في أواخر شهر أيلول الماضي، تداولت مصادر إعلام محلية خبر تفكيك وإخلاء مخيّم للاجئين السوريين يحمل الرقم “004” ويقع في بلدة غزّة – البقاع الغربي، وجاء هذا التفكيك بناءً على إنذار صادر عن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، التي برّرت الإجراء بضرورة ازالة التعدّيات عن مجرى النهر.
إخلاء المخيّم “004” لا يشكّل حالة معزولة، بل يندرج في إطار حملة إزالة واسعة تشنّها المصلحة في مناطق مختلفة من الحوض الأوسط والغربي للنهر من دون وضع خطة مع الجهات المعنية لتوفير البدائل، وتشمل أكثر من 34 مخيّماً سكنياً للاجئين السوريين، كما يأتي في سياق سلسلة من الإجراءات الرسمية المتزايدة تجاه اللاجئين السوريين في إطار الضغط باتّجاه عودتهم إلى سوريا. يهدف هذا النص إلى توثيق عملية الإخلاء وتداعياتها وأثرها على الحق في السكن.
تفاصيل الإخلاء وتنفيذ القرار
يقع المخيّم “004” على أطراف بلدة غزّة البقاعية بمحاذاة مجرى نهر الليطاني، ضمن منطقة زراعية يعتمد سكانها على العمل في الأراضي المحيطة، ويضمّ عائلاتٍ سورية استقرّت في البلدة منذ بداية موجات النزوح من سوريا إلى البقاع عام 2011، حين لجأت بعض العائلات إلى استئجار قطعٍ صغيرة من الأراضي الزراعية من مالكيها المحليين مقابل مبالغ رمزية، في إطار ترتيبات فردية غير رسمية أُقِرّت ضمنياً من قبل السلطة المحلية. ومع مرور الوقت، شُيّدت الخيم على نحوٍ عفوي بمبادراتٍ من السكان أنفسهم، في حين تمّ تأمين بعض المواد والخيم عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
بحسب رئيس بلدية غزّة محمد المجذوب، في اتصال أجريناه معه في 28 تشرين الأول، لم يُنشأ المخيّم بموافقةٍ “رسمية” من البلدية، إذ إنّ أعداد النازحين حينها فاقت التوقّعات، فتُركت الأمور لتتطوّر عفوياً. اكتفت البلدية بمتابعة الأوضاع والتنسيق مع الشاويش المحلي لتأمين بعض الاحتياجات الأساسية وتنظيم شؤون المقيمين.
ولم تكن عملية وصول اللاجئين إلى هذه الأراضي عبر مواجهة مع السلطات أو خلافاً لإرادتها، بل عبر موافقة غير معلنة. تُصنَّف هذه التجمّعات، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كـ”تجمّعات خيم غير رسمية” (Informal Tented Settlements)، نشأت من خلال ترتيباتٍ محلية خاصة بين اللاجئين ومالكي الأراضي. وقد شكّلت هذه الأنماط إحدى السياسات غير المعلنة التي سادت في مختلف المناطق اللبنانية، حيث سُمِح ضمنياً بإقامة هذه المخيّمات على الأراضي الزراعية المستأجرة، ما أدّى إلى ترسيخ واقعٍ ميداني يصعب التراجع عنه لاحقاً دون توفير بدائل سكنية فعليّة. هذا النمط من الوصول إلى الأرض يعكس، كما يصفه تقرير UN-Habitat حول سياسات السكن للاجئين السوريين في لبنان، استخداماً غير مستدام للأراضي والخدمات في ظل غياب إطارٍ تنظيمي واضح.
بتاريخ 10 حزيران 2025، وجّهت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني إنذاراً مكتوباً بإخلاء المخيّم باعتبار أنه أنشئ “دون الحصول على أية تراخيص أو موافقات قانونية ممّا يشكّل مخالفة للقوانين النافذة”، بالإضافة إلى أنه موجود بالقرب من النهر ممّا “يؤدي إلى تدهور نوعية المياه وإلحاق ضرر بيئي وصحي جسيم بالمنطقة وأهلها.” وُجّه الإنذار رسمياً للمخيّم عبر ذكر اسم الشاويش، ونصّ على مهلة 15 يوماً لتنفيذ الإخلاء من تاريخ التبليغ.
في إنذارها، تتعامل المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مع المسألة على أنها مجرّد إزالة منشأت خطرة تسبّب تلوث النهر، من دون الأخذ بعين الاعتبار السياق الإنساني والحقوقي الأوسع للأشخاص المقيمين في المخيّم. ويعكس هذا النهج ممارسة شائعة لدى عدد من الإدارات العامة، حيث تُستخدم الصلاحيات القانونية المتاحة لها لحصر المسألة في تطبيق القوانين المتعلقة بإزالة التعدّيات، من دون أي تفكير بتبعات هذه القرارات على الفئات المتضرّرة.
في حين قد يبدو القرار من حيث الشكل القانوني سليماً، إلا أنه يشكّل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، ولا سيّما للحق في السكن الذي التزمت به الدولة اللبنانية بموجب المواثيق الدولية، خاصةً وأنّ الإنذار لم يتضمّن أي إجراءات تراعي هذه الحقوق، سواء عبر منح مهلة كافية قبل تنفيذ الإخلاء، أو من خلال النظر في إمكانيات تأمين بدائل سكنية أو خيارات إعادة توطين للأشخاص المتضرّرين.

بحسب المجذوب، أبلغت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بلدية غزّة مسبقاً بصدور الإنذار هذا، وإنذارات إخلاء لمخيّمات أخرى واقعة ضمن نطاق البلدة، لكن لم يكن هناك أي تنسيق رسمي بين الجهتين بشأن كيفية تنفيذ القرار وتبعاته. وأضاف أنه تم تمديد مهلة الإخلاء حتى تشرين الأول الماضي، وتم تبليغ سكان المخيّم حوالي خمس مرات قبل بدء عملية التفكيك، ما مكّنهم من مغادرة المكان قبل التنفيذ.
خلال تنفيذ عملية التفكيك، كانت البلدية حاضرة فقط من خلال عناصر الأمن دون أي إشراف مباشر على العملية. وفقاً للمجذوب، لم يقتصر التفكيك على المخيّم “004” فحسب، بل شمل خمس مخيّمات سورية أخرى واقعة في بلدة غزّة، حيث تم تفكيك حوالي 25 خيمة من مجموع حوالي 50 خيمة يقطنها نحو 400 شخص، والباقي لا يزال جاري العمل عليه. من بين هذه المخيّمات، تلقّى مخيّم واحد فقط إشعار خطي رسمي بالإخلاء من قبل المصلحة (المخيّم رقم “005”)، كما حصل مع المخيّم “004”، فيما أُبلغ سكان المخيّمات الأخرى بالإخلاء شفهياً.

لم تعارض البلدية الإنذارات، معتبرة أن هذه الإجراءات جزء من جهود حماية مجرى نهر الليطاني وتنظيفه من التعديات، كما أنها لم تقم بأي تنسيق فعلي مع المنظمات الإنسانية قبل أو أثناء التفكيك، كما لم يتم إشراك السكان في المناقشات أو التحضيرات للعملية.
بعد الإخلاء، لم يتم توفير أي أماكن سكن بديلة أو دعم مادي من قبل المصلحة أو البلدية، بل تُرك السكان لمصيرهم. معظمهم انتقلوا للسكن عند أقاربهم أو استأجروا شققاً في المنطقة. ولتبرير عدم الحاجة إلى تأمين بديل وإمكانية وصول من تم إخلاؤهم بسهولة إلى السكن، أشارت البلدية إلى تقديرات بوجود مخزون من حوالي 600 شقة فارغة في البلدة.
ختاماً: نحو مقاربة عادلة بين البيئة والحق في السكن
تُظهر واقعة إخلاء المخيّم “004” ومخيّمات غزّة الأخرى غياب أي إطار سياسي متكامل يوازن بين حماية البيئة وحقوق السكن. فعلى الرغم من أن المصلحة الوطنية تتخّذ إجراءاتها لضرورة تنظيف مجرى النهر، فإن الإخلاء يجري لتجمّعات سكنية قائمة منذ أكثر من عقد دون توفير أي ضمانات قانونية أو بدائل إنسانية، ما يضعه في خانة الإخلاء القسري وفق التعريف الدولي.
في العديد من الحالات، تجد البلديات نفسها في موقع حرج يدفعها إلى تجنّب الانخراط المباشر في مسار الإخلاءات أو في النقاش حول مصير التجمّعات السكنية القائمة على ضفاف النهر، تفادياً لتحمّل تبعات قد تُعرّضها لانتقادات أو صدامات مع السلطات المركزية أو مع المجتمع المحلي. في الوقت نفسه، لا تبدو البلديات معنية فعلياً بالدفاع عن هذه التجمّعات، ولو أنها تستفيد بشكل غير مباشر من استمرار وجودها ومن اليد العاملة الزراعية المتوفّرة فيها، ما يجعلها تفضّل اعتماد سياسة المراقبة عن بُعد بدل التدخّل أو المبادرة. بهذا المعنى، يتّسم موقفها بنوع من الحياد المعتمد على المصلحة، الذي يُبقيها خارج دائرة المواجهة، لكنه يساهم في ترسيخ واقع الإهمال وغياب أي معالجة جدّية للأوضاع السكنية القائمة.
ختاماً، لا خلاف على أهمية حماية نهر الليطاني من التلوث وإزالة التعدّيات التي تهدّد موارده، لكنّ هذه الحالة تُظهر الحاجة إلى التمييز بين “التعدّيات” السكنية التي نشأت بفعل الضرورة والظروف الإنسانية، وبين التعدّيات التجارية أو غير السكنية. فالكثير من هذه المخيّمات، ومنها مخيّم “004”، لم تنشأ نتيجة تجاوزٍ مفاجئ، بل في إطار سياسةٍ غير معلنة سادت في مختلف المناطق اللبنانية، حيث سُمح ضمنياً للاجئين باستئجار أراضٍ زراعية ونصب خيمهم عليها، في ظل غياب حلولٍ رسمية بديلة. وقد أُقرّت هذه الترتيبات وجرى تسهيلها من قبل السلطات المحلية والجهات المعنية، إذ لو كانت مرفوضة لتمّت إزالتها منذ البداية، لا بعد مرور سنواتٍ طويلة تحوّل فيها الوجود السكني إلى واقعٍ اجتماعي يصعب المساس به دون تبعات إنسانية خطيرة.
من هذا المنطلق، لا يمكن اليوم التعامل مع هذه التجمّعات كـ”تعدّيات” عادية قابلة للإزالة بقرار إداري، بل كأوضاعٍ سكنية تستوجب احترام المعايير الإنسانية والقانون الدولي، وفي مقدّمتها التزام الدولة بتأمين بدائل آمنة وكريمة قبل أي عملية تفكيك أو إخلاء. إنّ تجاهل هذا البعد الإنساني والحقوقي لا يؤدي فقط إلى تفاقم المعاناة الاجتماعية، بل ينسف أيضاً مبدأ العدالة في إدارة الموارد العامة وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وتؤكّد حالة مخيّمات غزّة أنّ السلطات اللبنانية ما زالت تتعامل مع السكن في المخيّمات بوصفه انتهاكاً يجب إنهاؤه، لا واقعاً يجب معالجته حمايةً للموارد الطبيعية، بالتزامن مع ضمان الحق في السكن على حد سواء. إنّ الحق في السكن، كما يقرّه القانون الدولي، لا يسقط بذريعة التعدّي، بل يفرض على السلطات توفير بدائل آمنة وكريمة قبل أي عملية إزالة أو إخلاء.
سيصدر قريباً نص تفصيلي يرصد سياسات إزالة التعدّيات على الليطاني وأثرها على عشرات المخيّمات الواقعة على امتداد الحوض، بهدف تحليل العلاقة بين الاعتبارات البيئية والضغوط السياسية على اللاجئين في لبنان.