اللاجئون/ات السوريون/ات في لبنان:

بين الهشاشات السكنية وحدود "طوعية" العودة

بحث وكتابة: كريستينا أبو روفايل وكاميلا الخشن
تصميم البصريات: أسماء الغراوي 



المقدمة
الإطار التحليلي والمنهجية
مراحل الانتهاكات بحق اللاجئين/ات السوريين/ات

  1. المرحلة الأولى: الإقصاء خلال الحرب ومنع العودة إلى الجنوب
  2. المرحلة الثانية: الحرائق وتعاميم البلديات كحلقات تحريض وتقييد متتابعة
  3. المرحلة الثالثة: إخلاءات الليطاني بين الذريعة البيئية وغياب البدائل السكنية
  4. المرحلة الرابعة، حرب 2026 والنزوح المتكرر: الهشاشة المتفاقمة، ولا مرئية حاجات السكان

العودة “الطوعية” في بيئة طاردة: السكن كأداة للإكراه غير المباشر

المقدمة

في إطار عملنا المستمرّ برصد الهشاشات السكنية التي تطال مختلف السكان على الأراضي اللبنانية، والتهديدات السكنية التي يواجهونها، لا سيّما الفئات الأكثر استضعافًا والأشدّ تأثّرًا بالممارسات التمييزية وبالسياسات السكنية المجحفة أو بغياب السياسات السكنية أساساً، إضافةً إلى ظروف أخرى كالكوارث الطبيعية والحروب التي تُلقي بكلّ ثقلها عليها، يأتي هذا التقرير استكمالًا لهذا المسار، ويركّز على الهشاشات السكنية التي لحقت باللاجئين/ات السوريين/ات.

فبعد أن وثّقنا سابقًا، من خلال جدول زمني، القرارات الرسمية ومشاريع القوانين والمداهمات التي استهدفت اللاجئين/ات السوريين/ات بين حزيران 2022 وتشرين الأول 2023، بيّنّا أنّ هذه الفترة شهدت تصاعدًا في سياسات وممارسات الضغط عليهم/ن للعودة إلى وطنهم/ن والخضوع لخطة “العودة الطوعية” التي اقترحتها الحكومة اللبنانية منذ نهاية عام 2022. وقد رافق ذلك حملات أمنية تعسفية وترحيل قسري طال العديد منهم/ن، ضمن حملة تحريضية واسعة انعكست ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد البلاغات الشهرية الواردة إلى مرصد السكن، وأسفرت عن تهديدات سكنية وإخلاءات قسرية جماعية، تلاها طرد آلاف السوريات/ين بالقوة في ظل تعاميم السلطات المحلية، ضمن سياق ترهيبي واستخدام شتّى وسائل القوة. كما وثّقنا تداعيات الحرب الإسرائيلية عام 2024 عليهم/ن، وما حملته من تهجير للفئات الأكثر استضعافًا وتضررًا. 

أمّا في هذا التقرير، فنغطي الفترة الممتدة بين أيلول 2024 وحزيران 2026 من خلال خطّ زمني تحليلي بداءً من العدوان الاسرائيلي في 2024، مرورًا بفترة ما سمي بوقف إطلاق النار عام 2025، التي تزامنت مع أحداث مفصلية في سوريا، وصولًا إلى عودة التصعيد خلال عدوان عام 2026.

ينطلق هذا التقرير من فرضية أنّ ما يشهده وجود اللاجئين/ات السوريين/ات في لبنان لا يمكن قراءته ضمن ثنائية مبسّطة بين “اللجوء” و”العودة”، ولا من خلال حوادث متفرقة من إخلاء أو تمييز أو تضييق، بل بوصفه مساراً مترابطاً تعود جذوره إلى فتراتٍ سابقة ويهدف لإعادة تشكيل هذا الوجود عبر إنتاج الهشاشة السكنية والقانونية والأمنية. وفي ضوء ذلك، يناقش التقرير كيف أُعيد تأطير هذه الضغوط تحت عنوان “العودة الطوعية”، رغم هشاشة شروط العودة داخل سوريا نفسها. وتتمثل الخلاصة الأساسية في أنّ غياب إطار قانوني وسياساتي يضمن الحماية والحق في السكن لا يشكّل مجرد قصور مؤسسي، بل آلية فعلية تُنتج الإخلاء وعدم الاستقرار وتزيد من الهشاشات السكنية داخل لبنان من جهة، وتدفع باللاجئين/ات إلى قرارات عودة لا يمكن فهمها بمعزل عن الإكراه غير المباشر الذي يحيط بها من جهةٍ أخرى.

من هنا، نبدأ أولاً بتوضيح الإطار التحليلي للتقرير والمفاهيم التي اعتمدناها ضمنه، إضافةً إلى منهجية البحث، لننتقل بعدها إلى تحليل مراحل الانتهاكات بحق اللاجئين/ات السوريين/ات عبر جدول زمني يشمل أربع مراحل، ونختم أخيراً باستخلاص النتائج وطرح خلاصات أولية انطلاقاً من الحق في تأمين السكن اللائق للجميع.

الإطار التحليلي والمنهجية

يستند الإطار التحليلي لهذا التقرير إلى النظر للسكن بوصفه أحد العناصر الأساسية في إنتاج الهشاشة وتحريكها، وليس مجرد نتيجة ثانوية لها. وعليه، فإن غياب الإطار القانوني والسياساتي المنظّم لا يُفهم كفراغ مؤسسي بل كأسلوب إدارة قائم على إبقاء الفئات الأكثر هشاشة في أوضاع غير مستقرة. وفي هذا السياق، يُعاد تأطير مفهوم “العودة الطوعية” انطلاقًا من مدى توافر الحرية الفعلية في اتخاذ القرار.

ضمن هذا الإطار، يُستخدم مفهوم البيئة الطاردة (Push Environment) للإشارة إلى مجموعة الظروف والسياسات والممارسات القائمة التي تُقيّد أو تُضعف قدرة اللاجئين/ات على الاستقرار والعيش، وتدفعهم/ن بشكلٍ مباشر أو غير مباشر إلى اتخاذ القرار بالمغادرة1International Organization for Migration, “Glossary on Migration”, 2019, Available at iml_34_glossary.pdf. قد تشمل هذه البيئة انعدام الحماية أو تدهور الظروف المعيشية والقيود القانونية2على الإقامة والعمل، صعوبة الوصول إلى السكن والخدمات، سياسات الإخلاء أو الترحيل، التمييز، إلخ.، إضافة إلى الضغوط الأمنية أو الإدارية التي تقلّص من خيارات البقاء وتحوّل الإقامة إلى حالة هشّة وغير مستقرة. على أن الطرد وعوامله لا يحدثان فقط في بلد الأصل، بل يمكن أن يُنتَج أيضًا داخل بلد اللجوء3United Nations High Commissioner for Refugees, “Handbook for Repatriation and Reintegration Activities”, May 2004, Available at handbook.vp.

كما يُعتمد مفهوم الإخلاء القسري (Forced Eviction) بوصفه الطرد الدائم أو المؤقت للأفراد أو الأسر و/أو المجتمعات المحليّة ضد إرادتهم، من المنازل و/أو الأراضي التي يشغلونها دون أن توفَّر لهم أشكال مناسبة من الحماية القانونية أو غيرها من أشكال الحماية، وتيسّر لهم سبل الحصول عليها4لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالحقوق الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم 4/1994.. عادةً ما ترتبط عمليات الإخلاء القسري بانعدام أمن الحيازة، وهو أحد الركائز الأساسية للحق في السكن، ما يجعل الفئات التي تفتقر إلى حماية قانونية الأكثر عرضة وتأثرًا. وبغض النظر عن السبب المعلن للإخلاء القسري، هناك دائمًا عنصر تمييزي من بين دوافع الإخلاء، حيث أنّ بعض المجموعات المهمّشة تكون الأكثر تأثراً.

في السياق نفسه، يُستخدم مفهوم إدارة الهشاشة (Vulnerability Management) للإشارة إلى مجموعة السياسات والإجراءات والممارسات التي تتعامل مع أوضاع الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والسكنية عبر تنظيمها أو احتوائها أو توجيهها من خلال أدوات قانونية أو إدارية أو أمنية أو إنسانية، بهدف تقليل المخاطر أو التداعيات الناتجة عن الهشاشة، بدلًا من معالجة الأسباب البنيوية التي تنتجها. 

أمّا مفهوم الطوعية فيُفهم باعتباره قرار يُتَّخذ بحرية كاملة من قبل اللاجئ/ة، دون أي شكل من أشكال الضغط المباشر أو غير المباشر، وعلى أساس معلومات كافية حول الأوضاع في بلد الأصل وحول مخاطر العودة وفوائدها5International Organization for Migration, “IOM Handbook on protection and assistance for migrants vulnerable to violence, exploitation and abuse”, 2019, Available at IOM Handbook on Protection and Assistance for Migrants Vulnerable to Violence, Exploitation and Abuse | IOM Publications Platform، وفي ظلّ توافر بدائل حقيقية تمكّنه/ا من الاختيار بحرية. بالتالي، تتمثلّ الطوعية المقيّدة/ المشروطة (Restricted/ Conditional Voluntariness) بأنّها حالة تُقدَّم فيها العودة على أنّها طوعية، بينما تتمّ في سياق تقييد فعلي لحرية الاختيار، نتيجة ضغوط قانونية أو اقتصادية أو أمنية6مثل التهديد بالإخلاء القسري، أو فقدان الإقامة القانونية، أو تقييد الوصول إلى السكن والعمل والخدمات أو الحروب والأزمات الاقتصادية، إلخ.. في هذه الحالة، لا تستوفي العودة شروط الطوعية كما تحدّدها المعايير الدولية حتى وإن جرى تصنيفها رسميًا كـ”طوعية”، وتقترب من كونها عودة مفروضة بحكم الواقع نتيجة الإكراه غير المباشر، لا تعبيرًا عن اختيار حرّ وذلك في ظلّ وجود بدائل محدودة أو معدومة.

تبعاً لذلك، تستند منهجية التقرير على تحليل نوعي يعتمد على رصد المعلومات وتوثيقها وجمع البيانات حول هذه الهشاشات من خلال تتبّع المعلومات عبر وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى رصد ميداني ومقابلات مع بعض الجهات المحلية والسكان في بعض الحالات، ومراجعة تقارير صادرة عن منظمات دولية ومحلية ومؤسسات حقوقية، من بينها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مركز الوصول لحقوق الإنسان (ACHR)، المفكرة القانونية، موقع صفر، وغيرها. كما يستند إلى تقارير صادرة عن جمعية بسمة وزيتونة، وإلى مقابلة مع مديرة الأبحاث فيها، إضافةً إلى رصد القوانين ومشاريع القوانين والمراسيم والقرارات والتعاميم البلدية ذات الصلة من خلال مرصد سياسات الأرض7مرصد سياسات الأرض هو منصة أنشأها استديو أشغال عامة لإنتاج وإتاحة المعرفة حول قضايا الأرض في لبنان. يراقب المرصد المؤسّسات المعنية بالشؤون العمرانية من أجل ضمان إتاحة المعلومات ذات الصلة وتغذية النقاش العام. كما يرصد المخطّطات والقوانين والمراسيم، بالشراكة مع “المفكرة القانونية” ومبادرة “غربال”..

مراحل الانتهاكات بحق اللاجئين/ات السوريين/ات

كاستمراريةٍ لرصد الممارسات الرسمية وغير الرسمية ضدّ اللاجئين/ات السوريين/ات، يأتي هذا الخطّ الزمني ليلخّص سلسلةً من الأحداث البارزة التي جرت خلال الفترة الممتدة من أيلول 2024 إلى حزيران عام 2026، والتي يمكن توزيعها على عدة مراحل متداخلة ومترابطة، تخلّلتها محطات أساسية شكّلت نقاط تحوّل، وأسهمت مجتمعةً في التضييق على اللاجئين/ات السوريين/ات وساهمت في دفعهم إلى مغادرة لبنان ضمن ما سُمّي بـ”العودة الطوعية” في ظلّ ظروف تُقوّض فعليًا شروط هذه الطوعية. يُظهر هذا الخطّ الزمني أنّ مسار التعامل مع اللاجئين/ات السوريين/ات في لبنان جاء متشابكًا مع التحوّلات السياسية والأمنية في كلٍّ من لبنان وسوريا ومستندًا إليها لتبرير سياسات متدرّجة من التضييق.

فمنذ المرحلة الأولى، كشفت الحرب عام 2024 والتهجير الثانوي خلال فترة وقف إطلاق النار عن حدود الاستجابة الرسمية وأشكال الإقصاء من الإيواء ومنع العودة إلى أماكن السكن السابقة؛ وتزامنت المراحل اللاحقة مع سقوط النظام إلى جانب الأحداث الأمنية في سوريا، من اشتباكات في ريف دمشق والساحل السوري والسويداء، كأحداثٍ مفصلية رسمت ملامح الممارسات اللاحقة. حيث رصدنا في هذا السياق مجموعة من الحرائق والإخلاءات الجماعية والإنذارات البلدية وعمليات تفكيك المخيمات على ضفاف الليطاني، باعتبارها وقائع غير منفصلة، بل حلقات متتابعة في بيئة طاردة تتقلص فيها شروط البقاء الكريم؛ لتشهد الحرب الأخيرة عام 2026 استمرار أنماط الإقصاء والتمييز ذاتها. وهو ما نتوسع في تفصيله فيما يلي.

1- المرحلة الأولى: الإقصاء خلال الحرب ومنع العودة إلى الجنوب (ابتداءً من أيلول 2024)

خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان التي اندلعت في 8 تشرين الأول 2023، وتصاعدت في 23 أيلول 2024، وجد اللاجئون/ات السوريون/ات أنفسهم عالقين في أزمة إنسانية مركّبة، تتراوح بين مخاطر الحرب من جهة، وانعدام الحماية القانونية والاجتماعية من جهة أخرى، ما فاقم من هشاشة أوضاعهم وأضعف قدرتهم على إيجاد حلول مستدامة لمأواهم. في هذا السياق، تناول عدد من تقاريرنا ومقالاتنا السابقة هذه الهشاشات، وظهر من خلالها مجموعة من الأنماط تعكس واقع اللاجئين/ات السوريين/ات الذين يواجهون شبكة من الضغوط المتشابكة تشمل الإخلاء القسري، ارتفاع الإيجارات، التضييق المجتمعي والتمييز، وعدم توفر بدائل مناسبة للإيواء. ولم يتوقف الأمر عند مرحلة الحرب حيث مُنع اللاجئون/ات السوريون/ات من العودة إلى أماكن السكن السابقة بالأخصّ في الجنوب بعد وقف إطلاق النار، ما أدّى إلى بقائهم في نزوح ثانوي أطول.

حرب 2024 والهشاشات السكنية

بدايةً، تمّ إقصاء غير اللبنانيين من خطة الإيواء8يارا عبد الخالق، “الخطّة الاستباقية لمواجهة أيّ حرب مقبلة”: متى تعتبر الدولة أنّنا في حالة حرب؟”، استديو أشغال عامة، كانون الأوّل 2023، متاح في “الخطّة الاستباقية لمواجهة أيّ حرب مقبلة”: • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio، حيث ركّزت “خطة الطوارئ الوطنية” للحكومة على حاجات النازحين/ات اللبنانيين/ات والمجتمع اللبناني المضيف، في حين أشارت إلى أن التعاطي مع “الفئات السكانية الأخرى” كان بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة، تحديداً الأونروا للفلسطينيين/ات، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للاجئين/ات السوريين/ات ومنظّمة الأمم المتحدة للهجرة للعمال والعاملات الأجانب. بالتالي، عانت كل هذه الفئات، واللاجئات/ون السوريات/ون النازحات/ون من الإقصاء بشكلٍ مضاعف، بحيث لم يتم شملهم في إحصاءات النزوح، ولا في خطة الطوارئ لإيوائهم. وقد ساهم هذا الواقع ببقاء بعض العائلات السورية اللاجئة في الجنوب اللبناني رغم القصف المستمرّ على المنطقة، ما عرّض حياتهم للخطر من جهة، ومنعهم من تأمين سبل عيشهم.

كما أدّى ذلك إلى إخلاءات من مراكز الإيواء الرسمية كنتاج للاستبعاد من الخطة الرسمية9استديو أشغال عامة، “تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان: أزمة السكن تتفاقم وتدخل فصلاً جديدًا”، أيار 2025، متاح في تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان: أزمة السكن تتفاقم وتدخل فصلاً جديدًا • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio. فعلى الرغم من أنّ الأونروا فتحت ثلاث مراكز إيواء لاستقبال كافة النازحات/ين بغض النظر عن جنسيتهم، إلّا أنّ المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR أخفقت في تحمّل أي مسؤوليّة متعلّقة بتأمين الإيواء، وانحصر دورها في تحويل اللاجئات/ين السوريات/ين إلى مراكز الإيواء المعتمدة رسمياً، أو محاولة التشبيك مع منظمات أخرى لتأمين أماكن للإيواء ضمن المراكز المتوفّرة. وهو ما وضعهم في موقع أكثر هشاشةً بين خطة طوارئ تستبعدهم ومفوضية تتجاهلهم، في تظهير لسياسة أقصت اللاجئين/ات ولم تضمن حق جميع النازحين/ات بالسكن الآمن دون تمييز. 

ولم يعاني اللاجئون/ات من الإخلاء من مراكز الإيواء فحسب، بل من الطرد من المساحات العامة أيضاً. وهو ما حصل في حرش بيروت حيث قامت القوى الأمنية بطرد اللاجئين/ات السوريين/ات، بينما سُمح للنازحين/ات اللبنانيين/ات بالبقاء، ما عكس تمييزاً واضحاً ضد الفئات الأكثر استضعافاً. 

من جهةٍ أخرى، تعرّض اللاجئون/ات السوريون/ات لهشاشات أخرى ناتجة عن ارتفاع الإيجارات والتمييز. فقد وثّق مرصد السكن عددًا من الحالات التي تعكس هشاشة الأوضاع السكنية وعدم صلاحية المساكن، حيث تمّ رفض أو منع تأجير السوريين/ات أو إخلائهم بحجة إعطاء أولوية اللبنانيين/ات النازحين/ات وبسبب رغبة المالكين بالتأجير لعائلات لبنانية نازحة تدفع أكثر. وتم توثيق عائلات انتقلت إلى مخيّمات في زحلة والبقاع لتعيش مع أقاربها، فعانوا من الاكتظاظ، أو من ضغط لدفع إيجارات مرتفعة أو زيادات متكررة للإيجارات.

منع العودة بعد وقف إطلاق النار

مع تضرّر العديد من الأحياء التي قطنوها، لم يعد للعديد من اللاجئين/ات السوريين/ات مكان يعودون إليه، في ظلّ الإقصاء الذي طالهم فيما خصّ بدلات الإيجار والإيواء التي دفعتها الجهات غير الرسمية، حيث لم تشمل السوريين/ات المتضرّرين/ات، بالإضافة إلى أسباب أخرى كغياب الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، واستمرار المخاطر الأمنية واستمرار القصف في بعض المناطق10UNHCR, “PROTECTION MONITORING Situation of Forcibly Displaced Syrians in Lebanon – 1st Quarter 2025”, July 2025, Available at Protection Monitoring: Situation of Forcibly Displaced Syrians in Lebanon, 1st Quarter 2025 – Lebanon | ReliefWeb (UNHCR, PROTECTION MONITORING – 1st Quarter 2025).. ووفقاً لمسح أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد وقف إطلاق النار، لم يتمكن 36% من السوريين/ات من العودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية وبقوا في حالة نزوح، مقابل 18% من النازحين/ات اللبنانيين/ات، وذلك حتى 27 آذار 202511UNHCR, PROTECTION MONITORING – 1st Quarter 2025..

لكن الدمار الذي طال المنازل لم يكن السبب الوحيد الذي حال دون عودة اللاجئين/ات السوريين/ات إلى المناطق التي نزحوا منها. فقد استطعنا توثيق بعض الممارسات الهادفة إلى منعهم من العودة إلى القرى أو المدن التي تهجّروا منها خصوصاً في الجنوب، في أقضية بنت جبيل، النبطية، صور ومرجعيون بالأخصّ في مدينتي بنت جبيل والنبطية ومحيطهما، كما يتبيّن من خلال الخريطة أعلاه، إضافةً إلى قيود الحركة التي فرضها عدد من البلديات والقيود المالية بسبب ارتفاع الإيجارات12UNHCR, “PROTECTION MONITORING Situation of Forcibly Displaced Syrians in Lebanon – 4th Quarter 2024”, Mar 2025, Available at Protection Monitoring – Situation of Forcibly Displaced Syrians in Lebanon, 4th Quarter 2024 – Lebanon | ReliefWeb (UNHCR, PROTECTION MONITORING – 4th Quarter 2024)..

في ظلّ الدمار الواسع الذي طال المساكن وغياب سياسة عامة عادلة للإيواء والسكن عقب وقف إطلاق النار، تُركت إدارة الندرة السكنية للبلديات والمجتمعات المحلية، ما وضع فئات متضرّرة في مواجهة بعضها البعض. وفي هذا السياق، برزت إجراءات محلية أعطت الأولوية لإسكان المواطنين/ات الذين/اللواتي تضرّرت منازلهم، مقابل فرض قيود على عودة اللاجئين/ات السوريين/ات أو إقامتهم، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد نزوحهم وتعميق هشاشتهم.

فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أُعلن عقب وقف إطلاق النار عن ما لا يقل عن 35 إجراءً تقييدياً في الجنوب بحق اللاجئين/ات السوريين/ات، صادرة عن ما لا يقل عن 27 بلدية و8 جهات غير حكومية، قبل أن يرتفع هذا العدد لاحقاً ليشمل 40 بلدية13UNHCR, PROTECTION MONITORING – 4th Quarter 2024.. وشملت14UNHCR, PROTECTION MONITORING – 1st Quarter 2025. هذه الإجراءات منع اللاجئين/ات السوريين/ات من العودة إلى بعض البلدات، أو فرض شروط وقيود على عودتهم وإقامتهم، ممّا أبقاهم في حالة نزوح وهشاشة.

وكما حدث في مناطق مختلفة من لبنان خلال السنوات الماضية،  أبلغت بعض البلديات15النبطية، حبوش، كفررمان، كفرتبنيت، الدوير، وحاروف. السوريين/ات أنه لا يمكنهم العودة إلا إذا كانوا يحملون تصاريح عمل قانونية سارية16UNHCR, PROTECTION MONITORING – 4th Quarter 2024.. بالمقابل، فرضت بلديات أخرى حظر تجول، وفرض رسوم، وقيود على حركة السوريين/ات، من ضمنها بلدية ميفدون في النبطية التي طلبت من السوريين/ات دفع رسم سنوي للسماح لهم بحرية التنقل17UNHCR, PROTECTION MONITORING – 1st Quarter 2025.. وكانت المحافظات الجنوبية – النبطية (39%) والجنوب (36%) – الأكثر تأثراً بشكلٍ مستمر بقيود الحركة وهو ما عكس تشديد إجراءات الحواجز، وفرض حظر التجول، وتصاعد توترات أكثر حدّة وترسخاً18UNHCR, “PROTECTION MONITORING Situation of Forcibly Displaced Syrians in Lebanon – 4th Quarter 2025”, Mar 2026, Available at UNHCR – Protection Monitoring: Situation of Syrian Refugees in Lebanon (4th Quarter 2025) – Lebanon | ReliefWeb. ولا تمثّل هذه القيود تحولاً جديداً في ممارسات البلديات تجاه اللاجئين/ات السوريين/ات، إلا أن سياق الحرب وما بعد وقف إطلاق النار بما يحمله من نزوح واسع ودمار للمساكن وغياب سياسة عامة للإيواء، ضاعف آثارها على اللاجئين/ات السوريين/ات، ولا سيما فيما يتعلق بحرية التنقل والوصول إلى السكن والعمل والخدمات.

كما أن العديد من المالكين في الجنوب لم يسمحوا للمستأجرين/ات السوريين/ات بالعودة، حتى لجمع أغراضهم، حيث أفادت عائلات حاولت العودة فقط لاستعادة ممتلكاتها وتم طردها من المنطقة عند وصولها، مع ورود تقارير تفيد بأن بعض المالكين قاموا ببيع أثاث وممتلكات المستأجرين أثناء فترة نزوحهم19UNHCR, PROTECTION MONITORING – 4th Quarter 2024.. وقد عاد بعض اللاجئين/ات السوريين/ات في زيارات مؤقتة فقط عندما هدأت الأوضاع، رغم رغبتهم في العودة بشكلٍ دائم نتيجة شعور قوي بالانتماء إلى أماكن إقامتهم20PROTECTION WORKING GROUP LEBANON, “IDPs Protection Monitoring Update – Summary of Pilot Findings”, Dec 2024, Available at PM+with+IDPs+Summary+Sector+and+Recommendations_v5+final.pdf. وساهمت القيود المفروضة على العودة وارتفاع بدلات الإيجار في الحد من خيارات إيجاد مأوى آمن ولائق للذين تعرضوا لنزوح ثانوي21UNHCR, PROTECTION MONITORING – 1st Quarter 2025.. وقد شكلّ عدم امتلاك بعض اللاجئين/ات السوريين/ات إقامة قانونية عاملاً ساهم في تقييد حرية التنقل، الأمر الذي أثّر على قدرتهم على العودة وزاد من مخاطر تعرّضهم للاعتقال22UNHCR, PROTECTION MONITORING – 4th Quarter 2024..

ومن خلال البحث الميداني الذي أجراه استديو أشغال عامّة في مدينة صور في شباط 2025، وثّقنا بعض التحديات السكنية التي واجهها السوريون/ات، أبرزها إجبارهم على الإخلاء بسبب أولوية إيواء أو تأجير الأقارب اللبنانيين/ات المتضرّرين/ات. كما مثّل الارتفاع الكبير في بدلات الإيجار تحدٍّ آخر، ما وضع السوريين أمام خيارين: إما قبول الزيادة، التي تتجاوز قدرتهم المالية، أو الإخلاء لصالح اللبنانيين.

في النهاية، تبيّن أنّه خلال فترة الحرب وما تلاها من وقف إطلاق النار أصبح نزوح اللاجئين/ات سوريين/ات مطوّلاً ليس فقط بسبب العوائق المادية والاقتصادية، بل أيضاً نتيجة الإقصاء القانوني والاجتماعي، مما تركهم في حالة من عدم اليقين والهشاشة. وكان واضحاً أنّ الحرب لم تخلق نزوحاً جديداً فحسب، بل كشفت عن شكل الاستبعاد القائم أصلاً، وجعلت السكن أداة فرز بين من يُعترف به كمتضرر ومن يُترك خارج الحماية.

2- المرحلة الثانية: الحرائق وتعاميم البلديات كحلقات تحريض وتقييد متتابعة (كانون الأوّل 2024 – كانون الأول 2025)

خلال الفترة التي يغطيها هذا التقرير شهدت مخيمات وأماكن سكن اللاجئين/ات حرائق عديدة في مناطق مختلفة بالأخصّ في البقاع والشمال، بالتحديد بين شهري كانون الأوّل 2024 وحزيران 2025. كما استطعنا رصد تعاميم في عدد من البلديات وضعت قيوداً على حركة اللاجئين/ات السوريين/ات وسكنهم حتى كانون الأول 2025. وقد جاءت هذه الأحداث بالتزامن مع الأحداث الأمنية في سوريا، من اشتباكات في ريف دمشق والساحل السوري والسويداء، وبالتالي، كان لها في بعض الحالات خلفيات تحريضية.

الحرائق والاعتداءات الطائفية كمسارات للتهجير القسري

استطعنا رصد حوالي 10 حرائق طال أغلبه مخيمات، في حين طال حريق واحد مبنى يعيش فيه لاجئون/ات سوريون/ات. فيما بقيت أسباب بعض الحرائق مجهولة، أو حصلت نتيجة انفجار قارورة غاز داخل الخيمة، اقتصرت الأضرار في الكثير من الحالات على الماديات بما شمل احتراق حوالي ٣٧ خيمة في بلدة خربة داوود العكاري على سبيل المثال، فيما لم تسجل أي إصابات سوى بعض حالات اختناق، كما لم تؤدي جميعها إلى إخلاءات جماعية دائمة. وقد تزامنت هذه الحرائق مع حملات ترحيل اللاجئين/ات السوريين/ات من لبنان تحت مسمى “العودة الطوعية”، كما ومع اشتباكات طائفية في ريف دمشق وأعمال عنف طائفية في الساحل السوري.

لم تكن هذه الحرائق الأولى من نوعها، بل أتت كاستمرار لمسلسل الحرائق التي تلتهم مخيمات اللاجئين/ات السوريين/ات في لبنان23 تلفزيون سوريا، “حريق يدمر 20 خيمة للاجئين سوريين في لبنان”، آب 2024، متاح في حريق يدمر 20 خيمة للاجئين سوريين في لبنان. ففي آب 2024، أدّى حريق مخيم في قبة شمرا في سهل عكار إلى تدمير 20 خيمة، علماً أنّ المخيم يقع قرب خط الغاز الطبيعي الذي كان يأتي من سوريا إلى لبنان، والذي توقّف الضخ عبره منذ عدة سنوات، وكانت شركة الغاز تطالب بإزالة خيام اللاجئين/ات. وفي شهر نيسان، تسبّب حريق في مخيم في مدينة زحلة بتضرّر أكثر من 55 خيمة يقطنها نحو 500 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. وفي آب 2023، اندلع حريق في أحد أكبر المخيمات في البقاع، ما تسبّب باحتراق أكثر من 14 خيمة بشكلٍ كامل. وفي كانون الأول عام 2020، شبَّ حريق ضخم في أحد المخيمات في المنية، نتيجة شجار بين سكان المخيم ولبنانيين، ما أدّى إلى احتراق 75 خيمة بالكامل.

وبالرغم من بقاء أسباب هذه الحرائق غير معروفة أو ربطها بالإهمال، كان واضحاً أنّها تتكرر وتكشف عن هشاشة البنية السكنية في المخيمات. ولا تنتج هذه الهشاشة فقط أضراراً مادية، بل تجعل المخيمات وأماكن إقامة اللاجئين/ات فضاءات قابلة للاشتعال حرفياً وسياسياً، بما يسمح بتحويل الكارثة إلى مدخل للإخلاء والتهجير.

وهو ما حصل فعلياً ضمن العاقبية في قضاء صيدا حيث استطعنا ربط حادثة من هذه الحرائق بممارسات تحريضية أدّت إلى تهجير سكان سوريين/ات وحرق منازلهم24مجلة أشغال عامة، “تحريض يسبق الجريمة: تهجير لسكان سوريين في العاقبية وحرق لمنازلهم”، أيار 2025، متاح في تحريض يسبق الجريمة: تهجير لسكان سوريين. فقد شهد حي “طريق المسلخ” في البلدة في 8 و9 آذار 2025، اضطرابات عنيفة واسعة النطاق بدأت بشجار فردي، لكن سرعان ما تحوّلت إلى اعتداءات جماعية ذات طابع طائفي. وقد تزامنت مع فترة شهدت فيها سوريا تصاعداً في التوترات الداخلية والمواجهات المسلحة في الساحل السوري، وبالتالي تصاعد الخطاب المعادي والضغوط السياسية في لبنان، ممّا انعكس بشكلٍ مباشر على أوضاع اللاجئين/ات في لبنان، الذين باتوا عرضة لاستهداف متزايد. 

بالتالي، استهدفت الاعتداءات في العاقبية السوريين/ات بشكلٍ مباشر بهدف إجبارهم/ن على الرحيل، وشملت إحراق مبنى سكني ومستودعات وسيارات، ونهب ممتلكات، واقتحام منازل، ممّا تسبّب بخسائر مادية كبيرة. أدّت هذه الأحداث إلى التهجير القسري لـ 23 عائلة سورية، منهم 15 عائلة عادت إلى سوريا، فيما توزّعت العائلات الأخرى بين البقاع، طرابلس، وصيدا، دون أن يكون لبعضها بدائل واضحة للسكن، ما أدّى إلى انتقالها إلى مناطق أقل استقراراً أو اللجوء إلى أقاربها، في وقتٍ تزايد فيه التضييق في مختلف المناطق اللبنانية.

تعاميم البلديات بين الذرائع الأمنية وتكريس الخطاب العقابي

خلال هذه الفترة أيضاً، صدرت عدة تعاميم عن بلديات مختلفة، ارتبط بعضها مباشرةً بالأحداث المستجدة في سوريا، ولا سيما الاشتباكات المسلحة في السويداء، فيما جاء بعضها الآخر على خلفية أحداث محلية، بما كرّس خطاباً عقابياً تجاه اللاجئين/ات السوريين/ات. وتكتسب هذه التعاميم أهميتها في سياق هذه الدراسة ليس فقط بوصفها إجراءات أمنية أو إدارية، بل لكون عدد منها تناول السكن بصورة مباشرة، أو أعاد تنظيمه وربطه بموافقات وشروط إدارية، بما ضيّق إمكانيات البقاء والاستقرار. 

بدايةً، يُعدّ تعميم اتحاد بلديات منطقة دير الأحمر الصادر في تموز 2025 من أبرز هذه التعاميم، إذ أعاد تفعيل جميع القرارات الصادرة سابقاً “في سبيل المصلحة العليا والحفاظ على الأمن والانتظام العام وخصوصاً الاقتصادي”. وعلى المستوى السكني، تضمّن التعميم ربط السكن بموافقة مسبقة من البلدية، وفرض مهل لمغادرة وإخلاء المقيمين/ات بطريقة غير قانونية أو تسوية أوضاعهم/ن، وحظر إنشاء أو توسعة المخيمات على الأراضي العامة والخاصة والأراضي المصنفة زراعية من دون الحصول على التراخيص المطلوبة، إلى جانب تكليف الشرطة البلدية بإزالة التعديات على البنى التحتية في أماكن إقامة النازحين/ات. كما تضمّن التعميم إجراءات أخرى تتعلق بالتدقيق في الوضع القانوني، والعمل، والحركة، وسبل العيش، ما يضع التدابير السكنية ضمن منظومة أوسع من الإجراءات التي تضيق شروط الإقامة والبقاء، ولا يمكن رؤيتها سوى استكمالاً للتعاميم التعسفية الصادرة في وقتٍ سابق.

أمّا تعميم بلدية معاصر الشوف، الصادر في كانون الأول 2025 عقب جريمة قتل أحد أبناء البلدة، فيُظهر بصورة أوضح كيف يمكن لحدث فردي أن يتحول إلى مدخل لإعادة تكريس إجراءات تمييزية بحق اللاجئين/ات السوريين/ات. فرغم أن التعميم شدّد على إدانة الجريمة، والدعوة إلى التهدئة وضبط النفس، إلا أنه أعاد ربط الحادثة بوجود السوريين/ات العاملين/ات في البلدة، وذكّر بسلسلة من القرارات السابقة المنظمة لوجودهم. وعلى المستوى السكني، منع استقبال أو استضافة أي سوري/ة لا يقيم في البلدة إلا بإذن مسبق من البلدية، وألزم السكان بإبلاغ البلدية عن أي تنازل عن منزل لسكن العمال السوريين/ات أو انتقالهم من مكان إلى آخر، إلى جانب إجراءات أخرى تتعلق بالحركة والعمل والتحقق من الأوراق. ويعطي إدراج هذه التدابير ضمن تعميم مرتبط بجريمة محددة انطباعاً بأن الغاية لم تقتصر على التنظيم الإداري، بل شملت أيضاً مخاطبة الغضب الشعبي عبر إعادة إنتاج خطاب يحمّل فئة كاملة مسؤولية حادث فردي. 

في المحصّلة، لا يمكن قراءة الحرائق، والاعتداءات، والتعاميم البلدية كوقائع منفصلة، بل كمسارات متداخلة تعيد تشكيل شروط السكن والإقامة للاجئين/ات السوريين/ات. فمن خلال ربط السكن بموافقات مسبقة، وفرض مهل للإخلاء، وتقييد إنشاء المخيمات، وإزالة أماكن الإقامة غير المرخصة، وتنظيم الاستضافة والتنقل بين أماكن السكن، أعادت هذه التعاميم توسيع نطاق تدخل البلديات في العلاقات السكنية للاجئين/ات. وتتقاطع هذه التدابير مع قيود أوسع على الحركة، والعمل، والوضع القانوني، بما يضيق تدريجياً خيارات البقاء ويُنتج بيئة أكثر هشاشة. كما يتعزز هذا المسار مع الخطاب التحريضي والاقتراحات التشريعية التقييدية على مستوى السلطة المركزية، ومنها اقتراح قانون “تنظيم عودة اللاجئين السوريين” واقتراح قانون “حظر تحويل الأموال للنازحين السوريين إلى لبنان”، الذي يقضي بحظر تحويل الأموال من السوريين/ات المقيمين/ات في الخارج إلى لبنان بهدف تشجيع العودة وتقليص مصادر الدعم داخل البلاد. وتشكّل هذه الإجراءات مجتمعة منظومة ضغط لا تقتصر على إدارة وجود اللاجئين/ات، بل تسهم في إعادة إنتاجه كوجود مؤقّت وهشّ، حيث تتحوّل الأدوات الإدارية والأمنية، بما فيها التدخل في السكن، إلى آليات غير مباشرة تضيّق شروط البقاء وتدفع نحو الرحيل تحت غطاء التنظيم والاستقرار.

3- المرحلة الثالثة: إخلاءات الليطاني بين الذريعة البيئية وغياب البدائل السكنية (حزيران – كانون الأول 2025)

بالتوازي مع تصاعد حملات إزالة “التعديات” عن ضفاف نهر الليطاني، شهد عام 2025 تكثيفًا في إنذارات وإخلاءات استهدفت مخيمات اللاجئين/ات السوريين/ات المنتشرة على طول النهر. يوثّق هذا القسم هذه الحالات استنادًا إلى رصد ميداني ومقابلات مع الجهات المحلية والسكان، ويحلّلها ضمن سياق أوسع يتسم بغياب سياسات سكنية واضحة، واعتماد أدوات إدارية كبديل عن المعالجة البنيوية. ينطلق هذا التحليل من فرضية أساسية مفادها أن المشكلة لا تكمن في المقاربة البيئية بحد ذاتها، بل في استخدامها ضمن غياب سياسات سكنية واضحة، ما يحوّل حماية الموارد العامة إلى أداة لإنتاج مزيد من الهشاشة السكنية.

منذ عام 2018، تقود المصلحة الوطنية لنهر الليطاني حملة منهجية لإزالة التعديات بمختلف أشكالها (السكنية، الزراعية، التجارية والصناعية)، في إطار خطاب يركّز على حماية نوعية المياه والحد من مصادر التلوث. وقد شهدت هذه الحملة تصعيدًا ملحوظًا خلال عام 2025، مع تحديد 34 مخيمًا كأولوية للإزالة من أصل نحو 200 تجمع مرصود على طول النهر25لقراءة المزيد يمكن الرجوع إلى المقال المنشور على موقع استديو أشغال عامة: إزالة التعديات عن مجرى الليطاني: حماية المياه أولوية، لكن من يحمي الحقوق السكنية للاجئات\ين؟.

تستند هذه الإجراءات إلى مبررات بيئية، أبرزها غياب شبكات الصرف الصحي داخل المخيمات، وما ينتج عنه من تصريف مباشر للمياه المبتذلة إلى مجرى النهر. إلا أنّ التعامل مع هذه التجمعات يظل محصورًا ضمن توصيفها كـ”تعديات”، من دون الاعتراف بأنها نتاج ترتيبات ضمنية سمحت بإنشائها واستمرارها لسنوات، عبر علاقات غير رسمية بين اللاجئين/ات ومالكي الأراضي، وبمعرفة السلطات المحلية. فقد نشأت هذه التجمعات في ظل غياب سياسات استضافة واضحة، واعتماد مقاربات قائمة على التغاضي المنظّم، حيث تُترك مسألة السكن لتُحلّ عبر السوق غير الرسمي، من دون تدخّل فعلي لتنظيمها أو تحسين ظروفها.

خريطة تبيّن عدد تجمعات اللاجئين/ات السوريين/ات التي تلقّت إنذارات بالإخلاء على مجرى نهر الليطاني

من الإزالة الإدارية إلى الإخلاء القسري

تُظهر الحالات الموثّقة، لا سيما في غزّة26 لقراءة المزيد: إخلاء مخيّم “044” في غزّة- البقاع: بين حماية الليطاني وتغييب الحق في السكن وبر الياس، أن الإخلاءات تُنفّذ وفق نمط متكرّر يقوم على توجيه إنذارات قصيرة الأمد (15 يومًا أو أقل في بعض الحالات)، غالبًا ما تحصل دون مسار واضح للاعتراض أو التفاوض، وهو ما يجعل من الصعب على اللاجئين/ات خاصةً، تأمين السكن البديل بأنفسهم ضمن هذه المهلة المحدودة. كما تغيب أي آليات تضمن مشاركة السكان في اتخاذ القرار أو إطلاعهم على خيارات بديلة.

مخيم قب الياس – فيليب فيرموت

في هذا الإطار، يغادر السكان تحت ضغط التهديد بالإزالة أو الملاحقة، حتى في غياب استخدام القوة المباشرة، ما يجعل هذه العمليات إخلاءات قسرية بحكم الواقع. فغياب البدائل السكنية، وارتفاع كلفة الإيجارات في المناطق المحيطة، وتضييق الخيارات أمام اللاجئين، كلها عوامل تدفعهم إلى الانتقال إلى مواقع أكثر هشاشة. وفي بعض الحالات الموثّقة، لجأت العائلات المُخلاة إلى استئجار مساكن داخل المنطقة نفسها بكلفة مرتفعة نسبيًا، أو إلى الإقامة المؤقتة لدى أقارب ومعارف، فيما اختارت عائلات أخرى العودة إلى سوريا رغم غياب مقومات الاستقرار أو الأمان، نتيجة تضاؤل الخيارات المتاحة في لبنان. 

ولا يقتصر توصيف هذه العمليات كإخلاءات قسرية على مسألة استخدام القوة المباشرة، بل يرتبط أيضًا بطبيعة الظروف المحيطة بالإخلاء نفسه. فالمعايير الدولية تعتبر أن الإخلاء يصبح قسريًا عندما يُنفّذ من دون ضمانات إجرائية كافية، بما يشمل الإخطار المسبق، والتشاور مع المتضررين/ات، وإتاحة سبل الاعتراض أو الطعن، و من دون توفير بدائل مناسبة، أو حين يُفرض على السكان تحت وطأة الخوف من الملاحقة أو فقدان المأوى. وفي الحالات المرصودة على ضفاف الليطاني، يظهر أن السكان وُضعوا أمام خيار وحيد يتمثل بالمغادرة، في ظل غياب أي ضمانات فعلية للحماية أو إعادة الإسكان. كما أن استهداف المخيمات بوصفها “تعديات” أو “إشغالات غير قانونية” يؤدي إلى اختزال القضية في بعدها الإداري أو البيئي، من دون التعامل معها كمسألة سكن وحق بالاستقرار والحماية من التهجير.

فجوة الحوكمة: تفكّك الأدوار وغياب المسؤولية

في موازاة ذلك، يبرز غياب شبه كامل للتنسيق بين المصلحة الوطنية لنهر الليطاني والبلديات من جهة، وبين هذه الجهات والمنظمات الإنسانية من جهة أخرى. ففي حين تُبلّغ بعض البلديات السكان بقرارات الإخلاء أو تؤمّن حضورًا أمنيًا أثناء التنفيذ، إلا أن دورها يبقى محدودًا، ولا يتعدى في معظم الأحيان الإطار الإجرائي. تُظهر المقابلات مع بعض البلديات، مثل بلدية غزّة في البقاع، أن هذه الجهات لم تكن طرفًا فعليًا في اتخاذ القرار، بل وجدت نفسها أمام واقع مفروض، ما يعكس غياب مقاربة تشاركية في إدارة هذا الملف. كما تكشف هذه المقابلات عن إدراك محلي لتعقيدات الوضع، يقابله عجز عن التدخل في ظل غياب توجيهات أو سياسات واضحة من المستوى المركزي. أما فيما خصّ الجهات الإنسانية، فتبدو غائبة أو غير منخرطة بشكل فعلي في هذه العمليات، سواء لناحية التخفيف من آثارها أو تأمين بدائل سكنية.

تُبرز هذه الحالات فجوة واضحة في توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الجهات المعنية، حيث تتقاطع صلاحيات متعددة من دون وجود إطار جامع ينظّمها. فالمصلحة الوطنية لنهر الليطاني تركّز على تنفيذ الإزالة ضمن صلاحياتها البيئية والقانونية، وتؤكّد أن مسؤوليتها تقتصر على حماية الأملاك العامة النهرية، من دون أن تشمل تأمين بدائل سكنية للمتضررين/ات. وفي المقابل، لم تُترجم الالتزامات السابقة المتعلقة بتحسين البنية التحتية داخل المخيمات أو نقلها إلى مواقع بديلة إلى إجراءات فعلية، رغم أن هذه الاعتبارات شكّلت أحد أبرز المبررات المطروحة للتدخل في هذه التجمعات. ويأتي ذلك في ظل تراجع ملحوظ في دور الجهات الدولية والإنسانية نتيجة تحولات في التمويل والسياسات، فيما تميل البلديات إلى الحياد أو عدم التدخل، رغم أن بعضها استفاد سابقًا من وجود هذه التجمعات، سواء عبر تنشيط اقتصادي محلي أو من خلال ترتيبات غير رسمية. ونتيجة لذلك، بقي السكان عالقين بين جهات تتوزع بينها المسؤوليات من دون أن تتولى أي منها مسؤولية ضمان الحماية السكنية أو توفير بدائل مناسبة. 

يخلق هذا التفكك المؤسسي حالة من اللامسؤولية الموزّعة، حيث لا تتحمّل أي جهة بشكل كامل تبعات الإخلاء، ما يترك اللاجئين/ات وحدهم/ن في مواجهة مباشرة مع نتائجه. فغياب التنسيق، وعدم وجود خطط بديلة أو آليات استجابة مشتركة، يساهمان في إنتاج واقع تُنفَّذ فيه الإخلاءات من دون تحمّل أي جهة لمسؤولية نتائجها الاجتماعية والمعيشية. كما يؤدي هذا الواقع إلى تحويل المعالجة البيئية إلى إجراء تقني معزول عن أبعاده الاجتماعية والحقوقية، ويُفرغها من أي بعد إنساني أو تنموي. ويكشف عن مقاربة تتعامل مع المخيمات باعتبارها مشكلة إدارية أو بيئية ينبغي إزالتها، من دون التعامل مع السكان بوصفهم أصحاب حقوق يحتاجون إلى الحماية والاستقرار. وفي ظل غياب المساءلة، تُترك العائلات لمواجهة خيارات محدودة وقاسية، تتراوح بين النزوح إلى مساكن أكثر هشاشة، أو الاعتماد على شبكات الأقارب والمعارف، أو العودة إلى سوريا رغم استمرار ظروف عدم الاستقرار.

من حماية الموارد إلى إنتاج الهشاشة عبر الإخلاء

بهذا، لا يمكن فهم إخلاءات مخيمات الليطاني كحالات منفصلة، بل كجزء من سياق أوسع يتسم بتصاعد السياسات الضاغطة على اللاجئين/ات السوريين/ات في لبنان، وبغياب سياسة إسكان وطنية شاملة تستجيب لمختلف أشكال الهشاشة السكنية. في هذا السياق، تصبح أدوات مثل الإنذار والإزالة بديلاً عن المعالجة الهيكلية، وتُستخدم كوسيلة لإدارة الوجود السكاني بدل تنظيمه.

وبذلك، تتحول إزالة “التعديات” من أداة لحماية الموارد العامة إلى آلية لإنتاج الهشاشة السكنية عبر الإخلاء، من دون تقديم حلول مستدامة. كما يعكس هذا التحول انتقالاً من مقاربة قائمة على تحسين الظروف إلى مقاربة قائمة على الإقصاء المكاني، حيث يُعاد توزيع السكان نحو هوامش جديدة، من دون معالجة الأسباب البنيوية التي أدت إلى نشوء هذه التجمعات في الأصل.

في المحصلة، تكشف هذه الحالات عن معادلة غير متوازنة: حماية البيئة تُنفّذ عبر أدوات قانونية فعّالة ومؤسسات نشطة، في مقابل غياب كامل لأي إطار سياساتي يضمن الحق في السكن أو يحدّ من تعميق هشاشة السكان الأكثر ضعفاً. وبالتالي، لا تكمن الإشكالية في هدف حماية الموارد بحد ذاته، بل في تنفيذه ضمن فراغ سياساتي، يحوّل هذا الهدف إلى أداة لإنتاج مزيد من الإقصاء والهشاشة.

4- المرحلة الرابعة، حرب 2026 والنزوح المتكرر: الهشاشة المتفاقمة، ولا مرئية حاجات السكان (آذار 2026 – حزيران 2026)

في سياق التصعيد العسكري الذي شهده لبنان منذ مطلع آذار 2026، برزت أوضاع اللاجئين/ات السوريين/ات كأحد الأبعاد الأكثر هشاشة والأقل توثيقًا ضمن مشهد متسارع ومعقّد. فعلى الرغم من إدراجهم ضمن الفئات المتأثرة بالحرب الإسرائيلية في التقارير الإنسانية، إلا أن المعطيات المتاحة تشير إلى وجود فجوات كبيرة في رصد أوضاعهم الفعلية، ما يعكس إشكالية بنيوية في إدماجهم ضمن آليات الاستجابة الرسمية والإنسانية27Protection Sector (PAMTF 2026). Protection Monitoring Snapshot –  March 2026.. ويأتي ذلك في سياق أزمة أوسع، حيث تشير تقديرات حديثة إلى أن أكثر من مليون شخص نزحوا داخل لبنان28IRC,  Lebanon Crisis: What is happening and how to help – 2026، في بلد كان يعاني أساسًا من مستويات مرتفعة من الفقر، تدهور البنى التحتية، أزمة اقتصادية، ودمار واسع من الحرب السابقة في عام 2024، وذلك قبل اندلاع التصعيد الأخير.

يُظهر تحليل التقارير أن اللاجئين/ات السوريين/ات كانوا حاضرين بكثافة في المناطق التي طالتها الضربات الجوية وأوامر الإخلاء، بما يشمل بيروت وضاحيتها الجنوبية، جنوب لبنان، والبقاع. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف مليون لاجئ/ة سوري/ة كانوا يقيمون في هذه المناطق قبل التصعيد، ما يجعلهم عرضة مباشرة لمخاطر القصف والنزوح29Basmeh w Zeitouneh Flash Brief. (2026). Syrian Refugees During the Latest War in Lebanon (5 March 2026).. وقد سُجلت بالفعل إصابات ووفيات في صفوفهم، إلى جانب تدمير مساكنهم، لا سيما في التجمعات غير الرسمية. كما تؤكد المعطيات أن العديد من هؤلاء اللاجئين/ات يعيشون تجربة نزوح متكرر، إذ سبق أن فرّوا من النزاع في سوريا ليجدوا أنفسهم مجددًا في مواجهة تهجير قسري داخل لبنان.

أنماط النزوح والإقصاء من منظومة الإيواء

تميّزت تجربة اللاجئين/ات السوريين/ات خلال هذه الحرب بأنماط نزوح مختلفة عن تلك التي عاشها اللبنانيون/ات. فعلى خلاف خطة الطوارئ المعتمدة خلال حرب عام 2024، التي استبعدت صراحةً السوريين/ات وغير اللبنانيين/ات من الاستفادة من مراكز الإيواء الرسمية، أعلنت السلطات في عام 2026 اعتماد مقاربة شمولية لا تميّز بين الجنسيات. إلا أن الممارسات على الأرض أظهرت استمرار فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والتنفيذ الفعلي، إذ بقي وصول السوريين/ات إلى مراكز الإيواء محدودًا، واستمرت الأولوية تُمنح عمليًا للنازحين/ات اللبنانيين/ات مع ازدياد الضغط على القدرة الاستيعابية للمراكز.

وتشير مقابلة أُجريت مع كلود سماحة من جمعية بسمة وزيتونة، إلى أن عددًا محدودًا فقط من العائلات السورية تمكن من دخول بعض مراكز الإيواء، كما حصل في مدينة صيدا، قبل أن يُطلب منها المغادرة مع تزايد أعداد النازحين/ات اللبنانيين/ات ووصول موجات جديدة من النزوح. وفي المقابل، اعتمد معظم السوريين/ات على شبكاتهم الاجتماعية، أو لجأوا إلى مخيمات قائمة في طرابلس والبقاع وشاتيلا والبص، أو أقاموا لدى أقارب ومعارف في ظروف اكتظاظ شديد، بينما بقي آخرون يتنقلون بين الأحياء وفق الإنذارات العسكرية والغارات الجوية، أو افترشوا الساحات العامة والأراضي المفتوحة لغياب أي بدائل أخرى30مقابلة مع كلود سماحة، 2026..

وتؤكد الشهادات الميدانية أن الاكتظاظ في مراكز الإيواء لم يكن العامل الوحيد الذي حدّ من وصول السوريين/ات إليها، بل ساهمت أيضًا ممارسات غير معلنة وقيود محلية فرضتها بعض البلديات، سواء عبر الحد من تأجير المساكن للنازحين/ات، أو فرض قيود على التنقل والإقامة، في تضييق الخيارات السكنية المتاحة أمامهم. ونتيجة لذلك، بقيت أعداد كبيرة من اللاجئين/ات السوريين/ات خارج منظومة الاستجابة الرسمية، وهو ما صعّب تتبع أوضاعهم، وحدّ من وصولهم إلى المساعدات والخدمات، ودفع بعض المبادرات والجمعيات إلى تقديم الدعم بصورة غير معلنة، في ظل غياب توجيهات واضحة من وزارة الشؤون الاجتماعية بشأن آليات الاستجابة خارج مراكز الإيواء الرسمية31 IRC. (2026). Lebanon Crisis: What is happening and how to help..

النزوح إلى الفضاء العام: المأوى الأخير

مع استمرار القصف واتساع رقعة النزوح، تحوّل الفضاء العام إلى ملاذ أخير لآلاف النازحين/ات الذين تعذّر عليهم الوصول إلى بدائل سكنية آمنة، فانتشرت تجمعات في الرملة البيضاء، والروشة، ووسط بيروت، وحرش بيروت، حيث أقامت العائلات في الحدائق العامة، وعلى الأرصفة، وفي الساحات المفتوحة، ومن ضمنها عائلات سورية. وفي حين لم يصدر قرار رسمي يستثني اللاجئين/ات السوريين/ات من مراكز الإيواء، أظهرت الممارسة العملية محدودية وصولهم إليها، ما دفع أعدادًا كبيرة منهم إلى الاعتماد على ترتيبات سكنية غير رسمية أو الإقامة في الفضاءات العامة. ولم يؤدِّ ذلك إلى حرمانهم من المأوى الآمن فحسب، بل وضعهم أيضًا في أوضاع سكنية شديدة الهشاشة، جعلتهم أكثر عرضة للإخلاء، وصعّبت وصولهم إلى الخدمات الأساسية. 

شكّل موقع البيال أحد أبرز مواقع الإيواء التي لجأت إليها العائلات النازحة خلال الحرب، ومن بينها عدد من العائلات السورية. ومع انتقال آلاف النازحين/ات إلى الموقع، برزت ممارسات تمييزية بصورة واضحة عند قرار الدولة “إعادة تنظيم” المكان. فمع إعلان وزارة الشؤون الاجتماعية ومحافظة بيروت وبلدية بيروت، بالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي، إعادة تنظيم الموقع، تقرر نقل العائلات اللبنانية إلى قطعة أرض محددة داخل الواجهة البحرية، بينما استُبعد السوريون/ات والفلسطينيون/ات وغير اللبنانيين/ات، إضافة إلى العائلات اللبنانية المتزوجة من سوريين، من هذا الترتيب، وطُلب منهم مغادرة الموقع من دون تأمين أي بديل سكني. 

وترافقت هذه الإجراءات مع عمليات تفكيك خيام تعود لعائلات سورية وإزالتها، ومنح مهل قصيرة للمغادرة، إلى جانب تداول مقاطع مصوّرة تُظهر إزالة بعض الخيام، وشهادات أفادت بأن عددًا من السوريين/ات أُبلغوا بأن الخيار الوحيد المتاح أمامهم هو الصعود إلى حافلات متجهة إلى سوريا. كما بقي مصير مئات العائلات التي لم يشملها التنظيم الجديد مجهولًا، في ظل غياب أي خطة واضحة لاستقبالها أو تأمين بدائل سكنية لها.

وتشير المقابلات إلى أن هذه الإجراءات لم تؤثر فقط على أوضاع السوريين/ات، بل أعادت تشكيل العلاقات داخل الموقع نفسه. فمع تزايد الحديث عن إخلاء السوريين/ات وتخصيص المساحة المتبقية للعائلات اللبنانية، بدأ بعض النازحين/ات اللبنانيين/ات ينظرون إلى وجود السوريين/ات باعتباره سببًا في تضاؤل فرصهم بالحصول على مكان داخل الموقع. وبذلك، نشأت حالة من التوتر لم تكن ناتجة عن خلافات بين المجموعتين بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لآليات إدارة الموقع، التي ربطت الوصول إلى المأوى بالجنسية وأوجدت تنافسًا على مساحة محدودة في ظل غياب حلول بديلة.

في المقابل، برز سوق الروشة – وهو مجمّع تجاري يقع في منطقة الجناح، نشأ بعد الحرب الأهلية كبديل للسوق الشعبي الذي أنشأه تجّار أسواق وسط بيروت على كورنيش الروشة عقب تهجيرهم من الوسط التجاري – كأحد الأماكن القليلة التي استقبلت عائلات سورية نازحة بعد تعذر وصولها إلى مراكز الإيواء الرسمية. إلا أن هذا الاستقبال المحدود لم ينعكس تحولًا في الخطاب العام تجاههم، إذ استمرت حملات التحريض التي وصفت السوريين/ات بأنهم “ناكرون للجميل”، أو حمّلتهم مسؤولية الأزمات التي يواجهها لبنان، رغم أنهم كانوا من بين الفئات الأكثر تضررًا من الحرب والنزوح المتكرر.

تكشف هذه الوقائع أن الفضاء العام لم يكن مجرد مساحة للاحتماء من القصف، بل تحول إلى ساحة أعادت فيها سياسات الاستجابة إنتاج التفاوت في الوصول إلى المأوى والحماية. ففي حين أتاح حرش بيروت هامشًا أوسع للتنظيم الذاتي نتيجة غياب التهديد المباشر بالإخلاء، كشف البيال كيف أفضت إجراءات “تنظيم” الموقع إلى فرز النازحين/ات على أساس الجنسية، وربطت إمكان البقاء بالحماية بالانتماء الوطني أكثر منه بالحاجة الإنسانية. وبذلك، لم تُحدث الحرب تحولًا في موقع اللاجئين/ات السوريين/ات داخل منظومة الاستجابة، بل أعادت إنتاج أنماط الإقصاء التي قيّدت وصولهم إلى السكن والحماية.

العودة “الطوعية” في بيئة طاردة: السكن أداة للإكراه غير المباشر

دون نفي رغبة بعض اللاجئين/ات في العودة، ودون التقليل من وزن الدوافع الذاتية والسياسية والعائلية لديهم، تُظهر هذه الدراسة أن هذه الرغبة تتشكّل داخل حقل ضيق من البدائل، حيث لا يكون القرار بين بقاء آمن وعودة آمنة، بل بين هشاشتين: هشاشة البقاء في لبنان وهشاشة العودة إلى سوريا. ومن هذا المنطلق، لا تُقارب الدراسة مسألة “الطوعية” بوصفها صفة ثابتة لقرار العودة، بل بوصفها نتيجة تتأثر بالبيئة القانونية والسكنية والاقتصادية والأمنية التي يُتخذ القرار في ظلها، وبمدى قدرة اللاجئين/ات على البقاء في لبنان بصورة آمنة ومستقرة.

وتشير المعطيات الممتدة بين عامي 2024 و2025 وبداية عام 2026 إلى أن الحق في السكن شكّل أحد أبرز العوامل التي أعادت تشكيل هذا الحقل من الخيارات. فقد ترافقت الحروب الإسرائيلية المتتالية، والإخلاءات الناتجة عنها، مع استمرار الإخلاءات القسرية الفردية والجماعية، بما فيها الإخلاءات على ضفاف نهر الليطاني، والتعاميم البلدية غير القانونية التي قيّدت السكن والاستضافة، إضافة إلى الحرائق، وغياب الحماية القانونية للمستأجرين/ات واللاجئين/ات. ولم تؤدِّ هذه السياسات والممارسات إلى إنتاج حالات متفرقة من فقدان المأوى فحسب، بل أسهمت في إعادة إنتاج أوضاع سكنية وقانونية واجتماعية غير مستقرة، بحيث لم يعد انعدام الاستقرار السكني نتيجة ظرفية، بل أصبح سمة بنيوية تُضعف قدرة اللاجئين/ات على البقاء واتخاذ قرار حر بشأن العودة.

وفي سوريا، أعاد سقوط النظام فتح أفق العودة لدى عدد من اللاجئين/ات، على مستوى استعادة الشعور بالانتماء، ولمّ شمل العائلات، وتخيّل مستقبل في البلاد. كما أظهرت استطلاعات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنّ عدداً من اللاجئين/ات ربطوا قرار العودة بالرغبة في استعادة حياتهم في سوريا، إلى جانب اعتبارات أخرى. إلا أنّ هذه التطلعات اصطدمت بعوائق بنيوية، في مقدمتها الدمار الواسع في القطاع السكني، وعدم صلاحية نسبة كبيرة من المساكن، والانهيار شبه الكامل في البنى التحتية والخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، واستمرار المخاطر الأمنية والنزاعات المحلية، بما يجعل العودة نفسها محفوفة بأشكال متعددة من عدم الاستقرار. وبذلك، لا تقتصر الهشاشة السكنية على تقييد قدرة اللاجئين/ات على البقاء في لبنان، بل تمتد أيضاً إلى شروط الاستقرار بعد العودة، بحيث يصبح قرارهم محصوراً بين انعدام الاستقرار السكني في بلد اللجوء وصعوبة تأمين سكن صالح ومستدام في بلد العودة.

ولا يقتصر تشكيل شروط اتخاذ قرار العودة على السياقين اللبناني والسوري، بل يمتد أيضاً إلى دور الجهات الدولية. فمن جهة، وفّرت برامج العودة الطوعية حوافز مالية شجّعت بعض اللاجئين/ات على العودة، ومن جهة أخرى، أدى التراجع الحاد في التمويل الإنساني إلى تقليص المساعدات المقدّمة للاجئين/ات في لبنان، بما فاقم الأوضاع المعيشية الصعبة وضيّق خيارات البقاء. وبذلك، لا يقتصر أثر التدخلات الدولية على دعم العودة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة التي يُتخذ ضمنها القرار. وفي الوقت نفسه، تبقى برامج العودة الحالية محدودة، إذ ترتكز بصورة أساسية على تقديم مساعدات مالية لا تكفي لإعادة بناء حياة العائدين/ات أو تأمين سبل عيش مستدامة، في ظل غياب برامج متكاملة لإعادة الإدماج تشمل فرص العمل، والتعليم، والخدمات الأساسية32مقابلة مع كلود سماحة، 2026.. ويؤكد ذلك ما خلصت إليه دراسة أجرتها جمعية بسمة وزيتونة على لاجئات سوريات في بعلبك والبقاع والهرمل وطرابلس وشاتيلا والنبعة، والتي أظهرت أن نحو 80% من المشاركات لا يردن العودة إلى سوريا حتى في ظل انتهاء الحرب33مقابلة مع كلود سماحة، 2026..

وفي ضوء هذه المعطيات، يصعب فهم العودة بوصفها مساراً خطياً ينتهي بالاستقرار، كما لا يمكن التعامل مع أعداد العائدين باعتبارها مؤشراً قائماً بذاته على نجاح العودة الطوعية. فالعودة قد تتبعها عودة إلى لبنان، أو نزوح جديد داخل سوريا، أو تعذّر الاستقرار في مكان الإقامة، في وقت استمر فيه وجود أكثر من مليون لاجئ/ة سوري/ة في لبنان، مع تسجيل موجات لجوء جديدة بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، واستمرار الإخلاءات القسرية والتهجير. وعليه، تكشف هذه الديناميات هشاشة فئة “العائد” نفسها، وتبيّن أن العودة، واللجوء، وإعادة النزوح ليست مسارات منفصلة، بل حركات متداخلة ومتغيّرة يصعب اختزالها في تصنيفات ثابتة34مقابلة مع كلود سماحة، 2026..

وبناءً على ما سبق، لا تكمن الإشكالية في وجود دوافع حقيقية لدى بعض اللاجئين/ات للعودة، ولا في نفي أثر التحوّلات السياسية في سوريا، وإنما في أن هذه الدوافع تتشكّل في ظل تقلّص مستمر للبدائل المتاحة داخل لبنان. فعندما يُضعف الحق في السكن بصورة منهجية، وتتراكم الضغوط القانونية والاقتصادية والأمنية، يصبح البقاء أقل قابلية للاستدامة، ويتحوّل السكن من حق يوفّر الاستقرار إلى أداة غير مباشرة تؤثر في شروط اتخاذ القرار. ويكشف ذلك حدود المقاربة الشكلية لمفهوم الطوعية في القانون والممارسة الدوليين، حين يُكتفى بتسجيل قرار العودة باعتباره قراراً “طوعياً” من دون فحص البيئة التي صاغت هذا القرار، بما فيها تراجع المساعدات الإنسانية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والإخلاءات، والسياسات المحلية التي حدّت من خيارات البقاء. وفي ظل غياب الشروط التي تكفل اتخاذ قرار حر ومستنير، لا يمكن افتراض أن وصف العودة بـ”الطوعية” يعكس بالضرورة توافر المعايير التي يقتضيها القانون الدولي، وفي مقدمتها أن يكون القرار نابعاً من إرادة حرة وخالياً من الضغوط المباشرة وغير المباشرة.

وفي هذا السياق، يبرز غياب سياسة لجوء واضحة، واستمرار غياب سياسة سكنية شاملة تضمن الحق في السكن اللائق، باعتبارهما أكثر من مجرد فراغ قانوني؛ إذ يسهمان بصورة مباشرة في إنتاج الإخلاء وعدم الاستقرار، ويتركان السكن خاضعاً لعلاقات قوة غير متكافئة وتدخلات متفرقة. وبذلك، لا يعود انعدام الاستقرار السكني نتيجة ظرفية، بل يصبح جزءاً من بنية تعيد إنتاج الإقصاء وتحدّ من قدرة اللاجئين/ات على الاختيار الحر، سواء قرروا البقاء أو العودة.

بهذا، تبرز مجموعة من الإجراءات الأساسية التي ينبغي اعتمادها لضمان عدم تأثير الظروف في لبنان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على حرية قرار اللاجئين/ات السوريين/ات في العودة:

  • وقف الإخلاءات القسرية الفردية والجماعية، بما فيها الإخلاءات ذات الطابع الإداري أو البيئي، ما لم تتوافر بدائل سكنية واضحة وملائمة.
  • فصل الوصول إلى السكن والخدمات الأساسية والتعليم عن الوضع القانوني للاجئين/ات السوريين/ات، بما يضمن عدم استخدام هذه الحقوق كوسيلة ضغط تؤثر في قرار العودة.
  • إدراج السكن كبند مركزي في الاستجابة الإنسانية، بما يضمن توفير الحماية السكنية بوصفها عنصرًا أساسيًا في حماية اللاجئين/ات، لا مسألة ثانوية.
  • الامتناع عن دعم أي برامج عودة لا تتضمن تقييمًا مستقلاً لمدى طوعية القرار، ولشروط الاستقرار وإعادة الإدماج بعد العودة.
  • تتبّع أوضاع العائدين/ات على المدى الطويل، بدل الاكتفاء بإحصاء أعداد العائدين/ات، بما يسمح بتقييم استدامة العودة ومدى احترام الحقوق بعد العودة.

وفي المحصلة، لا ينبغي أن ينحصر النقاش حول العودة في السؤال عمّا إذا كانت “طوعية” أم لا، بل في الشروط التي تُنتج هذه الطوعية وحدودها. فحين يصبح الحق في السكن هشّاً، وتتآكل مقومات البقاء الآمن، لا يعود القرار بين البقاء والعودة قراراً بين بديلين متكافئين، بل يُتخذ داخل مجال متقلص من الخيارات. وبذلك، تبدو العودة مختلطة الدوافع، لكنها مقيّدة الشروط: فقد تستند إلى رغبات سياسية وعائلية وشخصية حقيقية، فيما تتشكّل داخل بيئة تُضعف بصورة متواصلة إمكانية البقاء الآمن والمستقر في لبنان.

حمل/ي التقرير

المراجع:

إعادة الإعمار والتعافيالسكنلبنان
 
 
 

جدول زمني يوثّق القرارات الرسمية، ومشاريع القوانين، والمداهمات التي تستهدف اللاجئين السوريين

تزايدت خلال العام الماضي تصريحات مسؤولين لبنانيين تؤكّد انتهاء النزاع المسلح في سوريا، داعية اللاجئين السوريين إلى الخضوع لخطة “العودة الطوعية” التي اقترحتها الحكومة اللبنانية بنهاية عام 2022، في غياب أي مشاركة رسمية …

طرد آلاف السوريات\ين بالقوة في ظل تعاميم السلطات المحلية

عشر استنتاجات وفقاً لبيانات مرصد السكن 1 كانون ثاني - 14 تموز 2024

“نطلب من المخالفين السوريين أن يغادروا بالحُسنى لأننا سنرحّلهم بالقوة إن لزم الأمر.” هذا ما صرّح به محافظ الشمال القاضي رمزي نهرا في شهر أيار الفائت خلال اجتماع كان يترأسه في سرايا طرابلس …

قرارات وزارة الداخلية والبلديات للسيطرة على حياة اللاجئات\ين وسكنهم

تحت ذريعة «الظروف الراهنة التي يمرُّ بها لبنان»، وحجة «الحرص على المصلحة الوطنية العليا»، وجّه وزير الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي، بتاريخ ٢ أيار ٢٠٢٣، كتاباً إلى المحافظين والقائمقامين والبلديات والمخاتير، في القرى …

برج حمود بين التحريض الإعلامي وبيان البلدية وشهادات السكان

نتذكر جميعاً الفيديو الذي انتشر منذ حوالي الشهرين الذي يظهر مجموعة من اللبنانيين على دراجاتهم النارية، يوجّهون عبر مكبر صوت، “مهلة إنذار” للسوريين بإخلاء منطقة برج حمود، وهو ما انتشر بشكل واسع عبر …

مداهمة منازل لاجئات/ين وتوقيفهم تعسفياً في الدكوانة:

ما تمارسه الدولة من عنصرية وانتهاك للحق في السكن

لا تخلو المناسبات السياسية، كالانتخابات الأخيرة التي أرادت الدولة أن تظهرها كمناسبة احتفالية بالديمقراطية، من ممارسات قمعية، عنصرية وإقصائية ضد الأفراد والعائلات من الجنسية السورية، تُشابِه بأشكال كثيرة، التفوّق الأبيض. وفي ممارسات أخرى …

إزالة التعديات عن مجرى الليطاني:

حماية المياه أولوية، لكن من يحمي الحقوق السكنية للاجئات\ين؟

يستعرض النص حملة مصلحة الليطاني لإزالة ما تُصنّفه كتعدّيات على ضفاف النهر، وما نتج عنها من ضغوط على تجمعات اللاجئين السوريين في سهل البقاع. ويسلّط الضوء على المفارقة بين حماية الموارد المائية وضمان ...