طرابلس، أو المدينة التي تسقط بالتقسيط

كتابة: رياض الايوبي

ليس ما يحدث في طرابلس صادمًا. الصادم، إن بقي للصدمة مكان، هو إصرار الدولة على ارتداء قناع الدهشة كلّ مرة. ليس السؤال، إذًا، لماذا انهار هذا المبنى. السؤال: لماذا يُعاد تقديم الانهيار كحادث، فيما هو نتيجة منطق كامل؟

في الثالثة فجرًا فتح شارع الجديد في القبة عينه على خمسة طوابق تهبط دفعةً واحدة. اخترقت أضواء الإسعاف العتمة وتقدّم المنقذون بين الغبار، ثمّ انتُشِلَت طفلة من بين الركام، وأُرسِلَت إلى المستشفى مع جملةٍ جاهزة: «حالتها مستقرّة». في بيان الدفاع المدني، كل شيء مضبوط: انهيارٌ عند الساعة الثالثة، مبنى سكني من خمسة طوابق، عمليات بحث مستمرّة، دعوة لإخلاء المكان «لتمكين العناصر من تنفيذ مهامهم».

لكن بين سطور البيان، في الفراغ الأبيض، هناك مدينة كاملة عالقة تحت الأنقاض.

منذ بداية هذا الشهر، عاشت طرابلس تسارعًا شبه يوميّ في تصدّع جدرانها وانهيار مبانيها:

  • في ٧ كانون الثاني، انهار مبنيان متلاصقان في ضهر المغر، ومال اثنان آخران مثل كتفين لم يعد الجسد قادرًا على استقامتهما. أربع بنايات أُخليت دفعة واحدة، عشرات العائلات خرجت إلى العراء، تحمل على ظهرها ما خفّ من الأغراض وما ثقل من الذعر.
  • في التاسع من الشهر نفسه، تداعى حائط وجزء من شرفة في جبل محسن، كأنّ المبنى يختبر سقوطه على جرعات.
  • في ١٥ كانون الثاني، انهار قسم من مبنى صغير من طابقين في حارة جديدة في الميناء، في مشهد مصغّر لانهيارات أكبر.
  • في ١٨ كانون الثاني، تهاوى جزء من مبنى قديم في شارع الراهبات قرب السرايا العتيقة «من دون إصابات». العبارة الأخيرة تُستعمَل هنا كصمّام أمانٍ: ما دام لا قتلى، يمكن للمدينة أن تتعايش مع فكرة أنّ مبانيها المتهالكة إنذار معلّق فوق الرؤوس.
  • في ١٩ كانون الثاني، تساقطت أجزاء من مبنى مهدَّد بالانهيار خلف مشروع الحريري؛ حجارة حائرة تهبط على مراحل، كأنّ المبنى يتحضّر للسقوط أمام أعين الجميع.
  • ثم يأتي هذا الفجر في القبة لا كحالة منفصلة، بل كانهيارٍ يشدّد على ما قيل وينبّه إلى ما لم يُقَل بعد.
  • واستمرّت الشاشات ووسائل التواصل تدور يوم السبت حول «مشهد صادم» من باب التبانة: مياهٌ تعبر الشارع لتستقرّ عند أساسات مبنى مهترئ، تغمرها طبقةً بعد طبقة مع كلّ عاصفة، فيما يظلّ البناء واقفًا بما يشبه المعجزة، أو بما يُسمّى «عناية إلهيّة» في غياب أيّ عملٍ فعليّ على الأرض، فيتحوّل المشهد كلّه إلى وعدٍ معلَّق بكارثة يمكن أن تقع في أيّ لحظة.
  • وتتابعت بعدها الأخبار المتداوَلة من مساء السبت إلى مساء الأحد، تكاد لا تقول في كلّ مرّةٍ سوى الشيء نفسه بصياغاتٍ مختلفة: بلاغات عن تشقّقات وتصدّعات في أبنية القبة وضهر المغر والتبانة وأبو سمرا، تُستعاد فيها أسماء هذه الأحياء كما لو أنّها لائحةٌ ثابتة لا تتبدّل إلّا في ترتيبها. وفي الوقت نفسه، كانت الشاشات ووسائل التواصل تتناقل أخبار «الجولات الميدانيّة» التي انشغلت بها «الجهات المعنيّة» في الطرقات صعودًا ونزولًا، في حضورٍ لا يَعتاده السكّان إلّا في المواسم الانتخابيّة؛ لا لتفقّد الأضرار، ولا لتدعيم المباني أو لإجراء فحوصٍ هندسيّة، بل لإنذار عشرات السكّان في ضهر المغر والقبّة بوجوب الإخلاء الفوري، لا بوصفه احتمالًا، بل كأمرٍ نافذٍ يصل إلى البيت مطبوعًا على ورقةٍ رسميّة.

لو رسمنا هذه الحوادث على خريطة، لما رأينا نقاطًا حمراء متفرّقة بل خطًّا متعرّجًا يقطع المدينة من طرفها إلى طرفها. من ضهر المغر إلى القبة، ليس ما يسقط هو الحجر فقط، بل وهمٌ قديم بأنّ الزمن وحده مسؤول عن الموت. الحقيقة أكثر قسوة: هذه مبانٍ دُفِعَت دفعًا إلى السقوط.

هذا التعليق لا يرصد الوقائع فقط، بل يقرأها على ضوء تشخيصاتٍ سابقة عمل عليها «استديو أشغال عامّة» في السنوات الماضية. فهذه السلسلة من الانهيارات ليست إلّا نتيجة متوقَّعة لثلاثة مسارات متشابكة:

أوّلًا: قوانين كمنخلٍ واسع الثقوب

الإطار القانوني الذي يُفترض أن يحمي الأبنية يشبه غربالاً لا يحتفظ إلا بالجديد اللامع، ويترك القديم يتفلّت حجراً بعد حجر. تُلزِم مراسيم السلامة العامة الأبنية الجديدة بفحوصات معيّنة، بينما تُترَك آلاف المباني القديمة خارج أي فحص دوري، كأنها خارج التاريخ وخارج المسؤولية.

ثانيًا: تراثٌ مُؤطَّر وحياةٌ بلا إطار
في قلب طرابلس القديمة، لكلّ حجرٍ رقمٌ وملفّ، ولكلّ شقٍّ في واجهةٍ مزخرفة قدرةٌ على استنفار الدوائر، أمّا من ينام خلف تلك الواجهة فيمرّ بلا اسم. جعلت التصنيفات من الأحياء معرضًا دائمًا: الترميم محاطٌ بشروطٍ تعجيزية، والبديل لا يَرِد في أيّ بند، فيتحوّل السكن إلى إقامةٍ على حافّة الاحتمال.

ثالثًا: سياسة التسويف والتأجيل
كلّ شيء مؤجَّل إلى إشعار آخر: المسح الشامل للأبنية المهدَّدة، إنجاز المراسيم التطبيقية، تمويل صناديق الترميم، تنفيذ قرارات مجلس الوزراء حول السكن البديل. الدولة هنا ليست غائبة تمامًا؛ هي حاضرة بمهارة ممثلٍ يجيد الدخول إلى المسرح في المشهد الأخير فقط: عندما يصبح الركام خلفية جيّدة للكاميرا.

تُرفع «توصيات»، يُنذَر «المالكون»، وتُعاد كتابة الدعوات العامّة للإسراع بتنفيذ «الكشف والصيانة» نفسها كلّ مرّة بصياغة مختلفة. السرعة هنا لا تُقاس بالساعات بل بعدد المباني التي يجب أن تنهار كي يتحرّك النصّ الرسمي سطرًا واحدًا إلى الأمام.

في مواجهة هذا المسار، كانت تقارير الاستديو السابقة عن طرابلس محاولات استباقيّة لوضع ما يحدث في المدينة في سياقه العمراني والسياسي.

تقارير «طرابلس تحت الخطر» و«طرابلس مدينة أثرية على حساب سكانها» و«الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني» وغيرها، بين ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، وثّقت ٣٧ حالة لمبانٍ مهدّدة بالانهيار موزّعة على أحياء المدينة، مع تركّزٍ لافت في المناطق الأشدّ تهميشًا: تصدّعات عميقة، انهيارات جزئية في الشرفات، ترهّل في الأسقف، تسربات وهبوط في الأرضيات، وبلغ الخطر ذروته في ١١ حالة تستدعي إخلاءً فورياً أو تدخلاً عاجلاً . لكنّ الاستجابة الرسمية غالباً ما جاءت كختمٍ على ورقة: إنذارات بالإخلاء دون توفير بدائل سكنية حقيقية.

انطلاقًا من هذا التشخيص، لا يمكن لأيّ تعليق من «مسؤول» أن يكتفي بالتأسّف على الضحايا أو بالمطالبة العامة بـ«تحمّل المسؤوليات». المطلوب هو خريطة طريق واضحة، تضع حدًّا لهذا السيناريو المتكرّر:

  1. وضع خطّة مسح شامل في طرابلس
    ليس من خلال الشعارات، بل عبر إجراء مسحٍ شاملٍ لكلّ الأبنية في الأحياء الأكثر هشاشة، مع نشر النتائج بشفافيّة: مبنى مبنى، طابقًا طابقًا، بحيث تصبح المعطيات متوفّرةً في الفضاء العام، لا حبيسة أدراج الدوائر الإداريّة. 
  2.  إرساء مسار عام ودائم للترميم والتدعيم
    لا يُربَط بموجات التعاطف ولا بدورات التمويل القصيرة، بل يُموَّل من الموازنة العامة ومن ضرائب ورسوم على المشاريع العقارية الكبرى، ليصبح الأمان حقًّا لا منّةً. على أن يكون في صلب هذا المسار المقاربات الاجتماعية والاقتصادية لأحياء المدينة المتنوعة، حمايةً لنسيجها وحقوق سكانها في آن.
  3. إعادة تعريف «السكن البديل»
    علينا أن ننتقل من مبدأ تأمين غرفة مؤقتة أو بدل إيجار زهيد إلى حق في سكن لائق ومستقرّ، مع ضمانات مكتوبة بحقّ العودة إلى مبانٍ مُرمَّمة فعليًا أو إلى بدائل لا تقلّ عنها أمانًا. أيّ إخلاء بلا مسار واضح للعودة أو للاستقرار ليس حماية للأرواح وللنسيج الاجتماعي للمدينة، بل إعادة تدوير للخطر في عنوان مختلف.
  4. تعديل جدّيّ لمراسيم السلامة العامة وقوانين البناء
    بما يفرض فحوصات دورية للأبنية القديمة، ويحدّد مسؤوليات واضحة للدولة والبلديات والمالكين، ويمنع استخدام شعار «الخطر» كذريعة جاهزة لمشاريع تهجير أو استثمار مقنّع.

ما نراه اليوم في القبة ليس حادثة معزولة. ما لم يتغيّر شيء في مقاربة الدولة والسلطة المحلية، ستنهار مبانٍ أخرى، في أحياء تحمل أسماء أخرى، في شوارع لم تدخل بعد نشرات الأخبار. كلّ تصدّع صغير هو ظلّ انهيار لم يقع بعد، وكلّ بناية مائلة في طرابلس هي جملة معلّقة تقول، بوضوح لا يحتمل التأويل: إمّا أن يصبح الحقّ في السكن الآمن محور سياسة عامّة فعلية، وإمّا أن يبقى الركام هو اللغة الأكثر بلاغة في هذه المدينة.

السكن قطاع البناء طرابلس قضاء طرابلس لبنان محافظة شمال لبنان
 
 
 

طرابلس تحت الخطر: تقرير حول تدهور البيئة المبنية ومسار التحركات من أجل الحق في السكن

مقدّمة السياق التاريخي: جذور تدهور البيئة المبنية في طرابلسخريطة الخطر: ٣٧ حالة، وعائلات على حافة الانهيارعن غياب الإجراءات الرسمية لحماية السكانلجنة الحق في السكن في طرابلس: مسار نضالي في وجه الانهيارالواقع والممكن مقدّمة “انزِلوا …

طرابلس: مدينة أثرية على حساب سكانها

على الرغم من الدور الاقتصادي الذي نتوقّع أن تلعبه طرابلس بالنسبة لكامل شمال لبنان -دور نراه مرتقبٌ مثلاً في مقاربة كل من بعثة إيرفد والخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية- كونها المنفذ لسوريا الداخلية …

الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني

مقدمة1-الخلل في مرسوم السلامة العامة2-مبان مشيّدة في غياب أطر الرقابة3-الضبابية في مسؤوليات الصيانة والترميم4-هشاشة المباني في المناطق غير الرسمية في ظل تجاهلها5-البناء في مناطق معرضة للفيضانات والسيول6-إشكالية قوانين البناء وتصنيف المناطقخاتمة مقدمة في …

ما بعد إنهيار المباني: ما مصير السكان المتضرّرين؟

مقدمة– مُعدلات مُرتفعة للمساكن غير الآمنة في بيانات مرصد السكن– من يتحمل مسؤولية توفير  السكن البديل لمتضرري إنهيارات المباني؟– مبنى المسلماني في حيّ عرسال، منطقة صبرا – مبنى أمهز في صحراء الشويفات– مجمّع يزبك …