منذ انتهاء مهلة التمديد التسعية في 28 شباط 2026، تتسارع أحكام الإيجارات القديمة بوتيرة لافتة مقارنةً بغيرها من القضايا، إذ تجاوز عدد الدعاوى المقدَّمة في بيروت وحدها الألف دعوى حتى اليوم، في حين تشير الأرقام الأولية إلى أن أكثر من عشرة آلاف طلب إستفادة من الصندوق قُدِّمت في بيروت وحدها قبيل انتهاء المهلة. وليس هذا الزخم القضائي مفاجئاً لمن يعرف سياق القانون 2/2017، إذ أن صندوق دعم المستأجرين الذي أُسِّس بوصفه الركيزة الاجتماعية للقانون، لم يكن منذ البداية سوى حلقة جديدة في سلسلة “سياسة الصناديق الفارغة”، حيث تُنشئ القوانين صناديق دون أن تضمن مواردها أو تؤمّن آليات تفعيلها، فتبقى حبراً على ورق بينما تترتب عليها حقوق قانونية لا يمكن استيفاؤها.
وفي غياب أي تدخّل تشريعي أو تنفيذي يحسم هذا الفراغ، وجدت المحاكم نفسها مكلّفةً بتطبيق قانون يفتقد إلى أهمّ مرتكزاته، بحيث توقّفت لجان تحديد البدل عن العمل أو لم تباشر عملها أساساً في معظم المناطق، وتأسسّ الصندوق لكن بلا تمويل.
وما يلفت النظر في قراءة هذه الأحكام هو التشابه الصارخ في صياغتها وفي المواد التي تستند إليها، والتناقض الصارخ في ما تنتهي إليه. فمحاكم تبدأ بالاعتراف بوجود الصندوق وبصفة المستأجر كمستفيد محتمل منه، ثم تعود لتُفرّغ هذا الاعتراف من مضمونه بالتمسك بشروط إجرائية لا يمكن استيفاؤها في غياب اللجان ذاتها التي أناط بها القانون البتّ فيها، لتتحوّل هذه الشروط إلى معيار انتقائي يُحدد من يستحق الحماية المرتبطة بالصندوق ومن لا يستحقها، بمعزل تام عن الظروف الموضوعية التي جعلت استيفاء هذه الإجراءات متعذراً على أغلب المستأجرين أصلاً.
كنّا قد تناولنا في مقال سابق ثلاثة أحكام بالإخلاء أظهرت اعتماد قراءات مجتزئة للقانون 2/2017،
2/2017 وتطبيقاً منقوصاً لمواده للتوصل إلى خلاصتها.
وفي هذا التعليق، نتناول خمسة أحكام جديدة، صادرة عن قضاة منفردين في جبيل بتاريخ 17/3/2026، وبيروت بتواريخ 28/4/2026 و19/5/2025 و23/6/2026 على التوالي، وعن محكمة استئناف جبل لبنان بتاريخ 10/6/2026، لنبيّن أن هذا النهج من القراءة المجتزئة لم يتوقّف، بل ذهب في إحدى تطبيقاته إلى ما هو أسوأ، في مقابل حكم واحد استطاع أن يُبدّي الحماية على التفاصيل الإجرائية.
محكمة استئناف جبل لبنان تُجزّء نصوص القانون بحثاً عن مخرج للإخلاء
في حكمها الصادر في 10/6/2026، بلغت محكمة استئناف جبل لبنان حدّ التعسّف في قراءتها الانتقائية لقانون 2/2017، حين أخذت ببعض شروطه وأغفلت أخرى، بحسب ما يخدم النتيجة المراد التوصّل إليها.
فبدل أن تبدأ من الإقرار بأن القانون، في غياب أهم مرتكزاته، يبقى قانوناً معطّلاً عملياً، اتجهت المحكمة إلى الغوص في أصغر التفاصيل الإجرائية، بحثاً عن مخرج يبرّر قرارها بالإخلاء، متجاهلةً بشكل تام الارتباط العضوي لهذه الإجراءات بقرارات لجنة لم توجد عملياً، وبصندوق لم يدخل حيّز التنفيذ1 فاللجان ذات الطابع القضائي، وإن صدر مرسوم تشكيلها بتاريخ 17/5/2019، لم تباشر عملها رسمياً، ولم تُشكَّل أصلاً في عدد من المناطق اللبنانية. أما الصندوق، فلا يزال بلا تمويل ولم يدخل حيّز التنفيذ حتى اليوم..
ففي حين بدأت المحكمة بالاعتراف بالحقوق التي يمنحها الصندوق للمعنيين به، وهو أمر تجاهلته كليّاً أحكام الإخلاء السابقة، سرعان ما فرّغت هذه الخطوة من مضمونها عندما انكبّت على التدقيق في ما إذا كان المستأجر قد قدّم طلبه إلى اللجنة المختصة وفقاً للمادة 8 من القانون، التي تشترط تقديم الطلب “خلال مهلة شهرين من تاريخ تحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً بالنسبة للسنة الممددة الأولى، وخلال المهلة ذاتها في بداية كل سنة من السنوات الممددة اللاحقة“. ولمّا تبيّن للمحكمة أن المستأجر لم يلتزم بهذا التجديد السنوي، اعتبرت أنه فقد صفته كمستفيد من الصندوق، وبالتالي لا يحق له الاستفادة من التمديد لثلاث سنوات إضافية. فتُطبّق المحكمة الشرط الثاني، وهو التجديد السنوي، وكأنه شرط مستقل قائم بذاته، مع إغفال تام للشرط الأول الذي لا ينشأ الشرط الثاني إلا في أعقابه.
ويعتمد هذا المنطق على انتقاء إجراء قانوني بتجاهل أن الشرطين في المادة 8 متتاليان: فشرط التجديد السنوي لا يقوم إلا على ركيزة الطلب الأولي، والطلب الأولي بدوره لا يُقدَّم إلا بعد تحديد بدل المثل. وقد أناط القانون، وأكّد الاجتهاد، باللجان ذات الطابع القضائي الاختصاص الحصري لتحديد هذا البدل قضاءً عند تعذّر تحديده رضاءً. بل إن البدل، حتى لو حُدّد رضاءً بين المالك والمستأجر، يبقى خاضعاً لقرار اللجنة متى طلب المستأجر منها الحصول على مساهمة مالية من الصندوق. وبما أن اللجان المعنية لم تباشر عملها حتى اليوم، فلا آلية فعلية لتحديد بدل المثل، وبالتالي لا وجود لتاريخ مرجعي يمكن أن تبدأ منه مهلة الشهرين لتقديم الطلب الأساسي.
وتطبيق شرط التجديد بمعزل عن شرط التقديم الأولي الذي لم يتحقق، هو تطبيق انتقائي لنصوص القانون يُسقط على المستأجر تبعات تسلسل إجرائي لم يكتمل أصلاً، ويُحوّل تقصير الدولة في تفعيل هذه المنظومة إلى سبب لإسقاط حقه.
فمحاسبة المستأجر على عدم احترام مهلة مرتبطة بإجراء لم يحدث، هي تطبيق لنصوص بمعزل عن واقعها التنفيذي، وتحويل لتقصير الدولة في تفعيل هذه المنظومة إلى سبب لإسقاط حق المستأجر.
ولم تتوقف المحكمة عند هذا الحد، بل انتقلت إلى الغوص في أساس حق المستأجر بطلب تمديد عقد الإيجار لثلاث سنوات إضافية، معتبرةً أن البتّ في هذه المسألة يمكن فصله عن البتّ في الاستفادة من تقديمات الصندوق، وأن صلاحية الفصل فيها تعود لمحاكم الإيجارات العادية.
وبهذا المنطق، اعتبرت المحكمة أن تحديد حق المستأجر بطلب التمديد يكفي فيه التحقق من إرساله كتاب حفظ الحق إلى المالك قبل ثلاثة أشهر من انتهاء مهلة السنوات التسع، عملاً بنص المادة 16 من القانون. ولمّا تبيّن لها أن المستأجر لم يرسل هذا الكتاب، خلصت إلى سقوط حقه بالتمديد وانتهاء إجارته بانقضاء التسع سنوات.
وتقع المحكمة هنا في الخطأ ذاته الذي سبق أن وقعت فيه، معتمدةً على الأخذ بنصف القاعدة وتجاهل نصفها الآخر. فكتاب حفظ الحق هو في جوهره الأداة التي يُبلّغ بها المستأجر مالكه بخياره بين البقاء في المأجور لثلاث سنوات إضافية بالاستفادة من تقديمات الصندوق في تسديد البدلات، أو إخلائه لقاء مساهمة مالية يدفعها الصندوق. وهذا الخيار، بطبيعته، لا يُطرح إلا على مستأجر ثبتت صفته كمستفيد من الصندوق. والمادة 16 نفسها، التي استندت إليها المحكمة، تشترط أن يُثبت المستأجر، خلال المهلة ذاتها المحددة لإرسال كتاب حفظ الحق، حصوله على قرار من اللجنة يؤكد استيفاءه شروط الاستفادة من تقديمات الصندوق.
بعبارة أخرى، وحتى إن سلّمنا جدلاً بإمكانية إعطاء محاكم الإيجارات صلاحية البتّ بحق المستأجر في التمديد بمعزل عن اللجنة، فإن أي قرار في هذه المسألة يستوجب التحقق من وجود قرار من اللجنة يثبت صفة المستأجر كمستفيد، لا أن يقتصر على التحقق من إرسال كتاب حفظ الحق. وبما أن هذه اللجنة لم تُشكَّل ولم تصدر أي قرار من هذا النوع، فإن الشرط الثاني الذي تفرضه المادة 16 نفسها يبقى بدوره غير قابل للتحقق. وهذا ما يعني أن المحكمة، بقرارها هذا، تفصل بين شرطين متلازمين، فتقتطع من المادة 16 الشرط الذي يلائم منطقها (إرسال الكتاب ضمن المهلة) وتُسقط الشرط الذي يناقضه (الحصول على قرار من اللجنة).
محكمة بيروت البدائية: المعايير المجتزأة ذاتها تحدد أحقية المستأجر بالحماية
وليست هذه المرّة الأولى التي نشهد فيها هذا النوع من التطبيق الانتقائي للقانون، فقد اتّبعت محكمة بيروت، في آخر دعوتين بتّت بهما، المنطق ذاته من التدقيق في الإجراءات الشكلية، فتحققت من أن المستأجر تقدّم بطلبه إلى الصندوق بشكل دوري كل سنة، ومن أنه أرسل كتاب حفظ الحق إلى المالك ضمن المهلة القانونية المحددة بثلاثة أشهر قبل انتهاء مهلة السنوات التسع. ورأت المحكمة أن هذه الإجراءات الشكلية كافية لاعتبار المستأجر مستوفياً شروط التقديم على الصندوق، فخلصت إلى أنه بما أن الصندوق لم يدخل حيّز التنفيذ ولم تتشكّل اللجان للبتّ بطلبه، فإنه يتعيّن وقف السير في الدعوى تطبيقاً للمادة 58 من القانون 2/2017.
إنما بالمقابل كانت المحكمة ذاتها كانت قد أصدرت في 28/4/2026 حكماً في دعوى أسبق، اعتمدت فيه الآلية التدقيق نفسها، غير أنها توصّلت تلك المرة إلى قرار بالإخلاء، عندما رأت أن المستأجر لم يستوفِ الإجراءات المطلوبة على النحو المحدد. وفي ذلك ما يكشف إلى أي حدّ يغدو مصير المستأجر رهناً بتفاصيل إجرائية دقيقة، في ظل منظومة أوجدت الدولة عوائقها بنفسها.
من هنا يمكن لحظ نمط قضائي بات يتكرر بشكل لافت يتعامل مع شروط القانون 2/2017 المتعلقة بالصندوق كمنظومة قابلة للتجزئة، يمكن إعمال بعض موادها أو شروطها مع تعليق أو تجاوز أخرى، واعتماد التدقيق في الإجراءات الشكلية معياراً للبتّ في أحقية المستأجر بالحماية.
التشبّث بإجراءات التقديم على الصندوق وتجاهل الواقع الذي أفقدها معناها
وأساس المشكلة في هذا التوجّه لا يقف عند حدود تجاهل استحالة تطبيق القانون من الناحية النظرية، بل في إصرار المحكمتين على التشبّث بخطوات إجرائية صغيرة (تجديد طلب، إرسال كتاب في مهلة محددة) في إغفال تام للواقع الفوضوي والموثّق لمسار انطلاق العمل بالصندوق: من غياب الإعلان الرسمي عن تاريخ بدء التقديم، وانعدام التعليمات الواضحة للمستأجرين حول الجهات المختصة وآليات التقديم، إلى الإقفال المزمن للأقلام المختصة بقبول الطلبات واستنسابيتها في العمل، وغيرها من العقبات العملية التي حالت دون إتمام كثيرين لإجراءات تقديم طلباتهم.
إن التدقيق في الشروط الإجرائية للمستأجر بمعزل عن هذا السياق يُحمّله تبعة عوائق لم يكن بمقدوره تجاوزها، لا لتقصير منه بل لإخفاق منظومة الدولة في تمكينه من ممارسة حقه. والأشد إجحافاً أن الأجهزة القضائية كانت في حالة إضراب خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت انتهاء مهلة السنوات التسع، أي في الوقت ذاته الذي كان يُفترض فيه بالمستأجرين اتخاذ الخطوات الإجرائية التي يُلامون اليوم على إغفالها.
محكمة جبيل: نموذج رد الاعتبار لروحية الصندوق
في المقابل، يبرز حكم محكمة جبيل كنموذج لما كان يُفترض أن يكون عليه التعامل مع هذا الفراغ. فبدل الانخراط في تفاصيل إجرائية لا يمكن التحقق منها أو تطبيقها، أعادت هذه المحكمة الاعتبار للمادة 58 من القانون 2/2017، التي تعلّق صراحةً، وخلافاً لأي نص مخالف، جميع الإجراءات القضائية المؤدية إلى إخلاء أي مستأجر معني بتقديمات الصندوق إلى حين دخوله حيّز التنفيذ. وتكتسب هذه المادة أهميتها من كون الصندوق لم يُنشأ أصلاً كآلية تقنية لصرف التقديمات المالية، بل جاء استجابةً تشريعية لهشاشة اجتماعية تعيشها مجموعة من المستأجرين القدامى، وتجسيداً لمسؤولية الدولة تجاههم؛ فجاءت المادة 58 امتداداً لهذه الغاية الحمائية، لتقدّم ضمانة احترازية تحمي هذه الفئة في حال تعذّر تفعيل الصندوق، حتى لا يتحوّل إخفاق الدولة في تطبيق قانونها إلى عقوبة يدفع ثمنها من أُنشئ الصندوق أصلاً لحمايتهم.
وبخلاف أحكام الإخلاء الأخرى، أعملت محكمة جبيل هذه المادة حين اعتبرت أن مجرّد تقدّم المستأجر بطلب إلى الصندوق يكسبه صفة “المعني بتقديماته”، وهي صفة كافية وحدها لوقف المسار القضائي، تاركةً الباب مفتوحاً أمام إعادة النظر في وضعه متى توفّرت الآلية القانونية اللازمة لذلك.
أهمية هذا النوع من الأحكام تظهر بأن القضاء يملك من أدوات التفسير ما يُمكّنه من صون حقوق الفئات الأكثر هشاشة دون الخروج عن النص. فالمادة 58 موجودة في القانون، وغاية المشرّع الاجتماعية من إنشاء الصندوق معروفة، كما العقبات التي أحاطت بمسار تفعيله.
نحو قراءة قضائية تحمي المستأجر القديم في ظل قصور القانون وغياب السياسة السكنية
حين يختار القاضي التمسك بالشروط الإجرائية للقانون مع إغفال السياق الذي أُنشئت فيه، يكون قد اختار قراءة واحدة من بين قراءات ممكنة، لا الوحيدة الممكنة. وقد تقوده هذه القراءة، كما أظهر حكم محكمة استئناف جبل لبنان، إلى نتائج أكثر قسوة على المستأجر من تلك التي توصّلت إليها محاكم أخرى في ظروف مشابهة.
وإذ نرحّب ببدء صدور أحكام تُراعي وضع المستأجرين المعنيين بالصندوق، كالحكم الصادر عن محكمة جبيل، لا بدّ من التذكير بأن هذه الفئة لا تختزل وحدها مجمل المستأجرين القدامى المتضررين. فكثيرون منهم لم يكونوا أصلاً على علم بوجود الصندوق أو بالإجراءات المرتبطة به، لا لتقصير منهم بل لغياب أي توعية أو إعلان رسمي، كما تعذّر عليهم استكمال إجراءات التقدّم بطلباتهم في ظل المنظومة الفوضوية التي أحاطت بمسار تفعيله.
والمطلوب من القضاء في هذه المرحلة بالذات، وسط حرب مستمرّة وأزمة سكنية متفاقمة، أن تأخذ أحكامه القادمة بعين الاعتبار هشاشة المستأجر القديم بذاتها، بمعزل عن مدى استيفائه لإجراءات مرتبطة بمنظومة لم تكتمل. فأحكام الإخلاء ينبغي أن تُقرأ في سياقها الاجتماعي الكامل، لا أن تُختزل في سؤال هل قدّم المستأجر طلبه إلى الصندوق أم لا. فالمطلوب رؤية قانونية تُبدّي صون حقوق الفئة التي أراد المشرّع تمييزها بأوسع معانيها، لا قراءة تحكم عليها بنتيجة إخفاق الدولة في حمايتها.
المراجع:
- 1فاللجان ذات الطابع القضائي، وإن صدر مرسوم تشكيلها بتاريخ 17/5/2019، لم تباشر عملها رسمياً، ولم تُشكَّل أصلاً في عدد من المناطق اللبنانية. أما الصندوق، فلا يزال بلا تمويل ولم يدخل حيّز التنفيذ حتى اليوم.




عماد الحوت يعتمد مقاربة حسابية ضيّقة لمعالجة الإشكالية الاجتماعية المرتبطة الإيجارات القديمة
اقتراح القانون المعجّل المكرر الرامي إلى توضيح النص القانوني للمادة /15/ من قانون الإيجارات التعديلي 2/2017. قدّمه النائب عماد الحوت بتاريخ 8 أيلول 2022. وُضع كبند على جدول أعمال الجلسة التشريعية التي عُقدت ...