مراكز الإيواء في بيروت: ثلاث إشكاليات تزيد من اللامساواة في المدينة

المصدر: مراجعة وتحليل لبيانات وحدة إدارة الكوارث عن مراكز الإيواء في بيروت

في ظل استمرار العدوان وتصاعد موجات التهجير نحو العاصمة، ما زالت مراكز الإيواء المعلنة تعاني من تحديات كبرى في التعامل مع النزوح، فيما وصل العديد منها إلى طاقته الاستيعابية القصوى، بالتوازي مع عدم جاهزيتها لدمج الحاجات المتنوعة1 ربى أبو عمو، (آذار 2026)، نازحون لبنانيون: مراكز الإيواء تفتقد إلى “كل شيء”، (نازحون لبنانيون: مراكز الإيواء تفتقد إلى “كل شيء”). ويجد النازحون أنفسهم يصلون إلى مراكز امتلأت بالكامل قبل وصولهم، أو مراكز غير مُجهّزة لاستقبال المسنين والأشخاص المعوقين، بعد أن قطعوا مسافات للوصول إليها2هدى زبيب، (آذار 2026)،  الأشخاص المعوّقون في النزوح: أي كرامة في مراكز الإيواء؟، المفكرة القانونية، (الأشخاص المعوّقون في النزوح: أي كرامة في مراكز الإيواء؟ | Legal Agenda). وفي قراءة لعدد المراكز المعتمدة في بيروت الإدارية ونوعها وتوزّعها الجغرافي، نسلّط الضوء في هذا النص على ثلاث إشكاليات تساهم في تفاقم اللامساواة على صعيد المدينة. 

أولاً، التأخير في فتح المراكز وتقليص عدد المراكز المعتمدة في بيروت

حتى صباح الخميس 5 آذار، أي بعد خمسة أيام على التصعيد والتهديد  الذي طال كافة مناطق جنوب الليطاني، كان قد تم فتح 33 مركز إيواء في بيروت فقط، وبعد التهديد الجماعي للضاحية في 5 آذار، وصل العدد إلى 88 مركز. لم يكن العدد كافياً لاستيعاب الأعداد الهائلة من النازحين الباحثين عن مكان يأويهم في العاصمة، التي لا تزال تشكّل المكان الأنسب لهم، لا سيّما لسكان الضاحية، لقربها من الأحياء التي تهجّروا منها. وبينما ارتفع عدد المراكز المعتمدة ضمن نطاق بيروت إلى 145 مركزاً حتى تاريخ 30 آذار 2026، يبقى هذا الرقم أدنى من الحد الأقصى الذي سُجِّل خلال عدوان عام 2024، والذي بلغ حينها 181 مركزاً3 بيان رقم 17 – اللجنة الوطنية لتنسيق عمليات مواجهة الكوارث- لائحة المراكز (2024). ويأتي ذلك في وقت تتفاقم فيه حالة النزوح والتشرّد. فقد تخطّى عدد النازحين ال1.3 مليون شخص، بينهم أكثر من 136 ألفاً في مراكز الإيواء ومنهم 45 ألف في مراكز بيروت4LRC & DRM. (31 March 2026). Shelter and displacement Monitoring Dashboard. (Retrieved from: Shelter Monitoring)، وتتزايد الحاجة إلى مساحات إيواء لائقة  وقريبة من أماكن تمركُز النازحات/ين، ما يطرح تساؤلات جدّية حول مدى استنفاد الإمكانيات المتاحة داخل المدينة.

ثانياً، التوزّع الجغرافي يعكس الاعتبارات المناطقية والطائفية، لا الحاجة

ولا يقتصر التحدي على عدد المراكز فحسب، بل يظهر بشكل أكثر حدة في كيفية توزيعها جغرافياً داخل بيروت. إذ تستمر الأنماط ذاتها التي سجّلت خلال العدوان السابق، حيث تتركّز النسبة الأكبر من المراكز في عدد محدود من المناطق العقارية، تحديداً في الشطر الغربي من المدينة. فقد سجّلت المصيطبة العدد الأعلى من المراكز (43 مركزًا)، تليها المزرعة (36)، ثم رأس بيروت (22)، فزقاق البلاط (12)، وعين المريسة (10)، الباشورة (9) ومينا الحصن (7). في المقابل، لا تزال مناطق مثل المدوّر، الرميل، والصيفي شبه مستثناة من عملية الإيواء، حيث لم يفتح في كل منها سوى مركز واحد، فيما لم يتجاوز العدد في الأشرفية الثلاثة مراكز.

يعكس هذا التفاوت اختلالاً واضحاً في توزيع أعباء الاستجابة داخل المدينة، حيث تتحمّل مناطق معيّنة كثافة سكانية وضغطاً هائلاً على بنيتها التحتية وخدماتها -وهو ما يُرى أحياناً بأمّ العين، لناحية الطرقات المكدّسة بالسيارات مثلاً-  في حين تبقى مناطق أخرى بمنأى شبه كامل عن هذه الضغوط. وهو ما يُعيد إنتاج أنماط التحييد المناطقي-الطائفي التي تُضعف من مفهوم المسؤولية المجتمعية المشتركة، وتحول الاستجابة إلى مسألة محصورة جغرافياً بدلاً من أن تكون جهداً جماعياً على مستوى المدينة ككل.

وتتجلّى تداعيات هذا التفاوت بشكل مباشر في الحياة اليومية داخل المناطق الأكثر استضافةً للمراكز، حيث تتزايد الضغوط على شبكات الطرق، والمستشفيات، ومحال المواد الغذائية، والصيدليات، وغيرها من الخدمات الأساسية وتتفاقم مظاهر الاكتظاظ داخل الأحياء وعلى مستوى المراكز نفسها.

وفي موازاة ذلك، تُظهر البيانات أن التوسّع الحاصل في عدد المراكز خلال شهر آذار لم يؤدِّ إلى معالجة هذا الاختلال، بل كرّسه إلى حد كبير. إذ ارتفع العدد الإجمالي من 98 مركزاً في 9 آذار إلى 145 مركزاً في 30 آذار، أي بزيادة قدرها 47 مركزاً خلال ثلاثة أسابيع فقط. غير أن هذه الزيادة تركّزت بشكل أساسي في المناطق التي كانت أصلاً تستضيف العدد الأكبر من المراكز، مثل المصيطبة التي ارتفع عدد المراكز فيها من 30 الى 43، رأس بيروت من 11 إلى 22، المزرعة من 28 إلى 36، زقاق البلاط من 6 إلى 12 وميناء الحصن من 1 إلى 7. في المقابل، بقيت أعداد المراكز في مناطق أخرى على حالها تقريباً، دون أي توسّع يُذكَر. وقد قامت الحكومة في الوقت نفسه بتوجيه النازحين نحو مناطق بعيدة نسبياً، كالشمال وعكار والبقاع لتخفيف الضغط عن بيروت وصيدا، مع توفير باصات نقل5بحسب تصريحات لوزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، (آذار 2026)، (Bing Videos). وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول سبب التركيز على مناطق بعيدة لإيواء النازحين، بدل الاستثمار في توسيع الطاقة الاستيعابية وتوزيعها بشكل متكافئ داخل العاصمة نفسها وفي الأقضية المحيطة بالعاصمة، في مساهمةٍ باستمرار الاختلال المكاني في الاستجابة للإيواء.

يشير ذلك إلى أن الاستجابة لا تزال تعتمد منطق التوسّع ضمن المناطق “المعتادة” على حساب فتح مراكز جديدة في مناطق أخرى، ما يعمّق من التفاوت بدل الحد منه. كما تتراجع الحكومة أحياناً عن قرارات استحداث مراكز، كما حدث مؤخراً بشأن فتح مركز إيواء في الكرنتينا6الجمهورية، (24 آذار 2026)، لجمهورية | بالوثيقة- تخصيص موقع الكرنتينا لتخزين المساعدات لاعتبارات طائفية، ما يزيد من الشرخ المجتمعي والعزلة الطائفية لتحلّ مشاعر الخوف من الآخر مكان التضامن المجتمعي.

ثالثاً، الاعتماد على المؤسسات التربوية دون غيرها

ومن جهة أخرى، لا تزال المؤسسات التربوية تشكّل العمود الفقري للاستجابة لحاجات الإيواء في بيروت. إذ يبلغ عدد المراكز المعتمدة ضمن مؤسسات تعليمية رسمية 53 مركزاً، إضافةً إلى 37 مركزاً ضمن مؤسسات تعليمية خاصة، أي ما يفوق 62% من إجمالي المراكز. في المقابل، يبلغ عدد المراكز الأخرى، والتي تشمل مباني متنوعة مثل الفنادق، الحسينيات، الجوامع، الملاعب، والمستشفيات، 55 مركزاً.

ورغم أهمية هذا التنوّع النسبي في أنواع المراكز، فإن الاعتماد الأساسي لا يزال على المؤسسات التربوية، ما يطرح إشكاليات متعدّدة لجهة استدامة استخدام هذه المرافق في ظل أزمات ممتدّة. فقد أظهرت تجربة عام 2024 أنه حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، لم تتمكّن الناس من العودة إلى منازلها بسبب الدمار، ما اضطرهم إلى إخلاء مراكز الإيواء واللجوء إلى سوق الإيجارات المرتفع التكلفة. وهو ما يشير إلى ضرورة تفعيل خيارات متنوعة، مثل استخدام أنواع مختلفة من المباني الشاغرة العامة والخاصة وإنشاء مراكز إيواء على أراضٍ شاغرة باستخدام وحدات مؤقتة مُصممة بشكل مستدام وتوفّر سكناً لائقاً وآمناً.

أمام ذلك، يصبح من الضروري إعادة النظر في مقاربة الإيواء ضمن بيروت، انطلاقاً من ثلاث أولويات أساسية. أولاً، توسيع عدد المراكز بشكل فعلي للوصول إلى الحد الأقصى الممكن، بما يتناسب مع حجم النزوح المتزايد. ثانياً، اعتماد توزيع أكثر عدالة للمراكز بين مختلف المناطق العقارية داخل المدينة، بما يخفّف الضغط عن المناطق المستنزفة ويعزّز من مبدأ المسؤولية المشتركة. وثالثاً، تنويع المرافق المستخدمة للإيواء، بما يتجاوز الاعتماد المفرط على المؤسسات التربوية.

في ظل أزمة بهذا الحجم، لا يمكن التعامل مع الإيواء كمسألة تقنية أو لوجستية فحسب، بل كقضية ترتبط بشكل مباشر بالعدالة المكانية وبقدرة المدينة على الصمود بشكل جماعي. ومن دون معالجة الاختلالات القائمة في توزيع المراكز وتوسيع نطاق الاستجابة، سيبقى الإيواء في بيروت استجابة جزئية، عاجزة عن مواكبة حجم الكارثة المتفاقمة.

المراجع:

إعادة الإعمار والتعافي السكن محافظة بيروت
 
 
 

افتحوا المباني الشاغرة – العامة منها والخاصة – واضبطوا الإيجارات

10 تدابير ملحّة لتأمين حق السكن خلال الحرب

تنام آلاف العائلات النازحة على أرصفة الكورنيش ورمال البحر وفي الساحات العامة وتُترك دون مأوى. هذا المشهد هو نتيجة مباشرة لقصور الحكومة في خطتها لإيواء النازحين الذين يتزايد عددهم في ظل أوامر إسرائيل ...

توزيع مراكز الإيواء يعكس الاعتبارات الدينية والطبقية والمناطقية

اعتمدت خطة الطوارئ الوطنية في معالجة التهجير القسري الواسع على توفير مراكز إيواء للنازحات/ين في مدارس واقعة في أماكن أكثر أماناً. إلّا أنه عند النظر إلى التوزيع الجغرافي لهذه المراكز، تبيّن أنّ هذا ...

التوزيع غير العادل لمراكز الإيواء: ضرب للمسؤولية المجتمعية المشتركة

خريطة توزيع المؤسسات التعليمية المعتمدة كمراكز لاستقبال النازحات/ين ضمن بيروت لغاية 3/10/2024 يبلغ عدد المراكز المعتمدة لاستقبال النازحات/ين ضمن بيروت، والتي تضمّ المدارس الرسمية عامةً، إضافةً إلى بعض المجمعات التربوية والمعاهد المهنية والجامعات …

مراكز الإيواء في طرابلس: استجابة تعمّق الفوارق الطبقية في المدينة

حتى صباح 17 نيسان، تم فتح 20 مركز إيواء في طرابلس. وقد أدى توزيعها غير المتكافئ إلى تركيز الضغط في الأحياء الأكثر هشاشة، ولا سيما تلك التي تضم مباني منهارة أو مهددة بالانهيار، ...

في رصد اقتراحات النواب وقرارات الحكومة: 

ماذا فعلت الدولة خلال العدوان؟

يرصد هذا التقرير أداء الحكومة والمجلس النيابي خلال فترة العدوان الاسرائيلي حتى 15 نيسان، ويظهر غياب استجابة شاملة لتداعياته على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. فقد طغت الاستجابة الجزئية والمقاربة الأمنية، بالتوازي مع تمرير قرارات ...