تنام آلاف العائلات النازحة على أرصفة الكورنيش ورمال البحر وفي الساحات العامة وتُترك دون مأوى، فيما تجد عائلات أخرى نفسها مُجبَرة على التفاوض أو فتح أبواب المدارس بأنفسها كي لا تنام في العراء، وذلك في ظل صدور تعاميم متتالية عن بلديات تحدّ من سكن النازحين فيها. هذا المشهد هو نتيجة مباشرة لقصور الحكومة في خطتها لإيواء النازحين الذين يتزايد عددهم في ظل أوامر إسرائيل بإخلاء أكثر من 80 بلدة في الجنوب وبيروت الجنوبية بأكملها.
تم فتح 33 مركز إيواء في بيروت حتى يوم الخميس 5 آذار، ووصل عدد المراكز إلى 88 بعد التهديد الجماعي للضاحية في 5 آذار. يُعتبر هذا العدد قليل جداّ مقارنة مع عدد مراكز الإيواء في حرب 2024 التي وصل عددها إلى 181 مركزاً في بيروت فقط.
نحثّ الحكومة ألّا تعيد أخطاء خطة الطوارئ لـ 2024، التي جاءت متأخرة والتي كنا قد استعرضنا بشكل شامل إخفاقاتها. إنطلاقاً من ذلك، جئنا لنذّكر بالخيارات التالية لنستجيب بشكل فاعل لأزمة النزوح المتفاقمة، على ضوء تطوّر الأوضاع الأمنية، وانطلاقاً من ضرورة ضمان الحق في السكن الذي يُنتهك بشكل غير مسبوق خلال الحروب.
كما لنذكّر بأن جزءاً كبيراً من المقاومة هو صمود السكان، وهو مسؤولية جماعية تقع على الدولة وعلينا كأفراد ومجموعات من خلال تأمين حياة كريمة لهم، ودعم كل من يتعرّضون للتهجير من قبل العدو الصهيوني.
1- زيادة أعداد مراكز الإيواء في المدن الرئيسية وتوزيعها بشكل متوازن
تعاني مراكز الإيواء المعلنة من تحديات كبرى في التعامل مع أعداد النازحين، ووصل العديد منها إلى طاقته الاستيعابية القصوى. ويجد النازحون أنفسهم يصلون إلى مراكز امتلأت بالكامل قبل وصولهم، بعد أن قطعوا مسافات طويلة للوصول إليها. كما لا تتوزّع بشكل متوازن في المناطق والأحياء، ممّا يشكّل ضغطاً على البنى التحتية في مناطق معيّنة، ويطبّع مع التقسيم الطائفي والديني للمناطق. ففي بيروت على سبيل المثال، لا تزال الغالبية القصوى من المراكز تتمركز في الشطر الغربي من المدينة.وبالتالي، يجب زيادة أعداد هذه المراكز وضمان توزيعها بشكل متوازن ضمن الأحياء المختلفة.
2 – الإرشاد الميداني للنازحين المتواجدين في المساحات العامة إلى مراكز الإيواء
على الرغم من إصدار “وحدة إدارة الكوارث” بيانات دورية تتضمّن لوائح بأسماء مراكز الإيواء الرسمية المعتمدة، ولكن هذه البيانات تبقى غالباً بعيدة عن متناول النازحين، إذ لم تكن قنوات نشرها رسمية مركزية، أو سهلة الوصول أو واسعة النطاق. أحياناً، بعضها يصل إلى العامّة بعد التداول على تطبيق الواتساب، وأحياناً أخرى تظهر في مواقع إلكترونية متفرّقة، بينما تبقى غير متاحة في أحيان كثيرة. وهو ما صعّب وصول النازحين/ات إليها بشكل منتظم وفي جميع الأوقات، خصوصاً كبار السن أو الذين اضطروا للبقاء في الشوارع والساحات، ممّا صعّب وصولهم إلى هذه البيانات، وبالتالي وصولهم إلى مراكز الإيواء.
بالتالي، يشكل الإرشاد الميداني من قبل فرق بلدية ضرورة ملحة لكي لا يبقى الناس في العراء. وذلك يشمل كأولوية، جولات ميدانية على المساحات العامة مثل الكورنيش والساحات والأرصفة.
3- إدراج مباني الدولة الشاغرة في خطة الإيواء وتجهيزها
في بيروت فقط، تظهر بيانات وزارة المالية1 حتى عام 2015 وجود 1285 عقار تعود ملكيتها للدولة اللبنانية، 1164 عقار ملك بلدية بيروت و111 عقار تابعة للدولة اللبنانية (منهم 17 عقار من ملكيات الدولة بإسم وزارات و16 عقار من ملكيات الدولة بإسم مصالح أو مديريات). كما يملك مصرف لبنان بدوره عدد من العقارات والشقق الشاغرة. تبقى جميعها فارغة، رغم الحاجة الماسة إليها وازدياد أعداد النازحين دون مأوى أو أولئك اللواتي والذين افترشوا الطرقات.
يجب فتح كافة الأملاك الشاغرة التي تملكها الدولة في مختلف المناطق اللبنانية كمراكز إيواء. ومن الأمثلة على ذلك بعض المواقع في بيروت الإدارية التي كان بالإمكان تجهيزها جزئياً أو كلياً لاستقبال النازحين، محطة قطار مار مخايل، المباني المستملكة لمشروع أوتوستراد فؤاد بطرس التي تم ترميمها بعد انفجار المرفأ، وغيرها.
4- إدراج المباني الشاغرة ذات الملكية الخاصة ضمن خطة الإيواء
إنّ نسبة الشقق والمباني الشاغرة في مدينة بيروت على سبيل المثال تصل إلى معدلات مقلقة (حوالي 20%)، وتعكس كيف يُستخدم الفضاء العمراني لغايات استثمارية على حساب حاجة الناس إلى السكن. في حرب 2024، وبسبب عدم سعة مراكز الإيواء الرسمية، حاول عدد من النازحين تطبيق مفاهيم الحق بالمدينة وبالسكن من خلال وضع يدهم على الشقق المهجورة والشاغرة وتحويلها، لمدّة تنتهي مع انتهاء الحرب، إلى مسكن آمن لعدد منهم. وتم هذا على الأقلّ في 27 مبنى استطعنا رصدهم في مدينة بيروت الإدارية، بالإضافة إلى بعض المباني والوحدات خارج العاصمة.
ركّز الإعلام والمجتمع باستهجان على بعض الحالات، واصفين النازحين بـ”المحتلين”، على الرغم من أن بعضهم دخل إلى المباني بعد التفاوض مع مالكيها، كما حصل في مبنى عبد الباقي في الحمرا، في نموذج كنّا بأمسّ الحاجة إليه. وفي بعض الحالات، رأينا بعض عمليات التهديد أو تنفيذ الإخلاء من قبل القوى الأمنية، باستخدام القوة أحياناً، كما حصل أيضاً ليلة الخميس 5 آذار في مدرسة في زقاق البلاط.
على الحكومة اليوم إعطاء الأولوية لسكن النازحين، لا لحماية الملكية الخاصة. في ظل أزمة النزوح الناتجة عن أسباب قاهرة كالحرب، يمكن لهذا المخزون من المباني الشاغرة أن يكون الحل الأمثل لإيواء الناس. من الممكن، وبحسب قانون “إعلان حالة الطوارئ”، أن تقوم الدولة بمصادرة الأبنية والمرافق الخاصة لتأمين السكن للصالح العام، مع تعهّد بإخلائها بعد الحرب. كما لدى البلديات الصلاحية بتحديد المباني والشقق الشاغرة ووضع خطة للسكن المؤقت والآمن وهي تتحمّل هذه المسؤولية، من خلال إجراء مسوحات شاملة للوحدات السكنية الشاغرة والتفاوض مع مالكيها لتأجيرها للنازحين، مع إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية أو ضريبية في حال الامتناع.
5- إعادة توظيف المساكن ذات الاستخدام الموسمي
تتوزّع المساكن ذات الاستخدام الموسمي، كالفنادق والشقق المفروشة المخصّصة للإيجار قصير المدى (Airbnb)، والشاليهات، والمنازل المعدّة للاصطياف والعطل، في مختلف المناطق غير المستهدفة خلال هذه الحرب. وغالباً ما يكون هذا النوع من الوحدات السكنية مجهّزاً بشكل مسبق بالمقوّمات الأساسية للسكن، كالأسرّة والفرش والأغطية، إضافة إلى خدمات الكهرباء والمياه والتدفئة، وهو ما يجعلها أكثر جاهزية للاستخدام الفوري كبدل إيواء، مقارنةً بالعديد من المباني الشاغرة أو المهجورة التي قد تتطلب تجهيزات إضافية.
ينبغي النظر في إعادة توظيف هذا النوع من الوحدات، وإدخال هذا المخزون ضمن خطط الاستجابة للطوارئ، ممّا بتأمين إيواء أكثر سرعة وكرامة للنازحين، بدل إبقاء هذه الوحدات فارغة في ظل غياب المواسم السياحة.
6- ضبط الإيجارات وتحديد قيمة التأجير العادل لمنع الاستغلال
خلال حرب 2024، لجأت نسبة لا يُستهان بها من النازحين (حوالي 28%)2وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية. للإيجار كطريقة للوصول للإيواء، وهي نسبة قد تكون أقلّ من الواقع. أما بعد إعلان وقف إطلاق النار، بلغ عدد النازحين 64,417 نازحاً، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة (في تشرين الأول 2025)، 85% من منهم سكنوا عبر الاستئجار. إلا أن الأسعار كانت ترتفع بشكل مطّرد.
ففي بحثٍ أجريناه في أوائل عام 2024، وجدنا أن أسعار الإيجارات تضخّمت بنسب وصلت في بعض المناطق اللبنانية إلى 650%. وفي تحليلنا لعيّنة من الوحدات السكنية المعروضة، ظهر أن بدلات الإيجار مرتفعة ومتفاوتة لدرجة أن بعضها يفوق بدلات الإيجارات في عقود الإيجار السارية ما قبل الحرب بشكل كبير.
في الحالة الأمثل، يجب إلغاء الإيجار كلياً في مرحلة الحرب، وعلى الدولة إصدار قانون لتنفيذ ذلك، بحيث لا يضطرّ النازحون الذين خسروا منازلهم ومصادر أرزاقهم وأعمالهم بسبب الحرب إلى استنفاذ ما تبقّى من مدّخراتهم لدفع الإيجارات، بل تتحمّل الدولة مسؤوليتها في تأمين الإيواء بشكلٍ مجانيّ لهم.
وفي حالة عدم إلغاء الإيجار، من الضروريّ ضبط الإيجارات وتحديد قيمة التأجير العادل. يمكن تحقيق ذلك من خلال آليات مختلفة، منها إصدار قرارات على صعيد السلطات المحلية (بلديات ومحافظين) تحدّ من زيادات الإيجار ضمن نسبٍ معيّنة ضمن نطاقها الجغرافي، أو مراسيم حكومية لتنظيم الإيجارات أو تحديد سقف لها، أو قوانين تشريعية تمدّد جميع عقود الإيجار بإيجارات قائمة لفترة محددة، على مثال ما حصل خلال جائحة كورونا أو من خلال حظر زيادات الإيجار بما يتجاوز مبلغاً معيناً خلال فترة زمنية معينة.
7- اتباع سياسة صفر إخلاء
يجب حماية المستأجرين من الإخلاء ووضع آليات فعّالة للتبليغ عن الانتهاكات المرتبطة بالإيجار، مثل الاستغلال والتمييز والإخلاء التعسفي، مع توفير آليات رقابة على سلوك المؤجرين.
كما على السلطات حماية واضعي اليد على المباني الشاغرة وعدم إخلائها بالقوة. فإن ممارسة وضع اليد على المباني والشقق الشاغرة خلال الحرب هي ممارسة شائعة، تطبيقاً لمفاهيم الحق بالمدينة وبالسكن وفي ظل عدم سعة مراكز الإيواء الرسمية. في هذا الإطار، يجب أيضاً عدم إخلاء المساحات العامة دون تقديم بدائل، على أن يكون الإخلاء على شكل نقل السكان إلى البديل، لا باستخدام القوة والترهيب.
بالإضافة إلى ذلك، يجب وضع آليات فعّالة للتبليغ عن الانتهاكات المرتبطة بالإيجار، مثل الاستغلال والتمييز والإخلاء التعسفي، مع توفير آليات رقابة على سلوك المؤجرين.
8- إقرار اقتراحَي القانونين لدى المجلس النيابي: الأول لتعديل قانون الإيجارات السكنية القديمة والثاني لتنظيم عقود الإيجار
تبرز حاجة ملحّة اليوم إلى تدخّل الدولة لتنظيم سوق الإيجارات بشكل طارئ، بهدف ضبط الارتفاع الحاد في بدلات الإيجار. ففي ظلّ النزوح الداخلي لعشرات آلاف من الناس، بات الحفاظ على الاستقرار السكني أولوية عاجلة لتفادي تفاقم الأزمة الإنسانية والضغط المتزايد على المساكن ومراكز الإيواء. كما تتفاقم هذه التحديات مع حلول موعد تحرير الإيجارات السكنية القديمة عام 2026 وما قد يستتبعه من مخاطر إخلاء تطال عشرات آلاف الأسر اللبنانية.
لذلك، من الضروري أن يتدخّل المجلس النيابي على مستوى إقرار اقتراحين للإيجارات كان قد تقدم بهما عدد من النواب في 25 شباط 2026: الأول، اقتراح القانون المعجّل المكرّر لتعديل قانون الإيجارات السكنية القديمة بما يوفّر حماية فورية للمستأجرين القدامى، ولا سيما الذين لم يتمكّنوا من الاستفادة من صندوق دعم المستأجرين ويواجه بعضهم منذ الأول من آذار تهديدات بالإخلاء. فغالبية هؤلاء المستأجرين ينتمون إلى فئات هشّة، ولا سيما كبار السن3 المدن نقلاً عن اللجنة الأهلية للمستأجرين والأسر ذات الدخل المحدود4 أزمة الإيجارات القديمة في لبنان بلا حلول رغم القانون – جفرا نيوز، أخبار الأردن، وتعريضهم للإخلاء في وقت تشهد فيه البلاد حرباً ونزوحاً واسع النطاق، وطلب مرتفع على المساكن، وقصف مستمرّ على رقعة متزايدة من المناطق، ممّا سيضعهم أمام صعوبات جدية في إيجاد بدائل سكنية.
والثاني، اقتراح القانون الذي ينظّم عقود الإيجار الجديدة ويضع ضوابط واضحة على الزيادات المفرطة في بدلات الإيجار ويحدّ من التهديد بالإخلاء التعسفي. فتنظيم هذا القطاع ضروري لحماية المستأجرين الحاليين من الاستغلال وخسارة مساكنهم، وفي الوقت نفسه لتمكين الأسر النازحة أو المتضرّرة من الوصول إلى المساكن المؤجرة كخيار للإيواء، عبر بدلات إيجار معقولة وشروط أكثر استقراراً.
9- تشجيع السكان على استضافة العائلات النازحة
تحتاج مرحلة الحرب إلى أقصى تضامن اجتماعي لتوحيد الروح الوطنية بعيداً عن أي فئوية أو استغلال سياسي.
هناك حاجة لتنظيم البلديات لسكن النازحين بشكل يقوم على مبدأ تشجيع الاستضافة وليس إقصاء النازحين من البلدات. وهناك ضرورة لمناشدة الجميع على إظهار أعمق مشاعر التضامن والإخاء بما يضمّد أوجاعنا ويحصّن وحدتنا الوطنية بعيداً عن أي فئوية أو استغلال سياسي. كما من الأساسي حشد موارد الدولة البشرية المتاحة لهذه الغاية وفتح أبواب التطوّع المدني ضمن إطار الدفاع المدني.
10- إعداد مشروع قانون مستعجل بفتح اعتماد إضافي على الموازنة
كما في كل الأزمات السابقة، تنسحب الدولة من المشهد وتترك مسؤولية تمويل أزمة النزوح ودعم النازحين إلى المنظّمات الدولية والمنظّمات غير الحكومية والناس عامّة، فيما تتقلّص المساعدات الخارجية باستمرار.
نحتاج إلى تحديد خطة مالية طويلة الأمد تخصّص أولاً لإسعاف المدنيّين وضمان كرامتهم الإنسانية وإيوائهم عملاً بمسؤولية الدولة الدستورية والقانونية، وعدم الرهان على المساعدات الخارجية.
في الختام، هذه ليست الحرب الأولى التي نعيشها في لبنان، لكن الدولة تتعاطى معها، ككلّ مرّة، بلا تخطيط ولا إرادة سياسية للتدخّل ولعب دور فاعل.
لكن تختلف هذه الحرب عمّا قبلها بشدّتها وتوسّع رقعة الإخلاءات، ممّا سينتج أزمة إنسانية واجتماعية إن لم تتدخّل الدولة على مستوى تنظيم الإيواء ومراقبة المحافظة على الحق في السكن.
ونرى في هذه التدخّلات البسيطة، شكلاً من أشكال دعم صمود السكان وحفاظاً على كرامتهم، في ظل حرب طاحنة امتدّت لأكثر من سنتين واستهدفت حقّهم بالوصول إلى الأرض والسكن.
المراجع:
- 1حتى عام 2015
- 2وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية.
- 3
- 4