في الثامن عشر من أيار، وصل عدد كبير من القوى الأمنية إلى البيال، وهي الواجهة البحرية التي تمّ ردمها في شمال الوسط التجاري، وبدؤوا بنقل العائلات النازحة، والتي كانت قد استقرّت هناك نتيجة غياب بدائل آمنة، إلى عقار ضمن المنطقة وفي مساحة محدودة ضمن العقار. وقد صرّح ممثّل بلدية بيروت في هذا الصدد بأن الهدف من ذلك هو “حضر النازحين في أراضي البلدية، وإخلاء الأراضي الخاصة، لكي نؤمّن مستلزماتهم، من مأكل ومشرب وملبس، ونحاول أن نسيطر على الوضع لوجستياً.”
جرى ذلك بعد أن امتلأت المنطقة بالسيارات السوداء، والعديد من رجال الأمن والحرس، ونظّموا جولة إعلامية فيما كان المتطوّعون يضعون الخيم الجديدة. كما عيّنت البلدية ٤ ممثلين عن النازحين كي يبلّغوهم ويتواصلوا معهم، سيقوا بعدها إلى مكتب المحافظ واجتمعوا معه.
وقد تمّت هذه العملية، كما أعلن عضو البلدية، بمبادرة من رئاسة مجلس الوزراء، وبإشراف محافظ مدينة بيروت. بالنتيجة استلم الجيش والبلدية والدرك التسجيل.
ويُقدّر أن البلدية ستقدّم ما بين 200 و300 خيمة، بينما تسكن المنطقة اليوم حوالي 600 عائلة على الأقل، دون أي وضوح حول مصير العائلات التي لن تحظى بخيمة.
كما أضاف عضو البلدية بأن “أخواننا السوريين عندن خيارين: يا بالتنسيق مع الأمن العام منوصّلن ع الحدود بباصات البلدية، ولو كاسر إقامته. أو رح نتعاون مع منظمات المجتمع الدولي اللي هي الـ UNHCR اللي بترعى إقامة السوريين. الإقامة فقط هون لضيوفنا اللبنانيين بإذن الله.”
وفي إطار هذا الإقصاء القائم للسوريين من هذا المساحة، هرب العديد منهم خوفاً من ممارسات القوى الأمنية. أمّا بالنسبة للعديد من العائلات اللبنانية النازحة، فقد فضّلت العودة إلى بيوتها لتفادي “البهدلة” أو خوفاً ممّا سيحصل. فعادت عائلة من 12 شخص مثلاً إلى الكفاءات، مفضّلة ذلك على البقاء في هذه الظروف. وبالتالي، نجحت السلطة في “تهشيل” بعض العائلات النازحة إذا صحّ التعبير، وهو ما تعوّدناه من سلطة تعتبر الناس وحاجاتهم في أقسى الظروف، عبئاً عليها وعلى المدينة.
وقد ترافق هذا الحدث مع خطاب متصاعد مفاده أنّ الأملاك العامة ليست مكاناً للنزوح، وأنّ النازحين يرفضون أن ينتقلوا إلى مراكز إيواء، وتحديداً إلى المدينة الرياضية، وبالتالي فهم “عم يتسلبطوا” على وسط بيروت، وأخيراً أنّ النازحين في البيال يعيقون الحركة السياحية في منطقة مليئة بالمطاعم والملاهي الليلية.
في هذا السياق، من المهم أن نذكّر ببعض الأمور:
أولاً، توجّه النازحون الى البيال بدايةً بتوجيه من السلطات المعنية. ففي بداية التصعيد والتهجير القسري لآلاف الناس، حتى صباح الخميس 5 آذار، كان قد تم فتح 33 مركز إيواء في بيروت فقط، وبعد التهديد الجماعي للضاحية في 5 آذار، وصل العدد إلى 88 مركز. وبالتالي لم يكن العدد كافياً لاستيعاب الأعداد الهائلة من النازحين الباحثين عن مكان يأويهم في العاصمة، التي لا تزال تشكّل المكان الأنسب لهم. فلجأوا للمساحات العامة، من ضمنها محيط حرش بيروت، وكورنيش الرملة البيضا، وكورنيش عين المريسة، وكورنيش الروشة، وساحة الشهداء، نتيجةً لعدم سعة مراكز الإيواء المعلنة وقتها والتي لم تقدر على تلبية الحاجات والأزمة الطارئة.
وبمقاربة طبقية بحتة، جالت القوى الأمنية على النازحين، وتحديداً من افترشوا الكورنيش وساحة الشهداء، وطلبت منهم الانتقال للبيال – بكلماتهم- “ليبقى الكورنيش للسواح”. وقد قام الكثيرون منهم بذلك، خصوصاً بعد استهداف الرملة البيضا. كان دخولهم للبيال بشكل هادئ وعلني ووفقاً لتوجيه من السلطة عبر القوى الأمنية.
ثانياً، النزوح قضية وطنية، متشعّبة، وعلى ما يبدو طويلة الأمد، ويجب على الحكومة أن تحشد كافة الطاقات البشرية والمادية والموارد لخدمة المصلحة العامة في هذا الإطار، ومواجهة التحديات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية المرافقة للنزوح. ممّا يعني – بحسب المرسوم 50/67 “نظام وتنظيم الدفاع المدني” – وضع جميع الباحات والأرصفة والحدائق والمباني العامة والخاصّة التي (يرونها) ضرورية بتصرفّ الحكومة لإنشاء ملاجئ.
ثالثاً، مكان النزوح وشكله هو خيار الأشخاص المعنية، بما يتماشى مع مقاربة وطنية وضماناً للمصلحة العامة. للناس احتياجات معقّدة ومتباينة، وتفاوتٌ في مدى تأقلمهم مع الحياة المشتركة والعيش الجماعي. وتُظهر الدراسات أنه عندما يُمنح الأفراد القدرة على اختيار مأواهم، فإن احتمالية صمودهم وضمان كرامتهم تزداد بشكل كبير. وقد استطاع النازحون في البيال، ونتيجة الفترة الطويلة نسبياً التي بقوا فيها هناك، تطوير علاقة مع المكان، وإنشاء أكشاك صغيرة، يسترزقون منها ويعتاشون، ممّا نمّى ببينهم وبين المكان وسكّانه الجدد معرفة وألفة. كما أن توفير خيارات متنوعة للإيواء أمرٌ معترف به كحق أساسي وضرورة ملحة في القوانين الدوليّة. فعندما يطرح على قاطني البيال الانتقال الى المدينة الرياضية كبديل، يجب تقديم معلومات واضحة، والتفاوض حولها، ويجب أن يكون هذا البديل واقعي وقابل للتنفيذ، ويشمل الاستقرار في دون أن يُعرَّضوا لمزيد من المخاطر أو الأضرار، أو لانتقال آخر. فعندما لا يطمئن الناس لهذا الخيار، خاصة نتيجة ما عرفوه من أوضاع الإيواء والنظافة هناك، فهذا حق لهم، وذلك يعزّز الكرامة، والاستقلالية، والأمان. وحري بالسلطة أن تتوقّف عن استخدام النازحين، كما أتقنته منذ سنوات الحرب الأهلية، كورقة ابتزاز بين القوى السياسية، وخاصة ضد المقاومة الوطنية اليوم، في ظلّ سيطرة اليمين على الدولة وقراراتها. من الأفضل للسلطة في هذا السياق، أن تركّز على إنتاج سياسة وطنية للوصول إلى السكن الآمن والكريم.
رابعاً، المساحات العامة حقّ مكرّس والوصول إليه مضمون قانونياً في فترات السلم، كما في فترات الحرب حين تتزايد الحاجة لوجودها بهدف استخدامها كمساحة لتوفير الدعم للنازحين/ات وتعزيز شعورهم بالانتماء للمجتمع، كنقطة تجمع، أو كملجأ مؤقت، أو كمكان مخصص للإرشاد والوصول المعلومات، على سبيل المثال لا الحصر.
وهنا يُطرح سؤال حول البيال نفسها، حيث يشدّد الخطاب العام على ملكيتها الخاصة، ويؤطر تواجد النازحين كتعدٍ على الملك الخاص، وبالتالي يتم نقلهم الى ما يقال أنه ملك للبلدية.
تكوّنت البيال عندما بدأت أعمال ردم البحر في وسط بيروت بشكل مكثّف وكجزء من مشاريع إعادة الإعمار الكبرى بعد انتهاء الحرب الأهلية، وتحديداً مع تأسيس شركة سوليدير. وبحسب الإطار القانوني اللبناني، تُعَدّ المساحات المردومة جزءاً من الأملاك العامة البحرية. إلّا أنه – في عام 1994 – أبرم مجلس الإنماء والإعمار عقد شراكة «رضائياً» مع «سوليدير»، وقضى أن تتنازل الدولة للشركة عن 291.800 متر مربّع من الأملاك العمومية المُستحدثة من ردم البحر، في مقابل تنفيذ الشركة أشغال البنية التحتية في وسط المدينة وتنفيذ أشغال الردم وكذلك أشغال البنية التحتية المُستحدثة بنتيجة الردم.
هذا العقد يجسّد كيف تُسخَّر الأدوات العامة لخدمة المصالح الخاصة الضيقة. ويتبلور ذلك بوضوح أكبر عند النظر الى قيمة الأشغال التي قُدّرت في حينه بنحو 475 مليون دولار، أي أن الشركة تملّكت المتر المربّع الواحد من الأرض المستحدثة في البحر بسعر 1627 دولاراً، علماً أن السعر يتراوح حالياً بين 5500 ,7000 دولار ، وبذلك تكون الشركة قد ربحت نحو 3.5 – 4 دولاراً في مقابل كل دولار استثمرته في هذا العقد.
خامساً، يعتبر لجوء العائلات إلى البيال هو ممارسة فعلية لحق جماعي في الإيواء. وعليه، يجب الاعتراف بهذا الفضاء، وباعتبار اللجوء إليه حقًا مشتركًا تلتزم الدولة بتخطيطه وتصميمه وإدارته وحمايته، لا كمرفق يمكن إهماله. ويعتبر إقصاء السوريين منه، استمراراً للنهج الذي اعتدناه من السلطة، بتكريس العنصرية في المكان، واعتبار حاجات اللاجئين الأساسية ووصولهم إلى حقوقهم التي تضمنها القوانين محلية والدولية، أمراً محرّماً، وبالتالي التقليص من قدرتهم على النجاة في حرب تقتل الجميع، لكنّها تقتل الأضعف أوّلاً.
في الخاتمة، إن مشهد العائلات المهجّرة التي تفترش المساحات العامة ليس سوى نتيجة مباشرة لقصور الحكومة في خطتها لإيواء النازحين، في ظل تفاقم كلفة السكن وارتفاع بدلات الإيجار وتعقيد شروطه.
هذه ليست الحرب الأولى التي نعيشها في لبنان، لكن تختلف هذه الحرب عمّا قبلها بشدّتها وتوسّع رقعة التهجير المستمر، ممّا ينتج أزمة إنسانية واجتماعية كارثية إن لم تتدخّل الدولة على مستويات متعددة لتأمين الإيواء. نرى أنّ عدم معالجة أزمة الإيواء بشكل شامل ومنصف يساهم في تفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية. وعلى العكس، فإنّ معالجة هذه القضايا بشكل عادل ومنظّم من شأنه أن يخفف من حدّة الانقسامات ويشكّل إحدى أشكال دعم صمود السكان والحفاظ على كرامتهم، في ظل حرب طاحنة امتدّت لأكثر من سنتين.

