
لا تعبر مواقع مراكز الإيواء على الخريطة عن مواقعها الحقيقية بل توزعها بحسب المناطق العقارية
رغم إعلان بدء سريان وقف إطلاق النار في لبنان في 17 نيسان 2026، لا يزال من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان وقف إطلاق النار هذا دائماً، في ظل استمرار تهجير السكان، مع وجود 141،733 نازح/ة في مراكز الإيواء حتى 16 نيسان 2026. ومن جهةٍ أخرى، وفي ظلّ الدمار الهائل الذي لحق بالمساكن، بلغ عدد الوحدات السكنية المدمّرة والمتضرّرة (كلياً وجزئياً) بين 2 آذار و7 نيسان 2026 نحو 37,836 وحدة، بحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية، يُضاف إليها ما يقارب 162,900 وحدة متضرّرة سُجّلت قبل التصعيد الأخير، وفق تقرير البنك الدولي الذي يغطي الفترة الممتدة بين 8 تشرين الأوّل 2023 و20 كانون الأوّل 2024. وبالتالي، لا يزال النزوح قائماً.
في هذا السياق، وبعد معاينة أوضاع مراكز الإيواء على صعيد بيروت الإدارية وتوزيعها الجغرافي، والتي أظهرت ثلاث إشكاليات أساسية، تتمثّل في محدودية القدرة الاستيعابية، وتأخر توسيع شبكة المراكز، والتوزيع الجغرافي غير المتكافئ داخل المدينة، إضافةً إلى الاعتماد المفرط على المؤسسات التربوية كمراكز إيواء، يتبيّن أن هذه الاختلالات تعكس أنماطاً أعمق في الاستجابة للأزمة، تُسهم في تعميق اللامساواة على مستوى المدينة.
نركّز في هذا النص على إنتاج قراءة مقتضبة لحالة مراكز الإيواء في طرابلس، وهي قراءة ضرورية لفهم ديناميات الاستجابة وأنماطها، إذ إنّ آثار الدمار والتهجير لا تنتهي مع وقف الأعمال القتالية أو مع بدء عودة بعض النازحين/ات، بل تستمرّ في تشكيل الواقع العمراني والاجتماعي، وتؤثّر على مسارات التعافي وإعادة الإعمار اللاحقة.
تراجع عدد مراكز الإيواء بين تصعيدَي 2024 و2026
منذ بداية التصعيد الإسرائيلي الجديد في 2 آذار 2026 وحتى صباح 17 نيسان، بلغ عدد مراكز الإيواء المفتوحة في طرابلس بحسب وحدة إدارة الكوارث 20 مركزاً على صعيد القضاء (بما في ذلك مركز واحد في القلمون). وقد كانت معظم هذه المراكز قد وصلت إلى قدرتها الاستيعابية القصوى. ووفق المصدر نفسه، بلغ عدد العائلات المقيمة في هذه المراكز حوالي 449 عائلة، أي ما يقارب 1900 نازح/ة، مع العلم أن هذه الأعداد انخفضت في النهار نفسه إلى 376 عائلة أي حوالي 1600 نازح/ة نظراً لإعلان الهدنة وبدء حركة العودة.
بمقارنة سريعة مع أعداد مراكز الإيواء التي تمّ فتحها عام 2024، ورغم أنّ عدد النازحين/ات خلال عام 2026 فاق بشكلٍ عام عدد النازحين/ات خلال عام 2024 وارتفع بوتيرة أسرع، يتبيّن أنّ عدد المراكز التي تمّ فتحها عام 2026 كان أقل من عام 2024، والذي بلغ أكثر من 35 مركزاً. كما أنّ جميع المراكز التي تمّ فتحها في الحالتين في طرابلس والميناء كانت حصراً مؤسسات تعليمية رسمية.
تركّز مراكز الإيواء في مناطق الهشاشة مقابل تحيّد المناطق الأعلى دخلاً
جغرافياً، توزّعت هذه المراكز على المناطق العقارية في طرابلس على النحو التالي: 5 مراكز في زيتون طرابلس، 4 في التلّ، 3 في كل من القبة وبساتين الميناء، ومركز واحد في كل من التبانة، الزاهرية، الميناء، وبساتين طرابلس. وعلى الرغم من هذا التوزيع المتنوّع نسبياً، إلا أن موقع هذه المراكز يُظهر، كما يتّضح من الخريطة، تركّزاً في المناطق التي تشهد أعلى مستويات هشاشة عمرانية، ولا سيما تلك التي تتركّز فيها المباني المنهارة كلياً أو جزئياً (22 مبنى بين كانون الأول 2019 وشباط 2026)، إضافةً إلى المباني المهددة بالانهيار والتي رصدنا إخلاء بعض منها بين كانون الثاني وشباط 2026 (18 مبنى). كما لا يشمل هذا التوزيع كامل نطاق منطقة الضم والفرز ضمن منطقة بساتين طرابلس العقارية.
في هذا الإطار، تزامن تراجع توجّه جزء من النازحين/ات إلى طرابلس مقارنةً بعام 2024 مع فترة زمنية قصيرة فصلت بين موجات انهيار المباني وقرارات الإخلاء واندلاع الحرب، ما يطرح تساؤلات حول تأثير هذه العوامل على خيارات النزوح. إضافةً إلى ذلك، يتقاطع هذا التراجع مع وجود ما لا يقل عن 114 مبنى مهدداً بالسقوط، صدرت قرارات بإخلائها ضمن خطة طوارئ نتجت عن اجتماع طارئ ضمّ رئيس الحكومة والوزراء المعنيين وبلدية طرابلس ومسؤولين في الجسمين القضائي والأمني، إلى جانب رجال دين وهيئات إغاثية.
بالعودة إلى التفاوت في التوزيع المكاني لمراكز الإيواء بحسب المناطق العقارية، يكشف هذا الواقع اختلالاً واضحاً في توزيع ضغوط الاستجابة داخل مدينة طرابلس والميناء، إذ تتحمل مناطق معينة كثافة ضغط سكاني مرتفع على بنيتها التحتية وخدماتها، في حين تبقى مناطق أخرى بمنأى شبه كامل عن هذه الضغوط. ويتّضح أن المناطق التي تحتضن العدد الأكبر من مراكز الإيواء هي نفسها المناطق التي صنّفها موئل الأمم المتحدة UN-Habitat عام 2016 فقيرة وأكثر فقراً، وحيث صلاحية البناء سيئة جداً أو سيئة، وترتفع فيها الكثافة السكانية، وهو ما تؤكده أيضاً مواقع المباني المنهارة أو المهددة بالانهيار كما سبق وأشرنا.
في المقابل، تبقى المناطق ذات الطابع السكني الحديث والأعلى دخلاً، وذات الكثافة السكانية المتدنية، شبه مستثناة من استحداث مراكز إيواء، رغم ارتفاع نسب الشغور فيها، خصوصاً ضمن منطقة الضم والفرز. فوفق بيانات دائرة الإحصاء المركزي لعام 2004، بلغت نسبة الشغور في بساتين طرابلس حوالي 11.5%، فيما أشارت دراسة التصميم التوجيهي لطرابلس والميناء وراس مسقا (2002) إلى نسب تتراوح بين 15 و17% في منطقة الضم والفرز. وبغياب بيانات محدّثة، يُرجّح أن تكون هذه النسب قد ارتفعت بفعل النمو العمراني خلال العقدين الأخيرين.
بناءً على ما سبق، يعيد التوزيع الجغرافي لمراكز الإيواء إنتاج أنماط اللامساواة داخل المدينة، ويُرسِّخ تحييداً مكانياً على أساس طبقي، يحوّل الاستجابة إلى تدخّل محصور في مناطق تعاني أصلاً من التدهور العمراني، ويُضعف مفهوم المسؤولية المجتمعية المشتركة بوصفه جهداً يشمل المدينة بأكملها.
ويتعزّز هذا التحييد من خلال الاعتماد شبه الحصري على المؤسسات التربوية الرسمية كمراكز إيواء، والتي لا تنتشر بشكلٍ متوازن داخل المدينة، ولا سيما في المناطق ذات الشغور المرتفع، كما وغياب بدائل مثل استخدام الأبنية الشاغرة العامة والخاصة، أو إنشاء مراكز إيواء مؤقتة على أراضٍ غير مبنية، بما يحدّ من مرونة الاستجابة ويُبقيها ضمن نموذج غير مستدام. وقد أظهرت تجربة عام 2024 محدودية هذا النموذج، إذ حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، لم يتمكّن العديد من النازحين/ات من العودة إلى منازلهم بسبب الدمار، ما اضطرهم إلى إخلاء مراكز الإيواء واللجوء إلى سوق إيجارات مرتفع التكلفة، ما أعاد إنتاج الهشاشة نفسها بأشكال مختلفة.
طرابلس كوجهة غير رئيسية للنزوح
في السياق نفسه، ساهمت التعاميم الصادرة عن بلديَتي طرابلس والميناء، التي اشترطت الإبلاغ المسبق عن أي حالة إسكان أو استضافة أو تأجير لنازحين/ات قبل إشغال المأجور، مع تقديم معلومات حول العنوان التفصيلي لمكان الإقامة وعدد القاطنين/ات وأسمائهم الكاملة مع صور عن المستندات التعريفية، في الحد من قدرة الاستضافة خارج مراكز الإيواء، بذريعة الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والأمني وتحت طائلة المساءلة وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
يُضاف إلى ذلك تفضيل النازحين/ات البقاء في مناطق أقرب إلى مساكنهم الأصلية، بما يتيح لهم إمكانية التنقّل والعودة المتكررة عند تحسّن الظروف أو تراجع حدّة التصعيد، وهو ما يعكس أهمية عامل القرب المكاني في تشكيل قرارات النزوح، على الرغم من توجه السياسات الحكومية نحو توجيهم إلى مناطق في الشمال وعكار والبقاع لتخفيف الضغط عن بيروت وصيدا، عبر توفير وسائل نقل.
استجابة تُكرّس اللامساواة: من بيروت إلى طرابلس
في النهاية، تُظهر حالة طرابلس تشابهاً مع بيروت حيث تُدار الاستجابة لأزمة النزوح ضمن منطق مكاني متشابه يقوم على إعادة إنتاج الاختلالات نفسها بدل معالجتها، سواء من التركيز على نمط واحد من مراكز الإيواء، أو التوزيع غير المتكافئ للضغوط داخل المدينة على أساس طائفي (في بيروت) أو طبقي (في طرابلس). وبذلك، لا تبدو الفوارق بين المدينتين جوهرية بقدر ما تعكس استمرار نموذج استجابة يرسّخ اللامساواة ويُحمّل المناطق الأكثر هشاشة الضغط الأكبر من الأزمة.