“الخطّة الاستباقية لمواجهة أيّ حرب مقبلة”:

متى تعتبر الدولة أنّنا في حالة حرب؟

بحث وكتابة: يارا عبد الخالق

منذ اليوم الأول الذي تلا عملية طوفان الأقصى، كان لبنان وجنوبه تحديداً، في مرمى الاعتداءات الاسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، استمرّت وتيرة الاستهدافات من قبل العدو الاسرائيلي بالتصاعد ما سبّب أضراراً شاسعة وخسائر بالأرواح والمنازل والبنى التحتية، وحتى بالبيئة والنظم الاقتصادية القائمة في هذه المناطق. قطع هذا العدوان أرزاق السكان ودفع معظمهن/م للنزوح من أماكن سكنهم خوفاً على حياتهن/م ليصل عدد النازحين الحاليين إلى أكثر من 87 ألف شخص، بحسب أرقام منظّمة الهجرة الدولية.

وفي حين تتوسّع رقعة الضربات الاسرائيلية وتتزايد الخسائر وأعداد النازحين يوماً بعد يوم، نرى تخبّطاً واضحاً في استجابة الدولة ومؤسّساتها لهكذا أزمة. فحتى اليوم لم تعترف الدولة أننا في حالة حرب حقيقية1على سبيل المثال، وبعد الغارة على مدينة النبطية يوم 14 شباط 2024، صرّح الوزير المولوي عن التخوّف من امتداد الإعتداءات إلى العمق اللبناني، كأن ما يجري ليس حرباً على لبنان. أما في تشرين الثاني 2023، فقد صرّح رئيس الوزراء نجيب ميقاتي أنّ ليس للدولة دور في النزاع القائم، ولم يدلِ بأي تصريح يعبّر أنّ لبنان في حالة حرب. ولم تستنفر جهودها ومواردها لاستباق هذه الخسائر والتخفيف منها وتأمين الحد الأدنى من متطلّبات الصمود للنازحات/ين. تُركت الساحة في عهدة المنظمات الدولية والجمعيات والأحزاب المحلية2إيناس شري، 2023/11/06، في ظلّ تحلّل الدولة والعجز المالي: خطة طوارئ الحرب رهن استجابة المنظمات الدوليّة، المفكرة القانونية تحت حجّة انعدام الموارد، بدلاً من أن تكون هي الموجّه الأساس لكل عمليات الاستجابة المتوازنة لهكذا كارثة.

وقد كانت الحكومة اللبنانية قد أقرّت “خطة الطوارئ الوطنية” ‬‎ أو ما عُرف ب”الخطة الاستباقية لمواجهة أي حرب مقبلة” في الأول من تشرين الثاني 2023 وذلك بعد مرور أكثر من ثلاث أسابيع على اندلاع الحرب في جنوب لبنان. وقد تمّ صياغة هذه الخطة بعد عدة اجتماعات لـ “وحدة إدارة الكوارث والأزمات الوطنية” التي يرأسها رئيس الحكومة وتضمّ عدداً من الوزارات والإدارات العامة.

اليوم وبالتزامن مع مرور ما يقارب الخمسة أشهر على دخول لبنان الحرب، وبعد العديد من الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل، خاصة الأخيرة في النبطية، نفنّد شوائب الخطة التي تمّ إقرارها ونربطها بما يجري على الأرض، وبمدى التزام الدولة اللبنانية بتنفيذ هذه الخطة وبالاستجابة الفعلية لاحتياجات الحرب القائمة.

باختصار، ما هي الخطة؟

لقد استندت هذه الخطة على وقائع عدوان تموز 2006، تحديداً تعرُّض مليون شخص للتهجير القسري لمدة 45 يوماً، بالإضافة إلى حجم الأضرار البشرية والمادية التي أتت نتيجة القصف الإسرائيلي آنذاك. وبحسب محاكاة أماكن القصف خلال عدوان 2006 تصنّف الخطة، من خلال خرائط، المناطق اللبنانية بحسب خطورة تعرّضها للقصف، وتحدّد مناطق الإيواء. ويشمل هذا التصنيف ثلاث مناطق أساسية: المنطقة الأولى، المنطقة الحمراء، وهي الأكثر تضرّراً في خلال حرب تموز، وتضمّ الجنوب والنبطية وبعلبك والهرمل وبعبدا، والتي قد تتعرّض للقصف بكثافة في أي حرب مقبلة. المنطقة الثانية، وهي التي تقع على تخوم المناطق الحمراء، ويفترض تجهيزها لتقديم الإغاثة والمساعدات الطارئة، وتضم صيدا وصور وزحلة. وأخيراً المنطقة الثالثة، منطقة الإيواء، وتضم مناطق جبل لبنان بشكل أساسي. كذلك تتضمّن الخطة تخصيص 50 مستشفى تملك قدرة على علاج نحو ألفي جريح يومياً، وتخصيص 75 مدرسة غير مستخدمة كمراكز إيواء – ويتمّ التواصل مع اليونيسيف ومنسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية للبحث بكيفية تجهيز هذه المدارس لاستقبال النازحين من الحرب، بالإضافة إلى تأمين الإسعاف، الغذاء، والوقود.

وقد تمّ تقدير كلفة تنفيذ الخطة ب120 مليون دولار، عجزت الدولة عن تأمينها حتى يومنا هذا على الرغم من إقرار الموازنة العامة لعام 2024 في كانون الثاني، والتي لم تذكر بشكل مباشر أي مخصّصات طوارئ ضمن الاعتمادات التي تمّ فتحها، مع بقاء احتمال التمويل من احتياطي الموازنة مفتوح، ما يثبت صحّة المُتداول عن نقاشات اللجان النيابية، حول رفض عدد من المسؤولين والمصرف المركزي تمويل الخطة والمس بالودائع المقدّسة. فنرى تدخّلات خجولة انحصرت بصرف 300 مليون ليرة لصالح مجلس الجنوب استخدم منها ما يقارب 100 مليون على شكل حصص غذائية، من دون خطة توزيع واضحة وعادلة، مع إمكانية استعمال المبلغ المتبقّي لدفع تعويضات أولية عن الأضرار البسيطة الناجمة عن الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب بحسب رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر.3ندى أيوب، 30/11/2023، الحكومة اقرّتها بعد تعديل سعر الصرف: 10 ملايين دولار تعويضات للمتضررين من العدوان، الأخبار

وبعيداً عن التحديات وشحّ الموارد، لا بد من تفنيد الخلل في الخطة التي وضعت أصلاً ل45 يوماً، بينما تخطّنا اليوم ال85 على إقرارها في مجلس الوزراء، ولم يتم تنفيذها فعلياً على أرض الواقع.

تظهر هذه الخريطة دراسة المخاطر للمناطق الأكثر تأثراً بالاعتداءات الاسرائيلية. يرتكز هذا التقييم على عوامل عدة، مثل القرب من الحدود، المناطق التي تعرّضت لأضرار خلال اعتداءات حرب 2006 والمناطق التي تتعرّض حالياً لأضرار. كما تأخذ الخريطة بعين الاعتبار إستعدادات المناطق وسكانها للحرب، تحديداً فيما يتعلّق بالمراكز الصحية، الموارد اللوجستية، قدرات الدفاع المدني، الخدمات البلدية، تواجد سيارات الإسعاف وغيرها من العوامل.

المصدر:خطة الطوارئ الوطنية الصادرة عن الحكومة اللبنانية في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023

معنى أن تكون خطةً “استباقية” لحرب “مقبلة”

ننطلق من تمسّك الدولة بتسميتها ك”خطة استباقية” وكأنّ الحرب غير قائمة فعلاً. فمن جهة، تدلّ مقاربة الحكومة – في الخرائط والمعلومات التي اعتمدت عليها – على أنّ تعريف الحرب هو شبيه بما جرى في عدوان 2006. بالتالي، يقول وزير البيئة ناصر ياسين، المُكلّف من الحكومة اللبنانية بالتنسيق بين لجنة الكوارث الوطنية والمنظّمات الدولية، إن «الخطّة لم تطبّق بالأساس لأن ما أنتجته هذه الحرب مختلف عن السيناريو التي بُنيت عليه. فالحرب بقيت محصورة في الجنوب ولم تتمدّد العمليات العدائية ولم تسفر عن أعداد كبيرة من الإصابات، كما بقي عدد النازحين أقل مما هو متوقّع مع فارق أن فترة نزوحهم كانت أطول مما هو متوقّع»4فيفيان عقيقي، 2024/01/2024، الدولة اللبنانية “غير المسؤولة” عن مواطنيها، موقع صفر.

تبرير نكران الحرب القائمة كونها بقيت محصورة في الجنوب هو بحد ذاته إشكالية كبرى، وليس من المستغرب أن تبقى الخطة في إطار نظري، مع غياب آليات التنفيذ والموارد اللازمة له في ظل الواقع الحالي لتفكّك الدولة ومؤسساتها. فحتى اليوم استهدف القصف الاسرائيلي أكثر من 100 بلدة في جنوب لبنان، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 200 شخص. بالإضافة إلى إلحاق الضرر بالمنازل والممتلكات والبنى التحتية وحرق الأراضي الحرجية والزراعية بحسب إحصاءات المجلس الوطني للبحوث العلمية، وخنق السكان باستخدام الفوسفور الأبيض.

يغيب عن الخطة إذاً منطق الاستجابة لحرب قائمة. فهي لا تحتوي على إجراءات عملية استباقية واضحة في مجال تجنّب الضرر (أو التخفيف منه) الذي قد ينجم عن أي تصعيد أو توسّع للحرب مثل إخلاءات تسبق القصف، البدء بإنشاء المستشفيات الميدانية أو نقاط تخزين أدوية وغذاء ووقود كخطوة استباقية لاحتمالية ضرب البنى التحتية وانقطاع بعض المناطق أو عزلها.

ومع غياب مصادر التمويل عن هكذا خطة يكرَّس التسوّل من المنظمات الدولية حلاً وحيدا لتأمين أغلب الموارد. يشرح الوزير ناصر ياسين في هذا الصدد بأن الاعتماد بشكل أساسي هو على برنامج الأغذية العالمي واليونيسف لتوفير المساعدات الغذائية والنقدية والإغاثية والصحّية، فيما انحصر دور الدولة بتأمين العلاقة بين المنظّمات الإغاثية والجهات المحلّية5نفس المصدر. وقامت المنظمات الدولية بحسب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بتوزيع أكثر من 23 ألف وحدة غذائية على مختلف المناطق اللبنانية و343 ألف وجبة غذائية على المآوي الموجودة في صيدا وصور. كما وزّعت هذه المنظمات بطانيات وفرش وحاجات أساسية متنوعة، استفاد ما يقارب ال16 ألف و500 عائلة من مساعدة نقدية لمرة واحدة في الجنوب والنبطية. ومن الواضح أن هذه المساعدات مع أهميتها، لم تشمل جميع النازحين/ات، وهي تصنّف في إطار الاستجابة الأولية الأساسية التلقائية، ولا تأخذ بعين الاعتبار الاستجابة المستدامة للضرر الاقتصادي والاجتماعي الذي نجم عن هذه الكارثة.

وقد سيطر نقاش التمويل على جلسات الحكومة وعلى اللجان النيابية المنقسمة حتى حول إمكانية تمويل هذه الخطة داخلياً من احتياطي مصرف لبنان، الذي يرفض حاكمه الحالي المس به لهذه الغاية. فالودائع المقدسة أهم من حياة مجمل اللبنانيين عندما يطالهم العدوان، مع توسّع هذه الحرب.

مقاربة للإيواء بعيدة عن الواقع

بالنسبة للإيواء، تتضمّن الخطة تخصيص 75 مدرسة غير مستخدمة كمراكز إيواء. وبحسب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، تمّ استحداث 18 مأوى جماعي حتى الآن، توزعّت بين 5 في صور، 7 في حاصبيا، 4 في النبطية، 1 في صيدا و1 في البقاع. كما لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه المقاربة للإيواء يغيب عنها تصوّر شامل لضمان الحق في السكن في ظل أزمة النزوح التي وصلت أعدادها إلى ما يزيد عن 87 ألف نازح\ة داخلي\ة على صعيد كل لبنان، بحسب ما قدّرته منظّمة الهجرة الدولية؛ 80% منهن/م تستقبلهن/م عائلات مضيفة، وفقط ما يقارب ال2% منهم تستوعبهم مراكز الإيواء، في حين لجأ 15% منهم إلى الإيجار كحل مؤقت، في ظلّ تفاقم ظاهرة ارتفاع بدلات الإيجار.

المصدر: تقرير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، تحديث سريع رقم 11 حول تصاعد العنف في جنوب لبنان بتاريخ 8 شباط/ فبراير 2024

بالإضافة إلى ذلك، يبدو واضحاً من الخطة بأن الدولة حالياً لا تملك معلومات حول وضع مراكز الإيواء المحدّدة على الخريطة، لجهة تجهيزاتها ووضعها، وتنتظر من المنظمات والجمعيات الدعم لمسح وضع هذه المراكز وتقييمها وتجهيزها. وبالتالي فإن الدولة تتعاطى مرة أخرى مع الوضع وكأنه مستجدّ وغير مخطّط له، وتأتي خطتها بمعزل عن الأزمات والحروب والتفجير الأخير للعاصمة. فلا أرقام مسبقة ولا إحصاءات يُبنى عليها ولا تحضير مسبق، من تجهيز للمدارس ومراكز الايواء المحتملة أو من إقامة ملاجئ في المناطق المعرضة للاعتداء أو حتى رصد للشغور وإمكانيات الإيواء المتاحة.

ومن الضروري الإشارة إلى التشتّت وعدم التنسيق في اتخاذ القرارات بين السلطات، وهو ما يتّضح من خلال إصدار وزير التربية تعليمات تقضي بعدم استخدام المدارس كمراكز إيواء، وهو ما يناقض توجّه الخطة الموضوعة. ونرى انطلاقاً من ذلك، غياب التنسيق بين الوزارات، وبينها وبين السلطات المحلية.

فنرى مثالاً في صور، حيث فُتِحَت ثلاث مدارس للإيواء تلبيةً للحاجات الانسانية المتفاقمة، دون الرجوع إلى وزير التربية6روزيت فاضل، 2023/10/19، وزير التربية يرفض عبر “النهار” إيواء نازحين في المدارس الرسميّة… 100 ألف تلميذ سوري التحقوا بالقطاع الخاصّ، النهار. وإذا ما نظرنا إلى الواقع المحلي، فإن البلديات لم تنتظر الخطة أصلاً، وباشرت بتشكيل خلايا أزمة من بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر2023.

تصف محافظ النبطية د. هويدا الترك في مقابلة معها، أنّه قد سبق خطة الطوارئ تشكيل خلية أزمة في كل محافظة ومنها محافظة النبطية. الخلية يترأسها المحافظ وتضمّ فريق عمل/لجنة إدارة كوارث من ممثّلين عن مختلف إدارات الدولة ومؤسساتها، بالإضافة إلى ممثلين عن مجلس الجنوب والدفاع المدني والصليب الأحمر، مع تشكيل خلايا فرعية في كل قضاء. فمثلاً على صعيد محافظة النبطية تم تفعيل خلية الأزمة في اليوم الثالث أو الرابع بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر. وبحسب المحافظ، تعمل هذه الخلايا على جمع الداتا عبر البلديات والخلايا الفرعية بالقائمقاميات. كما حُرص على إنشاء قنوات تواصل للجمعيات والمنظمات للتنسيق في إيصال الخدمات والمساعدات تفادياً لتكرار الجهود، وسعياً إلى توحيد المعلومات وشفافيتها ومركزية التوزيع. تشير المحافظ عند سؤالها عن المعلومات والإحصاءات، إلى مشكلة غياب الإحصاءات السكنية، والتي هي الأساس لرسم أي استراتيجية. فمثلاً في النبطية، لا معلومات عن المنازل الشاغرة، وتقوم الخلية الآن بجمع هكذا معلومات لتسيير أمور النازحين/ات.

كما يؤكّد رئيس بلدية كفرشوبا، قاسم القادري في مقابلة معه، بأن الدولة غائبة كلياً والبلديات تعمل وحدها. ويصف كفرشوبا وغيرها من القرى التابعة لاتحاد العرقوب، بالقرى الأمامية التي تتعرّض للقصف ولا من يسأل عن حال ساكنيها.

تذكّرنا الحرب اليوم بغياب الدولة عن القرى الحدودية، إن كنّا نسيناه. فلا خطط لإجلاء السكّان المتروكين لمصيرهم/ن اليوم، أي وضعهن\م أما خيارين وحيدين: إمّا الهروب نحو أماكن تواجد أقارب أو أصدقاء، وإّما البقاء تحت الخطر. هذا ويُترك الناس دون إرشادات واضحة أو مراكز إيواء محدّدة ومجهّزة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين.

لا إيواء عادل في ظل تسليع السكن

يتزايد الضغط في ظل تفاقم الازمة على النازحات/ين العاجزات/ين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية من جهة وعلى المستضيفين لهم من جهة أخرى. كما تفتقر مراكز الإيواء إلى مقومات الصمود والعيش الكريم والدعم اللازم للموجودات/ين فيها، مع غياب الدولة غياباً تاماً عن دعم معظم النازحات/ين.

أما بالنسبة لفئة النازحات/ين اللواتي والذين لجؤوا إلى الإستئجار، وبالتالي أمّنت سكناً مؤقتاً في مناطق آمنة، فهم ما زالوا يواجهون مظاهر استغلال الأزمة في أغلب المناطق، بحيث ارتفعت الإيجارات 650%، بحسب دراسة عينات أجريناها على بعض المناطق. وبالعودة إلى الخطة، فإنها بالأصل تتجاهل مسألة الإيجارات المرتفعة نتيجة النزوح، وقد أدّى ذلك إلى قيام العائلات المقتدرة باستئجار الشقق بأسعار مرتفعة، فيما تواجه العائلات النازحة الأخرى صعوبات في العثور على سكن، أو تُجبر على القبول بخيارات لا تتلاءم مع حاجاتها أو سلامتها. بالمقابل، وفي ظلّ الوضع الاستثنائي، لا يوجد حتى الآن أي جهد رسمي لمراقبة رسوم الإيجار.

غير أنّه وفي خطوة غير مسبوقة، أصدر محافظ النبطية بالتكليف تعميماً في 20 تشرين الأوّل للقائمقامين والبلديات ومخاتير القرى التي لا يوجد فيها بلديات ضمن محافظة النبطية، يطلب منهم فيه مكافحة ظاهرة استغلال أصحاب الوحدات السكنية واعتماد تدبير استثنائي يقضي بتحديد السعر العادل للتأجير المؤقت للنازحين/ات وتفعيل دور شرطة البلدية لتطبيق ذلك. وقد كان واضحاً ضمن التعميم أنّ النزوح أدّى إلى انتشار ظاهرة الارتفاع الفاحش لأسعار تأجير أو استثمار الوحدات المعدة للسكن، ما ينبئ، وبحسب ما ورد في التعميم، “بانعدام الحسّ الإنساني وروح التعاضد وسيادة الاستغلال والاحتكار، ويستوجب التدخل للحدّ من هذا الاحتكار.”



وفي ذات السياق يؤكد المحامي شكري حداد7رنا طبارة ولين ماضي، 2023/10/28، حرب غزة.. نزوح الآلاف من جنوب لبنان يرفع الايجارات ويهدد مخزون السلع، CNN الاقتصادية على مسؤولية الدولة، لكن في حالة واحدة، ف”عند حدوث تعبئة عامة، يمكن للوزارات أخذ قرارات لإجراء تعميم يمنع الاستغلال تحت عنوان المصلحة العامة. بالتالي توجد ثلاث وزارات أساسية تلعب دوراً بارزاً في هذا الموضوع، هي وزارة المالية لتحديد قيمة التأجير ووزارة الاقتصاد إلى جانب وزارة السياحة لضبط المرافق السياحية”.

وبذلك، فعندما نكون في حالة حرب، لا يمكن أن تقتصر خطة الطوارئ المطروحة على تأمين مراكز مخصصة للإيواء في المدارس وغيرها من المواقع، بل لا بد من وضع تصوّر شامل للسكن، يأخذ بعين الاعتبار ضرورة ضبط الإيجارات، ومقاربة النزوح والإيواء بشكل شامل وأكثر عدلاً للجميع.

تغييب الأشخاص المعوّقين والمسنين

وفيما يظهر قصور الخطة بوضع سياسات شاملة، يبدو واضحاً بأّنها خطة مجتزأة وبعيدة كل البعد عن أخذ واقع المناطق وحاجات الناس بعين الاعتبار. فمن غير المنطقي أن تصدر خطة طوارئ لا تتطرّق لذوي الإعاقة بأي شكل من الأشكال. فبحسب المحامية منار زعيتر، من المهم وانسجاماً مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعوّقين، والتي وقّع عليها لبنان، تعديل التشريعات ووضع سياسات تتناسب مع هذه الاتفاقية وإشراك الأشخاص المعوقين في صياغة الخطط. وتشدّد المحامية أنه في حالات الحروب، فإن المادة 11 من هذه الاتفاقية، تُلزم الدول المصادقة على الاتفاقية بحماية الأشخاص المعوقين عبر اتّباع كافة التدابير الممكنة لتأمين حمايتهم خلال النزاعات، ما يعني بأن الدولة اللبنانية ملزمة بتأمين البيئة الآمنة لهم8فرح منصور، 2023/12/22، 15% من اللبنانيين: المعوقون متروكون بلا حماية من الحرب، المدن.

يشكّل الأشخاص المعوقين حوالي 15 بالمئة من عدد سكان لبنان ويتجاوز عددهم ال800 ألف شخص، وتعتبر هذه الفئة من الفئات الأكثر استضعافاً في المجتمع9المصدر نفسه. وإذ تستمر الدولة اللبنانية بالتنصّل من مسؤولياتها، لا تتطرّق خطة الطوارئ مثلاً إلى إمكانية استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من مراكز النزوح أو الإيواء التي هي في الوقت الحالي غير مجهّزة. وبالتالي، فهناك شبه استحالة وصول هذه الفئة إلى مراكز الإيواء، ولا ترتيبات لاستيعابها، وبذلك فهي مجبرة على البقاء مكانها أو الذهاب إلى أقارب او أصدقاء.

أوضحت المديرة التنفيذية للاتحاد اللبناني للأشخاص المعوّقين حركياً، حنين الشمالي، بأن 13 ألف نازح قد لجأوا لمدينة صور منذ بداية المعارك في جنوب لبنان وحتى كانون الأول 2023، وأن أكثر من 1335 شخصاً يعانون من إعاقات جسدية ومن أمراض مزمنة، فيما مراكز الإيواء ليست جاهزة لاستقبالهن/م، جرّاء عدم تجهيزها هندسيًا لمراعاة حالتهم الجسدية، ولا يتوفّر فيها التيار الكهربائي، والمصاعد الكهربائية متوقّفة عن العمل10المصدر نفسه.

كما أنّ الخطة لا تضع آليات لوصول المعلومات لهؤلاء الأشخاص، ولا تقوم باستشارة ذوي الشأن من منظّمات تعنى بذوي الإعاقة أو تتطرّق إلى إنشاء وحدات مختصّة تُعنى بهذا الشأن ضمن خلايا الأزمات. وفي حين تستند الخطة إلى اعتداءات 2006 لتحديد كيفية الاستجابة، إلا أنّها لم تأخذ بعين الاعتبار واقع بقاء العديد من كبار السن في منازلهم في الحرب الأخيرة وبالتالي لم تضع آليات للتأكد من إمكانية تكرار هذه الظاهرة والاستجابة لها، إمّا عبر تأمين ما يلزم من احتياجات أو المساعدة في إجلاء هذه الفئات.

وأخيراً وبحسب توصيات ورشة عمل بعنوان “حقوق الأشخاص المعوقين والمساعدة الإنسانية الشاملة” الذي نظّمه الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوّقين حركياً والمنتدى العربي لحقوق الأشخاص المعوّقين، هناك ضرورة ملحّة تقتضي مراجعة خطة الطوارئ الحالية وإضافة عناصر أساسية تضمن إشراك الأشخاص المعوّقين في صياغتها ولحظ تنوع احتياجاتهن/م واعتماد المعايير الدامجة للجميع في التجهيز وإعادة الإعمار. ومن الملحّ إدراج وحدةٍ لإدماج الإعاقة في هيكلية إدارة الكوارث، وبرمجة كيفية الوصول للمعلومات عن الأشخاص المعوّقين، وتطوير أدوات التقييم والبحث لتشمل الإعاقة وعناصر الدمج، واعتماد نقاط ارتكاز والتشاور مع منظمات الإعاقة، واعتماد خطة تدخّل لمساعدة الأشخاص المعوّقين الذين لديهم إعاقات صعبة ويحتاجون للمساعدة في حالة الطوارئ مع البلديات والمجتمع المحلي11ورشة عمل حول “حقوق الأشخاص المعوقين والمساعدة الإنسانية الشاملة”، 2023/12/22، تنظيم الاتحاد اللبناني للاشخاص المعوقين حركيا والمنتدى العربي لحقوق الاشخاص المعوقين.

تمييز تجاه غير اللبنانيين

تركّز الخطة على الاستجابة لحاجات النازحين اللبنانيين والمجتمع اللبناني المضيف في حين تشير إلى أن التعاطي مع “الفئات السكانية الأخرى” سيكون بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة المختصة، تحديداً الأونروا للفلسطينيين، ومفوضية اللاجئين للسوريين ومنظّمة الأمم المتحدة للهجرة للعمال الأجانب. بمعنى آخر، فإن الخطة المذكورة لا تعتمد مقاربة شاملة للمتضرّرات\ين من الحرب الإسرائيلية.

وبالتالي، يعاني اللاجئات\ون السوريات\ون النازحات\ون من الجنوب من الإقصاء بشكل مضاعف، بحيث لا يتم شملهم في إحصاءات النزوح، ولا في خطة الطوارئ لإيوائهم. بالنسبة للحكومة، فإنّ المؤسّسات الرسمية لن تكون قادرة على تقديم الخدمات لأعداد كبيرة من النازحين في ظل الأزمة الاقتصادية الحاصلة، ومراكز الإيواء لن تكون كافية للّبنانيين والسوريين على حدٍّ سواء، لكن خطة الطوارئ التي طوّرتها الحكومة، تضع المسؤولية المباشرة عن اللاجئين/ات السوريين/ات على عاتق المنظمات الدولية12جاد فياض، 2023/11/02، النازحون السوريون في الجنوب… ما مصيرهم في حال اندلاع حرب؟، النهار. كما تقوم بعض البلديات مثل حاصبيا بمنع اللاجئين/ات السوريين/ات النازحين/ات من السكن في البلدة. وقد ساهم هذا الواقع ببقاء بعض العائلات السورية اللاجئة في الجنوب اللبناني رغم القصف المستمرّ على المنطقة، ما يعرّض حياتهم للخطر من جهة، ويمنعهم من تأمين سبل عيشهم كما يتّضح من حديث مع رئيس بلدية كفرشوبا: “اللاجئين السوريين الذين كانوا موجودين في البلدة نزحوا منها عند بداية الأحداث، ولكن بعض المناطق لم تستقبلهم كمدينة حاصبيا، فعاد جزء كبير منهم إلى البلدة.”

تجاهل الضرر البيئي والزراعي

وفي حين يغيب عن الخطة التطرق لخصوصيات بعض الفئات الاجتماعية، فإنها لا تأخذ بعين الاعتبار كذلك، خصوصية المناطق التي تتعرّض للقصف ونشاطاتها الاقتصادية وسبل عيش سكانها. فالجنوب والقرى الحدودية خصوصاً تتميز بالغنى بالأحراج والمناطق الزراعية وأشجارالفاكهة والزيتون. وبالتالي فإن قراءة الواقع الجغرافي والاقتصادي للمنطقة ينذر بتأثير حتمي لهكذا اعتداءات على البيئة وعلى النشاط الزراعي وبالتالي على مصادر دخل السكان. فقد نجم عن الاعتداءات الحالية حرق أكثر من 7.9 مليون متر مربع من الأراضي الحرجية والزراعية وقتل اكثر من 40 ألف شجرة زيتون بحسب إحصاءات المجلس الوطني للبحوث العلمية. كما من المهم ذكر استخدام إسرائيل لقنابل الفوسفور الأبيض المحرّم دولياً، لقصف أكثر من 30 بلدة حتى اليوم في “إبادة بيئية” متعمّدة وتأثير بعيد المدى.

وقد بادرت وزارة البيئة في هذا الصدد، وبحسب حديث لوزير البيئة، إلى استخدام أدوات متنوّعة لتوثيق هذا الضرر. أولاً ومن خلال المركز الوطني للبحوث، تم توثيق المساحات المحترقة وعدد الأشجار المحترقة عبر الصور الجوية. ثانياً جُمعت عينات من التربة لإثبات استخدام الفوسفور الأبيض. ثالثاً تم جمع عينات من بقايا السلاح المستخدم. وأخيراً قام كل من الجيش واليونيفيل بصياغة تقارير حول هذه الاعتداءات. كل هذا التوثيق سيُرفق مع الشكوى المقدمة لمجلس الأمن والذي ستحال إلى الجمعية العامة، في حال استخدام حق الفيتو. وقد تحدّث الوزير عن سابقة سجّلت بعد اعتداءات تموز 2006، بحيث نجح لبنان بفرض تعويضات على اسرائيل تقدّر ب860 مليون دولار بسبب القصف المتعمّد لحاويات النفط في معمل الجية والتسرّبات التي تسبّبت بتلويث الشاطئ اللبناني آنذاك. ويقول الوزير بأنه حتى لو لم يدفع المبلغ حتى الآن، فمن الضروري القيام بهكذا شكاوى واستخدام التوثيق كأداة مواجهة لما يرتكبه العدو على أراضنا13مداخلة للوزير ناصر ياسين، 2023/12/20،  الإبادة البيئية في فلسطين وجنوب لبنان،  محاضرة من تنظيم استديو أشغال عامة.

وبالعودة إلى الخطة، فقد غاب عنها كيفية التعامل مع هذه الأضرار والتعويض على الخسائر وسدّ فجوة تدمير مصدر دخل معظم قاطني هذه المناطق، بسبب تعذّر وصول المزارعات\ين إلى أراضيهم وقطاف محاصيلهم. وقد فشلت الخطة حتى بوضع أي إرشادات توجيهية لهؤلاء السكان بالنسبة لواقع التعامل مع القصف المستمر، وخصوصاً على مستوى التعاطي مع تلوّث تربتهم ومياههم بالفوسفور، في حين اقترحت بعض البلديات مؤازرة أمنية من قبل الجيش اللبناني للمزارعين للوصول لأراضيهم.

لا استباق ولا استجابة مع توسّع الحرب

في الوقت الذي نسمع فيه تصريحات متكرّرة من وزراء ومسؤولين، بعضها يصف الواقع وبعضها ينكر الحرب ويستبعد التوسّع أو يتخوف منه14على سبيل المثال، وبعد الغارة على مدينة النبطية يوم 14 شباط 2024، صرّح الوزير المولوي عن التخوّف من امتداد الإعتداءات إلى العمق اللبناني، كأن ما يجري ليس حرباً على لبنان.، والبعض الآخر يتحدّث عن العقبات وصعوبة الاستجابة في ظلّ الأزمة الاقتصادية، تبقى الدولة غائبة عمّا يجري جنوب الليطاني، وتسلّم أمر السكان – كما عهدناها- للمنظمات الدولية والجمعيات. كل ذلك يحصل، وكأن لبنان لا يقع في منطقة أزمات متكرّرة، تفرض على الدولة أن تكون على جهوزية تامة وبشكل استباقي في معظم الأوقات، عبر رسم استراتيجيات وسياسات عامة وتطويرها بحسب التطورات والمستجدات. كما يجدر، خلال الأزمات، نقل المعلومات ومشاركتها بين الحكومات المتلاحقة، وإيجاد الأدوات والمؤسسات والآليات اللازمة لتطبيقها.

مع توسّع رقعة الاعتداءات لتطال حتى الأماكن التي لجأ لها عدد كبير من النازحات/ين كالنبطية مثلاً، من المهم فتح النقاش في تغيّر السيناريوهات، ورسم خطط لكلّ منها، تنتج عنها خطوات فعلية، قد تساهم في إنقاذ الأرواح وحماية النازحات/ين وصون كرامتهن/م الانسانية.

حتى وإن كانت الجمعيات والمنظّمات غير الحكومية فاعلة وناشطة -وهو ليس بالضرورة الحال اليوم-، ففي حالة الأزمات أو الحروب، لا يمكن إدارة وضع النازحات\ين وتأمين حاجاتهن\م، إلّا من قبل مؤسّسة مركزية، تمتلك السلطة والحق للإدارة ولتقرير مصائر الناس. وبذلك، لا بديل عن الدولة اليوم، في التخطيط لإدارة الأزمة ورسم أطر الإسعاف والدعم والإيواء، ومن بعدها التعافي، بأشمل شكل وأكثره تفكّراً بتفاصيل حاجات الناس وتنوّعهم، وتطوير الأدوات كلّما طرأ طارئ.

المراجع:

إعادة الإعمار والتعافي السكن قضاء النبطية قضاء بنت جبيل قضاء حاصبيا قضاء صور قضاء صيدا قضاء مرجعيون لبنان محافظة النبطية
 
 
 

الحرب الإسرائيلية 2023:

مصائر الأهالي ومسارات المواجهة في لبنان

يستعيد الجنوبيون في لبنان اليوم تجارب يوميات أليمة من قلب ذاكرتهن\م الجماعية المطبوعة بالحروب الإسرائيلية المتكرّرة.وهم كثيراً ما واجهوا تداعيات هذه الحروب وحدهم، لا لشيء إلّا نتيجة الفصل التاريخي الحاصل بين الجنوب\مناطق المواجهة …

خريطة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان 2023

منذ بداية الحرب على غزة، لم يكن لبنان في أي يوم بمنأى عن الاعتداءات الإسرائيلية، سواء من خلال القصف المدفعي أو الغارات الجوية أو غيرها. وهو ما ليس بجديد على العدو الإسرائيلي الذي …

استديو أشغال عامة يعقد ندوة بعنوان “الإبادة البيئية في فلسطين وجنوب لبنان”

عقد “استديو أشغال عامة”، يوم الأربعاء 20 كانون الأول، ندوة بعنوان “الإبادة البيئية في فلسطين وجنوب لبنان” في مبنى جريدة السفير في الحمرا، شارك فيها وزير البيئة ناصر ياسين وأستاذ علم الاجتماع في …

المشهد من أمكنة النزوح:

ديناميكيّات السكن في صور وعاليه

منذ بداية العدوان على غزة، الذي ترافق مع اعتداءات إسرائيلية متواصلة على لبنان من خلال القصف والغارات واستخدام القذائف الفوسفورية أو القنابل المضيئة والحارقة، وحتى 12 تشرين الثاني 2023، استهدف القصف الإسرائيلي أكثر …

المشهد من الجنوب:

قرى هُجّرت وبلديات تتخبّط

منذ السابع من تشرين الأول، استهدفت إسرائيل بشكلٍ مباشرٍ أكثر من 70 بلدة جنوبية، محاولةً القضاء على مقوّمات الحياة فيها. فمع كل استهداف، كانت تقضي على أنفسٍ، أو تحوّل منازلاً إلى ركام، أو …