إن مشهد العائلات المهجّرة التي تفترش المساحات العامة أو تلك التي تجد نفسها مُجبَرة على التفاوض من أجل فتح أبواب المدارس كي لا تنام في العراء، في ظل تفاقم كلفة السكن وارتفاع بدلات الإيجار وتعقيد شروطه، ليس سوى نتيجة مباشرة لقصور الحكومة في خطتها لإيواء النازحين.
انطلاقاً من ذلك، جئنا كهيئات ومنظمات لنذكّر بالإجراءات التالية بهدف الاستجابة الفاعلة للأزمة الطارئة والمتفاقمة. نحن في أمسّ الحاجة إلى هذه التدخلات في ظلّ أزمة مركّبة وشاملة، لم تعد تقتصر على مسألة النزوح فحسب، بل تشمل مختلف أوجه الأزمة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وما يرافقها من تدهور في البنى التحتية والخدمات الأساسية. ما نحتاجه اليوم، من أجل الحفاظ على حق الناس بالسكن في ظل حرب طاحنة هو:
– زيادة مراكز الإيواء وتنويعها وتجهيزها بشكل دامج وتوزيعها بشكل متوازن،
– إرشاد المهجرين إلى مراكز الإيواء،
– إدراج مباني الدولة الشاغرة في خطة الإيواء وتجهيزها،
– إدراج المباني الشاغرة ذات الملكية الخاصة ضمن خطة الإيواء،
– ضبط الإيجارات لمنع الاستغلال،
– اتباع سياسة صفر إخلاء،
– تبني خطاب تضامني وعدم تجاوز البلديات صلاحياتها،
– تخصيص إحتياطي الموازنة لدعم المهجرين وتعزيز التحصيل الضريبي،
– تحسين جودة وتغطية وكفاية واستدامة المساعدات الإنسانية والاجتماعية.
هذه ليست الحرب الأولى التي نعيشها في لبنان، لكن تختلف هذه الحرب عمّا قبلها بشدّتها وتوسّع رقعة التهجير المستمر، ممّا سينتج أزمة إنسانية واجتماعية كارثية إن لم تتدخّل الدولة على مستويات متعددة لتنظيم الإيواء.
نرى أنّ عدم معالجة أزمة الإيواء بشكل شامل ومنصف يساهم في تفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية. وعلى العكس، فإنّ معالجة هذه القضايا بشكل عادل ومنظّم من شأنه أن يخفف من حدّة الانقسامات ويشكّل إحدى أشكال دعم صمود السكان والحفاظ على كرامتهم، في ظل حرب طاحنة امتدّت لأكثر من سنتين.
لا تزال مئات العائلات المهجرة تنام على الأرصفة وفي المساحات العامة وتُترك دون مأوى، فيما تجد عائلات أخرى نفسها مُجبَرة على التفاوض أو فتح أبواب المدارس بأنفسها كي لا تنام في العراء، وذلك في ظل تفاقم كلفة السكن وارتفاع بدلات الإيجار وتعقيد شروطه. هذا المشهد هو نتيجة مباشرة لقصور الحكومة في خطتها لإيواء المهجرين الذين يتزايد عددهم في ظل تصاعد وتيرة الحرب وأوامر إسرائيل المتكررة بالإخلاء من المدن والبلدات، لا سيما بعد الثامن من نيسان حين ارتكبت اسرائيل مجازر واسعة في مختلف أنحاء البلاد.
نحثّ الحكومة ألّا تعيد أخطاء خطة الطوارئ لـ 2024، بداية من غياب النقل العام الذي كان ليلبّي حاجات النازحين الهاربين من القصف، أو القصور في التعليمات الواضحة للتوجّه إلى مراكز الإيواء، أو نقص تجهيز مراكز الإيواء بما يجعلها صالحة للسكن والعيش. فإنّ خطّة 2024 لم تقدّم خطوات واضحة للتنسيق بين مراكز الإيواء وتوجيه الناس نحوها بحسب قدرتها الاستيعابية، ولا بلحظ حاجات الأشخاص المعوّقات\ين والمسنّات\ين، كما أقصت غير اللبنانيين، وعمدت إلى تركيز مراكز الإيواء في مناطق دون أخرى. أخيراً، لم تعمل تلك الخطة على لحظ المساحات العامة ودورها في عمليات الإغاثة والإيواء، ولا أملاك الدولة وإتاحتها، ولا الأملاك الشاغرة وتحويلها ولو مؤقتاً لمراكز إيواء، ولا حتى خيار ضبط الإيجار التي ازدادت بدلاته بشكل مخيف.
انطلاقاً من ذلك، جئنا كهيئات ومنظمات لنذّكر بالإجراءات التالية بهدف الاستجابة الفاعلة للأزمة الطارئة والمتفاقمة، على ضوء تطوّر الأوضاع الأمنية، وانطلاقاً من ضرورة ضمان الحق في السكن الذي يُنتهك بشكل غير مسبوق خلال الحروب. في هذا الصدد، نذكر أيضاً بضرورة “إعلان التعبئة العامة” سندًا لقانون الدفاع الوطني 102/1983، على غرار ما حدث عند جائحة كورونا. تسمح التعبئة العامة للدولة بحشد كافة الطاقات البشرية والمادية والموارد لخدمة المصلحة العامة ومواجهة الخطر القائم.
نحن في أمسّ الحاجة إلى هذه التدخلات في ظلّ أزمة مركّبة وشاملة، لم تعد تقتصر على مسألة النزوح فحسب، بل تشمل مختلف أوجه الأزمة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وما يرافقها من تدهور في البنى التحتية والخدمات الأساسية. إنّ التعامل مع هذه الأزمة بوصفها حالة طارئة شاملة يفرض تجاوز الاستجابات الجزئية والمؤقتة، والانتقال نحو استراتيجية مستدامة تعيد تفعيل دور الدولة وتعزّز قدرتها على الاستجابة والتعافي على المدى الطويل.
١- زيادة مراكز الإيواء وتنويعها وتجهيزها بشكل دامج وتوزيعها بشكل متوازن
تعاني مراكز الإيواء المعلنة من تحديات كبرى في التعامل مع النزوح، ووصل العديد منها إلى طاقته الاستيعابية القصوى وعدم جاهزيتها لدمج الحاجات المتنوعة. ويجد المهجرون أنفسهم يصلون إلى مراكز امتلأت بالكامل قبل وصولهم، أو غير مُجهزة لاستقبال المسنين والأشخاص المعوقين، بعد أن قطعوا مسافات للوصول إليها. كما لا تتوزّع بشكل متوازن في المناطق والأحياء، ممّا يشكّل ضغطاً على البنى التحتية في مناطق معيّنة دون سواها. وبالتالي، يجب زيادة أعداد هذه المراكز وتجهيزها وضمان توزيعها بشكل متوازن ضمن الأحياء المختلفة والمناطق.
كما يجب تنويعها. فإن الاعتماد الأساسي لا يزال على المؤسسات التربوية، ما يطرح إشكاليات متعددة لجهة استدامة استخدام هذه المرافق في ظل أزمات ممتدة. فقد أظهرت تجربة عام 2024 أنه حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، لم تتمكن الناس من العودة إلى منازلها بسبب الدمار، ما اضطرهم إلى إخلاء مراكز الإيواء واللجوء إلى سوق الإيجارات المرتفع التكلفة. مما يشير إلى ضرورة تفعيل خيارات متنوعة، مثل استخدام المباني الشاغرة العامة والخاصة (التي نسلط الضوء عليها في النقاط التالية) وإنشاء مراكز إيواء على أراضٍ شاغرة باستخدام وحدات مؤقتة مُصممة بشكل مستدام وتوّفر سكن لائق وآمن.
ويجب إيلاء اهتمام خاص لضمان أن تكون جميع مراكز الإيواء شاملة ومتاحة لجميع السكان المتضررين، بغض النظر عن الجنسية أو الوضع القانوني. فخلال التصعيدات السابقة، غالباً ما تم استبعاد العمال المهاجرين وغير اللبنانيين فعلياً من دخول مراكز الإيواء، مما ترك معظمهم دون بدائل آمنة. لذا، تبرز الحاجة إلى توجيهات واضحة، وآليات مراقبة، وتدابير محاسبة لضمان أن تكون مراكز الإيواء مفتوحة لكل من يحتاجها، وأن يظل الوصول إليها غير قائم على التمييز، سواء في السياسات أو في الممارسة العملية.
٢- إرشاد المهجرين إلى مراكز الإيواء
على الرغم من إصدار “وحدة إدارة الكوارث” بيانات دورية تتضمّن لوائح بأسماء مراكز الإيواء الرسمية المعتمدة، ولكن هذه البيانات تبقى غالباً بعيدة عن متناول المهجرين، إذ لم تكن قنوات نشرها رسمية مركزية، أو سهلة الوصول أو واسعة النطاق. أحياناً، بعضها يصل إلى العامّة بعد التداول على تطبيق الواتساب، وأحياناً أخرى تظهر في مواقع إلكترونية متفرّقة، بينما تبقى غير متاحة لفئات تعاني أصلاً من أشكال متعددة من الإقصاء الرقمي أو محدودية الوصول إلى الإنترنت، ما يحدّ من قدرتهم على الامتثال لإجراءات إدارية معقدة أو الوصول إلى المعلومات والحقوق. وهو ما صعّب وصول المهجرين إليها بشكل منتظم وفي جميع الأوقات، خصوصاً الذين اضطروا للبقاء في الشوارع والساحات، ممّا صعّب وصولهم إلى هذه البيانات، وبالتالي وصولهم إلى مراكز الإيواء.
بالتالي، وعليه، فإن أي تدابير تنظيمية يجب أن تراعي هذه الفوارق البنيوية وألا تؤدي إلى مزيد من التهميش أو الإقصاء. ويشكل الإرشاد الميداني من قبل فرق بلدية ضرورة ملحة لكي لا يبقى الناس في العراء. وذلك يشمل كأولوية، جولات ميدانية، كما يشمل الدور الهام لمراكز وزارة الشؤون الاجتماعية في المناطق التي لا تزال لا تستقبل المهجرين لمساعدتهم أو إرشادهم. في هذا السياق، يجب تقديم معلومات واضحة حول خيارات الإيواء المطروحة، وأن تكون مناسبة (أيّ تلحظ أولويات الأشخاص) وقابلة للتنفيذ (من ناحية النقل والاستدامة).
٣- إدراج مباني الدولة الشاغرة في خطة الإيواء وتجهيزها
في بيروت والمناطق المختلفة، تظهر بيانات وزارة المالية وجود آلاف العقارات التي تعود ملكيتها للدولة اللبنانية، من ضمنها أملاك بلدية، وأملاك مصرف لبنان، وأملاك المؤسسة العامة للإسكان، وغيرها.
يجب فتح الأملاك الشاغرة التي تملكها الدولة في مختلف المناطق اللبنانية التي تصلح كمراكز إيواء مؤقتة. ومن الأمثلة على ذلك بعض المواقع في بيروت الإدارية التي كان بالإمكان تجهيزها جزئياً أو كلياً لاستقبال المهجرين، محطة قطار مار مخايل، المباني المستملكة لمشروع أوتوستراد فؤاد بطرس التي تم ترميمها بعد انفجار المرفأ، الملعب البلدي، وغيرها. في سياق شبيه، ينبغي إدراج مبان الأوقاف والمؤسسات الدينية كي تؤدي واجباً إجتماعياً، لكون الحكومة قادرة على التأثير على هذا المستوى.
٤- إدراج المباني الشاغرة ذات الملكية الخاصة ضمن خطة الإيواء
إنّ نسبة الشقق والمباني الشاغرة في مدينة بيروت على سبيل المثال تصل إلى معدلات مقلقة (حوالي 20%). في حرب 2024، وبسبب عدم سعة مراكز الإيواء الرسمية، دخلت مئات العائلات المهجرة إلى المباني الشاغرة وحوّلتها إلى أماكن سكنهم لمدّة تنتهي مع انتهاء الحرب. وتم هذا على الأقلّ في 27 مبنى تمّ رصدها في مدينة بيروت الإدارية، بالإضافة إلى عدد من المباني خارج العاصمة.
ركّز الإعلام والمجتمع باستهجان على بعض الحالات، واصفين المهجرين بـ”المحتلين”، على الرغم من أن الغالبية القصوى منهم دخلت إلى المباني عبر التفاوض مع مالكيها.
في ظل أسباب قاهرة كالحرب، يمكن لهذا المخزون من المباني الشاغرة أن يكون الحل الأمثل لإيواء الناس، لا سيّما المساكن ذات الاستخدام الموسمي، كالفنادق والشقق المفروشة والشاليهات والمنازل المعدّة للاصطياف والعطل، في مختلف المناطق غير المستهدفة خلال هذه الحرب.
ندعو الدولة إلى تشجيع إشغال المباني، وذلك عبر التفاوض مع المالكين الراغبين وتقديم الحوافز لهم (من خلال على سبيل المثال لا الحصر التعاقد مع منظّمة تقوم بترميم جزئي للمبنى بشكل يستفيد منه المالك على المدى البعيد وتقوم الجهات الرسمية بالإشراف على العقد وآلية تنفيذه) وتحويل المباني إلى مراكز إيواء تحت إشراف البلديات المعنية التي لديها الصلاحيات بتحديد المباني الشاغرة ووضع خطة للسكن المؤقت والآمن ضمنها والتفاوض مع مالكيها.
إنّ إدخال هذا المخزون ضمن خطط الاستجابة للطوارئ، يعترف بالوظيفة الاجتماعية للمدينة ويساهم بتأمين إيواء أكثر سرعة وكرامة للمهجرين.
٥- ضبط الإيجارات لمنع الاستغلال
خلال حرب 2024، لجأت نسبة لا يُستهان بها من المهجرين (حوالي 28%) للإيجار كطريقة للوصول للإيواء، وهي نسبة قد تكون أقلّ من الواقع. أما بعد إعلان وقف إطلاق النار، بلغ عدد المهجرين 64,417، 85% من منهم سكنوا عبر الاستئجار. إلا أن الأسعار كانت ترتفع بشكل مطّرد1 في بحثٍ أجراه استوديو أشغال عامة في أوائل عام 2024، وجدنا أن أسعار الإيجارات تضخّمت بنسب وصلت في بعض المناطق اللبنانية إلى 650%. وفي تحليل لعيّنة من الوحدات السكنية المعروضة، ظهر أن بدلات الإيجار مرتفعة ومتفاوتة لدرجة أن بعضها يفوق بدلات الإيجارات في عقود الإيجار السارية ما قبل الحرب بشكل كبير.. من الضروريّ ضبط الإيجارات وتحديد قيمة التأجير العادل. يمكن تحقيق ذلك من خلال آليات مختلفة، منها مراسيم حكومية لتنظيم الإيجارات أو تحديد سقف لها، أو قوانين تشريعية تمدّد جميع عقود الإيجار بإيجارات قائمة لفترة محددة.
في هذا السياق أيضاً، وفي ظلّ النزوح الداخلي الذي أيضاً يؤدي إلى ضغط كبير على سوق الإيجار، بات الحفاظ على الاستقرار السكني للجميع أولوية عاجلة. من هنا، نحثّ الحكومة تأييد اقتراحين للإيجارات كان قد تقدم بهما عدد من النواب في 25 شباط 2026: الأول، اقتراح القانون المعجّل المكرّر لتعديل قانون الإيجارات السكنية القديمة بما يوفّر حماية فورية للمستأجرين القدامى، ولا سيما الذين لم يتمكّنوا من الاستفادة من صندوق دعم المستأجرين ويواجه بعضهم منذ الأول من آذار تهديدات بالإخلاء. والثاني، اقتراح القانون الذي ينظّم عقود الإيجار الجديدة ويضع ضوابط واضحة على الزيادات المفرطة في بدلات الإيجار ويحدّ من التهديد بالإخلاء التعسفي.
٦- اتباع سياسة صفر إخلاء
يجب حماية المستأجرين من الإخلاء ووضع آليات فعّالة للتبليغ عن الانتهاكات المرتبطة بالإيجار، مثل الاستغلال والتمييز والإخلاء التعسفي، مع توفير آليات رقابة على سلوك المؤجرين.
كما على السلطات حماية شاغلي المباني الشاغرة وعدم إخلائهم بالقوة. فإن إشغال المباني الشاغرة خلال الحرب هي ممارسة شائعة، لا سيّما في بيروت، في ظل عدم سعة مراكز الإيواء الرسمية. في هذا الإطار، يجب أيضاً عدم إخلاء المساحات العامة دون تقديم بدائل، على أن يكون الإخلاء على شكل نقل السكان إلى البديل، لا باستخدام القوة والترهيب.
بالإضافة إلى ذلك، يجب وضع آليات فعّالة للتبليغ عن الانتهاكات المرتبطة بالإيجار، مثل الاستغلال والتمييز والإخلاء التعسفي، مع توفير آليات رقابة على سلوك المؤجرين، ومن ضمنها على سبيل المثال لا الحصر، صدور أحكام قضائية بإخلاء المستأجرين القدامى حتّى دون منح مهلة.
٧- تبني خطاب تضامني وعدم تجاوز البلديات صلاحياتها
تحتاج مرحلة الحرب إلى أقصى تضامن اجتماعي لتوحيد الروح الوطنية بعيداً عن أي فئوية أو استغلال سياسي. هناك ضرورة تبني خطاب يظهر أعمق مشاعر التضامن والإخاء بما يحصّن استضافة الناس بعيداً عن أي فئوية أو استغلال سياسي. كما من الأساسي حشد موارد الدولة البشرية المتاحة لهذه الغاية وفتح أبواب التطوّع المدني ضمن إطار الدفاع المدني.
نفهم الحاجة لتنظيم البلديات لسكن المهجرين، لكننا نشدد على البلديات ورؤوسائها والقائمّقامين/ات والمحافظين/ات بالالتزام بصلاحياتهم ومهامهم المنصوص عليها في القانون، وعدم تجاوزها لممارسة صلاحيات ومهام حصرية للقضاء أو الأجهزة الأمنية – تحديدًا في ما يتعلّق بإخلاء المنازل أو مداهمتها أو إغلاق المحال بالشمع الأحمر أو اشتراط الموافقة المسبقة على عقود الإيجار أو حظر التجوّل أو ضبط الأمن – مع عدم المس بالحقوق الدستورية والقانونية. وذلك ضمن سياسة عامة تضعها الحكومة أو من خلال تعميم صادر عن وزارة الداخلية والبلديات.
كما نشدد على وجوب احترام الحقوق الدستورية والقانونية لجميع الأفراد دون أي تمييز، ورفض أي ممارسات ذات طابع طائفي أو تمييزي تمسّ بمبدأ المساواة وسيادة القانون. ونرى أن معالجة هذه المسائل يجب أن تتم ضمن سياسة عامة واضحة تضعها الحكومة، أو من خلال تعاميم صادرة عن وزارة الداخلية والبلديات، بما يضمن توحيد المعايير واحترام الأطر القانونية.
٨- تخصيص إحتياطي الموازنة لدعم المهجرين وتعزيز التحصيل الضريبي
كما في كل الأزمات السابقة، تنسحب الدولة من المشهد وتترك مسؤولية تمويل أزمة النزوح ودعم المهجرين إلى المنظّمات الدولية والمنظّمات غير الحكومية والناس عامّة، فيما تتقلّص المساعدات الخارجية باستمرار.
بدلاً من انتظار دعم المانحين غير المؤكد والمتأخر، نحتاج إلى تحديد خطة مالية طويلة الأمد تخصّص أولاً لإسعاف المدنيّين وضمان كرامتهم الإنسانية وإيوائهم عملاً بمسؤولية الدولة الدستورية والقانونية. على المدى القصير، يعني هذا حشد موارد طارئة، بما في ذلك استخدام احتياطيات المصرف المركزي المتاحة، لتغطية الاحتياجات العاجلة. أما على المدى الطويل، لا بد من التمويل عبر تحصيل الضرائب الممكنة. فلا تزال الأملاك العمومية البحرية فعلياً غير خاضعة للضريبة، حيث تعكس الـ 35 مليون دولار تقريباً المسجلة في الموازنة رسوم تسوية لمرة واحدة بدلاً من ضريبة دورية على العقارات الساحلية القيّمة. كما لا تخضع الكسارات والمقالع لأي رسوم خاصة بالقطاع، في حين تظل السلع الفاخرة بمنأى عن أي ضرائب إضافية تتجاوز ضريبة القيمة المضافة العادية. ولا تزال الإيرادات الجمركية أيضاً أقل بكثير من إمكاناتها الحقيقية. لذا، ينبغي على الحكومة إعطاء الأولوية لتعزيز التحصيل الضريبي، وتفعيل القانون رقم 55/2016 لتحديد المقيمين اللبنانيين الذين يجنون دخلاً في الخارج وتطبيق الضريبة بنسبة 10 بالمئة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة، والنظر في فرض ضريبة تضامن مؤقتة، استناداً إلى السوابق التاريخية في لبنان، للمساعدة في تمويل التكاليف المتزايدة للنزوح.
9- تحسين جودة وتغطية وكفاية واستدامة المساعدات الإنسانية والاجتماعية
التعلم من الدروس المستفادة من الأزمات السابقة، بما في ذلك الحرب الماضية، وتحسين جودة وتغطية وكفاية واستدامة المساعدات الإنسانية والاجتماعية وتعزيز ما تحقق في نظام المساعدات في لبنان. يشمل ذلك فتح خطوط ائتمان وتخصيص موارد إضافية لدعم المتضررين، وتطوير آليات مالية لتسهيل تحويل الأموال إلى شبكات الأمان الاجتماعي ومخصصات ذوي الإعاقة، وتوسيع هذه الشبكات عموديًا لتحسين قيمة المساعدات وأفقيًا لتشمل غير المستفيدين عبر منصات تسجيل جديدة. كما يتطلب اعتماد مراسيم طوارئ لتوجيه الموازنات نحو شبكة أمان موحدة، وتعزيز تبادل البيانات والتنسيق مع المنظمات الإنسانية لتفادي الأنظمة الموازية، وإنشاء هيئة تنسيق لضمان تكامل الاستجابة، وتفعيل آلية موحدة ومستدامة لتلقي الشكاوى ومعالجتها بما يعزز الشفافية والمساءلة. وعلى المديين المتوسط والطويل، يستدعي ذلك تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية وقانون التقاعد، والاستثمار في تطوير شبكات الأمان الاجتماعي لضمان تكاملها مع نظام ضمان اجتماعي شامل وقادر على الاستجابة للأزمات.
في الختام، هذه ليست الحرب الأولى التي نعيشها في لبنان، لكن تختلف هذه الحرب عمّا قبلها بشدّتها وتوسّع رقعة التهجير المستمر، ممّا سينتج أزمة إنسانية واجتماعية كارثية إن لم تتدخّل الدولة على مستويات متعددة لتنظيم الإيواء.
. نرى أنّ عدم معالجة أزمة الإيواء بشكل شامل ومنصف يساهم في تفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية. وعلى العكس، فإنّ معالجة هذه القضايا بشكل عادل ومنظّم من شأنه أن يخفف من حدّة الانقسامات ويشكّل احدى أشكال دعم صمود السكان والحفاظ على كرامتهم، في ظل حرب طاحنة امتدّت لأكثر من سنتين.
التواقيع:
استديو أشغال عامة
مبادرة الإصلاح العربي
مبادرة سياسات الغد
حركة مناهضة العنصرية
مبادرة غربال
جبال
مجموعة العمل الاقتصادي الاجتماعي – سياق
الحركة الزراعية في لبنان
Seed in a Box
المركز اللبناني لحقوق الإنسان
المراجع:
- 1في بحثٍ أجراه استوديو أشغال عامة في أوائل عام 2024، وجدنا أن أسعار الإيجارات تضخّمت بنسب وصلت في بعض المناطق اللبنانية إلى 650%. وفي تحليل لعيّنة من الوحدات السكنية المعروضة، ظهر أن بدلات الإيجار مرتفعة ومتفاوتة لدرجة أن بعضها يفوق بدلات الإيجارات في عقود الإيجار السارية ما قبل الحرب بشكل كبير.