستمر.
- ضعف التنسيق مع نقابة المهندسين التي كان من المتوقع أن تكون شريكاً فنياً داعماً.
- صعوبة تحفيز عدد كافٍ من المتضررين للانخراط في العمل الجماعي بسبب الخوف أو عدم الثقة أو الانشغال اليومي.
- ظروف سياسية وأمنية معقدة، منها الزلزال الذي ضرب لبنان وتداعيات التصعيد العسكري الإسرائيلي، مما أثر سلباً على قدرة الحركة المجتمعية.
التميّز في نموذج العمل
رغم هذه التحدّيات، نجحت اللجنة في ترسيخ نموذج نضالي محلي قائم على التنظيم والضغط المجتمعي، يتميّز بالقدرة على:
- التحرك الميداني المستمر والمركّز على المناطق المتضرّرة.
- بناء تحالفات مع فاعلين محليين ومدنيين.
- التكيّف مع المعطيات والتغييرات السياسية والأمنية.
- إعادة تفعيل نشاط اللجنة بسرعة استجابةً لأي تطورات جديدة مثل انتخاب بلدية جديدة أو صدور مقررات حكومية خاصة بقضية المباني المهددة في طرابلس.
هذا النموذج يمثّل خطوة نوعية في حماية حق السكن وتأمين حياة آمنة لأهالي طرابلس، ويضع أساساً قوياً لاستمرار العمل والنضال على هذا الملف الحساس.
الواقع والممكن
لقد كشف هذا التقرير، من خلال توثيق حالات المباني المتهالكة ونقل أصوات السكان المتضررين وتحليل الأسباب وراء تدهور البيئة المبنية في طرابلس، عن واقع مرير تعيشه المدينة. وهو واقع لا يتجلّى بالانهيار الفعلي للمباني فحسب، وهو النقطة النهائية للكثير من العمليات، بل يتبلور أيضاً من خلال التأخير بالاستجابة الرسمية، في تجاهل الشكاوى المتكررة، وفي تحميل السكان مسؤولية النجاة بأنفسهم، وتركهم يواجهون الخطر بأجسادهم دون أي حماية أو دعم يذكر.
على ضوء المقرّر الحكومي، يتضح أن الاعتراف الرسمي بالأزمة بات أمراً واقعاً، غير أن هذا الاعتراف ما زال يفتقر إلى ترجمة عملية حقيقية تستجيب لها وتقوم بطرح استراتيجية واسعة تسعى لاستباق الطوارث لا الاستجابة لها فقط.
لقد جاء هذا المقرّر تتويجاً لتراكم طويل من التحركات المحلية والضغوط المجتمعية والمطالبات الحقوقية، برز فيها دور “لجنة الحق في السكن” في طرابلس كقوة دافعة رئيسية، بالإضافة إلى صدمات متتالية مثل الزلازل الأخيرة، التي فرضت واقعاً ميدانياً وإعلامياً يصعب تجاهله. وقد سبق المقرّر سلسلة من التوصيات التي طُرحت خلال اجتماعات رسمية وغير رسمية، ركزت على ضرورة تصنيف المباني وفقاً لدرجة خطورتها، إنشاء قاعدة بيانات بالشراكة مع نقابة المهندسين، إجراء مسوح اجتماعية للسكان المتضررين، وتوفير مساكن بديلة مؤقتة، إلى جانب البحث عن تمويل داخلي وخارجي لعمليات الترميم والدعم.
ورغم أن المقرّر في ظاهره يتبنى جزءاً من هذه التوصيات من خلال اقتراح مسح وطني، إنشاء قاعدة بيانات، إشراك البلديات والنقابات، وتوفير بدائل سكنية. إلا أن غياب أي توضيح لكيفية التنفيذ أو الآليات العملية المقترحة يترك فجوة واسعة بين الطرح والتطبيق، بحيث:
- لم يُحدَّد بوضوح الإطار الزمني للتنفيذ.
- لم توضع معايير شفافة لتصنيف الخطورة أو آليات للتدخل المرحلي.
- غابت آليات التمويل المفصّلة أو مصادر الدعم المؤكدة.
- بقي إشراك السكان والمجتمع المدني محدوداً أو شكلياً، مع استمرار النزعة المركزية في إنتاج السياسات.
ولا يمكن فصل صدور هذا المقرّر عن السياقات السياسية والمالية التي تحيط به، إذ يبدو أقرب إلى استجابة شكلية للضغوط الدولية المرتبطة بملفات إعادة الإعمار والمساعدات، بعد سلسلة من الأزمات مثل جائحة كوفيد-19، وانفجار المرفأ، والانهيار المالي. وهو ما يثير تساؤلات جدّية حول مدى وجود إرادة سياسية حقيقية لتطبيقه، أو ما إذا كان مجرّد محاولة لاسترضاء الجهات المانحة دون التزام فعلي بمراجعة شاملة لسياسات السكن.
في ضوء ما كشفته المعاينة الميدانية لحالات الخطر الإنشائي في طرابلس، تبرز الحاجة إلى تطبيق هذا المقرّر عبر إصدار مراسيم تطبيقية تضمن آليات التنفيذ والمساءلة القانونية وتحويله إلى مسار عملي يقوم على الاعتبارات التالية :
- إشراك فعلي للجماعات المتضررة في كل مراحل التخطيط والتنفيذ لضمان فعالية المعالجة وملاءمتها للسياقات الاجتماعية والاقتصادية الفعلية.
- تطوير معايير هندسية دقيقة وشفافة لتحديد درجات الخطورة وتفادي قرارات الإخلاء الاعتباطية أو المجتزأة.
- إنشاء هيئة تنفيذية مستقلة متعددة الاختصاصات تجمع بين الخبرة الفنية والمجتمعية وتخضع لآليات رقابة شفافة.
- تأمين تمويل مستدام من مصادر محلية مع اعتماد الرقابة المجتمعية لضمان شفافية توزيع الموارد.
- ربط المسوحات بخطط ترميم وتأهيل حقيقية تحفظ استمرارية السكن وتجنّب التهجير القسري غير المبرر.
- تعزيز قدرات البلديات والإدارات المحلية كي تتمكن من أداء أدوارها التنفيذية بشكل فعلي.
- الاعتراف بأن الحق في السكن الآمن ليس ملفاً إدارياً طارئاً، بل حق أساسي يقع في صلب مسؤوليات الدولة.
تُبيّن هذه الأزمة أن المبادرات المجتمعية، مهما بلغت من حيوية وجهد، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدور المحوري للدولة في حماية الحقوق الأساسية، خاصة تلك التي تتعلّق بالسكن. ففي مواجهة خطر يهدد حياة آلاف السكان يومياً، لا تكفي المعالجات الجزئية أو التملص البيروقراطي، بل تبرز الحاجة إلى تحوّل جذري في بنية القرار والسياسات العامة بما يضمن إدارة فعالة وعادلة لمسؤوليات الدولة تجاه الفئات الأكثر استضعافاً
إن أزمة الأبنية المتهالكة في طرابلس هي في جوهرها اختبار سياسي، حقوقي، ومؤسسي للدولة اللبنانية: إما المضي في إدارة الإهمال الممنهج أو الانتقال نحو بناء سياسات حضرية عادلة تؤمّن الحق في السكن الآمن للجميع.
المراجع:
- 1
- 2لقراءة المزيد: طرابلس: مدينة أثرية على حساب سكانها • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio تُبيّن هذه المقالة كيف أن تصنيف المدينة القديمة كموقع أثري يُستخدم كأداة تنظيميّة تُقيّد السكان وتمنعهم من الترميم، ما يؤدي إلى تعميق التهالك البنيوي.
- 3تُسلّط المقالة الضوء على الانهيارات المتكررة، وتقدّم مثالًا عن حي ضهر المغر كمنطقة مهمّشة تعاني من غياب التخطيط الحضري الفعّال والإهمال الرسمي. انهيار المبنى السكني في الميناء يستدعي ثورة على التنظيم المدني • استوديو أشغال عامّة
- 4يُبرز هذا المقال كيف تحوّلت أدوات التخطيط في طرابلس، كالمشاريع العقارية والضم والفرز، من أدوات تنموية إلى أدوات تهجير مموّهة، كما حصل في حي التنك حيث وُضع السكان في مواجهة دائمة مع خطر الطرد والتهميش. السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio
- 5تقرير البنك الدولي Lebanon Economic Monitor
- 6أظهر مؤشّر الفقر المتعدد الأبعاد أن 53% من السكان أصبحوا فقراء بعد الأزمة، مع تمركز الفقر في طرابلس والمناطق الشمالية. لبنان: مؤشر الفقر متعدد الأبعاد: 53% من السكان كانوا فقراء قبل الأزمة
- 7تصل معدلات البطالة في بعض مناطق طرابلس إلى 50%، ما يعكس حجم التهميش الاقتصادي. 50 percent unemployment in Tripoli poor areas. Chronic illnesses are the most commonly reported health condition – Lebanon
- 8مع تدهور قيمة الليرة اللبنانية، لم يعد بإمكان معظم السكان تحمّل كلفة الصيانة. In Lebanon’s Tripoli, residents hunger for economic revival
- 9تُظهر تقارير حقوقية أن آلاف السكان في طرابلس يعيشون في مساكن غير آمنة، دون تدخل رسمي. Lebanon: Thousands in Tripoli living in unsafe housing a year on from devastating earthquakes – Amnesty International
- 10
- 11للإطلاع على تفصيل صلاحيات البلديات في التدخل بهدم أو إصلاح المباني المتداعية، يُرجى مراجعة مقال منشور من قبل “استوديو أشغال عامة” بعنوان: “انهيار المباني: الأسباب الرئيسية ودور البلدية”، متاح عبر الرابط: الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني
- 12يتناول تقرير “استوديو أشغال عامة” حول “انهيار المباني ومصائر السكان” مسؤوليات مختلف الجهات الرسمية، بما فيها البلديات والهيئة العليا للإغاثة، في تأمين السكن البديل في حالات الخطر، ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط: ما بعد إنهيار المباني: ما مصير السكان المتضرّرين؟
- 13وثّق “استوديو أشغال عامة” في تقريره حول الأداء البلدي الإعلامي حالة طالبت فيها بلدية طرابلس بالتغطية الإعلامية أثناء تنفيذ قرار هدم، وذلك في مادة منشورة بعنوان: “بلدية طرابلس تطالب بالتغطية الإعلامية”، متاحة عبر الرابط: بلدية طرابلس تشترط الدعاية الإعلامية مقابل حماية أرواح السكان • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio
- 14للإطلاع على تفاصيل التصريحات الرسمية حول إمكانيات الهيئة العليا للإغاثة وحدود تدخلها، يُرجى مراجعة تقرير “استوديو أشغال عامة”: “انهيار المباني ومصائر السكان” ما بعد إنهيار المباني: ما مصير السكان المتضرّرين؟