شكّلت الحرب الأخيرة محطّة مفصلية كشفت عن هشاشة البنية السكنية في لبنان، وأبرزت عمق الأزمة المتجذّرة في هذا القطاع، ولا سيّما في المناطق الحدودية التي تكبّدت خسائر مادية جسيمة وأدّت إلى نزوح قسري لعشرات الآلاف من السكان. ومع انتهاء العمليات العسكرية، تبيّن أن التحديات الناجمة عن الحرب لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل تتعدّاها إلى أزمات متشابكة ذات أبعاد قانونية، اقتصادية، واجتماعية، تهدّد الأمن السكني لشرائح واسعة من السكان، وفي مقدّمتهم الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً.
في هذا السياق، نستعرض التحدّيات السكنيّة المستجدة والأكثر بروزاً ما بعد الحرب، والتي تتجلّى في الارتفاع الحاد والمستمر لأسعار الإيجارات، وانعدام حلول السكن المؤقت لحين إعادة الإعمار، حلولٌ تُراعي كرامة السكان المتضررين وتلبّي حاجاتهم الأساسية إلى حين تأمين العودة الآمنة والمستدامة. كما تؤدّي الممارسة المستمرة من عدم الاستجابة لهذه التحديات إلى تهجير الفئات المهمّشة، والتضييق على المستأجرين لا سيّما القدامى منهم، في ظل غياب السياسات العامة واحتكار المالكين لقرارات الترميم. إلى جانب ذلك، يهدّد الواقع الحالي بفرض تغيير ديمغرافي واجتماعي قسري، نتيجة تهجير السكان من مناطقهم نحو مناطق أخرى، لا سيّما نحو أطراف المدن أو نحو مناطق تعاني أصلاً من فقر بنيوي وبنى تحتيّة متدهورة، ما يزيد من الهشاشة العامّة في المشهد السكني.
إن خطورة هذه التحديات تفرض استجابة فورية وفعّالة على المدى القريب، ليس فقط لتفادي أزمة إنسانية وشيكة تتمثّل في ازدياد معدلات التشرّد، بل أيضاً لتأسيس أرضية عادلة لإعادة الإعمار، تنظّم قطاع السكن بما يضمن استدامة الحق في السكن الآمن واللائق، ويؤمّن إعادة إعمار عادلة وشاملة تراعي البعد الحقوقي والاجتماعي للسكن، لا سيما في المناطق الأكثر تضرّراً.
التحديات السكنيّة الأكثر بروزاً بعد الحرب
بعد وقف إطلاق النار في نهاية تشرين الثاني، عاد حوالي 600,000 نازح\ة (على المستوى الوطني) إلى المناطق التي كانوا قد نزحوا منها. وقد حاول النازحون، منذ اليوم الأول للتهجير، البحث عن مناطق تؤمّن سكناً مناسباً وبنية تحتية وظيفية، ممّا رسم خريطة نزوح واسعة تمتدّ من صور مروراً بالجبل حتى طرابلس، وذلك بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بمناطقهم، حيث تم تدمير 100,000 وحدة سكنية جزئياً أو كلياً، وفقاً لتقرير البنك الدولي “التقييم المؤقت للأضرار والخسائر” الصادر في نوفمبر 2024.
أما بالنسبة لأولئك اللواتي والذين لم يعودوا بعد، فإنّ أغلب مساكنهم المؤقتة الحالية غير مستقرة، ممّا يزيد من تعقيد أزمة السكن. وفقاً لآخر تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة – بتاريخ 5 حزيران 2025 – لا يزال 82632 شخصاً في لبنان نازحين بسبب الحرب، وتدمير منازلهم، وانعدام الأمن في المنطقة الحدودية. ويعيش 75% منهم في مساكن مستأجرة، ويقيم 22% منهم مع عائلات مضيفة، و2% في منازل ثانوية يمتلكونها، و1% في ملاجئ توفرها الحكومة أو المنظمات غير الحكومية. بهذا، ومن ناحية النسبة التي تسكن في الإيجار، من غير المحتمل أن تظل تكلفة الإيجارات على المدى القصير خياراً قابلاً للاستمرار للكثير من الأشخاص الذين لا يستطيعون العودة بعد، خاصّة في ظلّ خطط تعويض مجتزأة وغير كافية.

إذاً، إضافة إلى التحديات السكنيّة التي واجهها السكان أثناء الحرب، تبرز بعد الحرب أزمة سكنية معقّدة، تتجاوز الأضرار المادية إلى تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة، ممّا يجعل إيجاد حلول مستدامة ضرورة ملحّة.
فيما يلي تحليل لأبرز التحديات السكنيّة التي يواجهها السكان ما بعد الحرب.
1- الارتفاع المضطرد لأسعار الإيجارات
شهدت الإيجارات ارتفاعاً متواصلاً بعد الحرب نتيجة الدمار الواسع الذي طال آلاف المنازل، حيث استغلّ العديد من المالكين هذا الوضع لرفع الأسعار، مستفيدين من حاجة الأسر الملحّة إلى مأوى، في ظلّ غياب أي رقابة رسميّة أو تشريعات عادلة تحمي المستأجرين، وفي ظلّ بدء دفع بدلات الإيواء أو الإيجارات الشهريّة1والتي تبلغ 6000 دولار بدل إيجار لمدة سنة للمباني المهدّمة بشكل كامل، ومن 2000 إلى 4000 دولار للمباني المهدّمة جزئيّاً، بالإضافة إلى 8000 دولار بدل أثاث لكلا الحالتين. المصدر: قرار التعويضات للحرب 2024 للمتضرّرين عبر جهات غير رسميّة (القرض الحسن)، ازداد بموجبها الاستغلال، ليس فقط لرفع الايجارات، بل أيضاً لطلب دفع بدل إيجارات تصل إلى 6 أشهر سلفاً (علماً أنّ البدلات تُدفع سلفاً).
وقد شهدت الضاحية والجنوب ارتفاعاً حادّاً في بدلات الإيجار منذ وقف إطلاق النار، حيث زادت الأسعار بين 50% و70%2لكفاءات: شقة مفروشة غرفتين: 1000$، بشرط تسديد 3 أشهر سلفاً؛ الغبيري: 1200$؛ الجناح: سبع غرف: 1500$؛ معركة (صور): شقة غير مفروشة: 600$؛ الحوش (صور): شقة غير مفروشة 1200$؛ الأوزاعي: 400$؛ برج البراجنة: 350$؛ السان تيريز: 1000$ شرط تسديد 6 أشهر سلفاً وشهر عمولة؛ حي السلم: من 200$ إلى 300$؛ المشرفية: ارتفاع الإيجار من 400$ إلى 750$؛ تول النبطية: ارتفاع الايجار من 150$ إلى 500$؛ محيط مستشفى بهمن: 800$؛ بئر العبد: 900$؛ النبطية: 500$ لغير المفروشة و700$ للمفروشة؛ المريجة: من 400$ إلى 600$ و800$؛ صفير: من 500$ إلى 750$؛ منطقة الجاموس- حي الأميركان: أكثر من 1000$ عدا عن الخدمات الشهرية (1500$). المصادر: حولا وميس وبليدا: مساواة بالدمار وتفاوت بعودة الأهالي | إيجارات البيوت في الضاحية “تشتعل”: التشرّد حرباً وسلماً | إرتفاع قيمة الإيجارات في لبنان.. أزمة مستمرة بعد انتهاء الحرب | أسعار خياليّة وشروط تعجيزية: أزمة سكن تطلّ برأسها في الضاحية والجنوب. وكان لهذا الارتفاع تداعيات خطيرة، إذ اضطرّ العديد من المستأجرين إمّا إلى القبول بزيادة الإيجار أو مواجهة الإخلاء ليتمّ تأجير الشقّة بسعر أعلى لمستأجرين جدد. من ناحية أخرى، اضطرّ بعض النازحين إلى العودة إلى قراهم الحدوديّة والسكن في منازلهم المتضرّرة، رغم افتقارها للخدمات الأساسيّة وعدم أهليّتها للسكن، بسبب عدم قدرتهم على تحمّل بدلات الإيجار المرتفعة. فبدلاً من أن تساهم هذه التعويضات في تخفيف الأعباء المالية على النازحين، أصبحت وسيلة لزيادة أرباح المالكين. إلى جانب ذلك، شكّلت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تحدّياً إضافياً، إذ فقد العديد من السكان وظائفهم بسبب تداعيات الحرب. فبحسب البنك الدولي3البنك الدولي: لبنان يتكبد خسائر بقيمة 8.5 مليار دولار بسبب الحرب، يقدّر فقدان نحو 166 ألف عامل وظائفهم، ما جعلهم غير قادرين على تحمّل كلفة الإيجار، وعرّضهم للإخلاء القسري أو للانتقال إلى مساكن غير آمنة وبعيدة عن أماكن عملهم.
من هنا، تطرح إشكالية فعالية بدلات الإيواء في تلبية حاجة المتضررين للسكن في ظل الأوضاع الراهنة. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون هذه البدلات بمثابة حلّ مؤقت يساهم في تأمين سكن آمن للمتضرّرين، يبرز السؤال: هل تُستخدم هذه البدلات بالفعل لدفع الإيجار في ظلّ الارتفاع المستمر والمتزايد في أسعار الإيجارات؟ أم أنّ هذه المبالغ تُوجّه لتغطية احتياجات أخرى قد تكون أكثر إلحاحاً؟ فوفقاً لشهادات بعض السكان في صور، لم تُستخدم هذه البدلات لدفع الإيجار، بل غالباً ما خصّصت لتلبية احتياجات أخرى أكثر إلحاحاً مثل إجراء تصليحات ضرورية في المنازل أو استئجار شاحنة صغيرة لإزالة الردم من محيط السكن، خصوصاّ أيضاً في ظل عدم تحرّك الدولة لإزالة الردم في العديد من المناطق. كما من المهمّ الإشارة أيضاً إلى أنّ قيمة البدلات التي تم دفعها تُقدَّر بحوالي 333 دولاراً شهرياً، في حين أنّ أسعار الإيجارات في العديد من المناطق تتجاوز هذا الرقم بكثير، ممّا يجعل تغطية كلفة الإيجار بالكامل أمراً غير ممكن. إضافةً إلى ذلك، فإنّ بعض العائلات حصلت على هذه المساعدة لفترة ثلاثة أشهر فقط، وليس على أساس سنوي، ما يطرح تساؤلات حول استدامة هذه المساهمة وجدواها الفعليّة في دعم السكان على المدى المتوسط والطويل. فهل ساهمت السياسة المتبعة في دفع بدلات الإيواء في توفير الأمن السكني المؤقت للمتضررين، إلى حين البدء بعمليّات إعادة الإعمار؟
2- انعدام حلول السكن المؤقت لحين إعادة الإعمار
في ظلّ غياب الدولة عن تأمين حلول سكنيّة وخطط حكوميّة بديلة، يواجه النازحون، خاصّة في المناطق الحدوديّة، أزمة سكنيّة حادّة. فمن ناحية، اضطرّ العديد منهم للبحث عن مساكن بشكل فردي أو اللجوء إلى أقاربهم، في ظلّ ارتفاع حاد في الإيجارات، ما جعل تأمين سكن مستقر تحدّياً يفوق إمكانيّاتهم. ومن ناحية أخرى، عمد البعض منهم، ولو بنسبة قليلة، إلى السكن في بيوت جاهزة والبقاء في أرضهم، لا سيّما في القرى الحدوديّة، بدل النزوح والاستئجار خارجاّ. وجرى ذلك إمّا اعتماداً على تمويل ذاتي، أو من خلال استعمال بدلات الإيواء المقدَّمة من حزب الله لشراء هذه البيوت، أو من خلال مبادرات من الجمعيّات والمشاريع المحليّة كجمعيّة “وتعاونوا”، مشروع الوجه الحسن ومبادرة “الجهاد الزراعي”، لكن سرعان ما باتت هذه البيوت هدفاً للعدوّ الإسرائيلي. فمنذ 10 آذار4المصدر: الرصد الدوري للاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان الذي يجريه استديو أشغال عامة.، كثّف الاحتلال الإسرائيلي استهدافه للبيوت الجاهزة والمنشآت المدنية في قرى الجنوب اللبناني، في محاولة واضحة لمنع عودة الأهالي واستقرارهم.
شملت الاعتداءات بلدات رامية، كفركلا، يارون، شيحين، الناقورة، حولا، وعيتا الشعب، حيث تم تفتيش، قصف، إحراق، وتدمير منازل جاهزة، حتى تلك المعدّة كمقاهٍ أو محلات صغيرة. كما تعمّد الاحتلال قصف البنى التحتيّة أيضاً، حيث دمّر بشكل كامل خزان مياه سعة 5000 ليتر في بلدة يارون كانت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي قد سلّمته لبلدات وقرى حدودية، لتأمين المياه للمواطنين العائدين إلى بلداتهم وتعزيزاً لصمودهم. تعكس هذه الهجمات سياسة ممنهجة لاقتلاع الأهالي من أرضهم، ومنع أدنى مقوّمات ومظاهر الحياة وسعي العدو الإسرائيلي لتهجير السكان بشكل نهائي، في مواجهة إرادة شعبية مصممة على العودة والتشبث بالأرض.
إنّ هذا الفراغ في التخطيط الحكومي، المتزامن مع استمرار العدوان الإسرائيلي الممنهج، جعل العودة إلى القرى المتضرّرة شبه مستحيلة، وأدّى إلى تعطيل مصادر رزق السكان الذين يعتمدون على الزراعة أو المشاريع الصغيرة والذين تعرّضوا للتهجير القسري إلى مناطق بعيدة عن أراضيهم الزراعية أو محالّهم التجارية. كما جعل الاستمرار في السكن عبر الايجار في المناطق البعيدة في ظل الارتفاع المتزايد في الايجارات عرضة للتهديد أيضاً. إنّ هكذا واقع لا يهدّد فقط الاستقرار السكني والاقتصادي للأفراد، بل يعيد تشكيل التوزيع الديموغرافي ويفكّك النسيج الاجتماعي للمجتمعات المحليّة. لذلك، اليوم وبعد الحرب، لا بدّ من العمل على حلول سكنيّة بديلة تأخذ بعين الاعتبار القرب من أماكن العمل من ناحية، لتجنّب فرض تغييرات جذرية على نمط حياة السكان ومصادر رزقهم كما تضمن عودة النازحين إلى أرضهم وقراهم، ومن ناحية أخرى، وضع سياسات سكنيّة تضبط الإيجارات وتحدّ من ازديادها لضمان استقرار، ولو مؤقّت للنازحين إلى حين إعادة الإعمار.
3- تحديّات المستأجرين، لا سيّما القدامى منهم
في ظل غياب تشريعات واضحة تحدّد سياسات إعادة الإعمار بعد الحرب الأخيرة، وتكفل حق السكن والترميم لجميع المتضرّرين، تتفاقم المخاوف من احتمال تهجير المستأجرين، لا سيّما القدامى منهم، من الوحدات السكنيّة المتضرّرة. تتعزّز هذه المخاوف مع استمرار حصر حق إصدار تراخيص الترميم بالمالكين دون أي إجراءات تيسيرية أو حماية قانونية للمستأجرين، في ظلّ سياق أوسع من سياسات تحرير الإيجارات القديمة التي تنتهجها الدولة، وآخرها صدور قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية في الجريدة الرسمية بتاريخ 3 نيسان 20255قبل أن يُطعن به، ليعود ويوقّع عليه رئيسا الجمهورية والحكومة باتّجاه نشره مرة أخرى..
في هذا الإطار، يكتسب النص القانوني الحالي للمادة 562 من قانون الموجبات والعقود أهميّة محوريّة، إذ تنصّ على ما يلي: “إذا هلك المأجور أو تعيّب أو تغيّر أو حُرم المستأجر من الانتفاع به أو ببعضه حتى أصبح غير صالح للاستعمال المعدّ له، ولم يكن ذلك من خطأ أحد المتعاقدين، يُفسخ عقد الإيجار من دون تعويض لأحدهما.” وبموجب هذه المادة، فإنّ العقود المبرمة على الوحدات السكنيّة المتضرّرة بفعل الحرب تُعدّ مفسوخة قانوناً، بغضّ النظر عن وضع المستأجر أو قدم عقده. وهنا تكمن الخطورة القانونية، إذ تفتح المادة الباب أمام إنهاء عقود الإيجار من دون الحاجة إلى أي إجراء قضائي، ومن دون تعويض للمستأجر، بما يخالف مبادئ الحماية الاجتماعية والحق في السكن. مع ذلك، يُظهر الاجتهاد التشريعي في محطّات سابقة إمكانيّة الخروج عن منطوق المادة 562 لمواجهة ظروف استثنائية. ففي عام 1975، صدر القانون رقم 37 الذي خالف صراحة المادة المذكورة، حيث نصّ في مادته الأولى على أنّ: “تبقى نافذة المفعول عقود الإيجارات المتعلّقة بمأجور هلك أو تعيّب أو تغيّر أو حُرم المستأجر من الانتفاع به أو ببعضه حتى أصبح غير صالح للاستعمال المعدّ له، بفعل الأحداث التي حصلت على الأراضي اللبنانية خلال عام 1975.” كذلك، صدر بعد تفجير مرفأ بيروت القانون رقم 194/2020، الذي نصّ على تمديد جميع عقود الإيجار في الأبنية المتضرّرة لمدّة سنة، من دون تمييز بين عقود الإيجار القديمة والجديدة.
بالتالي، يفرض الواقع الحالي ضرورة تدخّل تشريعي عاجل يجمّد العمل بالمادة 562 في المناطق المتضرّرة، أو يقرّ استثناءً واضحاً كما حصل في تجارب سابقة، وذلك بهدف منع التهجير القسري للمستأجرين وضمان حقهم في العودة إلى مساكنهم بعد الترميم، وخصوصاً في ظل غياب سياسات سكنيّة عادلة وشاملة.
في مدينة صور مثلاً، بدأت تتجلّى محاولات الضغط على المستأجرين القدامى، واستغلال الأضرار الناجمة عن الضربة الإسرائيلية كفرصة لإنهاء عقود الإيجار القديمة، في ظل غياب أي حماية فعليّة للسكان أو إجراءات واضحة لضمان حقهم في السكن. ففي الحارة القديمة، حيث يشكّل المستأجرون القدامى الغالبية، قام أحد المالكين مؤخّرا بتوجيه إنذارات إخلاء لأربع عائلات تقطن في العقار نفسه، بعقود إيجار قديمة، وكانت هذه العائلات قد تعرّضت منازلها لأضرار جزئية نتيجة الضربة الإسرائيلية. كما ومن خلال بحث ميداني أجراه استوديو أشغال عامّة في المدينة، عبّرت إحدى المستأجرات القديمات، والذي دُمّر المبنى الذي كانت تسكن فيه بالكامل، عن قلقها من أن يقوم المالك بفرض عقود إيجار جديدة بشروط وأجور مختلفة بعد إعادة البناء، أو حرمانها من العودة إلى المسكن، خاصّة أنّ المالك كان قد وضعها سابقاً بين خيار رفع الإيجار أو إخلائها قبل الحرب، حيث كانت هناك دعاوى قضائية بين الطرفين. وهذا يضعها أمام خطر الإخلاء القسري والتشرد، في ظلّ ارتفاع الإيجارات وصعوبة العثور على سكن بديل بأسعار معقولة. وفي المبنى ذاته، واجهت حالة أخرى تهديدات مشابهة من المالك قبل الحرب، لكنّها اضطرت إلى فسخ عقد الإيجار القديم واستبداله بعقد جديد قبل فترة وجيزة من اندلاع الحرب. واليوم، تتشارك هذه المستأجرة مع جارتها المخاوف نفسها حول إمكانية العودة إلى منزلها بعد الترميم، وبأي شروط.
4- عدم قدرة المستأجرين على الترميم
في قوانين البناء اللبنانية، لدى المالك (أو كل المالكين في حال تعددهم) سلطة حصرية في اتخاذ قرار ترميم المباني المتضررة أو إعادة بنائها، إن كان عبر الحصول على تراخيص البناء وفق الآليات التقليدية، واستبدالها بملف يُقدّمه المالك إلى دوائر التنظيم المدني في الأقضية والمحافظات وفقاً لمشروع قانون إعادة الإعمار، على أن تصدر التراخيص بناءً على إفادة رسمية حول وضع المبنى المتضرر. في كلتي الحالتين، هناك مخاوف كبيرة تتعلق بحقوق المستأجرين، حيث يحتفظ المالك وحده بحق تقديم طلب الترميم، ما يمنحه سيطرة مطلقة على مصير العقار، حتى لو كان المستأجرون راغبين في إصلاح الأضرار. سبق لهذه الإشكالية أن برزت في المناطق المتضررة من تفجير مرفأ بيروت، حيث وجد المستأجرون أنفسهم عاجزين عن ترميم منازلهم بسبب تحكّم المالكين في قرارات إعادة البناء. وتزداد خطورة هذا الأمر في حالة المباني التي تحتاج إلى تدعيم إنشائي، إذ يشمل القانون المباني المهدّمة جزئياً أو كلياً، ما يعني أن امتناع المالك عن الترميم أو منعه المستأجرين من القيام به قد يؤدي إلى تهجير قسري. وقد ظهرت هذه المشكلة بالفعل في أحد مباني صور، حيث فضّل المالك هدم المبنى، مرجّحاً بيعه لتحقيق مكاسب، بينما كان المستأجر يسعى إلى ترميم محله والاحتفاظ به. هذه الحالات تكشف عن ضرورة وضع ضمانات تحول دون استغلال المالكين لفرض الإخلاء القسري أو حرمان السكان من العودة إلى مساكنهم.
عدا عن ذلك، من المهم الإشارة إلى الإشكالية المرتبطة بتعدّد الورثة من المالكين وتأثيرها المباشر على جهود الترميم. ففي عدد من الأبنية المتضرّرة، لا سيّما في الأحياء القديمة، كما هو الحال في الحارة القديمة في صور، يكون المالكون ورثة متعددين، بعضهم مجهولو الإقامة أو متوفّون، ما يجعل من الصعب جداً جمع تواقيعهم أو الحصول على وكالة قانونية موحّدة. هذا الواقع يُشكّل عائقاً أساسياً يُبطئ أو يمنع انطلاق أعمال الترميم. وهو وضع يُحتمل تكراره في مناطق أخرى مثل بعلبك وغيرها.
5- تهجير الفئات الأكثر استضعافاً وتضرراً
كما ذكرنا سابقاً، تسبّبت الحرب في تفاقم أوضاع الفئات المهمّشة، وخاصّة النازحين غير اللبنانيين الذين تمّ إقصاؤهم من خطط الإيواء خلال الحرب. مع تضرّر العديد من الأحياء التي كانوا يقطنونها، لا يزال العديد من العمال الأجانب واللاجئين السوريين بلا مكان يعودون إليه، واحتياجاتهم هائلة ومتزايدة، في ظلّ إقصاء البعض منهم أيضاً من بدلات الإيجار والإيواء التي بدأت الجهات غير الرسمية بدفعها، حيث لم تشمل السوريين المتضرّرين. في المقابل، تمّ تعويض بعض العائلات الفلسطينية المقيمة في الأحياء السكنيّة خارج المخيّمات فقط، دون أن تشمل هذه البدلات سكان المخيمات. بالإضافة إلى عدم قيام الدولة اللبنانية حتّى الآن بوضع أي خطّة أو آليّة رسميّة للتعويضات وإعادة الإعمار، أو تحديد ما إذا كانت الفئات المختلفة من غير اللبنانيين مشمولة بها.
بالنسبة إلى السوريين تحديداً، وعلى الرغم من أنه لم تصدر حتى الآن قرارات رسمية عن البلديات أو السلطات المحلية تمنعهم من العودة الى بيوتهم، إلا أنّنا وثقنا بعض الممارسات الهادفة إلى منعهم من العودة الى القرى او المدن التي تهجّروا منها. على سبيل المثال، أرسل رئيس بلدية معركة قبل يوم من وقف إطلاق النار، تسجيلاً انتشر على نطاق واسع بين السكان، دعا فيه السوريين، بصيغة تجمع بين الإلزام والرجاء، إلى إفساح المجال للبنانيين المتضررين للعثور على سكن بديل في قراهم، باعتبار ذلك مسألة أخلاقية. إلا أنه تم التراجع لاحقاً عن هذه الدعوة، ولم تُكرّرها أي بلدية أخرى. ومن خلال البحث الميداني الذي أجراه استوديو أشغال عامّة في مدينة صور، وثّقنا بعض التحديات السكنية التي يواجهها السوريون حالياً، أبرزها إجبارهم على الإخلاء بسبب أولوية إيواء أو تأجير الأقارب اللبنانيين المتضرّرين. ففي إحدى الحالات الموثّقة، اضطرّت لاجئة سورية، كانت قد نزحت من منزلها في صور إلى الشمال بسبب الحرب، إلى الإخلاء والبحث عن سكن جديد عند عودتها، حيث أبلغتها المالكة أن منزل عمّها قد تهدّم جرّاء القصف، ولذلك ستؤجّره له بدلاً من تأجيره لها، معتبرة ذلك تصرفاً أخلاقياً تجاه أقاربها، ومنحتها مهلة شهر للإخلاء وعرضت عليها مسكناً آخر للإيجار، لكنه لم يكن مناسباً لها. وهناك تحدٍّ آخر يتمثّل في الارتفاع الكبير في بدلات الإيجار، كما ذكرنا سابقاً، ما يضع السوريين أمام خيارين: إما قبول الزيادة، التي تتجاوز قدرتهم المالية، أو الإخلاء لصالح اللبنانيين.
بالإضافة الى التحديات السكنية الخمسة البارزة، فإنّ غياب الوضوح حول سياسة إعادة الإعمار عموماً سوف يؤثر على الحق بالسكن بشكل مباشر. بالنظر إلى تجارب الإعمار السابقة، فقد قامت بتعزيز المضاربة العقارية وأدّت إلى مخاطر عديدة لناحية استغلال الدمار الناتج عن الحرب كفرصة استثمارية وما ينتج عنه من تهجير الناس. ومن جهة أخرى، تبرز تحديات متعلقة بإمكانية إعادة البناء في الأحياء غير الرسميّة أو المناطق المبنيّة على أملاك الدولة، بحيث يتمّ تهميش حق السكان -من خلال إعادة بناء منازلهم على هذه الأراضي والعودة إليها- في حالة عدم صدور تشريعٍ يمّكنهم من ذلك. فمن خلال رصدنا للاعتداءات الإسرائيلية، تبيّن تعرّض أحياء غير رسمية للدمار في أكثر من مدينة في لبنان. في مدينة صور على سبيل المثال، شمل القصف تجمّع المعشوق وحي المساكن الشعبية، وفي صيدا منطقة التعمير، وفي بيروت حي السلم والعمروسية والليلكي، وغيرها. تظهر هذه الإشكالية نفسها في إعادة البناء في المناطق التي تضمّ عدداً من الأراضي الأميرية التي قد تقع فيها بعض المباني المدمّرة، بالأخصّ في محافظة البقاع وبعلبك الهرمل، وهي نفسها الأقضية التي تعرّضت لاعتداءات إسرائيلية واسعة ولقصفٍ متكرر وعنيف وبوتيرةٍ مرتفعة.
كما يبرز تحدي إعادة البناء في ظل قوانين البناء وأنظمة تصنيف الأراضي والملكية الحالية. إذ يحدّد قانون البناء تراجعات معينة ومساحة دنيا مسموحة للبناء، ما يؤدي إلى صعوبة أو حتى استحالة إعادة البناء في العقارات الصغيرة، كما يحدث في الحارة القديمة في صور على سبيل المثال، حيث دُمّر عدد من المباني على هكذا العقارات، أي عقارات صغيرة المساحة للغاية بحيث تبيّن من خلال الاطّلاع على الصحف العقارية لثلاثة منها مثلاً أن مساحة الأول تبلغ 48 متراً مربعاً، والثاني 64 متراً مربعاً، والثالث 150 متراً مربعاً. في المقابل، يشترط التصنيف الحالي للمنطقة حدّاً أدنى لمساحة القطعة الصالحة للبناء يبلغ 150 مترًا مربعًا، بالإضافة إلى فرض تراجع خلفي لا يقلّ عن ثلاثة أمتار. هذا يشكّل عائق قانوني أمام إعادة الإعمار في الحي، حيث أنّ المباني المدمّرة القائمة على هذه العقارات إمّا ستحتاج إلى استثناء من قانون البناء والتصنيف، أو ستتطلّب إصدار قانون خاص يسمح بإعادة بنائها كما كانت. في هذا السياق، قد يُبدي المالكون استعداداً لبيع عقاراتهم المتضرّرة، لا سيّما الصغيرة منها، كما هو الحال في الحارة القديمة في صور، نتيجة تعقيدات إجراءات الترميم أو لغياب القدرة المادية والفنية على إعادة الإعمار. وقد يستغل بعض المستثمرين هذا الواقع لإقناع المالكين بالبيع، بهدف تحويل هذه العقارات إلى مشاريع استثمارية تحقّق لهم أرباحاً ماليّة، ما يُعرّض السكان لخطر التهجير القسري ويفقدهم أمنهم السكني. وبهذا، تتحوّل عملية الإعمار من فرصة لإعادة الاستقرار إلى أداة استثمارية تُقصي السكان وتُهدّد النسيج الاجتماعي. يُضاف إلى ذلك تخوّف من إطلاق مشاريع تطوير عقاري ضخمة على أراضٍ جديدة، بما في ذلك الأراضي الزراعية، ما يُكرّس نمطاً من الإعمار لا يراعي الحاجة إلى الحفاظ على النسيج الاجتماعي والحق في السكن، بل يُعيد إنتاج منطق الربح العقاري على حساب السكان والبيئة.
وبالتالي، تكمن الأخطار الأساسية في استفادة المستثمرين من الوضع الراهن من خلال الانقضاض على الأراضي، والتمدّد العمراني المستشري خاصة على الأراضي الزراعية والأحراش.
في ظلّ الواقع السكني المأزوم الذي يعاني منه لبنان، تبرز الحاجة إلى تدخلات عاجلة وشاملة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فقد أدّى غياب السياسات الحكومية العادلة، واستمرار العدوان الإسرائيلي، بالإضافة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، إلى تعميق الأزمة السكنية وعرقلة إمكانيّات العودة إلى المناطق المتضرّرة وازدياد خطر التهجير القسري. لذا، فإنّ ضمان الحق في السكن لا يمكن أن يُترك لمبادرات فردية أو غير رسمية، بل يتطلّب رؤية متكاملة تضمن العدالة الاجتماعية وتضع في صلبها حماية الفئات الأكثر تضرراً، إلى حين الشروع الفعلي في عمليات إعادة الإعمار. فإنّ غياب خطط سكنية شاملة، واستمرار السياسات المجتزأة التي تتعامل مع الإيواء كأزمة مؤقتة، يكرّس واقعاً سكنياً هشّاً ويهدّد بفقدان مئات العائلات لمساكنها، خاصّة في ظلّ الانهيار الاقتصادي الشامل.
ولأنّ السكن ليس مجرد مأوى مادي، بل هو حق أساسي يتعلّق بالكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، فإنّ المرحلة المقبلة تتطلب تدخّلاً تشريعياً عاجلاً، يعتمد على سياسات سكنيّة شاملة وعادلة. هذا التدخّل يجب أن يسهم في ضمان عودة السكان إلى مناطقهم المتضرّرة، وبشروط تحفظ لهم حقّهم في الاستقرار والحياة الكريمة، سواءً في مساكن مؤقّتة لحين إعادة الإعمار أو بعد الانتهاء منه. فبدون معالجة جذريّة لهذه التحديات السكنية، لن تكون عمليات إعادة الإعمار سوى إعادة إنتاج للأزمات نفسها ضمن سياقات أكثر قسوة وتهميشاً. إذ لا يجب أن تقتصر إعادة الإعمار الشاملة على الماديات فقط، بل أن تشمل أيضاً حماية الحقوق السكنية، وتوفير حلول طويلة الأمد للمجتمعات المتضرّرة، بحيث يتمّ التخفيف من معاناتهم وضمان كرامتهم الإنسانية.
المراجع:
- 1والتي تبلغ 6000 دولار بدل إيجار لمدة سنة للمباني المهدّمة بشكل كامل، ومن 2000 إلى 4000 دولار للمباني المهدّمة جزئيّاً، بالإضافة إلى 8000 دولار بدل أثاث لكلا الحالتين. المصدر: قرار التعويضات للحرب 2024
- 2لكفاءات: شقة مفروشة غرفتين: 1000$، بشرط تسديد 3 أشهر سلفاً؛ الغبيري: 1200$؛ الجناح: سبع غرف: 1500$؛ معركة (صور): شقة غير مفروشة: 600$؛ الحوش (صور): شقة غير مفروشة 1200$؛ الأوزاعي: 400$؛ برج البراجنة: 350$؛ السان تيريز: 1000$ شرط تسديد 6 أشهر سلفاً وشهر عمولة؛ حي السلم: من 200$ إلى 300$؛ المشرفية: ارتفاع الإيجار من 400$ إلى 750$؛ تول النبطية: ارتفاع الايجار من 150$ إلى 500$؛ محيط مستشفى بهمن: 800$؛ بئر العبد: 900$؛ النبطية: 500$ لغير المفروشة و700$ للمفروشة؛ المريجة: من 400$ إلى 600$ و800$؛ صفير: من 500$ إلى 750$؛ منطقة الجاموس- حي الأميركان: أكثر من 1000$ عدا عن الخدمات الشهرية (1500$). المصادر: حولا وميس وبليدا: مساواة بالدمار وتفاوت بعودة الأهالي | إيجارات البيوت في الضاحية “تشتعل”: التشرّد حرباً وسلماً | إرتفاع قيمة الإيجارات في لبنان.. أزمة مستمرة بعد انتهاء الحرب | أسعار خياليّة وشروط تعجيزية: أزمة سكن تطلّ برأسها في الضاحية والجنوب
- 3
- 4المصدر: الرصد الدوري للاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان الذي يجريه استديو أشغال عامة.
- 5قبل أن يُطعن به، ليعود ويوقّع عليه رئيسا الجمهورية والحكومة باتّجاه نشره مرة أخرى.



اقتراحان توأمان لتعزيز الحقّ بالسكن
تقدّمت النائبة حليمة القعقور مع عدد من النواب، يوم الأربعاء ٢٥ شباط ٢٠٢٦، باقتراحَي قانون إلى رئاسة مجلس النواب، الأول معجّل مكرّر لتعديل قانون الإيجارات السكنية القديمة والثاني لتنظيم عقود الإيجار، في خطوة ...