«بس توصلوا ، اسألوا الخضرجي عني… الكل هون بيعرفني».
بهذه الكلمات رحّب بنا “مارديك” عبر الهاتف وهو يرشدنا إلى منزله في قلب برج حمود. لم نحتَج أكثر من سؤال واحد عند أول محل لنجد البيت: هذا الحي ليس مجرّد مبانٍ متراصة، بل نسيج اجتماعي متماسك أشبه بضيعة. فالجميع يعرف الجميع، وكلمة “بيت مارديك” كافية لتدل أي غريب على موقع المبنى.
المبنى الذي يعود إلى الستينيات، مؤلف من ستة طوابق ويضم ثماني شقق، تقطنه ست عائلات لبنانية أرمنية منذ أكثر من أربعين أو خمسين سنة. معظمهم كبار في السن، متقاعدون أو يعملون في مهن بسيطة لتأمين الحد الأدنى من المعيشة. بالنسبة لهم، هذا البيت ليس مجرد أربعة جدران بل هو عمر بأكمله، ذكريات، وجيران يعرفون بعضهم منذ عقود.
ورغم أن المبنى نفسه يظهر عليه الإهمال (جدران متشققة، رطوبة، وأسلاك كهربائية مكشوفة)، إلا أن المشهد يختلف عند مداخل الشقق. هناك، يضيف كل ساكن لمساته الخاصة التي تعكس شخصيته وهويته: إنارة بسيطة، نبتة معلقة، أو قطعة زينة على الباب. كل منهم ي\تحافظ قدر الإمكان على نظافة مدخله وإنارته، متمسكاً بمساحته الصغيرة كملاذ يحفظ له\ا شيئًا من الاستقرار والكرامة وسط ظروف صعبة.
على الطابق الثالث التقينا مارديك في الشقة التي يسكنها برفقة والدته. مارديك، في الأربعين من عمره ويعمل مدير مقهى في المنطقة، كان أول من بادر إلى الاتصال بنا في مرصد السكن طلباً للمشورة القانونية، بعدما بدأت محامية المالكة تضغط على السكان لتحرير عقودهم القديمة والتوقيع على عقود جديدة ترتفع قيمتها تدريجياً. هذا التهديد لا يقتصر على مارديك وحده، بل يطال جميع المستأجرين في المبنى.
التأرجح بين الاستقرار وانعدامه
المالكة سيدة لبنانية أرمنية تعيش في الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة. قبل نحو عشرة أعوام، كانت قد عرضت على المستأجرين شراء المبنى، وبالفعل بدأ السكان حينها بتحضير المستندات اللازمة، لكن الاتفاق لم يُستكمل. ومنذ ذلك الوقت، تولّى ابنها الذي يسكن في الجوار إدارة شؤون المبنى بالتعاون مع محاميتها.
بداية هذا العام، زارت المحامية المستأجرين وأبلغتهم أن القانون الذي كان يحكم عقود الإيجار القديمة قد انتهى مفعوله، وعليهم تنظيم عقود جديدة إذا أرادوا البقاء في شققهم. وقد عرضت عليهم عقود إيجار جديدة لثلاث سنوات مقابل بدلات شهرية تتراوح بين 150 و250 دولاراً بحسب حجم الشقة ومنتفعاتها، مع خطة لرفع الإيجار تدريجياً بمعدل 50 دولاراً سنوياً حتى تصل إلى ما يعتبرونه “سعر السوق” في السنة الثالثة، أي بمعدل 350 أو 400 دولار، وهذا مقارنةً بما يدفعه المستأجرون الجدد في المبنى والحي حسب ادعائها.
بغض النظر عن قدرة بعض السكان الحالية على دفع هذه المبالغ، يبقى القلق الأكبر هو غياب أي ضمانة حقيقية للاستقرار بعد انتهاء مدة العقد. فتحرير الإيجار لا يعني فقط ارتفاع الكلفة، بل يفتح الباب أمام إمكانية الطرد من المنزل في أي لحظة، ما يفاقم شعورهم بعدم الأمان ويدفعهم للتردد في اتخاذ أي خطوة قد تهدّد بقاءهم في المبنى والحي الذين عاشوا فيه عقود.
بعد الحديث مع مارديك عبر الهاتف والاطلاع على تفاصيل الوضع، شعرنا أن اللقاء المباشر مع باقي المستأجرين بات ضرورياً. لذلك قررنا تنظيم اجتماع يجمع بين فريق مرصد السكن والسكان، بهدف مناقشة حقوقهم بشكل جماعي ووضع استراتيجية مشتركة لمواجهة هذا التهديد.
واحداً تلو الآخر، بدأ السكان بالانضمام إلينا في شقة مارديك في الطابق الثالث. كانت الدعوة موجهة إلى جميع المستأجرين القدامى في المبنى، فحضر خمس من أصل ست عائلات.
اجتماع السكّان
أول الواصلين كانت ماري، أرملة مسنّة تسكن في الطابق الأرضي. تعيش وحيدة في شقة صغيرة بغرفة نوم واحدة منذ أكثر من ستة وأربعين عاماً، بعدما ورثت عقد الإيجار عن زوجها الراحل الذي أمضى في هذا المنزل خمسين عاماً قبل وفاته قبل عام. بالكاد تجمع ما يكفي لتغطية حاجاتها اليومية، وتعتمد بشكل كامل على دعم بناتها. تتحدث الأرمنية أساساً ولا تجيد العربية بطلاقة، ما يجعل التواصل معها أكثر صعوبة. كانت المحامية قد زارتها سابقاً وأبلغتها بقرار المالكة تحرير الإيجار، لكنها بعد أن لمست وضعها الصعب وعدتها بأنها ستبحث عن تسوية مختلفة مع المالكة.
في الطابق الثاني، يسكن زوجان مسنّان تخطى وجودهما في المبنى الستين عاماً. حضر الزوج إلى الاجتماع بينما بقيت زوجته في المنزل بسبب وضعها الصحي. هو متقاعد ويعاني من آلام مزمنة في الظهر، ويعتمد هو وزوجته على دخل ابنتهما التي لا تعيش معهما. دخلهما بالكاد يغطي كلفة المعيشة الأساسية، ما يجعل أي زيادة على الإيجار فوق طاقتهم تماماً.
لاحقاً، حضرت “سلمى”، بالنيابة عن نفسها وعن زوجها الذي لم يتمكن من الحضور لانشغاله بالعمل. سلمى وزوجها يقطنان الطابق الأول، ويبدوان في عمر أصغر مقارنة ببقية السكان، لكن وضعهما لا يقل هشاشة. كان واضحاً خلال الحديث أنهما كانا قد بدآ أصلاً بالبحث عن بديل سكني، إذ اعتبرا أن الأسعار التي تطالب بها المحامية مرتفعة جداً مقارنة بحالة المبنى وما تقدّمه الشقة من خدمات ومساحة، ولا تتناسب مع دخلهما.
أمّا مارديك، الذي استضافنا في منزله في الطابق الثالث، فكان قد تواصل معنا مسبقاً عبر الخط الساخن الخاص بمرصد السكن. يبلغ من العمر أربعين عاماً، يعمل مدير مقهى، ويعيل والدته التي ورثت بدورها عقد الإيجار عن زوجها الراحل. تعاني والدته من مشاكل صحية بسيطة، مارديك هو المعيل الأساسي لها، وبالنسبة لهما، حتى إن تمكنّا من دفع مبلغ الإيجار الجديد في البداية، فإن الاستمرار بذلك على المدى الطويل غير مضمون.
آخر الواصلين كان فيكين، الذي يسكن في الطابق السادس. متقاعد، لكنه لا يزال يعمل سائق تاكسي لتأمين معيشته. تميّز فيكين بمعرفته الواسعة بحقوق المستأجرين القدامى، فأخبّرنا عن مواجهات متكررة مع ابن المالكة والمحامية. يرفض التحدث معهما عبر الهاتف ويطالب دائماً بمراسلات خطية. كان قد رافق والدته وجاره في الطابق الثاني سابقاً لتقديم طلب إلى صندوق دعم المستأجرين، لكن والدته توفيت الشهر الماضي، وهو الآن بصدد إعادة تقديم الطلب باسمه الشخصي.
أشار فيكين أيضاً خلال الاجتماع إلى أن ابن المالكة كان قد أرسل إليه خبيراً لتقييم شقته التي تبلغ مساحتها 77 متراً مربعاً، مدعياً أنها تساوي إيجاراً بقيمة 400 دولار. لكن فيكين يعرف أن هذا الادعاء غير دقيق، لأنه لم يتسلم أي نسخة رسمية من التقييم، ويرى في الأمر محاولة ضغط إضافية.
يجمع هؤلاء الأشخاص، على اختلاف أعمارهم وأوضاعهم العائلية، عامل مشترك أساسي: خطر فقدان منازلهم وسط الهشاشة المعيشية والمالية. فتهديدهم لا يقتصر على مدى قدرتهم على تحمّل الأسعار الجديدة المطروحة، بل يمتد أيضاً لمدى قدرتهم على الصمود في حال استمرت بدلات الإيجار بالارتفاع تدريجياً بالشكل الذي تطرحه المحامية. فمن دون ضمانات ومعايير في تحديد إيجار عادل وثابت، إمكانية رفع الإيجار بشكل عبثي وموسمي يعني، بالنسبة لغالبية السكان، الوقوع في عجز مالي حتمي، مما يدفعهم إما نحو إخلاء قسري غير معلن، أو مواجهة الدعاوى القضائية التي قد لا يملكون الإمكانيات لمتابعتها.
خلال اللقاء ، وبعد الاستماع إلى مداخلات السكان وقصصهم، انتقلنا إلى نقاش قانوني موسّع بمساعدة المحامي المتعاون مع مرصد السكن، ركّز على شرح واقع قانون الإيجارات الحالي، حيث أوضح المحامي أن معظم بنود هذا القانون، ورغم بقائها نظرياً قيد العمل، فإن تطبيقها العملي معطّل بسبب غياب الصندوق وغياب اللجان القضائية المختصة بتحديد بدلات الإيجار.
مع ذلك، شدد النقاش على أهمية اتخاذ خطوات وقائية واحترازية يمكن للسكان القيام بها اليوم لحماية حقوقهم على المدى القريب، مثل التقدم بطلبات إلى صندوق دعم المستأجرين، وإرسال كتب رسمية إلى المالكة وفق المهل القانونية، وتفادي توقيع أي عقود جديدة دون ضمانات واضحة ومكتوبة. هذه الإجراءات، وإن لم تكن كافية لحسم مصيرهم بالكامل، تبقى أدوات دفاع قانونية ضرورية في مواجهة أي تصعيد لاحق.
يمكن قراءة المزيد عن الموضوع في هذه الدراسة تحت عنوان “قانون الإيجارات الجديد: نص قائم بمفعول مُعلّق”، حيث نفنّذ إشكاليات القانون وقصوره عند التطبيق، بالاستناد إلى الاجتهادات القضائية وآراء قانونية.
أمّا بالنسبة للتفاوض مع محامية المالكة، أوضح المحامي أن العقود الجديدة التي عرضتها عليهم المحامية ليست عادلة، خاصة وأن تحرير العقود يعني فقدان أي حماية قانونية لاحقة قد تصدر، ولا يمكن حينها العودة إلى وضع المستأجر القديم. لذلك شددنا على ضرورة التعامل مع أي مفاوضات بمنطق جماعي: إمّا أن يوافق الجميع على السعي لتنظيم عقود إيجار جديدة طويلة الأمد، تأخذ بعين الاعتبار التفاوت بين إمكانيات السكّان، خاصة أولئك الأكثر هشاشة مثل الأرملة المسنّة في الطابق الأرضي والزوجين في الطابق الثاني. على أن تتضمّن هذه العقود ضمانات مكتوبة تضمن ثبات بدل الإيجار أو تحديد آلية رفعه بشكل تدريجي ضمن مؤشرات عادلة، بما يضمن استمرارية السكن.
أو أن يرفض الجميع التوقيع ويواصلون الضغط عبر القنوات القانونية.
لذا، نصحنا السكان بالتقدم الجماعي بطلباتهم إلى صندوق دعم المستأجرين، بالرغم من تعطّل عمله فعلياً. فجميعهم يستوفون المعايير المطلوبة، إنما حتى تاريخ الاجتماع معظمهم لم يبادر إلى اتخاذ هذه الخطوة، ببساطة لأنهم لم يكونوا على دراية بالإجراءات اللازم اتباعها، وهي حالة شائعة بين كثير من المستأجرين القدامى اليوم، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة قوانين مبهمة دون أي إرشاد أو دعم واضح.
قمنا بإرشادهم إلى تقديم الطلبات في قصر العدل في بعبدا بعد توقف قصر عدل الجديدة – المتن عن استقبالها. باعتبار أنّ الحصول على ثلاث سنوات إضافية يعطيهم هامشاً زمنياً أفضل للتفاوض مع المالكة، كما يمكن أن يمنحهم فرصة الاستفادة من أي قوانين جديدة قد تصدر في هذا الإطار.
أزمة قانون الإيجارات أزمة أحياء ومدن
اليوم، يجد سكان هذا المبنى أنفسهم أمام مفترق طرق حقيقي: إما القبول بعقود جديدة بشروط مجحفة ترهقهم مادياَ وتهدّد استقرارهم، وإما التشبث بحقوقهم القانونية ومحاولة كسب مزيد من الوقت بانتظار أن تتضح الصورة القانونية. لكن واقع هذا المبنى في برج حمود ليس حالة استثنائية. هو نموذج واحد من مئات المباني في بيروت وضواحيها حيث يعيش المستأجرون القدامى في ظل غموض قانوني واجتماعي كامل. عائلات بنت حياتها في هذه الأحياء على مدى عقود، تجد نفسها اليوم معلّقة بين قوانين غير مكتملة، ومفاوضات غير متكافئة مع المالكين، وتهديد دائم بالإخلاء دون بدائل واضحة.
فما تشهده هذه المباني وأمثالها ليس مجرّد نزاعات فردية، بل أزمة اجتماعية متفاقمة، تحتاج إلى تدخّل تشريعي سريع، واضح وشامل. هناك حاجة ملحّة لأن تتحمّل الدولة مسؤولياتها في هذا الملف كضامن فعلي للحق في السكن، عبر إقرار إصلاحات قانونية تضع حداً لحالة الغموض التي يعيشها المستأجرون القدامى، وتوفّر لهم حماية فعلية، خاصة للفئات الأكثر هشاشة، أي كبار السن، الأسر ذات الدخل المحدود، والعائلات التي لا تملك بديلاً سكنياً آخر.