مقدّمة و منهجية البحث

القسم الأول: الإخلاء وصناعة الهشاشة في المدينة
أوّلاً – قراءة في فئة المستأجرين القدامى مكانياً، تاريخياً وإجتماعياً          
أ- عن الفئات الاجتماعية للمستأجرين القدامى
ب- عن توارث المساحات والتجذّر السكني
ثانياً– إفراغ المدينة من سكّانها
أ – بالأرقام: مستويات التهجير الجماعي التي يواجهها المستأجرون القدامى
-على نطاق المدينة والأحياء
-على مستوى المبنى
ب- أدوات التفريغ التدريجي للأحياء والمباني
1- تحرير الإيجار قسراً: الضغط على المستأجرين لفسخ عقودهم قبل انتهاء المهل
2- السلامة العامة حجّة للإخلاء
3- غموض القانون و سوء تطبيقه أداة للدفع على الإخلاء
4- طلبات الإخلاء الفوري بعد انقضاء مهلة ال28/2/2026

القسم الثاني: مجابهة تطبيق قانون معلّق المفعول
 أوّلاً–  إشكاليات القانون الذي لم ولن يطبّق
أ- أزمة تعدّد تواريخ نفاذ القانون
ب- بنية قانونية لم تشكّل
-معاناة المستأجرين مع طلبات الصندوق
-تحديد بدل المثل دون الآليات اللازمة 
ثانياً– من الدعم القانوني إلى الإصلاح التشريعي: تدخّلات استديو أشغال عامة في ملف الإيجارات القديمة
أ-  تدخّلات على المستوى القانوني
– أشكال التهديدات المختلفة التي واجهها المستأجرون القدامى
– أشكال التدخّلات القانونية للجنة المحامين للدفاع عن الحق بالسكن 
ب-  اقتراح قانون جديد لحل الأزمة
-معادلة حسابية لتحديد بدل المثل 
-تمديد سنوي وتصحيح دوري للبدلات
-استرداد المأجور
-التمييز بين المالك القديم والجديد

خاتمة

 ليست أزمة الإيجارات القديمة في لبنان صراعًا بين مستأجرين ومالكين كما عملت السلطة على تظهيره، ولا نزاعًا بين حقوق متعارضة، بقدر ما هي نتيجة مباشرة لفشل السياسات العامة. فما يُعرف اليوم بـ«الإيجارات القديمة» نشأ نتيجة قرار سياسي اتخذته الدولة منذ عقود بالانسحاب من تنظيم قطاع الإسكان، وترك العلاقات التأجيرية المنظّمة قبل ال1992 رهينة تشريعات جامدة لم تُراجع رغم تعدّد الأزمات وتطوّر الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية.

وبعد سنوات على امتناع الدولة عن التدخّل لتصحيح الخلل البنيوي الناجم عن قرارها، في الوقت الذي تفاقمت فيه أزمة الإيجارات القديمة لتصبح أزمة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جاءت السلطة بقانون جديد للإيجارات خلال عامي 2014 و2017،  يطرح مقاربة تقوم على تحديد مهل زمنية لإنهاء العلاقة الإيجارية القديمة، على أساس أن تكون هذه المهل مقرونة بتدابير لحماية المستأجرين، وبرامج إسكان تضمن انتقالًا تدريجيًا وعادلًا، وتمنع تعريض عشرات آلاف الأسر لخطر فقدان مساكنها.

غير أنّ هذه السياسات لم تُقرّ يومًا، ولم تُنفَّذ أي من البرامج الداعمة التي نصّ عليها القانون، سواء لناحية تمويل صندوق الدعم، أو لجهة إقرار قوانين الإيجار التملكي أو تقديم التسهيلات للحصول على القروض السكنية، ما حوّل القانون عمليًا إلى قانون بلا أدوات تنفيذ1مقال “قانون الإيجارات الجديد: نص قائم بمفعول مُعلّق“،استديو أشغال عامّة، 2025. في المقابل، استمر واقع الإيجارات بالتدهور، لا سيما بعد الانهيار الاقتصادي الذي شهده لبنان منذ عام 2019، وما رافقه من تآكل واسع في القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع حاد في بدلات الإيجار في السوق الحر، وانعدام شبه تام في شبكات الحماية الاجتماعية2 مقال نشره موقع صفر بعنوان ” السكن الإيجاري في بيروت: الفقراء يدفعون أكثر من الأغنياء” ، 2023.

ومع تعطيل معظم الآليات التي كان يُفترض أن تُشكّل جوهر القانون الجديد، أُفرغ هذا الأخير من مضمونه الإصلاحي، وتحولّ قانون الإيجارات من إطارٍ متكاملٍ يهدف لتنظيم الانتقال من نظام قانوني استثنائي إلى نظام “عادل”، تحوّل إلى قانون العد العكسي وشكّل عامل ضغط إجتماعي يهدّد المستأجرين (ولا سيما الأكثر هشاشة منهم) بالإخلاء، دون أن تكون الدولة قد وفّرت لهم أي أدوات حماية أو بدائل سكنية فعلية.

واليوم، مع انتهاء سنوات التمديد التسع، يُعاد طرح القضية في إطارها الضيّق الذي يُختزل غالبًا بمواجهة بين طرفين، دون البحث في أساس المعضلة التي تكمن في إصرار الدولة على التعامل مع السكن كمسألة تعاقدية فردية بدل اعتباره حقًا اجتماعيًا يتطلّب سياسات شاملة.

منهجية البحث

تحتلّ قضايا الإيجارات القديمة موقعاً محورياً في عمل استديو أشغال عامة البحثي والتوثيقي منذ عام 2014. يأتي هذا التقرير ليقدّم قراءة تحليلية تقوم على المزج بين الإنتاج التراكمي للدراسات والأبحاث المنجزة حول هذا الملف، وبين تحليل عيّنة من الحالات الحالية التي بلّغت عن تهديدات مرتبطة بالإيجارات القديمة وتابعها فريق «مرصد السكن» ودعمها قانونيًا خلال الفترة الممتدّة من آذار 2022 ونهاية آذار 2026. ويبلغ عدد هذه الحالات 130 بلاغ موثّق، تشمل 371 وحدة سكنية مهددة، 318 منها تشمل تهديداً جماعياً يطال المبنى بشكل جزئي أو كلي.  

إنّ الحالات التي شملها الرصد هي لمستأجرين بادروا إلى التواصل مع «مرصد السكن» عبر الخط الساخن للتبليغ عن طلبات إخلاء أو للاستفسار عن حقوقهم، أو لحالات جرى توثيقها خلال البحث الميداني. ويعمل المرصد بشكل أساسي في بيروت وطرابلس، وقد توسّع عمله خلال عام 2025 ليشمل مدينة صور أيضًا، ما قد يفسّر تركّز عدد من الحالات الموثّقة في هذه المدن، مع الإشارة إلى أنّ العيّنة شملت كذلك حالات من مناطق أخرى، منها المتن الشمالي وكسروان وصيدا وغيرها.

وبالنظر إلى حجم العيّنة وطبيعة جمعها، تُقرأ النتائج الواردة في هذا التقرير بوصفها مؤشّرات تساعد على فهم بعض الأنماط المتكرّرة في أوضاع المستأجرين القدامى ومسارات الإخلاء التي يواجهونها، انطلاقًا من حالات موثّقة. ويهدف التقرير إلى قراءة الواقع الراهن لهذه الفئة من خلال تحليل أوضاعها الاجتماعية والمعيشية، وتفكيك الآليات القانونية والإدارية التي يُنتَج عبرها الإخلاء في الممارسة، بما يتجاوز القراءة النصّية للقانون (الذي بدوره يمكن وصفه بالتهجيري)، إلى دراسة أثره الفعلي على الفئات المعنية. 

وبذلك، يضع هذا التقرير مسألة الإيجارات القديمة في إطارها البنيوي، ناقلاً النقاش من مستوى التجاذب بين أطراف متنازعة إلى مستوى مساءلة السياسات العامة التي أسهمت في إنتاج هذه الأزمة واستدامتها.

القسم الأول: الإخلاء وصناعة الهشاشة في المدينة

يمتدّ أثر إنهاء عقود الإيجارات القديمة إلى ما هو أبعد من الأفراد والعائلات المهدَّدة بالإخلاء، ليطال الأحياء والمدن في بنيتها الاجتماعية وتركيبتها السكانية وطبقتها. غير أن فهم عمق هذه الأزمة يستوجب قراءة الإخلاء لا بوصفه نتيجةً إجرائية لانتهاء مهل قانونية، بل بوصفه مساراً ممنهجاً ومتراكماً، استُثمرت فيه القوانين والأزمات والتهميش السياسي كأدواتٍ لدفع المستأجرين نحو التهجير القسري.

 وقبل الدخول في تفاصيل الأرقام والمعطيات، لا بدّ من وضع قضية الإيجارات القديمة في سياقها التاريخي والاجتماعي، لفهم دورها في تشكيل الواقع السكني في المدن الكبرى، والأثار المترتبة عن تحرير هذه العقود.

فمنذ أربعينيات القرن الماضي وحتى عام 1992، كانت الدولة اللبنانية تتدخّل بشكل دوري لتنظيم عقود الإيجار وضبط البدلات. وقد ساهم هذا التدخّل تاريخياً في تثبيت المستأجرين في بيوتهم وأحياءهم على مدى عقود، مع العلم بأن تحديد بدلات الإيجار ارتبط بأسعار السوق فيما ضبطت الزيادات تقييداً للاستغلال. وبذلك شكّل المستأجرون ثلاثة أرباع سكان بيروت في سبعينات القرن الماضي3“سياسة الإخلاء”، نادين بكداش، نُشر في مجلّة بدايات، العددان ٨-٩ – ربيع / صيف 2014

غير أنّ صدور قانون الإيجارات الحر عام 1992 شكّل نقطة تحوّل أساسية، إذ أرسى نظامين قانونيين متوازيين: فمن جهة حرّر عقود الإيجار الجديدة كلياً، تاركاً قطاع الإيجارات لمنطق العرض والطلب دون أي ضبط فعلي، وبالتالي لرحمة الحلقة الأقوى في العلاقة التأجيرية وهو ما يضع المستأجرين في حالة ضعف أكبر خاصة وأن السكن هو حق أساسي وليس ترفاً، ومن جهة أخرى تَرَك عقود الإيجار القديمة معلّقة خارج أي علاقة بالسوق وبلا آلية تصحيح تواكب التضخّم. وفي ظل انسحاب الدولة من دورها في تأمين شامل لسكن آمن ومناسب، دخلت شركات التطوير العقاري على الخط لتصبح هي المحرّك الفعلي لسوق العقارات في لبنان. واستهدفت هذه الشركات بشكل ممنهج صغار المالكين، فأقدمت على شراء مبانٍ بأكملها وهدمها وإعادة تطويرها، في ظل سياسات تجديد حضري أعطت الأولوية للاستثمار على حساب الاستقرار السكني. وهكذا انخفضت نسبة المستأجرين القدامى في بيروت إلى ما دون الخمسين بالمئة بحلول عامَي 1996 و20044المرجع نفسه نتيجة موجات هدم وإعادة تطوير أزاحتهم قسراً من أحياء باتت أسعارها خارج متناولهم.

محور موضوعنا في هذا القسم هو عن الأشخاص الذين يُطلب منهم اليوم مغادرة منازلهم، وعن تمركزهم في الأحياء والمدن. فخلف النصوص القانونية والمهل الزمنية، تقف فئة واسعة لا تتوافر بشأنها حتى تاريخه أي معطيات رسمية دقيقة توضّح أرقامها، وخصائصها الاجتماعية أو أوضاعها المعيشية وحاجاتها السكنية، ويُترك النقاش العام رهينة تقديرات متفرقة كثيراً ما تتناقض في ما بينها. فيُقدَّر عدد المستأجرين القدامى في لبنان بين 60 و180 ألف أسرة: قدّر اتحاد مالكي الأبنية عام 2014 عددهم بنحو 81 ألف أسرة5قانون الإيجارات يُنصف المالك ولا يظلم المستأجر“، إيفا أبي حيدر، جريدة الجمهورية، 2014، فيما تشير لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين إلى ما يزيد على 180 ألف عائلة أو ما يعادل 800 ألف مواطن6 بيان للجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين: نكرر رفضنا قانون الايجارات التهجيري وندعو إلى العمل بالقديم،  الوكالة الوطنية للإعلام” 2025، غالبيتهم من ذوي الدخل المحدود، ونحو 60% منهم من كبار السن7 قانون الإيجارات الجديد… العد التنازلي لتشريد العائلات بدأ، بلقيس عبد الرضا، جريدة المدن، 2026. أما مسح المباني والمؤسسات الذي نفّذته إدارة الإحصاء المركزي عام 2004، فيُقدّر عددهم بحوالي 153 ألف مستأجر يتمركزون أساساً في بيروت8نُشرت الدراسة الإحصائية ضمن بيان عن  لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين بعنوان “توضيح من لجنة الدفاع عن المستأجرين ودراسة إحصائية”  صدر في مدوّنة “السكن  في البيروت”  بتاريخ 30 نيسان 2014.

يسعى هذا القسم إلى تحليل الأثر الاجتماعي والعمراني لفعل القضاء على ما تبقى من سكن مستدام وطويل الأمد لفئات المستأجرين القدامى. نبدأ أولاً بعرض التداعيات الأوسع لعمليات الإخلاء المحتملة، التي لا تقتصر على حالات فردية متفرّقة بل تنذر بموجة إخلاء جماعي قد تُعيد رسم التركيبة الاجتماعية والديموغرافية للأحياء والمدن. لننتقل بعدها إلى تحليل أوضاع المستأجرين القدامى، وإبراز خصائصهم الاجتماعية ومواقع هشاشتهم، وما قد يترتّب على إخلائهم من خسارة فعلية لمساكنهم وشبكاتهم الحياتية. 

أوّلاً – قراءة في فئة المستأجرين القدامى مكانياً، تاريخياً وإجتماعياً

بحسب الإحصاء الذي أجرته وزارة المالية عام 2004، والذي ارتكز على عقود الإيجار المسجّلة أمام السلطة المحلية، يُقدّر عدد عقود الإيجار القديمة في جبل لبنان الشمالي ب 74 ألف مقابل 43 ألفاً في بيروت. 

يليها الشمال حيث أحصي ما يُقارب ال19 ألف عقد، معظمها متمركز في طرابلس (نحو 12 ألفاً)، ثم الجنوب الذي وُجِد فيه 9 ألاف عقد، توزّعت بمعظمها بين صيدا وصور، بعدها البقاع حيث تم إحصاء حوالي 5 ألاف عقد، 3 آلاف منها في زحلة، وأخيراً حوالي ألفي عقد في النبطية. 

مع الإشارة إلى أن منطقة جبل لبنان الجنوبي وتحديداً قضاءَي الشوف وعاليه، لم ترد في هذا الإحصاء، وهي تقدر بأكثر من عشرين ألف عقد إيجار قديم، وإذا أضيفت إليها العقود غير المسجلة في البلديات أو المصرح عنها لأسباب تتعلق بوجود مخالفات في الأبنية أو للتهرب من دفع الضرائب من قبل المالكين، والتي تُقدر7%، فإن العدد الإجمالي للعائلات المستأجرة يزيد عن 180 ألفاً9مرجع سابق، مقال «لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين»  صدر في مدوّنة “السكن  في بيروت”  بتاريخ 30 نيسان 2014 .

لكنّ هذه الأرقام لا تكفي وحدها لفهم حجم التحوّل المحتمل، إذ أنّها لا تُخبرنا شيئاً عن كثافة توزّع هؤلاء المستأجرين داخل المباني والأحياء، ولا عن الكتل السكنية التي قد تفرغ دفعةً واحدة في حال تسرُِّع الإخلاءات. وسعياً للعثور على هذه المعلومات، رصدت دراسةٌ أجراها استديو أشغال عامة عام 2018، في مرحلة سابقة من هذا المسار البحثي، أنماطَ توزّع الإيجارات القديمة مبنىً مبنىً في أحياء الباشورة والبدوي والروم والمصيطبة وطريق الجديدة والشياح وراس بيروت، وخلصت إلى أنّها شكّلت نحو 20% من النسيج السكاني والعمراني في هذه المناطق10دراسة “أن نرسم بيروت من روايات مستأجريها“، استديو أشغال عامّة بالتعاون مع المفكرة القانونية، 2018. يسعى هذا القسم، استكمالاً للبحث السابق، أن يكشف اليوم عمّا آلت إليه تلك الأنماط، لإظهار أنّ الإخلاء لا يمسّ وحدات سكنية منفردة، بل يطال في أحيان كثيرة مبانٍ بأكملها، و أن تداعياته تتجاوز الأفراد لتُعيد رسم ملامح الأحياء والمدن.

سنبدأ أولاً بعرض أوضاع المستأجرين القدامى، وإبراز الخصائص الاجتماعية لهذه الفئة ومواقع هشاشتها، وما قد يترتّب على إخلاء المستأجرين القدامى من خسارة فعلية لمساكنهم وشبكاتهم الحياتية. لينتقل بعدها التحليل إلى بحث التداعيات الأوسع لعمليات الإخلاء المحتملة، التي لا تقتصر على حالات فردية متفرقة بل تنذر بموجة إخلاء جماعي قد تُعيد رسم التركيبة الاجتماعية والديموغرافية للأحياء والمدن.

أ- عن الفئات الاجتماعية للمستأجرين القدامى

عمد مرصد السكن إلى تحليل عيّنة من 130 مسكن بالإيجار القديم، تقدّم قاطنوها ببلاغات إلى المرصد عن تهديدات تطال سكنهم. واعتمد التحليل على المعطيات التي قدّمها المبلّغ الأساسي في كلّ مسكن، ممّن وافقوا على استخدام بياناتهم لأغراض التوثيق. وتبيّن من هذه العيّنة أنّ الغالبية تنتمي إلى فئات اجتماعية هشّة، ولا سيّما الأسر التي تضمّ كبار السن أو تلك التي تعيلها نساء، أو أفراداً يعيشون بمفردهم، ما يبرز البعد الاجتماعي العميق لمسألة الإخلاء.

فمن بين 112 مستأجر يتوزّعون بين مستأجر مبلّغ وأفراد من عائلته الساكنين معه، الذين زوّدونا بمعلومات عن أعمارهم، تبيّن أنّ أكثر من النصف يشمل أشخاصًا  كبار في السن. وأنّ ما يزيد عن ثلثي المستأجرين تجاوزوا سن الخامسة والستين، كما وأن واحداً من عشرة مستأجرين تجاوز الخامسة والسبعين من عمره. في حين، صرّح  ما يزيد عن ثلث آخر من المستأجرين بأن أعمارهم تتراوح بين خمسين وخمسٍ وستين سنة، ما يدلّ على أنّ جزءًا كبيرًا من المستأجرين القدامى يقترب من سن التقاعد أو يعيش ضمن مرحلة هشّة اقتصادياً واجتماعياً.

وفيما يخص التركيبة العائلية للمستأجرين المبلّغين، حلّلنا المعطيات المتوفرة ضمن 125 بلاغ، ليتبيّن أن حوالي ربع المبلّغين هم أفراد يسكنون وحدهم، وثلثي هؤلاء الأفراد ينتمون إلى فئة كبار السن، في حين تشكّل النساء نحو نصف هذين الثلثين.

في المقابل، تضمّ باقي البلاغات عائلات، وتشكل العائلات النواة ثلثي مجمل الحالات الموثّقة، في حين تشكل العائلات الموسّعة 11.4% منها.

ومن ضمنهم رصدنا أنّ 39% من العائلات الموثّقة تضم أفراداً من الكبار في السن ضمن تركيبتها، في حين أن كل عائلة من أصل 8  هي أسر مؤلّفة بالكامل من نساء، وما يقارب عائلة من كل 12 تضم أولاداً قصّر.

وتعكس هذه المؤشرات درجة مرتفعة من الهشاشة الاجتماعية والعزلة السكنية، ولا سيّما بين النساء المسنّات اللواتي يُطلب منهن اليوم تحمّل حصةً غير متكافئة من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لأزمة سكنية هي في جوهرها نتاج اختلالات بنيوية في السياسات السكنية والمالية والاقتصادية.

كما وثّق المرصد خمس حالات لمستأجرين قدامى من ذوي الإعاقة؛ يعيش اثنان منهم بمفردهما ويعتمدان بشكل أساسي على جيرانهما ومحيطهما الاجتماعي لتسيير شؤونهما اليومية، فيما يقيم آخران مع ذويهما من كبار السن، بينما يسكن الخامس مع عائلته الموسّعة ويؤدّي دور المعيل الأساسي لها. وقد تجاوز أربعة منهم سن الخامسة والستين، ما يُظهر تداخل الإعاقة مع هشاشة العمر والوضع الأسري.

لا تقتصر هشاشة العديد من المستأجرين القدامى على أوضاعهم الفردية، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأحياء التي يقيمون فيها، حيث تؤدّي علاقاتهم بجيرانهم ومحيطهم الاجتماعي دورًا أساسيًا في شعورهم بالانتماء. وقد عبّرت عن ذلك مستأجرة قديمة في مصيطبة، حين واجهتها مالكتها بخيارين، توقيع عقد إيجار جديد محرّر أو الإخلاء، فقالت: “حسّيت كأنها عم تمحي تاريخي في هذا البيت. أربعون سنة عشتها في هذا المبنى وهذا الحي، وهي تطلب مني أن أمضي على التنازل عنها كأنها لم تكن.”

ويُظهر التحليل أنّ الفئات الأكثر حضورًا بين المستأجرين القدامى (ككبار السن، والأسر التي تعيلها نساء، والأفراد الذين يعيشون بمفردهم)، هي فئات تعيش أصلًا أوضاعًا هشّة على المستويات العمرية والاقتصادية والاجتماعية، ما يحدّ من قدرتها على تحمّل صدمة الإخلاء أو الانتقال بسهولة إلى سوق الإيجارات الحرّة. وعليه، فإن الإخلاء في هذه الحالات لا يعني فقط خسارة المسكن، بل فقدان شبكة الأمان الاجتماعية المرتبطة بالمكان والحيّ والعلاقات المحيطة به. ومن هنا، فإن مقاربة ملف الإيجارات القديمة بوصفه مجرّد إنهاء لوضع استثنائي وإعادة توازن إلى العلاقة التعاقدية بين المالك والمستأجر، من دون الأخذ بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، قد تؤدّي عمليًا إلى طرد فئات هشّة من المدينة وتعميق مسارات الإقصاء الاجتماعي. بحيث يصبح الإخلاء هنا أداة لإعادة فرز المدينة اجتماعيًا وإعادة تعريف من يحقّ له البقاء فيها، مع تحميل الفئات الأكثر هشاشةً الثمن الأعلى لأزمة أنتجتها اختلالات تشريعية وسياسية، لا يد لهذه الفئات فيها.

ب- عن توارث المساحات والتجذّر السكني

لإدراك الأثر الاجتماعي لعمليات الإخلاء، لا يكفي النظر إلى وضع المستأجرين الحالي فقط، بل من الضروري أيضًا فهم تاريخ إقامتهم في أحيائهم ومدى تجذّرهم فيها عبر الزمن. ففي عيّنة من 110 عقد إيجار جُمعت من أصل 130 بلاغ موثّق، تبيّن أنّ الغالبية الساحقة من هذه العقود تعود إلى فترات قديمة نسبيًا، أُبرم أكثر من نصفها بين عامَي 1967 و1983، فيما يتوزّع الباقي بالتساوي تقريبًا بين ما قبل 1967 والفترة الممتدة حتى عام 1992.

وتكمن أهمية هذا التوزّع في أنّه يعكس تجذّراً سكنياً طويل الأمد، حيث لم تعد هذه المساكن مجرّد وحدات مؤجّرة، بل فضاءات ورثتها أجيال متعاقبة، ما يطرح مسألة البقاء في المدينة بوصفها مسألة استمرارية اجتماعية لا علاقة تعاقدية فحسب.

أمّا عند تحليل هذه العقود بحسب صفة الشاغلين (مستأجر أصلي أو وريث)، يظهر نمطٌ واضحٌ من توارث السكن عبر الأجيال. فمن بين 123 بلاغ، تبيّن أنّ 82% منهم يشغلون المساكن بصفتهم ورثة للمستأجرين الأصليين، في حين لا تتجاوز نسبة المستأجرين الأصليين 18%.

ويتوزّعون بحسب سنوات الدخول إلى المأجور على الشكل التالي: بالنسبة للعقود التي نُظّمت قبل عام 1967 يشغلها اليوم في معظمها ورثة المستأجرين الأصليين الذين توفّوا، ما يعني أنّ الإقامة في هذه المساكن تمتدّ في كثير من الحالات أكثر من نصف قرن داخل العائلة الواحدة. والعقود المبرمة بين عامَي 1967 و1983، يشغل نحو أكثر 78.6% منها ورثة، مقابل 21.3% فقط من المستأجرين الأصليين. وبالنسبة للعقود الموقّعة بين عامَي 1983 و1991، فتبيّن أنّ 64.7% منها يشغلها ورثة أيضًا، مقابل 35.2% فقط ما زال يشغلها أصحاب العقود الأصليون.

وفي حين ينتمي جميع المستأجرين الأصليين إلى فئات عمرية متقدّمة في السن، تُظهر المعطيات أنّ الأمر صحيح أيضًا بالنسبة للورثة، حيث أنّ حوالي النصف يتراوح أعمارهم بين 50 و64 سنة، وربعهم بين 65 و75 سنة، فيما تجاوز 6% منهم سن ال75.

تُظهر هذه القراءة بعدًا إضافيًا لمسألة الإيجارات القديمة، إذ يتبيّن أنّ القسم الأكبر من الشاغلين الحاليين لم يدخلوا هذه المساكن نتيجة خيار سكني حديث، بل عبر مسار عائلي طويل من التوارث والاستقرار. فكثيرون منهم وُلدوا في هذه البيوت أو انتقلوا إليها في طفولتهم، وعاشوا فيها القسم الأكبر من حياتهم. 

في المقابل، يظهر هذا القسم أنّ أزمة الإيجارات القديمة لا تُنتج اضطراباً سكنياً فحسب، بل تُعيد توزيع الهشاشة في المدينة، وتُحمّل من هم أقلّ قدرةً على التكيّف ثمن غياب السياسات السكنية. وهذا ما يجعل أي معالجة تشريعية لهذا الملف مسؤوليةً لا تقتصر على ضبط العلاقة بين المالك والمستأجر، بل تمسّ في جوهرها شكل المدينة والحق في السكن فيها.

ثانياً- إفراغ المدينة من سكّانها

نحاول في هذا القسم  تقدير حجم التهديد المتوقع على مستوى المدن والأحياء والمباني من خلال تحليل عيّنة من البلاغات، ثم ننتقل لاستعراض مختلف العوامل والمحرّكات التي تضغط للإخلاء قبل حتى أن ينقضي أي أجل قانوني.

أ – بالأرقام: مستويات التهجير الجماعي التي يواجهها المستأجرون القدامى

على نطاق المدينة والأحياء

بين آذار 2022 وآذار 2026، تلقّى مرصد السكن 130 بلاغ عن تهديدات بالإخلاء طالت 371 وحدة سكنية يشغلها مستأجرون قدامى. فقط 53 وحدة سكنية واجهت تهديدات منفردة، مقابل 318 وحدة تقع ضمن تهديدات جماعية داخل مبان كاملة أو شبه كاملة. أي أن ما يقارب 86% بالمئة من الوحدات المهدّدة تقع ضمن موجات إخلاء جماعي، لا نزاعات فردية معزولة. 

نظراً لنطاق عمل المرصد وتركيز جهوده الميدانية، تتركّز هذه التهديدات بشكل أساسي في المدن الكبرى، ولا سيما بيروت وطرابلس .

تتركّز معظم هذه الحالات في بيروت الإدارية، حيث تم توثيق 45 بلاغاً لتهديد مستأجرين قدامى، ورصد أكثر من 123 وحدات مهددة، مع تركّز واضح في أحياء المزرعة والمصيطبة، وثمّ رأس بيروت، والأشرفية، إضافةً إلى أحياء أخرى. 

وتحتلّ بيروت الكبرى المرتبة الثانية بـ23 بلاغٍ و85 وحدة مهددة، تتركّز معظمها في الشياح وبرج حمود . أما طرابلس، فتسجّل 33 بلاغاً يضم 76 وحدة مهدّدة، موزّعة بصورة رئيسية في أحياء الزاهرية، وباب الرمل، وضهر المغر .

على مستوى المبنى

من أوّل قراءة لهذه الأرقام، يتّضح أن التهديدات ذات الطابع الجماعي تمثّل غالبية الحالات، إذ أنّ 77 بلاغ من أصل 130، أو ما يناهز 58.5%من مجمل البلاغات، أفادت عن تهديدات تطال عدّة وحدات في المبنى.

وتكشف قراءة أدق ل 59 مبنى تتوافر لنا فيه تفاصيل كافية، عن نمط متصاعد في حدّة التهديد الجماعي: ففي  42.3% من المباني المرصودة، يتجاوز التهديد نصف الوحدات في المبنى، فيما ربع المباني  يقترب من التفريغ الكامل، مع بلوغ التفريغ الكامل فعلياً في مبنى من كل ثمانية.

تكشف هذه الأرقام مجتمعةً أن التهديد بالإخلاء الناتج عن نزع الحماية القانونية عن عقود الإيجار القديمة لا يقتصر على حالات فردية مبعثرة يسهل استيعابها في سوق الإيجار الحر، كما تروي السردية التي طالما روّج لها اتحاد مالكي الأبنية وعدد من المشرّعين، بل أنّه يعكس نمطاً بنيوياً من تفريغ المباني على نطاق واسع يتّخذ في أغلب الأحيان شكل تهديد جماعي يطال المباني السكنية دفعةً واحدة، بوصفها وحدات اجتماعية متكاملة، ممّا يحوّل الإخلاء إلى آلية لإعادة السيطرة على العقار بكامله ويجعل أثرها على النسيج العمراني والاجتماعي أعمق مما تعكسه الأعداد وحدها.

ب- أدوات التفريغ التدريجي للأحياء والمباني

عند النظر في مختلف أنواع التهديدات التي يواجهها المستأجرون القدامى اليوم، يتّضح أن المشهد لا يختزل في نمط واحد، بل يتشكّل عبر مسارات متعددة تعكس في مجملها غياب منظومة حماية فعلية، وتكشف أن المالكين لا ينتظرون انتهاء المهل القانونية لكي يتحرّكوا. فالضغط يبدأ قبل ذلك بكثير، ويتخذ أشكالاً شتّى من مضايقات مباشرة ومناورات قانونية، إلى توظيف ذرائع السلامة والحرب أدواتٍ للإخلاء، إلى استغلال الغموض في تطبيق القانون لخلق حالة من القلق والتوتّر.

نحاول في هذه الفقرة تصنيف مختلف أنواع التهديدات التي واجهت المستأجرين القدامى من عيّنة المبلغين نفسها. مع الإشارة إلى أن التصنيف المعتمد أدناه يرتكز على السبب الرئيسي والتهديد الأوّلي الذي بلّغ عنه المستأجر أوّل تواصله مع المرصد، في حين أن كثيراً ما تتداخل أسباب التهديد داخل الحالة الواحدة أو تتطوّر مع مرور الوقت لتنتقل من فئة إلى أخرى. وعند تحليل هذه البلاغات ال 130، يمكن تحديد أنواع التهديدات على الشكل التالي:

1- تحرير الإيجار قسراً: الضغط على المستأجرين لفسخ عقودهم قبل انتهاء المهل

تتصدّر القائمة حالات فرض تحرير الإيجار، إذ بلغت 68 حالة أو ما يعادل 52% من مجمل البلاغات. وتكشف هذه الأرقام عن نمط ممنهج من الضغط المباشر الذي مارسه المالكون على مستأجريهم استباقاً لانتهاء المهل القانونية، بهدف فسخ العقود القائمة وإبرام عقود جديدة بأسعار وشروط مغايرة. 

والمشكلة في تحرير الإيجار هو أنه، عكس الإعتقاد  السائد، لا يُعيد التوازن بين طرَفَي عقد الإيجار، ولا يُصحّح الخلل البنيوي في منظومة الإيجارات القديمة. فالمستأجر الذي يُرغَم على توقيع عقد جديد يفقد الحماية التي كفلها له القانون 2/2017 طوال سنوات الامتداد، ولا يحصل في المقابل إلا على ضمان محدود بثلاث سنوات فحسب تقيه رفع الإيجار أو الإخلاء، قبل أن يجد نفسه بعدها مكشوفاً أمام السوق الحرة أي أمام زيادات لا سقف لها، مع احتمال إنهاء العقد والإخلاء دون أي حماية. وبهذا المعنى، لا يكون تحرير الإيجار في كثير من الحالات سوى مسار مبطّن نحو الإخلاء.

وعلى صعيد أساليب الضغط المُستخدَمة، تبيّن أن الغالبية القصوى من التهديدات (83%) اتخذت شكل التهديد الشفهي، ما يكشف عن سعي المالكين للالتفاف على نصوص القانون وتجنّب المسارات الرسمية عبر الضغط المباشر غير الموثَّق. في المقابل، تلقى حوالي مستأجر واحد من أصل كل 7 مبلّغ إنذاراً مكتوباً بوجوب الإخلاء، بعد رفضه طلب المؤجر لرفع الإيجار أو تعديل شروط العقد. وهذه الإنذارات لا تستند على سبب قانوني صحيح يجيز الإخلاء، لكنّها استُعمِلَت كوسيلة ضغط إضافية لتطويع المستأجر على القبول بمطالب المؤجر.

 والدليل أن الغالبية العظمى من هذه الإنذارات لم تُعقَب بأي إجراء قانوني، ولم يلجأ أصحابها إلى القضاء لمتابعة طلبهم. بمعنى آخر، لم يكن لدى المالكين في هذه الحالات نيّة فعلية بالسير في أي مسار قانوني، بل كانوا يوظّفون الإجراءات القانونية كأداة ضغط إضافية، على أمل أن يُذعن المستأجر قبل أن تُختبر صحة مزاعمهم أمام القضاء.

وفي حالتين موثّقتين، لجأ المالكون إلى القضاء الاستعجالي طلباً للإخلاء، مستندين إلى ذرائع كانتهاء المهل أو عدم سلامة البناء، رغم انعدام الأساس القانوني لهذه المزاعم.

وفي هذا السياق، تنقّل العديدر من مباني الإيجار القديم في بيروت من ملكية العائلات التي أدارتها لعقود إلى مستثمرين جدد ومطوّرين يرون فيها فرصة لإعادة تثمين العقار في سوق متحرّرة. وتكشف بيانات رصدنا الميداني أن واحدة من كل ثمانِ حالات وثّقناها تخصّ مبانٍ انتقلت ملكيتها إلى ملّاك جدد بعد عام، ممّا يعني أن هؤلاء المالكين لا تربطهم بالمستأجرين أو الحي أي علاقة تاريخية أو اجتماعية، بل يتعاملون مع العقار بمنطق استثماري صرف. وهنا تتجلّى مظلومية المستأجر في أوضح صورها حيث أن القانون الذي كان يُفترض أن يكون مظلّته تحوّل إلى أداة ضغط بيد مالك لا يعرفه، في سوق لا يملك أدوات المنافسة فيها. وتكتمل المفارقة حين يُدرك المستأجر أن الإشكالية ليست في قسطه الشهري الآني، بل في المسار الحتمي الذي ينتهي بإخلائه، سواء بعد ثلاث سنوات أو ست، في غياب أي ضمان للاستمرارية أو الاستقرار.

الاستثمار يهدّد مبنيَين إيجار قديم في حي الطريق الجديدة

يشهد على ما نقوله شارع واحد في حي الطريق الجديدة، حيث يقف مبنيان من ستينيات القرن الماضي، جنباً إلى جنب، يحملان الحكاية ذاتها بوجهين.

في المبنى الأول، يقيم رامي في الشقة التي استأجرها والداه عام 1985 وورثها عنهما. كان المبنى يضمّ 14 وحدة سكنية، لم يتبقَّ منها اليوم سوى ستة بيوت يقطنها في معظمهم مسنّون. قُبيل انتهاء مهلة التسع سنوات، انتقلت ملكية المبنى من عائلة بيروتية إلى مستثمر جديد وضع المستأجرين أمام خيارين: إما التنازل عن حقوقهم المكفولة بموجب القانون 2/2017 وتوقيع عقود جديدة، وإما الإخلاء حين ينتهي مفعول القانون. وحين سُئل رامي عمّا إذا كان بمقدوره تحمّل الإيجار المطلوب، والذي بلغ ما بين 500 و700 دولار شهرياً بحسب مواصفات كل شقة في المبنى، أجاب بأن من يستطيع منهم تدبّر القسط الشهري يعرف أن عقده لن يمتد أكثر من ثلاث سنوات، وبعدها سيجد نفسه أمام أسعار لا سقف لها، وإخلاء يمكن طلبه في أي لحظة ممكنة.

في المبنى المجاور، يروي حمزة حكاية مشابهة. ثماني أسر من المستأجرين القدامى، بعضهم يسكن في هذا الحي منذ أكثر من خمسين عاماً. كانت علاقتهم بالمالك الأصلي جيّدة، وقد تكيّفوا معه على مرّ السنين، حتى استقرّت بدلاتهم عند حدود الخمسين دولاراً شهرياً. وحين باعت أرملة المالك المبنى، جاء المستثمر الجديد بالإنذار ذاته. فلم يجد مستأجرو هذا المبنى أمامهم سوى التفاوض على خفض إيجار قدره 350 دولاراً  عالمين أن كل ما يستطيعون تحقيقه هو تأجيل الإخلاء الحتمي بضع سنوات.

2- السلامة العامة حجّة للإخلاء

شكّلت البلاغات المتعلقة بسلامة المبنى نحو حالة من كل عشر حالات مبلَّغة، وهي في مجملها تكشف عن توظيف الخطر الإنشائي ذريعةً لدفع المستأجرين القدامى نحو الإخلاء. وقد جاء أكثر من ثلثي هذه البلاغات من مستأجرين يعيشون في خوف حقيقي من انهيار مبانيهم، دون أي تقرير إنشائي أو إنذار رسمي يؤكّد ذلك.

وللتعمّق في السياق العمراني والسياسي الأوسع لهذا النوع من التهديدات، وبينما يمكننا نسب التدهور الذي يطال المباني القديمة لعدّة عوامل، فهو يعود بشكل أساسي إلى غياب سياسة سكنية شاملة تتولى الدولة فيها مسؤوليتها في الحفاظ على البيئة العمرانية وتأهيلها. وفي غياب دور الدولة، يجد المالكون والمستأجرون أنفسهم في تقاذف مستمر حول من يتولّى مسؤولية الصيانة والترميم. وهذا التقاذف موجود بشكل بارز في حالات الإيجار القديم، حيث يتّخذ المالكون في تقاضي بدلات زهيدة ذريعة للتهرّب من أي واجب يطالهم في هذا الشأن.

وليس غريباً أن يتصدّر سكان طرابلس قائمة المبلّغين (52% من البلاغات في هذه الفئة)، فالمدينة تعرف تاريخاً طويلاً ومتكرراً مع هذا الخطر11 رصدت بلدية طرابلس عام 2022 في مسح ميداني 236 مبنىً مهدداً بالانهيار، قبل أن تُغلق الملف دون أن تنشر نتائجه أو تستكمل عمله. وفي العام التالي، كشف رئيس البلدية ذاته عن حجم الكارثة حين أعلن أن ثمة ما بين 20 و25 مبنىً مأهولاً على وشك السقوط، وما بين 800 و1000 مبنى في حالة خطر. لقراءة المزيد عن التدهور العمراني في مدينة طرابلس، وتداعياته، نُحيلكم إلى ملفنا البحثي “طرابلس: من سلب منّا الأرض. وتزداد الأمور تعقيداً في الأحياء ذات الطابع التراثي، كضهر المغر الذي جاء منه حوالي نصف بلاغات طرابلس ضمن هذه الفئة، حيث تستلزم أي أعمال ترميم أو صيانة الحصول على تصاريح خاصة من وزارة الثقافة، ممّا يُحوّل الصيانة العادية إلى مسار بيروقراطي مُطوّل.

غير أن ما توثّقه حالاتنا يذهب أبعد من ذلك. فما يجمع هذه البلاغات هو استراتيجية ضغط واحدة: ترك المبنى يتآكل حتى يغدو العيش فيه خطراً على السلامة، فيُقدم المستأجر من تلقاء نفسه على المغادرة، أو تتدخل السلطات المحلية بأمر إخلاء. وفي كلتا الحالتين، يخرج المستأجر دون تعويض، بينما يستعيد المالك عقاراً صار أكثر قابلية للهدم وإعادة البناء.

وتشكّل إحدى الحالات في ضهر المغر شاهداً على ذلك في مبنيين متجاورين، يتشابكان في الهندسة والسكن والمخاطر التي تطالهما.

بين خطر الإنهيار وشبح الإخلاء

شُيّد المبنيان مطلع السبعينيات، يتقاسمان الجدران والسلالم في تشكيل معماري متداخل يعكس تاريخاً طويلاً من السكن المتراكم وكلاهما يؤوي منذ ذلك الحين مستأجرين قدامى. في حين أنّ المبنيين يعودان إلى مالكين مختلفين، الأول لورثة لا يزالون يتقاضون بدلات إيجار رمزية دون أن يُقدّموا في المقابل أي خدمة صيانة، والثاني لورثة آخرين بدأوا يرفعون الإيجار بصورة دورية منذ آلت إليهم الملكية. يجمع المالكين إهمالهما المتعمد للمبنيين، بحيث  لم تُجرَ في أيّ منهما أعمال صيانة تُذكر منذ عقود. 

اليوم، المبنيان تحت خطر الانهيار الكلي بعدما انهار بشكل جزئي الطابق العلوي لأحدهما، ويفكّر السكان جدياً في هدم ما تبقّى منه تجنّباً لأن يقع فوق رؤوسهم. وقد زار مهندسون المبنى قبل سنوات دون أن يُسفر ذلك عن أي متابعة. وحين طالب المستأجرون الجهات البلدية بالتدخل، قوبلت مطالبهم بالتجاهل. وفي المبنى الثاني، حين صدر إنذار شفهي يتعلق بسلامة الهيكل، لم يجد الورثة ما هو أفضل من نصح المستأجرين بعدم الاكتراث به. في كلتا الحالتين، لا يحضر المالك إلا حين يتعلق الأمر باستيفاء المال. بين خطر الانهيار وشبح الإخلاء، يُقيم هؤلاء المستأجرون في مبانٍ تتآكل من فوق رؤوسهم، بانتظار أن تتحرك دولة غائبة. 

من جهة أخرى أضافت الحرب بُعداً جديداً إلى هذا النوع من التهديدات، إذ وجد بعض المالكين في الأضرار التي لحقت بمبانيهم فرصةً لاسترداد وحدات سكنية كانوا عاجزين عن تفريغها من سكّانها بالوسائل المعتادة. وقد رصد المرصد في هذا السياق 4 بلاغات لمستأجرين قدامى بلّغوا عن تضرر المأجور جرّاء الحرب، حالتين (حالة في صور وأخرى في بيروت) بلّغتا عن تدمّر المأجور بالكامل ما استوجب إنتقال المستأجرين إلى مساكن جديدة، مقابل حالتين أخرى في صور بلّغتا عن تضرّر السكن جزئياً وتبليغ البلدية لهما بوجوب الإخلاء دون أن يتّضح إذا ما كان سيتم الترميم. 

وشكل التهديد في هذه الحالات ليس استثناءً طارئاً فرضته ظروف الحرب، بل امتداداً لمنطق قائم يجعل من كل أزمة فرصةً للإخلاء واسترداد المأجور. بهذا يتم تحويل الدمار الذي خلّفته الحرب إلى ورقة ضغط بيد المالكين لإنهاء عقود من الإستقرار السكني لم تنجح وسائل الإخلاء الاعتيادية باختصاره.

غير أن ما يجعل هذا النمط أشد إدانةً هو أن الدولة اللبنانية ذاتها سبق أن اعترفت بمسؤوليتها في مثل هذه الظروف وتصرّفت على أساسها. ففي سياق الحرب الأهلية في السبعينيات، أصدرت الدولة المرسوم 7/77 الذي صان عقود الإيجار في المناطق الخطرة التي اضطر سكانها إلى النزوح، وفي المباني التي تضررت كلياً أو جزئياً جراء الإشكالات المسلّحة، وذلك إلى حين إعادة بنائها وفق شروط إجرائية محددة. آنذاك أدرك المشرّع اللبناني أن الحرب ظرف قاهر لا يجوز أن يتحوّل إلى مسوّغ للإخلاء، وأن استمرارية العقد السكني حق لا تسقطه الكوارث، وهو أمر يتمنّع في الوضع الحالي عن الإقرار به.

 وبالنتيجة، وجد المستأجر الذي صمد خمسين عاماً في نفس المنزل والحي، نفسه فجأة أمام خراب لا قدرة له على ترميمه، ومالك يحجب عن وسائل ترميمه، ودولة لا تتحمّل مسؤوليتها في التعويض على السكان وضمان عودتهم.

 عندما يهجَّر السكان مرّتين

نجاة مستأجرة قديمة في منطقة المزرعة منذ ما يناهز ال50 عاماً. خلال حرب 2024، تدمّر منزلها جراء ضربة مباشرة، فانتقلت هي وعائلتها إلى مسكن مؤقت. كشفت جمعيات خاصة على الأضرار وعوّضت العائلة تعويضاً جزئياً، فيما تحمّلت العائلة بنفسها الجزء الأكبر من تكاليف الترميم الجارية.

في هذه الأثناء، اتّصل المالك بنجاة مطالباً باسترداد الشقة بعدما أبلغها بأنه لن يُقدِم على أي ترميم إضافي، وأنها أمام خيارين، إما انتظار تعويضات إعادة الإعمار التي لا أحد يعرف متى ستأتي أو إن كانت ستأتي أصلاً، وإما قبول تعويض مالي رمزي والرحيل. فقبلت نجاة بالخيار الثاني بعدما لم تجد أي مؤشر على أن الدولة ستتدخل أو أن مسار التعويض سيتحرك في أي أفق منظور.

3- غموض القانون و سوء تطبيقه أداة للدفع على الإخلاء

لجأ بعض المالكين إلى استغلال الالتباس الذي يكتنف تطبيق قانون الإيجارات، وهو التباس نتناوله بالتفصيل في القسم المقبل، لخلق حالة من الضبابية القانونية تجعل المستأجر يشعر أن وضعه أضعف ممّا هو عليه فعلاً، وتدفعه إلى التنازل عن حقوقه أو القبول بالإخلاء تحت الضغط. وقد شكّلت هذه الفئة من البلاغات مجتمعةً نحو 27% من مجمل الحالات الموثّقة، وتتجزّأ على الشكل التالي: نحو 15.4% من البلاغات تُشير لتهديدات مباشرة نشأت عن خلاف بين المستأجر والمالك حول كيفية تطبيق القانون، مقابل نحو 11.5% من البلاغات لا تُشير إلى تهديد صريح، بل بحاجة إلى توجيه قانوني يساعد السكّان على فهم وضعهم وما تبقّى لهم من حقوق في ظلّ هذا الغموض.

و من أبرز الأدوات التي استُخدِمت لترهيب المستأجرين، الجدل المتواصل حول تاريخ بدء احتساب مهلة السنوات التسع والإثنتي عشرة، إن كانت تبدأ من تاريخ صدور القانون الأصلي عام 2014، أم من تاريخ إقرار القانون التعديلي عام 2017. بحيث استغلّ المالكون حالة الإرباك التشريعي وتضارب المعلومات المتداولة لدفع المستأجرين نحو توقيع عقود إيجار جديدة تحت الضغط. وقد تجلّى ذلك بوضوح في خطاب تجمّع مالكي الأبنية والعقارات المؤجّرة خلال الفترة الممتدة بين عامَي 2022 و2023، الذي أصرّ على اعتماد تاريخ 2014 مُنطلقاً لاحتساب المهل، مما يعني في تأويلهم انقضاءَها بنهاية كانون الثاني 2023. 

كما انعكس هذا الواقع في نمط البلاغات الواردة إلى مرصد السكن خلال تلك الفترة، حيث شكّلت الحالات التي تضمّنت تهديداً صريحاً بانتهاء المهل وضرورة توقيع عقد جديد وإلا المضيّ في دعوى إخلاء نحوَ 45% من مجمل البلاغات الموثّقة (البالغة 31 حالة في تلك المرحلة). بالمقابل، شكّل المستأجرون الذين تواصلوا للاستفسار عن موعد انتهاء القانون، حوالي 1 من أصل كل 5 مبلّغين.

وفي غياب الصندوق واللجان المنصوص عليهما في القانون، لم يكن أمام المالكين من مسار قانوني للضغط على المستأجرين سوى الدفع بانتهاء المهل، ثم استخدام الدعاوى القضائية والإنذارات وسيلةً استنزافية تدفع المستأجرين للقبول بشروط جديدة تجنّباً لتكاليف التقاضي وأعبائه. وقد رصدنا في هذا الإطار من بين الحالات الموثّقة 3 حالات وصلت إلى مرحلة الدعاوى القضائية، مقابل 4 حالات لا تزال في مرحلة تبادل الإنذارات المكتوبة.

إلى جانب ذلك، رصد المرصد 3 حالات تتعلق بخلافات حول انتقال عقد الإيجار إثر وفاة المستأجر الأصلي، و3 حالات أخرى أبلغ أصحابها عن عراقيل تحول دون تقديمهم على الصندوق المنصوص عليه في القانون، فضلاً عن حالتين تتعلقان بخلافات حول عملية تخمين بدل المثل. وعلى تباين هذه الحجج وتنوّع مداخلها، فإنها تنتهي جميعها إلى الغاية ذاتها: الضغط على المستأجر للتخلّي عن عقد الإيجار القديم وما يوفّره من أمان سكني.

توظيف جميع الحجج للإخلاء

منذ ما يقارب الستين عاماً، تسكن عائلة جورج وأسرته المؤلفة من أمه البالغة من العمر خمساً وثمانين عاماً، وأخته، وأولاده الثلاثة، شقة في مبنى من ستة طوابق في منطقة المصيطبة. كان العقد باسم والده، الذي توفي عام 2006 وانتقل الإيجار بعده إلى والدته. منذ ذلك اليوم، يرفض المالك الجديد الذي اشترى المبنى في تسعينيات القرن الماضي استلام بدلات الايجار، فيضطر جورج إلى إيداعها لدى كاتب العدل سنةً بعد سنة.

لم يكتفِ المالك بذلك. ففي عام 2015 أجرى تخميناً على المأجور مدّعياً أن مساحته تفوق ما هو مسجّل في العقد، فردّ جورج بخبرة مقابلة أثبتت العكس، وتوقّف الأمر عند تبادل التقارير دون أن يتطور إلى القضاء. وفي عام 2024، أرسل المالك إنذاراً بالإخلاء مستنداً إلى انتهاء سنوات التمديد التسع وفق احتساب قانون 2014 وقام جورج بالرد عليه بواسطة كاتب العدل.

في هذه الأثناء، أخذ المبنى الذي كان يضم حوالي اثني عشر شقة مؤجّرة بإيجارات قديمة يفرّغ تدريجياً. غادر بعض المستأجرين القدامى مقابل تعويضات متفاوتة، وانتقل آخرون تحت وطأة الضغط والمضايقة المتواصلة. وراح المالك يؤجّر الشقق التي أُفرغت، لعمال أجانب بموجب عقود شفهية وبأسعار مرتفعة، ثم يُخليهم بعد فترة لتأجيرها لعمّال جدد بأسعار أعلى.

في آذار 2026، تلقّى جورج وجيرانه القدامى الثمانية المتبقين إنذاراً جديداً يطالبهم بالإخلاء الفوري، استناداً إلى انتهاء مهلة التمديد في 28 شباط 2026. وعند رد السكّان جماعياً بأنهم يستفيدون من 3 سنوات إضافية كونهم تقدّموا بطلبات للإستفادة من الصندوق، تذرّع المالك بعدم وجود الصندوق وعرض على السكان التفاوض لتنظيم عقود جديدة.

4- طلبات الإخلاء الفوري بعد انقضاء مهلة ال28/2/2026

لم يُصاغ قانون 2014 وتعديله عام 2017، في جوهره على الأقل، كآلية لإسقاط الحماية على عقود الإيجار دفعة واحدة بعد انقضاء مهلة محددة، بل نصَّ على مقاربة تدريجية تقوم على إنهاء نظام الإيجارات المقيّد على مراحل، مقرونًا بمنظومة من الضمانات والآليات الداعمة للمستأجرين والمالكين على حدّ سواء. 

إنما مع انقضاء مهلة التسع سنوات في 28 شباط 2026، بدأت توقعات تطبيق القانون بصورة مجتزأة  تتصاعد، أي تفعيل المهل وإنهاء التمديدات دون أن تكون الآليات والضمانات التي نصّ عليها القانون قد فُعِّلت أصلاً، بما يخالف الرأي الذي استقر عليه الإجتهاد منذ سنوات عدّة12“إن قانون الإيجارات يشكّل وحدة تشريعية متكاملة في أحكامه الموضوعية والإجرائية، بحيث لا يجوز تجزئة نصوصه،” هو رأي أرست عليه المحاكم منذ بدأ النقاش على موضوع الإيجارات القديمة. وحديثاً، تم التوسّع في هذا التفسير لاعتبار أن عدم التجزئة يشمل عدم ” فصل مهلة التمديد عن الآليات والمؤسسات التي أوجدها لتنفيذها، ولاسيما اللجان والصندوق.” 

وتلقّى المرصد في الشهرين الأخيرين من فترة الرصد لهذا التقرير (أي شباط وآذار 2026) أكثر من 18 بلاغاً من مستأجرين يواجهون طلبات إخلاء فوري نتيجة انتهاء هذه المهلة، حوالي نصف طلبات الإخلاء هذه حالات جديدة لم تتواصل مع المرصد من قبل، ونصفها الآخر هي بلاغات لحالات موثّقة سابقاً تُبلّغ عن تطوّر شكل التهديد الذي يواجهونه. والغالبية الساحقة من هذه البلاغات، حوالي 10 حالات من أصل 18، هي لتهديدات تطال أكثر من وحدة سكنية في المبنى الواحد. وفيما بلّغت 7 حالات عن شروع المالكين في اتخاذ إجراءات قانونية رسمية للإخلاء، لا يزال التهديد مستمراً في الحالات الأخرى على مستوى ضغوطات غير رسمية.

ويمكن لحظ مسار تطبيقٍ مجتزأ للقانون بدأت تترسّخ ملامحه قضائياً، بحيث أصدر ثلاثة قضاة منفردين ناظرين في الإيجارات في اليوم ذاته، 10 آذار 2026، أحكاماً بإخلاء مستأجرين قدامى، في دعاوى كانت مرفوعة منذ سنوات. وقد اتّكأت الأحكام الثلاثة على أن انقضاء مهلة السنوات التسع في 28 شباط يستوجب تحرير الإيجار وإخلاء المأجور، مع رفض الاعتراف بحق المستأجرين بالتمديد لثلاث سنوات إضافية رغم تقدّمهم بطلبات الاستفادة من الصندوق، وذلك بحجة غياب قرار رسمي من اللجنة المختصة التي لم تُشكَّل أصلاً. وقد تناولنا تفاصيل المغالطات القانونية التي تخلّلت هذه الأحكام في مقال سابق. تجسّد هذه الأحكام اتجاهاً قضائياً خطيراً يميل نحو استغلال الثغرات القانونية والتفسير التجزيئي للقانون، لتجاوز معضلة عدم نفاذ النصوص، عبر التمسّك بالمهل الإجرائية وإسقاط الحماية الاجتماعية في آنٍ واحد، مما يُحمّل المستأجرين تبعات قانون لم يستفيدوا من ضماناته يوماً.

القسم الثاني: مجابهة تطبيق قانون معلّق المفعول

 لم يصدر قانون 2014 في فراغ، بل جاء نتيجة حملة استمرت أكثر من عقد قادها تجمّع مالكي الأبنية المؤسَّس عام 2006 والذي تحوّل إلى نقابة عام 2013. واستُعمل انهيار مبنى في فسوح عام 2012 وما خلّفه من دمار ومقتل 27 ضحية ذريعةً لتحميل نظام الإيجارات القديم المسؤولية كاملة. وبالفعل، نجحت هذه الحملة في إعادة تأطير القضية من مسألة ترتبط بالحق في السكن وحماية سكان المدينة من التهجير، إلى مسألة تقييد لحق الملكية الخاصة المحمي دستورياً، ورسّخت صورة نمطية للمستأجر القديم بوصفه معتدياً على ملك غيره في مقابل مالك مظلوم طال انتظاره لاسترداد حقه.

في المقابل، غاب أي تمثيل للمستأجرين القدامى ومصالحهم غياباً شبه تام عن مسار صياغة القانون، على عكس مسوّدات سابقة لهذا القانون، كانت قد أُعدّت على مدى سنوات بمشاركة لجان المالكين ولجان الدفاع عن حقوق المستأجرين على حدٍّ سواء، ودرست آليات الإيجار التملّكي ووضعت ضمانات لإبقاء المستأجرين في أحيائهم. فإن قانون 2014 صدر دون دراسة أثر اجتماعية، ودون أي آلية تشاركية حقيقية، ودون تقييم تداعيات الإخلاء على المستأجرين. 

وما أفرزه ذلك هو قانون نصّ على ضمانات لم تُفعَّل، وآليات حماية لم تُبنَ، طُعن به، وتم تعديله وإعادة نشره ليبقى معلّق المفعول وغير قابل للتطبيق.

سبق لنا أن تناولنا الخلل البنيوي في هذا القانون بالتفصيل في دراسة سابقة ، أمّا ما يسعى هذا القسم إلى إظهاره هو الأثر المباشر لهذا الخلل على المستأجرين أنفسهم، فيما انقضت السنوات التمديدية التسع دون أي محاولة لتصحيح القانون وتعديله رغم تغيّر السياق الاقتصادي والسياسي والأمني تغيّرًا جذريًا خلال هذه السنوات، من انهيار اقتصادي وحرب لم يكن القانون مُعدّاً لمواجهتها، ما ضاعف من هشاشة المستأجرين القدامى ومحدودية خياراتهم.

وهكذا، بدلًا من أن يُشكّل انتهاء المهلة محطةَ تحوّل نحو ما ادّعى أنّه نظام أكثر توازنًا، بات تطبيق القانون على واقع الأرض، في ظل انعدام أدوات الحماية التي نصّ عليها، أداةً للإخلاء والتهجير وترسيخ اللامساواة.

يسعى هذا القسم من جهة إلى إظهار تداعيات الإصرار على تطبيق قانون معلّق على المستأجرين والمحاكم، ليعرض من ثمَّ التدخلات التي أجراءها فريق استديو أشغال عامّة في أثناء مجابهته لهذا القانون على أرض الواقع.

أوّلاً-  إشكاليات القانون الذي لم ولن يطبّق

أ- أزمة تعدّد تواريخ نفاذ القانون

من أبرز الإشكاليات التي نتجت عن فوضى صدور قانون الإيجارات الجديد، هو الجدل المتواصل حول تاريخ بدء احتساب مهلة السنوات التسع والاثنتي عشرة، إن كانت تبدأ من تاريخ صدور القانون الأصلي عام 2014، أم من تاريخ إقرار القانون التعديلي عام 2017. وقد تباينت في هذا الشأن آراء المشرّعين والقضاة والخبراء القانونيين13مراجعة مقال “قانون الإيجارات الجديد: نص قائم بمفعول مُعلّق”، استديو أشغال عامّة، 2025.

بحلول عام 2025، باتت غالبية المحاكم، ولا سيّما محاكم الاستئناف في بيروت وجبل لبنان، تعتمد تاريخ عام 2017 نقطةَ انطلاق لاحتساب المهل، مما أضفى قدرًا من الوضوح على مسألة كانت مصدر ارتباك واسع.

نذكر منها الحكم الصادر عن محكمة استئناف جبل لبنان بتاريخ 25/04/2025 الذي أكّد عدم سريان مهل تمديد الإيجارات دون انشاء الصندوق واللجان، وإلا اعتماد عام 2017 كنقطة بداية. كما أقرّ هذا الحكم بأن اللجان والصندوق يشكّلان شرطاً جوهرياً لنفاذ القانون المعدَّل كما الأصلي، وأن غيابهما ما زال يحول دون التطبيق الكامل والعادل لأحكامه14 “…فإن كل ذلك يأتي بالفعل للقول باستنتاج وحيد يتعلق بعدم تصور إمكان حتى الخلوص لنقطة الاحتساب أو تاريخ بدء الاحتساب بوقت لم يصدر أي أحكام خاصة تتعلق باللجان المولجة باحتساب البدلات ومع ذلك فإن أردنا التوسع بالشرح فإنه وفي ما خصّ التوصل لاتفاق تعاقدي بين الخصوم وعلى فرض اعتبرنا أن التوافق سيّد الأحكام في ما خص الوصول لبدلات واضحة …لا بد بالنتيجة من عدم إمكانية القول بتاتاً بتجاهل القانون الأخير (2/2017) فيكون وعلى أقل التقدير…هو نقطة الإنطلاق…فإن حصل أي خلاف، لا بد من انتظار اللجان المختصة…إضافة إلى انتظار الصندوق”. غير أنّ هذا التوجّه القضائي، رغم رجحانه، لم يرقَ إلى مستوى التوجّه التشريعي الصريح، بحيث لم يصدر عن الدولة أو المشرّع أي موقف حاسم يُنهي الجدل بشكل رسمي ونهائي. والدليل على ذلك أنّ مرصد السكن لا يزال يرصد قرارات قضائية تعتمد تاريخ 2014 أساسًا للاحتساب، مما يكشف أنّ “الرأي الغالب” لا يعني “الرأي المستقرّ”.

 فمحاكم المتن -الجديدة  بشكل خاص ظلّت راسخةً لفترة طويلة على اجتهاد مفاده احتساب مهلة السنوات التسع ابتداءً من تاريخ صدور القانون الأصلي عام 2014 لا من 2017. وقد صدرت عن هذه المحاكم أحكام متعددة تكرّس هذا الاجتهاد، حتى أواخر عام 2025 حين أصدر القاضي المنفرد الناظر في دعاوى الإيجارات حكماً رجع فيه عن هذا الرأي، معترفاً بأن القانون 2/2017 قانون مستقل تسري أحكامه من تاريخ نفاذه.

ولكن وفي خطوة خطيرة، أقدمت محكمة الاستئناف في النبطية على اتخاذ مسار معاكس في  قرار حديث لها صدر بتاريخ 9/2/2026، حين صادقت على حكم لقاض منفرد لعام 2024 قضى بوجوب إخلاء المستأجر لاعتباره أن مهل التمديد قد انتهت. وفتحت محكمة الاستئناف المجال لتداول فكرة أن القانون 2/2017 ليس سوى قانوناً تعديلياً لبعض أحكام القانون الأساسي الصادر بتاريخ 28/12/2014، ولم يتناول منطلق المهل التمديدية وبدء سريانها. ما يعني أن السنوات التمديدية التسع تنتهي بتاريخ 28/12/2024. لا يقبل هذا القرار بأي طريق من طرق الطعن.

تكمن خطورة استمرار هذا التباين القضائي في تفسير القانون، في أنه يُكرّس وجود فئتين مختلفتين من المستأجرين تخضعان لنظامين زمنيين متباينين: فئة تُحتسب مهل التمديد بالنسبة لها ابتداءً من عام 2014، وفئة أخرى تُحتسب ابتداءً من عام 2017. ويترتّب على هذا التباين خلقُ حالة من عدم المساواة بين مستأجرين يخضعون للقانون ذاته، فضلًا عن تعميق البلبلة وتكريس الاجتهادات المتناقضة بين المحاكم في تفسير تاريخ بدء سريان المهل وتطبيق أحكام القانون.

ب- بنية قانونية لم تشكّل

معاناة المستأجرين مع طلبات الصندوق

نصّت المادة الثالثة من قانون الإيجارات 2/2027 على وجوب إنشاء صندوق خلال مهلة أربعة أشهر من تاريخ نشره عام 2014، كحساب خاص تابع لوزارة المالية، يهدف إلى مساعدة المستأجرين الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور، عبر المساهمة كليًا أو جزئيًا في تغطية الزيادات الطارئة على بدلات الإيجار. غير أنّ أهمية الصندوق لا تقتصر على كونه أداة دعم مالي، بل ترتبط مباشرة بضمانات قانونية أساسية تتعلّق بحق السكن. فقد ربطت المادة 58 من القانون صراحة بين تفعيل الصندوق وبدء سريان المهل القانونية المرتبطة بالإخلاء وتحديد بدلات الإيجار، ونصّت على تعليق تطبيق الأحكام المتصلة بالحساب والمساعدات والمراجعات القضائية التي تؤدي إلى تحديد بدل الإيجار أو إخلاء المستأجر المعني بتقديمات الصندوق إلى حين دخوله حيّز التنفيذ. كما منحت المادة 15 المستفيدين من الصندوق تمديدًا إضافيًا لعقود إيجارهم لمدة ثلاث سنوات فوق السنوات التسع المنصوص عليها أصلًا في القانون، ما يجعل الصندوق بمثابة شريان حياة للمستأجرين غير الميسورين، سواء عبر المساعدة على تحمّل الزيادات أو عبر كسب وقت إضافي لتدبير بدائل سكنية.

ورغم هذه الأهمية، أظهر تحليل 118 من البلاغات التي وثّقها المرصد أنّ ما يتجاوز ثلثي المستأجرين لم يكونوا قد تقدّموا بأي طلب للاستفادة من الصندوق عند التواصل معهم، لعدم إلمامهم بأهميته القانونية من جهة، إذ تبيّن أنّ عددًا كبيرًا من هؤلاء لم يكن على دراية بأن التقديم على الصندوق يشكّل شرطًا جوهريًا لتعليق المهل القانونية وتمديد عقد الإيجار، ولعدم نشر معلومات واضحة وصحيحة عن الخطوات اللازمة لتقديم طلب للاستفادة من الصندوق، أو عن مكان تقديم هذه الطلبات حتى.

بالمقابل لم يتجاوز عدد الحالات التي تقدّمت بطلب على الصندوق 27% من مجمل البلاغات، مع العلم أن نصفهم فقط قاموا بتجديد طلباتهم بشكل سنوي.

وقد بلّغت 7 حالات عن مواجهتها للعراقيل عند توجهها إلى السرايا  لتقديم طلباتها، معظمها في طرابلس والمتن.

وتكمن معاناة المستأجرين مع الصندوق في المسار الإداري المتعثّر لبدء العمل به، والذي اتّسم بتأخير الإعلان عن بدء استقبال الطلبات، وغياب الإرشادات الرسمية الواضحة، وتعاقب فترات التعطيل والإضراب، فضلًا عن ارتباك لدى المستأجرين حول المرجعيات المختصة باستلام الطلبات وموقعها، واستنسابية هذه المرجعيات في التعاطي مع الطلبات بحسب مواقعها وموظفيها. ويمكن قراءة توثيقنا للمخالفات الإدارية والممارسات الاستنسابية وغيرها من العراقيل التي تخلّلت معاملات التقديم على الصندوق في هذا المقال.

وفي تشرين الثاني 2025، الذي شكّل الموعد النهائي أمام المستأجرين القدامى لاتخاذ جملة من الإجراءات القانونية التي يشترطها القانون للاستفادة من التمديد الإضافي المخصص لمستفيدي الصندوق، كإرسال كتاب حفظ الحق إلى المالك، قُدِّر عدد الطلبات المقدَّمة أمام قصر العدل في بيروت، بحسب إفادات موظفين فيه، بحوالي 12,000 طلب. غير أن هذا الرقم، لا يعكس الحجم الفعلي لفئة المستأجرين القدامى في بيروت. 

بالمقابل تلقّى المرصد خلال شهر شباط بلاغات أفادت بتوجّه أعداد كبيرة من المستأجرين دفعة واحدة لتقديم طلبات الاستفادة من الصندوق، وذلك بعد تلقّيهم إنذارات بوجوب الإخلاء لحلول أجل سنوات التمديد ال9. وقد أدّى هذا التدافع إلى اكتظاظ غير مسبوق أمام لجان استقبال الطلبات، في وقت كانت هذه اللجان قد توقّفت عن العمل نتيجة الإضراب خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر كانون الثاني. 

ويعكس هذا المشهد كيف تحوّل الصندوق، بدل أن يكون أداة وقائية منظّمة، إلى ملاذ أخير يُقصَد تحت ضغط الإخلاء، ضمن مسار مشوّش يضع المستأجرين أمام عبء إداري وقانوني إضافي، ويُفرغ الضمانات التي أقرّها القانون من مضمونها العملي.

تحديد بدل المثل دون الآليات اللازمة

منذ تأسيس نظام الإيجارات القديمة، دأبت الدولة على إصدار مراسيم دورية لمضاعفة بدلات الإيجار، غير أن هذه التصحيحات لم ترقَ إلى مستوى التحولات الفعلية في قيمة العملة، ولا سيما بعد التدهور الكبير الذي شهدته الليرة اللبنانية منذ 1984. وقد شكّل عام 2012 آخر محطة لتصحيح رسمي لبدلات الإيجار القديمة (وآخر تدخلّ للدولة فيما يخص تنظيم بدلات الإيجار وضبطها) قبل أن يُعلَن عام 2014 عن الانتقال إلى نظام جديد مع مهلة تمهيدية لتحرير هذه الإيجارات.  

بَيد أن انهيار عام 2019 جاء بتداعيات لم يأخذها المشرّع بالحسبان حين صاغ قانون 2014، إذ أفضى التدهور الحاد لقيمة الليرة إلى رفع القيمة الفعلية لبعض البدلات القديمة، لتقترب بذلك من أسعار السوق آنذاك. وكان ذلك يستوجب تدخلًا تشريعيًا لتصحيح المعادلة من جديد، غير أن هذا التدخل لم يتحقّق. وفي غياب أي إطار قانوني ناظم، أقدم عدد من المالكين والمستأجرين القدامى على رفع البدلات، وهو ما تكشف عنه حالات رصدها مرصد السكن.

فعند تحليل عيّنة مكوّنة من 160 قيمة تأجيرية يعود تاريخها إلى عام 2012 لعقود الإيجار القديمة، تم جمعها مباشرةً من المستأجرين أثناء دراسة خاصة بقوانين الإيجارات، نلحظ بوضوح تفاوتًا شاسعًا بين هذه القيم، لا يمكن تفسيره بالموقع الجغرافي ولا بتاريخ إبرام العقد الأصلي.

ويعزى تفسيرنا لهذه الظاهرة إلى قيام المستأجرين والمالكين، بمرور الوقت، بإجراء تصحيحات غير رسمية على بدلات الإيجار. ففي الواقع، أظهر التحليل أن حوالي ثلث القيم التي تم جمعها هي لمستأجرين كانوا يدفعون أكثر من مليون ليرة لبنانية سنويًا، في وقت كان فيه سعر صرف الدولار يبلغ 1500 ليرة. كما تبين أن أكثر من عقد واحد من بين كل سبعة عقود كان يسدد بدلاً يتجاوز الـ 1000 دولار سنويًا.

وعلاوة على ذلك، ومن خلال البلاغات التي تم جمعها عبر مرصد  السكن العام الماضي وحده، تبين أن حالة واحدة من بين كل تسع حالات تقريبًا كانت تسدد إيجارها ببدلات محددة بالدولار.

وكان حلّ قانون 2014 لإشكالية تصحيح بدلات الإيجار هو اعتماد آلية التخمين عبر تكليف خبراء قضائيين، مع إنشاء لجان مختصة للفصل في النزاعات الناشئة عنها. غير أن هذه الآلية لم تكن دون إشكاليات بنيوية جوهرية. فمن جهة، لم تتشكّل هذه اللجان حتى 2020 بطريقة جزئية دون أن تشمل كافة المحافظات والمحاكم حتى تاريخه، ولم تباشر عملها حتى تاريخه، ما يعني أن أي خلافات بين المالك والمستأجر حول عملية تحديد بدل المثل هي عالقة حالياً إلى حين مباشرة اللجان عملها. 

أمّا لناحية عملية التخمين من جهة أخرى، يعتمد الخبير مبدئياً على المقارنة مع وحدات مشابهة في ظروف مماثلة، وحين يتعذّر ذلك ينتقل إلى تقييم عناصر القيمة الأساسية كالمساحة وعمر البناء والموقع. غير أن الممارسة الفعلية كشفت عن اختلالات متعددة: تباين في التخمينات بين وحدات متشابهة داخل المبنى الواحد بحسب تاريخ تسجيل العقد، وميل ضمني نحو اعتماد القيم الأعلى مرجعاً، كون عملية التخمين ترتبط أساسا بسياسة عقارية تميل إلى رفع سعر متر الأرض في ظل غياب تنظيم مديني يلحظ الاستخدامات الفعلية بغض النظر عن الخدمات المتوفرة أو وضع المبنى.

ومن جهة أخرى صُمِّم القانون بروحية ما قبل الأزمة ولم يُجرَ عليه أي تعديل يتيح التفاعل مع ما نتج عن الانهيار المالي وتدهور سعر الصرف وارتفاع أسعار الإيجارات والتغيّر الديموغرافي والاجتماعي للمدن. وتتجلى أبرز إشكاليات هذا الجمود في حظر إعادة التخمين للحالات التي جرى فيها التوافق مسبقاً على بدل المثل، دون أي آلية للاعتراض بعد إتمام المعاملة. وبهذا المنطق، يجد المستأجرون الذين أتمّوا عمليات تخمين بين عامَي 2014 و2018 أنفسهم مُلزَمين ببدلات تستند إلى سعر صرف 1515 ليرة للدولار، في وقت تجاوز فيه السعر الرسمي 89,500 ليرة والسوق يتعامل فعلياً بالدولار النقدي. 

وقد وثّق المرصد بالفعل حالتين خيّر فيها المستأجرون إمّا الإخلاء، أو دفع بدلات تساوي ضعف ما يدفعه جيرانهم من مستأجرين جدد في المبنى نفسه، عملاً بتخمينات جرت عامي 2016 و2018، ووافق عليها الطرفين. ما اضطرهم الدخول في مفاوضات مع مالكيهم لتصحيحها مرّة أخرى. وفي حين نجحت إحدى الحالتين بتخفيض السعر قليلاً (رغم بقائه أعلى مما يدفعه جيرانها من المستأجرين الجدد)، وافقت الحالة الثانية على الإخلاء مقابل استحصالها على براءة ذمة من المالك.

وقد كان من المفترض أن تشكّل اللجان المختصة المنصوص عليها في القانون صمام الأمان الذي يضبط هذه الاختلالات ويتيح للمستأجرين الدفاع عن حقوقهم في مواجهة تقييمات غير عادلة أو متغيّرات اقتصادية طارئة. غير أن هذه اللجان لم تُشكَّل ولم تُفعَّل، فتحوّل غيابها من ثغرة إجرائية إلى أزمة بنيوية تتّسم بآلاف المستأجرين العاجزين عن الطعن في البدل المخمّن أو تصحيحه، وقانون عاجز عن مواكبة الواقع الذي يدّعي تنظيمه.

يكشف ما سبق عرضه أن الإصرار على تطبيق قانون فقد توازنه التشريعي منذ اللحظة الأولى، حين غابت الشروط الجوهرية التي أُوجد النظام القانوني بأسره لتحقيقها. من شأنه توليد التخبّط والتفاوت، من جهة على صعيد النزاعات الفردية بين مالك ومستأجر، وصولاً لكيفية تفسير المحكم القانون، حتى بات القانون الواحد يُنتج نتائج متناقضة بحسب الجهة التي تحاول تطبيقه.

من هذا المنطلق، سعى مرصد السكن إلى التدخل على مستوى الحالات، دعماً وتمكيناً وتمثيلاً قانونياً، عن طريق الخط الساخن ولجنة المحامين للدفاع عن الحق بالسكن. بيد أن تراكم هذا العمل القانوني، وما كشفته الحالات الموثّقة من أنماط متكرّرة وإخفاقات بنيوية، أفضى إلى خلاصة واحدة تقضي بأنه لا يمكن لأي تدخّل أن يُعوَّل عليه بديلاً عن إصلاح تشريعي حقيقي يعيد للقانون توازنه المفقود. وهكذا تحوّل عملنا على أرض الواقع إلى أساس للمناصرة التشريعية، وانتهى المسار بالمساهمة في صياغة اقتراح قانون يحاول أن يفعل ما أخفق القانون القائم في تحقيقه منذ البداية.

ثانياً: من الدعم القانوني إلى الإصلاح التشريعي: تدخّلات استديو أشغال عامة في ملف الإيجارات القديمة

في هذا الجزء، نستعرض دور استديو أشغال عامة الذي يتخطّى الأبحاث وتوثيق الحالات ورصد الأنماط، ليمتدّ إلى التدخّل المباشر على مستويين متكاملين، أوّلاً مستوى الملفّات القانونية حيث قدّمت لجنة المحامين للدفاع عن الحق بالسكن الدعم القانوني للمستأجرين في مواجهة تهديدات الإخلاء، وثانياً مستوى المناصرة التشريعية حيث سعى إلى معالجة الخلل في القانون عبر تقديم اقتراح قانوني يقدّم حلول عملية للمعضلات التي تتخلّله. 

أ-  تدخّلات على المستوى القانوني

على صعيد الملفات القانونية، قدّمت لجنة المحامين دعماً قانونياً مصمَّماً وفق طبيعة كل حالة، سواء أكانت تهديداً فردياً أم جماعياً، وعملت في الوقت ذاته على تشجيع العمل الجماعي من خلال ربط المستأجرين المعرّضين لتهديدات مشتركة ببعضهم. وقد انطلق عمل اللجنة من مبدأ أن التمكين القانوني هو الركيزة الأولى لأي دفاع فعلي عن حق السكن. فسعت إلى تزويد المستأجرين بالمعرفة القانونية اللازمة لفهم أوضاعهم، واستيعاب حقوقهم، والتعامل مع الضغوط من موقع وعي لا خوف.

في هذا القسم، نستعرض أبرز أنواع التهديدات القانونية التي واجهتها الحالات الموثّقة، وأشكال الدعم المختلفة التي قدّمتها اللجنة في مواجهتها.

 أشكال التهديدات المختلفة التي واجهها المستأجرون القدامى

وتكشف هذه النسب مجتمعةً أن الغالبية العظمى من المستأجرين، أي ما يعادل 73% من الحالات، يواجهون تهديدات لم تصل بعد إلى مرحلة الإجراء الرسمي، ما يدل بدوره عن نمط اعتمده معظم المالكين من استغلال الالتباس والإبهام القانوني الذين أحاطا بالقانون، والقلق والمخاوف التي أثاراها لدى المستأجرين للضغط عليهم بشكل غير رسمي، بدلاً من اتباع المسار القانوني والقضائي.

أشكال التدخّلات القانونية للجنة المحامين للدفاع عن الحق بالسكن

خلال العام الماضي، بين الفترة الممتدة من كانون الأول 2025 حتى نهاية آذار 2026، أجرت لجنة المحامين للدفاع عن الحق بالسكن التابعة لمرصد السكن 80 تدخلاً قانونياً لصالح 62 حالة موثّقة، تطلّبت عشر منها متابعة قانونية مستمرة على مدى فترات متعاقبة. وقد تمحوَرَت الغالبية العظمى من التدخلات، حوالي ثلاث أرباع التدخّلات، حول تقديم مشورة قانونية تعرّف المستأجرين بحقوقهم وموجباتهم بحسب القانون 2/2017، الأمر الذي  يعكس مدى عدم معرفة المستأجرين بأحكام القانون وغياب التوجيه السليم حول كيفية تأثيره عليهم أو الخطوات التي يتعيّن عليهم اتخاذها. ويتجلّى هذا النقص في المعرفة لدى المستأجرين بوضوح عندما نقرأ أن ثلاث أرباع الحالات الموثّقة تقريباً طلبت منا تزويدها بإرشادات ونماذج توضح كيفية التقديم للصندوق، بينما طلب حوالي 45% منهم مشاركة المذكرة القانونية حول حقوق المستأجرين القدامى، علماً أن تلك المذكرة لم تُنشر حتى منتصف عام 2025.

بالمقابل احتاجت حوالي حالة من أصل 3 إلى الإرشاد حول كيفية الرد على تهديدات الإخلاء الصادرة عن المالكين، ووصلت ثلاث حالات إلى مرحلة التمثيل القانوني أمام المحاكم.

أمّا  على صعيد أشكال التدخل، فتوزّعت على الشكل التالي: حوالي 46.8% من الحالات تواصلت مع محامٍ للحصول على مشورة قانونية لتفاصيل تتعلّق بحالتها، فيما اكتفت 32.2% منها بنصائح وإرشادات قدّمها خبير قانوني عبر الخط الساخن، لمعلومات عامة تخص تطبيق القانون والمهل والإجراءات اللازمة.

حوالي حالة من أصل ثمانية طلبت الدعم من محامٍ فيما يخص إجراءات قانونية، كصياغة وإرسال كتب رد على إنذارات، حوالات بريدية أو كتب اعتراض على إجراءات معينة أقدم عليها المالك.

في حين تم تنظيم 3 إجتماعات تضمّ المحامي وكافة المستأجرين القدامى في المبنى للتشاور في استراتيجية مشتركة لمواجهة تهديدات المالك، مقابل المضي بإجراءات أمام القضاء لثلاثة حالات.

ب-  اقتراح قانون جديد لحل الأزمة

في مواجهة أزمة الإيجارات القديمة التي بلغت ذروتها مع انتهاء مهلة السنوات التسع في 28 شباط 2026، تقدّم عدد من النواب بتاريخ 25 شباط 2026 باقتراح قانون يسعى إلى إيجاد التوازن الصحيح بين حقوق المالكين وحقوق المستأجرين القدامى، بديلاً عن القانون 2/2017 الذي أثبتت السنوات الماضية استحالة تطبيقه بصيغته الراهنة. وقد قدّم الاقتراح النواب حليمة القعقور وعلي حسن خليل ونديم الجميل وأسامة سعد وياسين ياسين، بالتعاون مع استديو أشغال عامة والمفكرة القانونية. ويأتي هذا الاقتراح بديلاً عملياً وقابلاً للتطبيق، خاصة مقارنةً بمنظومة اللجان والصندوق التي أثبتت فشلها على مدى عقد كامل.

يرتكز الاقتراح على مبدأ جوهري مفاده أن معالجة أزمة الإيجارات القديمة لا تعني بالضرورة الاختيار بين حق الملكية وحق السكن، بل تستوجب صياغة معادلة قانونية تُنصف الطرفين معاً وتُلغي الالتباسات التي حوّلت القانون الحالي إلى أداة للضغط لا للإصلاح. وينطلق من إقرار صريح بأن المستأجرين القدامى أمضوا عقوداً في مساكنهم، وأن اقتلاعهم منها دون بديل يشكّل انتهاكاً للحق في السكن الذي كرّسته المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأرسى أُسُسه الدستورية قرار المجلس الدستوري رقم 6/2014، في الوقت الذي يُقرّ فيه بأن استمرار بدلات إيجار زهيدة في ظل انهيار قيمة الليرة يُثقل كاهل المالكين بشكل غير عادل.

وعليه يقترح نص القانون اعتماد الحلول التالية:

معادلة حسابية لتحديد بدل المثل

يعتمد الإقتراح معادلة حسابية تلقائية شفافة لتصحيح بدلات الإيجار، تُطبَّق بقوة القانون دون الحاجة إلى خبراء تخمين أو مراجعات قضائية.

فبالنسبة للمالك القديم، أي من تملّك المأجور قبل عام 1992 أو ورثه، يُحسب الإيجار الشهري الجديد على الشكل التالي: (الإیجار الشھري القدیم × 60) + (50,000 لیرة لبنانیة عن كل متر مربع). 

أمّا إذا كان المالك حدیثًا، من اشترى المأجور بعد 1992 مع علمه المسبق بوجود المستأجرين القدامى وبتداعياته على سعر الشراء، فتُطبَّق عليه معادلة مخففة تقوم على ضرب الإيجار بـ30 بدلاً من 60، توزيعاً عادلاً لعبء الانهيار النقدي بين الطرفين على الشكل التالي: الإیجار الشھري الجدید = (الإیجار الشھري القدیم × 30) + (50,000 لیرة لبنانیة عن كل متر مربع). 

وفي بيروت الكبرى15 وفق تعریف الخطة الشاملة لترتیب الأراضي، المقرّة بموجب المرسوم رقم 2366 في تاریخ 20/06/2009.، تُضرب النتيجة مرة ونصف مراعاةً للضغط الاستثنائي على سوق الإيجار في العاصمة. تُعتمد لغایة احتساب القیم المضاعفة، بدلات الإیجار المعمول بھا في تاریخ 1/1/2012. ويستند اختيار عام 2012 مرجعيةً للإيجار القديم إلى كونه آخر عام شهد تصحيحاً منظّماً لبدلات الإيجار قبل موجات الزيادات الاستباقية والمتفاوتة التي أعقبت قانون 2014.

تهدف هذه المعادلة إلى تثبيت التوازن العقدي وتحقيق التوازن بين الحماية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية، وتقوم على: 

  • مضاعفة تلقائية للبدل من خلال تصحيح بدلات الإيجار بما يتوافق مع التضخم التراكمي منذ تدهور سعر الصرف في عام 2019، استنادًا إلى مضاعف التضخم (inflation multiplier) الذي يُقدَّر بحوالي 60. وبناءً عليه، تمّ ضرب بدلات الإيجار بـ60 مرة بالنسبة للمالك القديم. أمّا بالنسبة للمالك الحديث، فقد جرى توزيع الخسارة بالتساوي بين المالكين والمستأجرين عبر ضرب بدلات الإيجار بـ30 مرة، انطلاقًا من كون المالك الجديد قد اشترى المأجور بسعر منخفض مع علمه بوجود حماية قانونية للمستأجرين القدامى.
  • إضافة عن كل متر مربع أي ربط الزيادة بمساحة المأجور كمؤشر موضوعي وعادل لتحديد البدل.
  • تمييز بيروت والبلديات المحيطة بها عن سواها من المناطق من خلال ضرب النتيجة بمرّة ونصف.

وما يميّز هذه المعادلة عن سابقاتها أنها لا تدّعي إعادة الإيجار إلى “قيمة السوق الحرة”، بل تسعى إلى تعويض المالك عن الخسارة النقدية الحقيقية الناجمة عن انهيار الليرة منذ 2019. فيضمن القانون للمالك القديم تحصيل القيمة الفعلية بالدولار التي كان يتقاضاها قبل الانهيار لا أكثر ولا أقل. وهذا ليس ربحاً استثنائياً، بل هو الحد الأدنى الضروري لضمان قدرة المالك على تغطية كلف الصيانة المرتبطة بالدولار وإبقاء الوحدة السكنية صالحة للسكن.

تمديد سنوي وتصحيح دوري للبدلات

وفي مقابل هذا التصحيح لبدلات الإيجار، يكفل الاقتراح استمرارية عقود الإيجار القديمة بصورة تلقائية سنة بعد سنة. ومن أجل ضمان ألا تتآكل بدلات الإيجار المصحَّحة مجدداً بفعل التضخّم، ينص الاقتراح على تصحيح دوري سنوي وفق مؤشر خاص لتغيّر كلفة السكن تُعدّه إدارة الإحصاء المركزي، بديلاً عن مؤشر التضخم العام الذي لا يعكس بدقة تطوّر أسعار السكن تحديداً.

استرداد المأجور

يوفّر القانون للمالك خيار استرداد المأجور مقابل تعويض محدد بـ15 ضعفٍ من بدل الإيجار السنوي الجديد للمالك القديم، و30 ضعفٍ للمالك الجديد. غير أن الاقتراح يُرسي استثناءً بالنسبة للمستأجر الذي بلغ 64 عاماً عند نفاذ القانون 2/2017  أي من تجاوز اليوم الثالثة والسبعين من عمره، عملاً بمنطق أن من قضى سبعة عقود في مسكنه لا يملك القدرة الجسدية ولا الاجتماعية على الانتقال إلى مسكن آخر، ولا يمكن للتعويض المالي أن يعوّض عن اقتلاعه من المحيط الوحيد الذي عرفه. 

أمّا الفئات الأخرى الهشة فتأمين الحماية لها قد يخرج عن نطاق هذا الإقتراح، علمًا بأنّه يُفترض أن تؤمّن وزارة الشؤون الاجتماعية الحماية لهؤلاء.

التمييز بين المالك القديم والجديد

في سياق النقاش حول ظلم المالكين، يقترح القانون التمييز بين فئتين لا تخضعان للمنطق ذاته. فإذا كان صحيحاً أن بعض المالكين تعرّضوا لمظلمة حقيقية جرّاء تراجع العائدات الفعلية من عقاراتهم، فإن هذه المظلمة تقتصر على من احتفظوا بملكيتهم منذ ما قبل 1992 أو انتقلت إليهم بالإرث. بالمقابل، ذلك أن فئةً واسعةً من المالكين قد اشتروا الأماكن المؤجرة قديماً بعد 1992 بأسعار تقلّ بكثير عن قيمتها الفعليّة على خلفية أنّها مؤجّرة إجارة قديمة. ومن الثابت أنه ليس بوسع هؤلاء التذرّع بأيّ مظلومية، إذ إن تحرير الإيجارات في عقاراتهم لن يكون إنصافاً بل منحة غير مستحقّة على حساب المستأجرين. وهو ما أكّده مجلس الوزراء صراحةً في كتاب الرد الصادر بتاريخ 12/1/2024 بموجب المرسوم رقم 12835 بشأن الإيجارات غير السكنية.

وما يُضفي على هذه المسألة بُعداً إضافياً هو ما كشفته أبحاث سابقة من نشاط لافت في انتقال ملكية المباني ذات الإيجارات القديمة من مالكيها الأصليين إلى شركات عقارية، يرتبط بعضها بالطبقة الحاكمة، فيما ينشط بعضها الآخر على مستوى الحيّ أو ضمن شبكات العائلات المحلية. ففي حيّ البدوي، شكّلت مبانٍ ذات إيجارات قديمة ما نسبته 28% من المباني المباعة أو الحاصلة على رخص بناء بين عامَي 2007 و2017، مقابل 26.5% في حيّ الروم. وتكشف هذه الأرقام أن انتقال الملكية في أحياء الإيجارات القديمة ليس مساراً عفوياً، بل هو في أحيان كثيرة عملية ممنهجة تستبق تحرير الإيجارات بهدف الاستفادة من الفارق بين سعر شراء عقار مثقَل بمستأجرين قدامى وقيمته بحسب السوق بعد إخلائهم.

خاتمة

على مدى عقود، لم تُشكّل التشريعات السكنية في لبنان منظومةً لحماية الحق في السكن، بل ظلّت في جوهرها أداةً لتنظيم علاقة تعاقدية بين طرفَين لا يتساويان بالقوة، في غياب تامّ لأي إطار يكفل الاستقرار السكني بوصفه حقاً لا سلعة. فقوانين الإيجارية القديمة، رغم ما وفّرته من ثبات نسبي لفئات واسعة من المستأجرين، لم تُبنَ على فلسفة حقوقية واضحة، بل جاءت استجابةً ظرفية لتقلّبات السوق وحروب العقارات. أما قانون الإيجار الجديد لعام 2014 وتعديلاته، فقد جاء في المحصّلة ليُعيد المستأجرين إلى رحمة سوق يُعامَل فيه السكن كاستثمار تجاري، دون قيود تحول دون الاستغلال ودون ضمانات تحمي من الإخلاء.

وما الحرب الإسرائيلية منذ 2023 إلا كاشفٌ صارخ لهذا الخلل البنيوي. فحين اضطرّ عشرات الآلاف من النازحين إلى البحث عن مأوى في سوق إيجار منهك أصلاً، لم تجد الدولة ما تستند إليه من أدوات تشريعية لضبط الأسعار أو منع الاستغلال أو ضمان الأولوية للفئات الأشد هشاشة. وارتفعت الإيجارات إلى مستويات غير مسبوقة، فيما ظلّ المستأجرون الجدد والقدامى على حدٍّ سواء في مواجهة السوق والإخلاء وحدهم.

ما تحتاجه منظومة السكن بالإيجار في لبنان هو إصلاح جوهري ينطلق من إعادة تعريف العلاقة بين المالك والمستأجر، يكرّس حماية فعلية للمستأجرين من الإخلاء التعسفي، ويضع آليات واضحة لضبط الأسعار تحول دون الاستغلال، ويرسم إطار يُعيد احتساب الإيجارات بصورة عادلة توازن بين مصالح المالكين والمستأجرين دون أن تتعامل مع الأرض والمسكن بوصفهما أصولاً للاستثمار دون قيود.

وفي حين قد يتناول اقتراح القانون الذي نطرحه حلولاً لبعض هذه الإشكاليات، وهو يمثّل خطوة أولى في اتجاه تصحيح هذه المنظومة، إلاّ أن الخطوة الأشمل تستوجب إصلاح تشريعي شامل يرسّخ الحق في السكن الملائم مبدأً دستورياً وقانونياً، وينقل مسؤولية توفيره من يد السوق إلى صلب واجبات الدولة، ضمن قانون متكامل للإيجار والوصول إلى السكن.

المراجع:

السكنلبنان
 
 
 

عماد الحوت يعتمد مقاربة حسابية ضيّقة لمعالجة الإشكالية الاجتماعية المرتبطة الإيجارات القديمة

اقتراح القانون المعجّل المكرر الرامي إلى توضيح النص القانوني للمادة /15/ من قانون الإيجارات التعديلي 2/2017. قدّمه النائب عماد الحوت بتاريخ 8 أيلول 2022. وُضع كبند على جدول أعمال الجلسة التشريعية التي عُقدت ...

استحقاق قانون الإيجارات يهدّد بإزالة نسيج حي: قصّة تهديد مبنى في برج حمود

مع اقتراب انتهاء تمديد قانون الإيجارات، يواجه المستأجرين القدامى في برج حمّود خطر الإخلاء من منازلهم التي يسكنونها على مدى عقود. قصّتهم تكشف عن الثغرات القانونية للقانون رقم 2/2027 وكيف تهدّد الأجور الباهظة ...

قانون الإيجارات الجديد: نص قائم بمفعول مُعلّق

يستند هذا المقال إلى الاجتهادات القضائية وآراء قانونية لتبيان أن قانون الإيجارات لعام 2014 وتعديله الصادر ب 2017 غير قابل للتطبيق بسبب غياب بنيته التنفيذية الأساسية. ويُظهر كيف أكد القضاء والخبراء القانونيون على ...

إخلاء في زمن الحرب: قراءة في أحكام إخلاء مساكن إيجار قديم

يحلل هذا المقال كيف طبّق عدد من المحاكم في بيروت وزحلة، بشكل مجتزأً، قانوناً معلّق المفعول، لتسريع إخلاء كان يمكن تمديده قانونياً، متجاهلةً تداعيات قراراتها على المستأجرين القدامى في بلد تعصف به الحرب ...

وينه الصندوق؟!

عن معاناة المستأجرين القدامى في التقدّم إلى صندوق الدعم

اعتماداً على رصد ميداني لعدد من أقلام المحاكم، اكتشفنا كيف أدّت المعلومات المغلوطة والممارسات الاستنسابية داخل الإدارات العامة إلى عرقلة تقدّم المستأجرين القدامى بطلبات الاستفادة من صندوق دعم المستأجرين وحرمانهم من حماية حقوقهم ...