رغم امتلاكها الموارد والأدوات، تتقاعس الدولة في مواجهة مفاعيل العدوان الاسرائيلي المستمر. يُترك الناس تحت الأنقاض، من دون معدّات إنقاذ أساسية، خاصة في الأحياء المهمّشة أساساً، وحيّ السلّم خير دليل على ذلك. كما يُترك النازحون في ظروف قاسية ومن دون أدنى مقوّمات العيش الكريم.
تستمر الحكومة في استجداء التمويل الخارجي المحدود والمشروط، في حين تمتلك، حتى تاريخ 15 نيسان 20261رندة قواص. (نيسان 2026).تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان. موقع صفر.، 9.18 مليار دولار مودعة في مصرف لبنان، وبإمكانها حشد موارد إضافية كإخضاع التعديات على الأملاك العامة البحرية للضريبة.
وبدلاً من توجيه الأموال والجهود لسد حاجات الإغاثة التي تُقدّر بما يقارب ال309 مليون دولار ولم يؤمن منها حتى الآن أكثر من 33.4%2UNOCHA. (2026). Lebanon Flash Appeal.، تصدر الحكومة قرارات تستغل فيها الحرب لتنفيع المصالح الخاصة، أبرزها تشريع عمل شركات الإسمنت التي لم تسدد أكثر من 2 مليار دولار مستحقة للدولة3 Lebanon – Quarrying Sector’s Dues to the National Treasury 2022..
في هذا التحليل القائم على الرصد الذي قام به استديو أشغال عامة (بالتعاون مع المفكرة القانونية ومبادرة غربال) منذ بداية العدوان الحالي حتى تاريخ 15 نيسان 2026، نقدّم نقداً لأداء المجلس النيابي والحكومة في التعامل مع تبعات العدوان، لنعود ونذكّر بأنّ هذا التخاذل الرسمي يعمّق المعاناة والشرخ الاجتماعي ويكشف عن تواطؤ في سوء إدارة هذه الأزمة.
تظهر النتائج أنه من ضمن 23 قانون قمنا برصدها، تناول قانونان فقط تداعيات الحرب، وبشكل جزئي. أما الحكومة، فقد عقدت 6 جلسات منذ بداية العدوان حتى منتصف نيسان، وفي حين أن أوضاع طوارئ الحرب كانت حاضرة كبند على جدول أعمال عدة جلسات، إلّا أن أعمالها اتّسمت بالاستجابة الناقصة، والمقاربة الأمنية، واستغلال الحرب لتمرير بعض القرارات الخطيرة، في حين حجبت المعلومات وبالتالي انتُهِك حق الوصول إلى المعلومات.
23 اقتراح أو مشروع قانون: هل سعت للاستجابة للحرب؟
عقد المجلس النيابي جلسة برلمانية وحيدة منذ بداية العدوان، وذلك في 9 آذار 2026، واقتصر جدول أعمالها على ثلاثة قوانين لتأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مرتقبة في أيار القادم. وقد غاب عن جدول الأعمال أي اقتراحات أو مشاريع قوانين أخرى كان قد تقدّم بها النواب أو الحكومة. ولكن، ما كانت هذه القوانين وهل سعت للاستجابة لمفاعيل الحرب؟
منذ بدء العدوان في مطلع آذار وحتى منتصف نيسان 2026 رصدنا تقديم 23 قانون، توزّعت بين 13 مقترح قانون تقدّم بها نواب و9 مشاريع قوانين أحيلت من الحكومة، في حين تم إقرار قانون وحيد في جلسة 9 آذار النيابية يتعلق بتمديد الانتخابات لعامين.

من ضمن القوانين الـ23 المرصودة، لم يشكل استجابة مباشرة لتداعيات الحرب سوى اقتراحين، هما اقتراح تعليق المهل المقدَّم من النائب سامي الجميل، واقتراح تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية المقدَّم من النائبة بولا يعقوبيان. ويتشابه الاقتراحان في سعيهما إلى تعليق المهل كإجراء استثنائي لحماية الحقوق في ظل تعذّر الوصول إلى المحاكم وتعطيل سير المؤسسات خلال الحرب، إلا أنهما يختلفان في مقاربة مدة التعليق وشمول عقود الإيجار. إذ يعتمد اقتراح الجميل تعليقاً مفتوحاً مرتبطاً بقرار مجلس الوزراء ويستثني الإيجارات، ما يُبقي المستأجرين عرضة لدعاوى الإخلاء والضغوط التعاقدية، في حين يحدد اقتراح يعقوبيان مهلة زمنية واضحة ويفهم منه شمول هذه العقود ضمن نطاق الحماية، ما يتيح نظرياً توفير حماية أوسع في ظل النزوح وتراجع القدرة على الدفع. ورغم ذلك، تبقى هذه الحماية محدودة، إذ إن تعليق المهل، حتى عند شموله الإيجارات، يظل تدبيراً مؤقتًا لا يحدّ فعلياً من مخاطر الإخلاء في ظل تفاقم الأزمة السكنية، كما بيّنّا في تعليقنا التفصيلي على هذين الاقتراحين.

أما باقي الاقتراحات، فقط شملت مواضيع لا ترتبط مباشرة بتداعيات العدوان، من بينها تعديل بعض أحكام قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية رقم 11/2025 المطروح من النواب إيهاب مطر، وليد البعريني، أشرف ريفي وأحمد رستم. إضافة إلى طلب الموافقة على قانون الغابات والمراعي المُحال من الحكومة.
في المقابل، كان بإمكان المجلس النيابي اتّخاذ تدابير تشريعية أكثر استجابة لتداعيات الحرب. فعلى صعيد التمويل كان بإمكان المجلس فتح اعتماد مخصّص لتمويل خطة الطوارئ وبالتالي تجيير جزء من الموارد الداخلية لتمويل نفقات الإغاثة. من جهة أخرى، على صعيد السكن كان يمكن طرح قوانين تمديد جميع عقود الإيجار بإيجارات قائمة لفترة محددة، بهدف الحد من تفاقم كلفة السكن وارتفاع البدلات في ظل الظروف الراهنة أو على الأقل وضع قوانين تمديد المهل على جدول الأعمال ومناقشة تعديلها بما يضمن الحماية السكنية خلال الحرب.
ومن جهة أخرى، كان من الممكن إقرار اقتراحَي القانون المتعلّقين بالإيجارات اللذين تقدّم بهما عدد من النواب قبل العدوان، حيث يعالج الاقتراح الأول قانون الإيجارات السكنية القديمة ويوفّر حماية فورية للمستأجرين القدامى عبر تجميد الآثار القانونية التي قد تؤدي إلى الإخلاء أو تأجيلها، لا سيما ما يتّصل بتحرير الإيجارات أو سقوط حق التمديد. أما الاقتراح الثاني، فينظّم عقود الإيجار الجديدة من خلال وضع إطار قانوني يحدّد سقوف الزيادات وشروط التعاقد، بما يقيّد فرض شروط مجحفة خلال فترة الطوارئ، ويحدّ من مخاطر الإخلاء ويوفّر حماية فورية للمستأجرين.
قرارات الحكومة: استجابة جزئية، مقاربة أمنية، واستغلال الحرب
عقدت الحكومة 6 جلسات منذ بداية العدوان حتى منتصف نيسان. وفي حين أن أوضاع الطوارئ كانت حاضرة كبند على جدول أعمال عدة جلسات للاطلاع على مستجدات الاستجابة على المستوى الصحي، والاقتصادي، الأمني وغيره من المستويات غير أن هذه الجلسات شهدت تمرير بعض القرارات الخطيرة.
ومن الجدير بالذكر أنه منذ جلسة 26 آذار والجلستين اللتين تلتاها لم تنشر المقررات الحكومية بشكل واضح، وهذه ممارسة في حجب المعلومات تشكل سابقة خطيرة في أداء هذه الحكومة، وتنتهك حق الوصول إلى المعلومات، وتضع شفافيتها موضع تساؤل.
وقد استندنا في رصدنا لهذه الجلسات الأخيرة الى معاينة جداول أعمالها وما ورد من ذكر لبعض المقررات في البيان الصحفي بعد كل جلسة أو لتسريبات إعلامية من هنا وهناك لبعض القرارات الخطيرة. في هذا الإطار، يمكن قراءة مجمل المقررات الحكومية خلال هذه الفترة من خلال ثلاثة مسارات أساسية تعكس طريقة إدارة الدولة للأزمة أكثر مما تعكس استجابة متكاملة لها.

أولا: استجابة ناقصة للأزمة الإنسانية والاجتماعية
تكرّر إدراج بند متابعة أوضاع الحرب المستجدّة وتداعياتها على مختلف المستويات على جداول أعمال معظم الجلسات الحكومية، ولا سيما ملف النزوح، فيما تركّز جدول أعمال بعض الجلسات، مثل جلسة 26 آذار، على هذا الموضوع حصراً.
وفي هذا السياق، يمكن تسجيل عدد من التدابير التي تندرج ضمن إطار الاستجابة المباشرة للعدوان ونذكر منها:
- تكليف ومتابعة الإغاثة والنزوح
- في جلسة 2 آذار طلب من وزارة الشؤون الاجتماعية تأمين أماكن إيواء للنازحين وتوفير المواد الغذائية والمُستلزمات الضرورية لهم.
- في جلسة 12 آذار التأكيد على استمرار متابعة أوضاع النازحين وتوفير مراكز إضافية عند الحاجة.
- في جلسة 2 نيسان الموافقة على اتفاقية قرض من البنك الدولي بقيمة 200 مليون دولار لدعم شبكات الأمان الاجتماعي.
- جهود دبلوماسية وشكاوى
- في جلسة 26 آذار الطلب من وزير الخارجية والمغتربين القيام فوراً بتقديم شكوى أمام مجلس الأمن بخصوص التهديدات الإسرائيلية المتعلقة بجنوب الليطاني وذكر منها تهديدات على لسان مسؤولين إسرائيليين بضم المنطقة إلى إسرائيل.
- في جلسة 2 نيسان توكيل لجنة القانون الدولي الإنساني، برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، بالنظر في موضوع حماية الصحافيين، إضافة إلى الاعتداءات الصحية والإنسانية عموماً.
- في جلسة 9 نيسان التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي عن تصاعد الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتوسيعها يوم 8 نيسان.
ورغم ضرورة هذه التدابير، إلا أنها بقيت في إطار استجابات متفرقة وردّات فعل ظرفية. في المقابل، كان من الممكن اعتماد مقاربة أكثر شمولاً في إدارة الأزمة، تقوم على حشد الموارد البشرية والمادية المتاحة من خلال إعلان التعبئة العامة سنداً لقانون الدفاع الوطني رقم 102/1983، على غرار ما حصل خلال جائحة كورونا، بما يتيح توجيه الإمكانيات لخدمة الاستجابة الطارئة.
فيما يتعلّق بإدارة ملف النزوح والإيواء، وكما بيّنّا في مقال نشرناه خلال الحرب فالاستجابة كان يمكن أن تقوم على حزمة تدابير متكاملة ضمن خطة طوارئ حكومية تشمل توسيع مراكز الإيواء، وتفعيل استخدام المباني الشاغرة العامة والخاصة، وضبط الإيجارات ومنع الاستغلال، وغيرها من الإجراءات بدل الاكتفاء بحلول جزئية لا تعالج ضغط النزوح على السكن.
كذلك، على صعيد إدارة الموارد المالية، كان من الممكن إعادة النظر في أولويات استخدام الأموال العامة، عبر تفعيل استخدام جزء من الموارد المتاحة، لا سيما ودائع الدولة لدى مصرف لبنان (9.18 مليار دولار4 رندة قواص. (نيسان 2026).تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان. موقع صفر. ( رابط المقال))، ضمن آليات مدروسة توازن بين الحفاظ على الاستقرار النقدي والاستجابة للاحتياجات الطارئة، بدل الاستمرار في انتظار التمويل الخارجي وتأخير الاستجابة.
وعلى صعيد محاسبة إسرائيل على جرائمها، كان من الممكن الانتقال من منطق الشكاوى المتفرقة إلى مقاربة قضائية أكثر تكاملاً، تقوم على تفعيل مسار المساءلة الدولية، بما في ذلك الانخراط في آليات التقاضي الدولي ولا سيما من خلال الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بما يتيح تحقيقاً مستقلاً ومحايداً في الانتهاكات المرتكبة ويعزّز فرص المحاسبة5المفكرة القانونية. (نيسان 2026).نداء إلى الحكومة اللبنانية للاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن الأحداث في لبنان منذ 8 تشرين الأول 2023. (رابط العريضة) بدلاً من الاكتفاء باستجابات دبلوماسية محدودة الأثر.
ثانيا: تغليب المقاربة الأمنية في إدارة الأزمة
بالتوازي مع الاستجابة المحدودة، برز اتجاه واضح نحو مقاربة أمنية في إدارة تداعيات الحرب، خصوصاً في العاصمة بيروت.
- في جلسة 26 آذار الإعلان عن تعزيز الإجراءات في بيروت عبر تكثيف دوريات الجيش وقوى الأمن.
- في جلسة 9 نيسان الطلب من الجيش والقوى الأمنية، المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها، والتشدّد في تطبيق القوانين، واتخاذ التدابير كافة المطلوبة بحق المخالفين، وإحالتهم على القضاء المختص.
هذا التوجه يعكس ميلاً متزايداً نحو معالجة تداعيات الأزمة من زاوية أمنية، في مقابل غياب مقاربة اجتماعية-اقتصادية موازية تتعامل مع حجم الانهيار الناتج عن العدوان.
ثالثاً: تمرير قرارات خطيرة استغلالاً للحرب
من الجدير بالذكر أنه خلال هذه الفترة لم يصدر في الجريدة الرسمية سوى عدد محدود من القرارات والمراسيم، ولم يكن أي منها مرتبطاً بشكل مباشر بالاستجابة لتداعيات العدوان. ويعكس ذلك استمرار العمل التشريعي والإداري بمنطق اعتيادي، رغم دخول البلاد في حالة حرب واسعة النطاق، حيث تم تمرير عدد من القرارات خارج سياق الأولويات الطارئة، في حين يعتبر جزء منها خطير على عدة مستويات.
من ناحية، يمكن قراءة استمرار إصدار قرارات لا تتصل مباشرة بالاستجابة للأزمة، كإشكالية في ترتيب الأولويات العامة خلال فترة استثنائية. فمن بين هذه القرارات، صدرت مجموعة من المراسيم في الجريدة الرسمية تتعلّق بقضايا تنظيمية وعمرانية وتراثية، من بينها تحديد الشروط الواجب توافرها لتنفيذ بيع عقار غير مبني لدى أمانات السجل التجاري، وتعديل قسم من التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي العام لمنطقة ضبية العقارية (قضاء المتن) المصدق بالمرسوم رقم 14313 تاريخ 21-4-1970، إضافة إلى إدخال عقارات من منطقة مغر الأحول العقارية في قضاء بشري ضمن لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية. ورغم اختلاف موضوع هذه القرارات، إلا أنها تندرج ضمن مسار إداري اعتيادي في إدارة شؤون الأراضي والتنظيم المديني خلال فترة حرب، من دون أن تعكس أي ارتباط مباشر مع متطلبات الاستجابة الطارئة أو تداعيات العدوان.
من ناحية أخرى، رصدت بعض القرارات الحكومية الخطيرة، نذكر منها قرارات خطيرة على البيئة. ففي جلسة 2 نيسان وافقت الحكومة على السماح باستخراج ونقل كميات من بودرة الردم والتيفينول من عقار في عين دارة لاستخدامها في مشاريع صرف صحي في الشوف، رغم أن هذه المواد كانت قد استخرجت أساساً من دون ترخيص وأن العقار كان مختوماً بالشمع الأحمر بقرار قضائي. لا يقتصر خطر هذا القرار على الأضرار البيئية المحتملة في منطقة حساسة، بل يتعداّه إلى تكريس تجاوز واضح لقرارات القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات، في سياق تستغل فيه ظروف الحرب لتمرير مثل هذه المخالفات.
أما في جلسة 9 نيسان، طلبت الحكومة من المجلس الوطني للمقالع تسريع منح الموافقات خلال مهلة قصيرة لتمكين شركات الإسمنت والمرامل من استئناف عملها، في خطوة تفتح الباب عملياً أمام إعادة تشغيل المقالع وتوسيع نشاطها. وقد تعزّز هذا التوجّه في قرار لاحق في جلسة 23 نيسان، حيث جرى عملياً تثبيت تخطّي المخطط التوجيهي، ما يسمح بفتح الباب أمام استثمار مقالع جديدة في مناطق حساسة بيئياً، بذريعة الجهوزية لإعادة الإعمار و ضمن إطار رقابة بيئية ضعيفة بشكل مقصود، وغير قادرة على ضبط المخاطر الفعلية. يعكس هذان القراران توجّهاً نحو إعادة تكريس نفوذ قطاع المقالع على حساب الشرعية البيئية والقانونية، وتحت غطاء الحاجة الطارئة في زمن الحرب.
أما في ملف المباني المتهالكة في طرابلس، كانت الحكومة قد وضعت خطة الطوارئ في 9 شباط، وهي تشمل إصدار قرار الإخلاء التدريجي للمباني المعرّضة للسقوط، وتأمين بدلات الإيواء، وتوفير مراكز مؤقّتة ورعاية صحية واجتماعية للعائلات المنكوبة، إلى جانب أعمال التدعيم والهدم والمسوحات العمرانية والبنية التحتية، لتشكّل إطاراً متوافقاً مع أولويات السلامة العامة. لم تلتزم الحكومة تنفيذ هذه الخطة حتى الآن، فيما وافقت فقط في جلسة 2 نيسان على خطاب التفاهم العائد للمعونة المقدمة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بقيمة 500 ألف دينار كويتي، والمخصصة للمساهمة في تمويل دراسات المسح الإنشائي للأبنية المتصدعة في مدينة طرابلس، وتفويض رئيس مجلس الإنماء والإعمار التوقيع عليه.
خاتمة
في هذا السياق، لا يقتصر الإشكال على مضمون هذه القرارات بحدّ ذاته، بل يرتبط أيضاً بتوقيتها وطبيعتها. فإدراج بنود تتعلّق بالمقالع، والتنظيم المديني، ومشاريع بنى تحتية طويلة الأمد، في ظل حرب وتهجير واسع، يكشف عن استمرار السلطة في إدارة الشأن العام في حالة من النكران التام وبمنطق لا يلحظ الطابع الاستثنائي للأزمة. فبدل توجيه الجهود والموارد نحو الاستجابة الفورية لتداعيات العدوان، ولا سيما في ما يتعلق بالسكن والحماية الاجتماعية، تستمر الحكومة في تمرير قرارات لا تندرج ضمن أولويات المرحلة، وبعضها يرتبط بمصالح اقتصادية قائمة. ويعكس ذلك اختلالاً في ترتيب الأولويات، حيث لا تحتل الحاجات الملحّة الناتجة عن الحرب الموقع المركزي في السياسات العامة.
ولا ينفصل ذلك عن مجمل أداء المؤسسات الرسمية خلال هذه الفترة، حيث يظهر أن المجلس النيابي بدوره لم يتمكن من ممارسة دور تشريعي فاعل يستجيب لحجم الأزمة، إذ بقي معطلاً طوال فترة الحرب، منصرفاً إلى تمديد ولايته في انفصال مريب عن واقع معاناة الناس. في المقابل، اتّسمت مقاربة الحكومة بالاستجابة الجزئية وردات الفعل، إلى جانب تغليب البعد الأمني في إدارة تداعيات الحرب، من دون تطوير سياسات اجتماعية واقتصادية موازية تعالج الضغوط المتزايدة على السكن وسبل العيش.
وعليه، تظهر هذه المعطيات نمط إدارة يستمر في التعامل مع الأزمة ضمن منطق اعتيادي، حيث تغيب المقاربة الشاملة لصالح تدابير ظرفية، ويجري في الوقت نفسه استغلال ظروف الحرب لتمرير قرارات خطيرة لا تعكس أولويات المرحلة. وهو ما يكرس فجوة متزايدة بين حجم الانهيار القائم وطبيعة الاستجابة الرسمية، ويعمق هشاشة الأوضاع الاجتماعية، في ظل غياب رؤية متكاملة تضع احتياجات الناس في صلب السياسات العامة.
المراجع:
- 1
- 2UNOCHA. (2026). Lebanon Flash Appeal.
- 3Lebanon – Quarrying Sector’s Dues to the National Treasury 2022.
- 4رندة قواص. (نيسان 2026).تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان. موقع صفر. ( رابط المقال)
- 5المفكرة القانونية. (نيسان 2026).نداء إلى الحكومة اللبنانية للاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن الأحداث في لبنان منذ 8 تشرين الأول 2023. (رابط العريضة)
تعليق المهل دون حماية السكن: ثغرة تشريعية في زمن الحرب
كتابة: يارا عبد الخالق
يشكل تعليق المهل في زمن الحرب أداة أساسية لحماية الحقوق، إلا أن استثناء عقود الإيجار منه يفرغ هذه الحماية من مضمونها ويعرض المستأجرين لخطر الإخلاء والتشرد. ففي ظل النزوح الواسع وتدهور القدرة على ...