ما بعد إنهيار المباني: ما مصير السكان المتضرّرين؟

إعداد: ريان علاء الدين
بحث ميداني: ريان علاء الدين، رياض الأيوبي، نادين بكداش، عبير سقسوق، جهينة ريدان

مقدمة
مُعدلات مُرتفعة للمساكن غير الآمنة في بيانات مرصد السكن
من يتحمل مسؤولية توفير  السكن البديل لمتضرري إنهيارات المباني؟
مبنى المسلماني في حيّ عرسال، منطقة صبرا 
مبنى أمهز في صحراء الشويفات
مجمّع يزبك في المنصورية 
مبنى الريشاني في الشويفات
مبنى النشّار في ضهر المغر، طرابلس
 خاتمة: فشل الحكومة اللبنانية في واجبها تجاه متضرّري انهيار المباني الخمسة

مقدمة

خلال السنوات الخمس الماضية، هزّت انهيارات مروعة مدناً لبنانيةً مختلفةً. اتّخذت هذه الحوادث صفة مأساوية مُتكرّرة، تاركةً وراءها ضحايا بشرية وخسائر مادية باهظة. لكنّها ليست حوادث فردية، بل هي جرس إنذار يُنذر بغياب العدالة السكنية وفشل الدولة في حماية حقوق سكانها الأساسية.

ففي عام 2019، انهار مبنى الفوال في حي الأندلس بالميناء، ما أسفر عن وفاة أخ وأخته. تكرّرت الكارثة في عام 2020 مع انهيار جزئي لمبنى قديم في حي الزاهرية بطرابلس، ثمّ في عام 2021، حين لقيت شقيقتان حتفهما إثر انهيار شرفة مبنى سكني في منطقة القبة. وفي عام 2022، هزّتْ مدينة طرابلس مأساة أخرى، حيث انهار مبنى النشار في ضهر المغر، مُخلّفاَ وراءه طفلة قتيلة. وقد ازدادت وتيرة الانهيارات بشكل مُقلق خلال السنتين الأخيرتين، وتوزّعت على أكثر من منطقة. ففي عام 2023، انهارت خمسة مبانٍ في طرابلس، بيروت، صيدا، والمنصورية، ما أسفر عن وفاة 10 أشخاص، بينما شهد عام 2024، حتى اليوم، انهيار أربعة مبانٍ أخرى، مما أدّى إلى وفاة 4 أشخاص. وقد أدّت هذه الانهيارات المُتكرّرة إلى تشرّد مئات العائلات التي باتت دون مأوى.

تُجسّد حوادث انهيار المباني هذه، فشلاً ذريعاً للدولة في تحمّل واجبها الأساسي في حماية أرواح سكانها وضمان سلامتهم. ففي ظلّ غياب العدالة السكنية، يُجبر الكثير من الناس على العيش في منشآت متهالكة، دون وجود بدائل سكنية آمنة وميسورة التكلفة. يضاف إلى ذلك، تقاعس الجهات المسؤولة عن متابعة أوضاع هذه المباني، ممّا يُفاقم من الخطر الذي يُهدّد حياة قاطنيها.

نواصل في استوديو أشغال عامة التحقيق في قضية المباني المنهارة، سعياً منّا لكشف الحقائق وإثارة النقاش حول تدهور البيئة المبنية، وأسباب هذه الانهيارات، وتحديد المسؤوليات المترتّبة على مختلف الجهات، بدءاً من السلطات الرسمية، وصولاً إلى الجهات المُقصّرة. ويُشكّل هذا التقرير جزءاً أساسياً في هذا المسار، حيث يُقدّم دراسة حالات مُفصّلة لخمسة مباني انهارت خلال الفترة الماضية، هي مبنى المسلماني في حيّ عرسال، مبنى أمهز في صحراء الشويفات، مجمّع يزبك في المنصورية، مبنى النشّار في ضهر المغر- طرابلس، ومبنى الريشاني في الشويفات، والذي راح ضحيتها 13 شخصاً وتشرّدت على أثر انهيارها حوالي 70 عائلة، مُسلّطاً الضوء على مصير سكانها بعد الإنهيار.

كما يُسلّط التقرير الضوء على معدلات المساكن غير الآمنة في لبنان، مستنداً إلى البيانات المُستنتجة من بلاغات مرصد السكن. وإلى جانب ذلك، يُناقش التقرير مسؤوليات توفير السكن البديل للسكان الذين تعرّضوا للتشرد جراء انهيار منازلهم.

ويُشكّل غياب البدائل السكنية بعد انهيار المباني، انتهاكاً واضحاً للحق في السكن اللائق، ويُخالف المعاهدات والاتفاقيات الدولية. ويؤدّي عدم توفّر بدائل آمنة ومستقرة للسكن بعد الكوارث إلى انتهاك معايير هذا الحق بعدة طرق، وهو ما تشير إليه الحالات الموثّقة وقصص ناسها.

مُعدلات مُرتفعة للمساكن غير الآمنة في بيانات مرصد السكن

خلال الفترة الممتدّة من كانون الثاني 2023 إلى آذار 2024، تلقّى مرصد السكن في استديو أشغال عامة 480 بلاغاً حول انتهاكات سكنية مختلفة على كامل الأراضي اللبنانية. تمّ متابعة المؤشرات السكنية لـ230 حالة منها وتحليلها، وتمّ تسجيل خرق معيار صلاحية السكن في 204 منها أي 88.7%. وصلاحية السكن هي بأن يكون السكن لائقاً، أي أن يضمن السلامة الجسدية لقاطنيه، ويوفّر لهن\م مساحة كافية، ويحميهن\م من المخاطر الهيكلية، ومن البرد والرطوبة والحرّ والمطر والريح وغيرها ممّا يهدّد الصحة.

وقد كشفت بيانات المرصد عن أن 14.35% من هذه الحالات، بلّغت عن كونها تعيش في مبانٍ غير آمنة إنشائياً. وقد تنوّعت المخاطر الإنشائية المرصودة في هذه المباني، فتراوحت بين سقوط عناصر من المبنى مثل الشرفات أو غيرها (26 حالة)، أو وجود خطر من مبنى مجاور/ملاصق آيل للسقوط (5 حالات) وصولًا إلى حالات مُسجلة فعلياً على أنها آيلة للسقوط وفقاً لمسوحات إنشائية أجراها مهندسون إنشائيون أو من خلال البلديات (9 حالات). كما وعبّرت العديد من الحالات عن قلقها من علامات تُهدّد سلامة المباني التي تقطن فيها وسلامة أساساتها، كوجود تشقّقات في المبنى (88 حالة)، أو حديد ظاهر بسبب تآكل مواد البناء (25 حالة)، أو حتى تكرّر فيضان المياه إلى داخل المبنى (33 حالة).

حالات تعيش في مبان غير اّمنة انشائيا
حالات عبرت عن قلقها حيال عوامل او علامات قد تبدو مهددة لسلامة المبنى التي تعيش فيه

وكشفت البيانات أيضاً عن انتشار واسع لهذه الحالات في كافة المناطق اللبنانية، وليس في منطقة واحدة فقط وبالرغم من تفاوت النسب بين منطقة وأخرى، إلا أن وجود هذه الحالات على امتداد الأراضي اللبنانية يُظهر بأن تدهور وضع المباني يُعتبر ظاهرة وطنية وليس حالات فردية معزولة. وقد تركّزت النسبة الأكبر من البلاغات في منطقة جبل لبنان، بنسبة 48.26% من إجمالي الحالات الموثّقة. ضمن هذه النسبة، جاءت منطقة برج حمود بالمرتبة الأولى(17%)، تلتها منطقتي برج البراجنة (7.4%) والشياح(7%)، وتشكّل هذه المناطق فعلياً التمدّد العمراني لبيروت، أي ضواحيها المباشرة. أما منطقة بيروت، فأتت في المرتبة الثانية بنسبة 16.5% من إجمالي الحالات، بينما حلّت منطقة الشمال في المرتبة الثالثة بنسبة 14%، تركّز معظم الحالات في مدينة طرابلس وأحيائها المختلفة، بنسبة 8.7%.

بالإضافة إلى المخاطر المبلَّغ عنها، تم إخلاء أكثر من 14 مبنى بشكل قسري في الفترة الممتدّة من منتصف سنة 2022 حتى اليوم، بسبب الانهيار الكامل أو الجزئي للمبنى، أو إنذارات صادرة عن البلديات تُنذر بخطر إنشائي . وعلى الرغم من تداول أخبار بعض هذه المباني المنهارة في وسائل الإعلام، إلا أن مصير السكان يظلّ غامضاً، حيث تتغاضى السلطات المحلية والمركزية سواسية عن متابعة أوضاعهم بعد الانهيار أو بعد عملية الإخلاء. فأين ذهب السكان المتضرّرون؟ وهل قامت أي جهة مسؤولة بتوفير سكن مؤقت أو بديل لهم؟

من يتحمّل مسؤولية توفير  السكن البديل لمتضرّري إنهيارات المباني؟

في التقارير السابقة التي أصدرناها، قمنا بتسليط الضوء أولاً على خمسة عوامل تؤدّي إلى تدهور البيئة العمرانية في لبنان؛ وثانياً على الأسباب الرئيسية وراء الانهيارات المؤخرة؛ وأخيراً على المسؤوليات في قضية انهيار المباني وأنواع تراخيص البناء ومساراتها.
نوضّح فيما يلي مسؤوليات تأمين السكن المؤقّت أو البديل خلال الكوارث (أو الانهيارات) أو ما بعدها، ونطرح تساؤلاً حول استجابة السلطات المسؤولة في هذا الصدد.

بحسب مرسوم إنشائها، تُعدّ الهيئة العليا للإغاثة أهمّ الجهات المعنية بإدارة شؤون الكوارث بكافة أنواعها، وجميع الأمور ذات الطابع الإغاثي التي يُحيلها مجلس الوزراء إليها. وبالتالي معالجة الأمور الطارئة كافّة، أي تلك التي تحتاج إلى تدخّل سريع، والتي لا يمكن معالجتها في ظلّ التقيّد ببعض الإجراءات الإدارية الصارمة، وهو ما ينطبق على انهيار المباني. غير أن الهيئة العليا للإغاثة وبحسب أمينها العام اللواء الرّكن ​محمد خير1بحسب مقابلة أجراها فريق إستديو أشغال عامة  معه بتاريخ 8 نيسان 2024، لا تستطيع التحرّك إلّا بتكليف من مجلس الوزراء وتأمين اعتماد مالي لها. وهي، في حالة إنهيار المباني، تقدّم بدل إيواءٍ لمن كان\ت ساكناً بشكل فعلي في المبنى2كان مجلس الوزراء قد وافق في 27 شباط 2023 على طلب الهيئة العليا للإغاثة بتخصيص ميزانية قدرها 100 مليار ليرة لبنانية لتغطية نفقة المساكن البديلة للأشخاص الذين يعيشون في منازل تواجه خطًرا كبيًرا بالسقوط. الذي انهار، سواء كان مالكاً أم مستأجراً، إن كان وصوله\ا إلى السكن جرى بطريقة رسمية أو غير رسمية، إن كان\ت لبنانياً أو من أي جنسية أخرى شرط أن ت\يكون حاصلاً\ةً على إقامة وأوراق رسمية.

عُقب وقوع زلزال تركيا في 6 شباط 2023 والذي تأثّر به لبنان، كلّف وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بسام المولوي الهيئة العليا للإغاثة بإعداد تقرير مفصّل حول المباني المتضرّرة ودعا البلديات إلى معاينة المباني ورفع تقارير حول النتائج إلى الهيئة العليا للإغاثة ووحدة إدارة مخاطر الكوارث. وفي 27 شباط، وافق مجلس الوزراء على طلب الهيئة العليا للإغاثة بتخصيص ميزانية قدرها 100 مليار ليرة لبنانية لتغطية نفقة المساكن البديلة للأشخاص الذين يعيشون في منازل تواجه خطراً كبيراً بالسقوط. وبذلك، تتسلّم كل عائلة مبلغ 30 مليون ليرة لبنانية، أي حوالي 320 دولاراً أمريكياً كـ«بدل إيواء»، يُتوقّع أن يُغطي بدل الإيجار لمدة ثلاثة أشهر، ينبغي خلالها على سكان المباني إما إصلاح منازلهم أو إيجاد حل أكثر استدامة على نفقتهم الخاصة. غير أن الخطة الحكومية لم تنفّذ، فلم تُجري البلديات كشفاً شاملاً على المباني، ولم تُعطِ الهيئة العليا للإغاثة بدل الإيواء للسكان القاطنين داخل المباني الآيلة للسقوط، بل تم الاكتفاء بإعطاء هذا البدل لبعض السكان التي انهارت مبانيهم. هذا وكان اللواء الرّكن ​محمد خير قد أكّد لمنظمة العفو الدولية3بحسب مقابلة أجرتها المنظمة مع اللواء الرّكن ​محمد خير في 13 نيسان 2023 أن ميزانية الهيئة العليا للإغاثة عقب الانهيار الاقتصادي بالكاد تُغطي رواتب موظفي الهيئة العشرين، وبالتالي ليس باستطاعة الهيئة تأمين بدل الإيواء البالغ 30 مليون للعائلات التي تقطن في منازل مهدّدة بالسقوط من دون دعم دولي. غير أنّه أكّد لنا4بحسب مقابلة أجراها فريق إستديو أشغال عامة  معه بتاريخ 8 نيسان 2024 أنه تمّ إلزام المالكين بتنفيذ التدعيم للمباني التي انهارت جزئياً أو المعرّضة لخطر الانهيار، كما تمّ إلزام هؤلاء بإعادة بناء مبانيهم في حال حصل الانهيار الكلّي.

هذا فيما يخصّ الهيئة العليا للإغاثة، المسؤولة بشكل أساسي عن الاستجابة للكوارث. غير أنّ تأمين مساكن بديلة آمنة ومستدامة يقع بشكل عام، وبغض النظر عن حصول كوارث، على البلدية، وفق قانون البلديات اللبنانية. فبحسب المادة ٤٩ من قانون البلديات في لبنان، يتولّى المجلس البلدي، دون أن يكون ذلك على سبيل الحصر، إنشاء الملاجئ والمساكن الشعبية . وبحسب المادة ٥٠ من القانون نفسه، يجوز للمجلس البلدي ضمن منطقته أن ينشأ أو يدير بالذات أو بالواسطة أو يسهم أو يساعد في تنفيذ المساكن الشعبية ضمن غيرها. وبالتالي، ومن المنطقي، وبعد الإطلاع على هذه الواجبات، أن تكون البلدية مسؤولة عن تأمين السكن البديل للسكان من مستأجرين أو مالكين أو غيرهم، في حال حصول أي انهيار للمبنى.

أما في حال كان الانهيار نتيجة نقص في صيانة البناء أو عيباً ببنيانه أو قدماً في عهده، فيحمل مالك المبنى مسؤولية الأضرار الناجمة، وذلك بحسب المادة 133 من قانون الموجبات والعقود. وإذا توافرت شروط هذه المسؤولية، يُلزم المالك بالتعويض على السكان. هذا وحدّدت المادة 136 من القانون نفسه أن التعويض يكون نقوداً، تُخصَّص كبدل عطلٍ وضرر، غير أنه يحقّ للقاضي أن يُلبسه شكلاً يكون أكثر موافقةً لمصلحة المتضرّر فيجعله حينئذ عينياً. فإذا كان المتضرّر مستأجراً، يُمكن للقاضي مثلاً إلزام المالك بتأمين سكن بديل له طيلة مدة سريان عقد الإيجار.

مبنى المسلماني في حيّ عرسال، منطقة صبرا

شباط 2024، انهيار الشرفة التي تربط مساحات المبنى، تشرّد 10 عائلات

موقع مبنى المسلماني بالعلاقة مع محيطه

حيّ  غير رسمي  على أطراف بيروت

يقع حيّ عرسال إلى شرق «الحيّ الغربي» الممتد بين مخيم شاتيلا والمدينة الرياضية. يتشكّل الحي من خليط من النازحين، بعضهم من عرسال البقاعية التي تبعد حوالي 100 كيلومتر شمالاً، والذين نزحوا إلى المنطقة منذ أكثر من 40 عاماً، وسمّي الحي باسمهم، والبعض الآخر نازحين من الجنوب والبقاع، إضافة إلى سوريين وفلسطينيين. تشكّل حي عرسال جرّاء موجتَي هجرة كبيرتين: الأولى في ستينات القرن الماضي، نتيجة الهجرة من الريف إلى المدن، عندما أتى شخص عرسالي إلى المنطقة وبنى كوخاً من علب تَنَك الزيت والخشب، مشكّلاً بداية توسّع الحي5بحسب مقابلة أجريناها مع مالك المبنى أبو علي مسلماني الخميس 24 نيسان 2024. والثانية في الثمانينات، عندما لجأ إليه الهاربون من الاجتياح الإسرائيلي (1982) وحرب المخيمات (1985- 1988).

يعاني حي عرسال اليوم، كغيره من المناطق غير الرسمية في لبنان، تحدّيات عدّة تؤثّر على حياة سكانه وسلامتهم. فهو إلى جانب معاناة سكّانه من نقص الخدمات الأساسية، مثل البنية التحتية، والصرف الصحي، والكهرباء، والمياه، هن\م يعانون أيضاً من مشاكل إنشائية في مبانيه، بسبب طبيعة البناء الذي تمّ بشكل تدريجيٍ غير رسمي، فيما تعقّد السلطات هذا الوضع عبر منعها لأعمال الترميم والتأهيل وإدخال مواد البناء إلى الحي بحجة كونه «غير شرعي» ويشكّل «تعدياً على الأملاك العامة».

منزل أبو حسن: قصة هجرة وبناء

في مطلع السبعينيات، هجر والد أبو حسن (اسم مستعار) مسلماني قريته تبنين في الجنوب اللبناني، تاركاً وراءه منزلًا دمّره القصف الإسرائيلي عام 1973. استقر أبو حسن في حي عرسال، حيث اشترى غرفة أرضية بمبلغ 17 ألف ليرة لبنانية. ومع مرور الوقت، بدأ بتوسيع منزله تدريجياً، مضيفاً الطوابق العليا، وهو ما كان نمطاً شائعاً في حيّ عرسال وضواحيه. فتوسّع منزل أبو حسن ليضمّ طابقاً أرضياً بغرفتين، وطابقاً أولاً وثانياً، كلٌّ منهما بأربع غرف.

لكن مع مرور الوقت، ترك أبو حسن الحيّ. فبرأيه، تغيّرت حارة عرسال وأصبحت تعاني من تفاقم ظاهرة تجارة المخدرات وغيرها من المشاكل. برأيه، هذا ما دفع العديد من العائلات إلى مغادرتها. وشهدت الفترة بين عامي 2014 و2017 هجرةً عكسية من حي عرسال، حيث غادر العديد من سكّانه عائدين إلى الجنوب الذي شهد ازدهاراً اقتصادياً آنذاك. غادرت عائلة أبو حسن مع موجة الهجرة، تاركةً الطوابق العليا من منزلهم مؤجّرة لسوريين، بينما احتفظت بالطابق الأرضي لسكن أيّ من أفراد العائلة عند الحاجة أو كمسكن محتمل في حال عودتها.

في 17 شباط 2024، حدث ما لم يكن متوقعاً. انهارت الشرفة التي تربط بين الطوابق في منزل أبو حسن في الحي، ما أدّى إلى تحطّم أقسام من الجدران والأسقف وطمر بعض الغرف. وكانت هذه الشرفة قد أُضيفت إلى المبنى بين عامي 2013 و2014، مستفيدةً من تعميم أصدره وزير الداخلية آنذاك مروان شربل سمح للأهالي بالبناء دون تراخيص بناء. في حينه صبّ أبو حسن الشرفة على حديد زينكو، بينما أضاف المستأجر حماماً فوق جزء منها.

السكان بلا تعويض و تهديد بالهدم الكلّي

روي نبيل (إسم مستعار)، وهو لاجئ سوري، تفاصيل مأساة انهيار مبنى عرسال الذي كان يسكنه مع عائلته. فقد نجا وزوجته وأطفاله الخمسة بأعجوبة من الانهيار الجزئي الذي طال بعض غرف المبنى. على الرغم من خطورة الموقف، غابت السلطات المعنية عن موقع الانهيار، باستثناء فرق الإسعاف التي وصلت فوراً وتمكّنت من إنقاذ امرأة مسنّة وطفل علقا تحت الركام. لاحقاً، حضر مهندس من الهيئة العليا للإغاثة لتقييم وضع المبنى. لكن لم تقدّم أي جهة أي تعويضات مالية أو مأوى بديل للسكان.

في مقابلة أجريناها مع رئيس الهيئة العليا للإغاثة بعد أقل من شهرين من الانهيار، بدا هذا الأخير غير مبالٍ عند الحديث عن الحادثة، حتّى أنّه لم يتذكّر أي انهيار لمبنى في هذه المنطقة. بعدها أخبره أحد الموظفين بحقيقة وجود هذا المبنى، وأنه وزميله من زار المبنى للكشف عليه. تُثير ردة فعل رئيس الهيئة العليا للإغاثة، إضافةً إلى غياب الحضور الرسمي الفوري عن موقع الحادثة، على عكس ما حدث في حالات انهيار المباني في مناطق أخرى، وغياب التغطية الإعلامية الملائمة، تساؤلات حول التحدّيات التي يواجهها سكان المناطق غير الرسمية في لبنان. ففي هذه المناطق، يُحرم السكان من الخدمات الأساسية والدعم الحكومي، حتى في حالات الطوارئ.

نتيجة الانهيار، تشرّدت العائلات السورية العشر التي كانت تسكن المبنى، فانتقل معظم أفرادها مؤقتاً لدى أقارب لهم، فيما اضطر آخرون لاستئجار وحدات غير ملائمة للسكن و بأسعار مرتفعة لا تتلاءم مع ما يقدّمه المسكن، بسبب العجلة وعدم توفّر المساكن الملائمة بأسعار مناسبة. فمثلاً استأجرت إحدى العائلات المؤلفة من 6 أشخاص، وحدةً ملحقة بمبنى غير ملائمة للسكن، في الحي نفسه مقابل 150$. واضطرت العائلة أن تبلّطها وتدهنها، لكي يسمح لها المالك بالسكن فيها. أما نبيل (إسم مستعار)، وبعد 25 يوماً من البحث عن مسكن دون جدوى، حيث كانت إيجارات الشقق المتوفرة تفوق قدرته، فقد عاد وعائلته إلى المبنى، مستندين إلى تقرير صدر عن الهيئة العليا للإغاثة أكّدت فيه سلامة المبنى، بعد أن أرسلت مهندساً للكشف عليه. شكّل الإيجار الزهيد الذي كان نبيل يدفعه مقابل الشقة دافعاً إضافياً لعودته، إذ كان قد اتفق مع أبو حسن، لدى استئجاره الشقة، على تخفيض قيمة الإيجار لقاء اهتمامه بالمبنى وحلّ أي مشاكل قد تطرأ فيه. وقد وصف نبيل الشقة التي استأجرها بـ «خربة» عند تسلمه لها. ولذلك، كان قد قام بنفسه بتنظيفها، وتحسينها، وإصلاح الإمدادات الصحية فيها، لكي تصبح صالحة للسكن.

في الفترة نفسها، وبسبب الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، قصف الإسرائيليون معمل محارم كان أبو حسن، أي مالك المبنى، قد أسّسه في عيتا الشعب، فاضطر هذا الأخير إلى النزوح مع عائلته إلى بيروت مجدداً والسكن في المبنى على الطابق الأرضي.

غير أن بلدية الغبيري أرسلت مهندساً من قبلها إلى المبنى وقرّرت إخلاءه وهدمه، كما ادعّت على أبو حسن في النيابة العامة بتهمة البناء على أملاك عامّة وتأجير سوريين. تمكّن أبو حسن من إثبات سلامة المبنى من خلال تقرير الهيئة العليا للإغاثة، وتعهّد بترميمه. وبالرغم من ذلك، تفاجأ في أحد الأيام أن البلدية أرسلت القوة الأمنية لإخلاء السكان بالقوة. فأخرجوا والدة أبو حسن المسنّة من المبنى، مع قوارير الاوكسيجين التي تحتاجها للاستمرار بالعيش، تمهيدًا لهدمه. عندها، اضطر أبو حسن للجوء إلى قوة الأمر الواقع وتشغيل «الواسطة» فأوقف قرار الهدم الحالي، لكن القلق ما زال يراوده حول مصير المبنى في المستقبل.

مبنى أمهز في صحراء الشويفات

شباط 2024، انهيار المبنى كاملاً، تشرد 65 شخصاً

موقع مبنى أمهز بالعلاقة مع محيطه

 صحراء الشويفات: صناعة المدينة بين الهجرة والسياسة

تقع صحراء الشويفات على أطراف بيروت الجنوبية، في محيط مطار بيروت، إلى جنوب منطقة حي السلّم غير الرسمية، وتفصلها عن طريق صيدا القديم تلالُ الشويفات، بينما يفصلها المطارُ عن البحر الأبيض المتوسط. ترتفع فيها المباني السكنية، ويتخلّلها بقع من الأراضي الزراعية والمجمّعات الصناعية، شاهدة على تحولات عمرانية غيّرت ملامح المنطقة.

في الماضي، كانت صحراء الشويفات أرضاً زراعية خصبة. عام 1970، صُنِّفت منطقة سكنية منخفضة الكثافة، واحتفظت بنشاطها الزراعي والصناعي6هبة أبو عكر، «في انتظار الحرب المقبلة ــــ تخطيط بيروت وضواحيها» (منشورات جامعة ستانفورد). خلال الحرب اللبنانية، عمل الحزب التقدمي الاشتراكي على الحد من أي توسّع عمراني في المنطقة بالقوة، فحافظت على طابعها الزراعي والصناعي كمورد أساسي لبيروت الغربية.

ومع انتهاء الحرب عام 1990، شهدت بيروت وأطرافها موجة جديدة من العمران، بالتزامن مع قرار سياسي بإخلاء بيروت الإدارية من مهجّري الحرب، تماشياً مع الأجندة النيوليبرالية للاقتصاد والمدينة. كما ارتفع سعر السكن في بيروت الإدارية، فبدأت الهجرة نحو ضواحي بيروت الجنوبية، بما في ذلك صحراء الشويفات التي جذبت مطوّري العقارات بفضل مساحاتها الواسعة وتكلفتها المنخفضة نسبياً وقربها من بيروت.

بين عامي 1993 و 19967المرجع السابق نفسه، شهدت صحراء الشويفات طفرة هائلة في العمران السكني منخفض التكلفة. استقطبت المنطقة المطورين العقاريين والسماسرة الذين عملوا على شراء الأرض من المالكين الأصليين، واستحصال رخص البناء من بلدية الشويفات (التابعة للحزب التقدمي آنذاك)، وجذب شراة الشقق الذين كان معظمهم من المهجّرين الباحثين عن سكن ميسور التكلفة بالقرب من المدينة. وتشرح أبو عكر أن المطوّرين العقاريّين المقربين من حزب الله يسّروا مسألة تمدّد المنطقة بإستخدام حوافز مغرية لاستقطاب العديد من العائلات التي تربطها صلة القرابة، كعرض دفعةٍ أولى مخفّضة، وخطط تقسيطٍ قصيرة وطويلة الأمد، وتخفيضاتٍ مقابل إحضار عائلاتٍ أخرى لشراء مساكن في المنطقة.

اليوم، تُعَدّ صحراء الشويفات جزءاً من منطقة عمرانية أوسع هي ضاحية بيروت الجنوبية. وهي تقع إدارياً ضمن نطاق عدّة بلديات مختلفة ومتناحرة، تحوّلت مع الوقت إلى جغرافيات مبنية على أسس طائفية وحزبية، وذلك في غياب مفهوم موّحد للمدينة.

تاريخ مبنى أمهز

يقع مبنى أمهز في شارع حميّة، بين حيّ بيت زعيتر وحيّ شبعا (أو حيّ الشبعاوية) في صحراء الشويفات، وتشير المقابلات مع سكان المنطقة كما الصور الجوية التاريخية إلى أن المبنى تم تشييده خلال منتصف التسعينيات، من قبل مالكه الأساسي من عائلة أمهز، في مرحلة الطفرة العمرانية نفسها التي شهدتها صحراء الشويفات. توفي المالك منذ زمن، وتم بيع الشقق دون فرز، لكن بأسهُم، إلى عائلات حميّة وزعيتر وغيرها من العائلات التي سكن بعضها هذه الشقق، بينما انتقل القليل منهم إلى مناطق أخرى وأجّروا شققهم. وكان يسكن المبنى قبل الانهيار حوالي الـ 65 شخص، وهو يتألف من خمس طوابق مع غرفة ومطبخ وحمام على السطح. في 11 شباط 2024، اهتزّ المبنى فجأة، فهرع السكان خارجه، وبعدها بدقائق معدودة انهار كلياً. نجت العائلات بأعجوبة من الكارثة، بما في ذلك أصحاب المحلات في الطابق الأرضي. وتبع الانهيار إخلاء مبنيين سكنيين ملاصقين للمبنى الذي سقط، بناءً لتعليمات المدير العام للدفاع المدني العميد ريمون خطار.

ليس هناك معلومات مؤكّدة حتى الآن حول سبب الانهيار، وذلك جراء عدم صدور نتائج الفحوصات المخبريّة التي كلّف محافظ جبل لبنان القاضي محمد المكاوي فريقاً هندسياً بإشراف المهندس راشد سركيس القيام بها. وبحسب ما تبيّن حتى الآن، فإن أسباب الانهيار إنشائية وتتعلّق بضعف كامل في خلطة الباطون التي استُخدِمت خلال أعمال التشييد. وتبيّن أيضاً أنّ المبنى كان مشيّداً على أرض شيوع، ولا تُعطى رخصة بناء في الشيوع إلّا بعد موافقة كافة المالكين، ممّا لم يكن ممكناً حينذاك. بالتالي، “انعملّها مخارج” عبر ثلاثة أنواع من التراخيص.

عائلات بلا مأوى تبحث عن الأمل وسط الصمت

حوالي الساعة الثامنة صباحاً من نهار الأحد 11 شباط 2024، أيقظت سهام زوجها طارق( أسماء مستعارة) مرعوبة، صارخةً أن المبنى الذي يسكنون فيه ينهار. لم يصدّق طارق في البداية، لكن الهزّة القوية التي هزّت المبنى، وصرخات الجيران من المباني المجاورة يحثّونهم على الخروج، أكّدت له أن ما تقوله زوجته صحيح. هرع طارق وعائلته خارج المبنى، ليروا بأعينهم انهياره المدوي بعد دقائق معدودة. طارق رجل خمسيني مُعطَّلٌ عن العمل، يعيش مع عائلته في شقة على الطابق الثالث، كان قد اشتراها منذ حوالي الـ20 سنة حين كان المبنى لا يزال “على العضم”. وكان قد اشترى أيضاً شقة أخرى في الطابق نفسه لابنه وعائلته، وبنى على سطح المبنى غرفة مع حمام ومطبخ. بذل طارق جهودًا كبيرةً لشراء هذه الشقق، ووضع كلّ مدخرات عائلته لإنهائها وتجهيزها، ولم يتخيّل يوماً أن يفقدها بهذه الطريقة وفي لحظات. كما لا يملك طارق سندات ملكية للشقق، بل يملك أسهماً في العقار مسجّلة في الدوائر العقارية، تثبت ملكيته. فالمبنى غير مفرز ولكنه قابل للفرز، حال معظم المباني في المنطقة. و يؤكد طارق أنّ المبنى لم يكن مخالفاً للقوانين، ولم يتم بناؤه بطريقة غير رسمية كما يُشاع.

بعد انهيار المبنى، حضر العديد من المسؤولين الرسميين والحزبيين إلى المكان، لكن لم تُقدَّم أي مساعدة حقيقية للسكان، باستثناء مبلغ 30 مليون ليرة لبنانية من الهيئة العليا للإغاثة كبدل إيواء. صُدم السكان عندما اكتشفوا أن هذا المبلغ هو لمرة واحدة، وليس مساعدة شهرية كما توقّعوا. وكان من المُتوقع أن يكفي هذا المبلغ كبدل إيجار لمدة 3 أشهر، ما وجده السكان غير منطقي، إذ أن الايجارات مرتفعة جداً في المنطقة وخارجها وبالكاد يكفي المبلغ لدفع إيجار شهر واحد. عندما اعترض السكان على المبلغ الصغير الذي تلقّوه، أخبرهم اللواء خير، مدير الهيئة العليا للاغاثة، أن مبلغ 30 مليون على الـ-1500 كان يوازي 20 ألف دولار. لم يكن هذا المبلغ كافياً لتأمين سكن بديل، فعجز طارق وعائلته عن إيجاد شقة أخرى، وسكن لدى ابنته، حاله كحال غالبية سكان المبنى، الذين لجأوا إلى أقاربهم لصعوبة تأمين البديل، ومعظمهم من كبار السن. هذا وكانت شرفات مبنى مشيك الملاصق قد انهارت أيضاً، ولم يرجع السكان إليه حتى اليوم. وقد بدأت عمليات ترميمه منذ فترة على حساب سكّانه الذين مُنعوا في البداية من الترميم بحجة أنّ المبنى مائل 30 سم. حصل سكان هذا المبنى على مبلغ 20 مليون ليرة لبنانية من الهيئة العليا للإغاثة، لكنّهم لم يتلقّوا أي مساعدات إضافية، ولم تُبادر البلدية أو الهيئة بترميم المبنى أو تدعيمه.

مع كل يوم يمرّ، يزداد قلق طارق وعائلته، وسكان المبنى المنهار معه. لا ملجأ لهم سوى بيوت أقاربهم أو أصدقائهم، لكن هذا الحلّ المؤقت لا يُمكن أن يستمرّ إلى الأبد. فكلّ يوم يزداد شعورهم بالضياع، وخوفهم من المجهول.

مجمّع يزبك في المنصورية

تشرين الأول 2023، انهيار المبنى كاملاً، 8 ضحايا و 40 عائلة ناجية مشردة

موقع مجمع يزبك بالعلاقة مع محيطه

المنصورية: امتداد عمراني في ظلّ غياب الرقابة

تقع المنصوريّة في قضاء المتن على مسافة 10 كلم من بيروت. ولطالما تميّزت المنطقة بشجر الصنوبر وبساتين الحمضيّات والخضار والزيتون. شهدت المنصورية خلال ثمانينات القرن الماضي تحولاً ملحوظاً، من قرية صغيرة إلى بلدة تتزايد فيها أعداد المباني السكنية بشكل كبير. ساهمت عوامل متعدّدة في هذا التحوّل، أبرزها كان هجرة سكان الجبل ونزوح المسيحيين من بعض مناطق بيروت، ممّا أدى إلى زيادة الطلب على السكن في المنصورية نظراً لموقعها المثالي المتمثّل بقربها من بيروت، بالإضافة إلى كونها من البلدات ذات الأكثرية الأرثوذكسية. فبدأت البنايات والمراكز التجارية ترتفع، وحمل العديد منها توقيع مطوّر عقاري واحد هو إدمون يزبك، إلى جانب كثيرين من أهل البلدة الذين رأوا في الفورة العمرانية فرصة لن تتكرّر للاستثمار8أخبار البلد، كابوس المنصورية مستمرّ.. “كلّ يوم كارثة”!.

وتواجه عملية تشييد المباني في المنصورية تحديات هندسية ناتجة عن طبيعة الأرض في البلدة. فهي تقع على تلة ذات تضاريس شديدة الانحناءات، إضافةً إلى أنّها في محيط وادي نهر بيروت. ويشكّل هذان العاملان سبباً لتطلّبها اهتماماً خاصاً عند التصميم والتنفيذ. إلّا أنه وعندما تمّ تشييد مبانٍ عدّة في المنطقة – أيّ في مرحلة التسعينيّات – لم يكن هناك أي إجراءات تدقيق فني، ولم يتابع يومها أحدٌ في رخص البناء. ففي ذلك الوقت، لم يكن مرسوم السلامة العامة قد صدر بعد (صدر في العام 2005)، وبالتالي لم يكن يوجد أيّ إطار قانونيٍ للسلامة العامة في لبنان. وهذه حالة مجمّع يزبك، حيث لم يتمّ التدقيق بالمعايير التي اعتمدها المهندسان يزبك وحاموش، ونذكّر بأنهما في الوقت ذاته مالكا العقار وصاحبا المشروع ولهما مصلحة مالية مباشرة.

حكاية المبنى المنهار

في 16 تشرين الأول 2023، شهدت بلدة المنصورية كارثة مروّعة تمثّلت بانهيار «البلوك D» الواقع ضمن مجمّع يزبك السكني، على قاطنيه. يعود تاريخ مجمّع يزبك السكني إلى عام 1986. تمّ تشييده في حي بدران بالمنصورية وفقاً لرخصة بناء صدرت حينها، وشهد المشروع تعديلات في رخصة البناء عام 1987 قبل أن يحصل على رخصة إسكان نهائية عام 19909مجلة أشغال عامة، شهر على انهيار مبنى المنصورية الهندسة، عن مهنة اختطفها السوق. وكان المهندسان إدمون يزبك وريشار حاموش (متوفي) وراء هذا المشروع بصفة مالكَي العقار وصاحبَي المشروع بكامله. صُمّم المجمّع ليضمّ أربعة مبانٍ منفصلة على العقار 1707، تتألف كل منها من سبعة طوابق (سفلي واحد، أرضي، أول، إلخ)، ويحتوي كل طابق على شقتين مستقلتين، بينما يتشارك سكان المباني الأربعة مرآباً واحداً تحت الأرض. بعد الانتهاء من البناء، تمّ بيع الشقق بشكل منفصل، وذلك وفقاً لملف الرخصة المتواجد في البلدية. شهد البلوك D مشاكل متكرّرة على مر السنين أضعفت بنيته، بدايةً من مشاكل مياه الأمطار والتصريف، ثم التصدّعات بعد زلزال تركيا. وعلى الرغم من جهود الترميم التي قام بها سكانه، انهار المبنى في النهاية.

نتيجة الإنهيار، خسرت ثمان نساء أرواحهن، بينما باتت أربعون عائلة مشرّدة بعد أن طال الإخلاء ثلاثة أبنية مجاورة بناءً على تعليمات النيابة العامة التمييزية، وذلك خوفاً من انهيارها أيضاً خاصة بعد تضرّر أحدها بشكل مباشر نتيجة اصطدام «البلوك D» المنهار به أثناء سقوطه، ما أدّى إلى انهيار بعض شرفاته.

بين التحذيرات المتكرّرة وواقع الانهيار: ماذا حلّ بسكان البلوك D؟

تعيش رنين (إسم مستعار) في شقة من ثلاث غرف نوم في «البلوك D» مع زوجها وابنها وابنتها. وكان زوجها قد اشترى الشقة سنة 1994، عندما انتهى العمل في مشروع يزبك مباشرةً. وتخبرنا أنهم اختاروا السكن في المنصورية لقربها من بيروت، وفي هذا المبنى لأنه كان في حي هادئ. في يوم الانهيار، كانت رنين وحدها في المنزل. سمعت فجأة صوتاً مدوياً، بعدها سمعت صرخات إحدى الجارات تنذرها بضرورة الخروج فوراً من المبنى لأنه ينهار. كانت هذه الجارة آتية مباشرةً من المرآب حيث وجدت أن بعض الأعمدة متشقّقة وحديدها ملتوٍ، فهرعت لإعلام السكان وخرجت من المبنى. بدورها، خرجت رنين من منزلها مسرعةً لتنزل من المبنى، فلم يحالفها الحظ، حالها كحال السكان الذين لم يتمكّنوا من الهرب، وسقط المبنى. ما حمى رنين هو أن الطابق الأخير لم ينهار عليها إذ كانت في بيت الدرج. وعملت وحدات الإنقاذ على إخراجها بسلام مع ثلاثة أشخاص آخرين، فيما تُوفي الباقون. على الفور، تم إخلاء السكان من المباني الثلاث من المشروع نفسه، فيما استمرّت أعمال الإنقاذ ورفع الأنقاض لستة أيام.

كان ذلك اليوم بمثابة كابوس بالنسبة لرنين. فقدت منزلها وكل ما تملك وتعرّضت لصدمة كبيرة. قضت وعائلتها الأيام التالية في منزل أحد الأقارب، ثم بحثوا عن منزل صغير للإيجار، لكنهم واجهوا صعوبة في العثور على منزل مناسب، خاصة مع ارتفاع أسعار الإيجارات، ورغبة أولادها في البقاء في المنصورية. إضافةً إلى ذلك، فقدت رنين عملها في بيروت لأنها اضطّرت للغياب فترة عنه بسبب الحادث. في النهاية، تمكّنت وعائلتها من استئجار شقة من غرفتيّ نوم وسكنوا فيها. أما العائلات المشرّدة الأخرى فقد تم إيواء بعضها في رعية سانت تيريز مؤقتاً، إضافةً إلى انتقال بعض السكان لدى أقاربهم في منازل متواجدة في المنطقة نفسها. هذا وكانت الهيئة العليا للإغاثة قد قدّمت مبلغ 30 مليون ليرة لبنانية لكل عائلة كانت تسكن المبنى المنهار فيما يُجهل ما إذا كانت الهيئة قد قدمت أي مساعدات أو بدلات إيواء لسكان المباني الثلاثة الأخرى التي تم إخلاؤها.

مبنى النشّار في ضهر المغر، طرابلس

حزيران 2022، انهيار المبنى كاملاً،  طفلة ضحية وتشرد 4 عائلات

موقع مبنى النشار بالعلاقة مع محيطه

ضهر المغر: حيّ تاريخي مهمّش في طرابلس

تُشكّل منطقة ضهر المغر ومحيطها أحد أقدم الأحياء في طرابلس، وتقع على الطرف الشمالي الشرقي من المدينة على هضبة مرتفعة تطلّ على نهر أبو علي وعلى قلعة طرابلس. بُنيَت فيها البيوت واستقرّت فيها العائلات منذ عهديّ الحكم المملوكي والعثماني،.ومع مرور الزمن، بدأت المنطقة في التوسّع، وكانت معظم بيوتها مبنيّة على ضفاف نهر أبو علي. غير أنّه، وخلال فترة الخمسينات، ومع توالي فيضانات النهر، تغيّرت معالم المنطقة بشكل كبير بعد قرار هدم البيوت التاريخية التي كانت متوزّعة على ضفافه، ممّا دفع السكان للاستقرار في المنطقة الأعلى حيث بنوا البيوت وشقّوا الطرقات والأدراج وعمّروا المساجد. ومع تطوّر مدينة طرابلس وإنشاء أحيائها الجديدة، بدأ بعض سكان ضهر المغر في ترك المنطقة والانتقال إلى الأحياء الحديثة، ما أدّى إلى إهمالها. وقد تأثّرت مباني المنطقة بشكل كبير جرّاء الحرب اللبنانية، وزاد عدد النازحين فيها حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً في طرابلس10الحلقة 5 من برنامج لوين رايحين ؟ تقديم ربيع ياسين. تعاني منطقة ضهر المغر اليوم من تراكمات الإهمال، حيث أن معظم مبانيها متهالكة، وعدد كبير منها مهدّد بالانهيار، وتظهر تشقّقات وتصدّعات في جدرانها وأسقفها. بالإضافة إلى ذلك، يقع فيها عدد كبير من المباني المبنية بطُرق غير رسمية و التي لا تراعي أُسس العمار وقانون البناء، حيث تم إضافة طوابق من دون رخص بناء، تأقلماً مع أزمة سكن متفاقمة. وتسكن المنطقة آلاف العائلات المفقّرة، ما يجعل الأهالي عاجزين عن الترميم و صيانة المباني على نفقتهم الخاصة .

قصة المبنى والانهيار

يُعدّ مبنى النشّار في منطقة ضهر المغر مبنى أثري، ويتجاوز عمره 80 عاماً حسب تقديرات أهالي المنطقة. يتكوّن المبنى من ثلاثة طوابق بالإضافة إلى طابق أرضي، ويُعرف باسم مالكه الأصلي، “النّشّار”. توفي النشّار منذ عدة سنوات، وتم تقسيم ملكية المبنى إلى 12 جزءاً بين ورثته. ويحتوي المبنى على ثلاث شقق بإيجارات قديمة، وشقة كان قد اشتراها شاب مؤخّراً بهدف الزواج ولم يكن قد سكنها بعد. بعد ظهر يوم الأحد 25 حزيران 2022، اهتزّت أرجاء ضهر المغر بانهيارٍ مفاجئ لمبنى النشار. لحظة وقوع الحادثة، كان بداخل إحدى شقق المبنى امرأة وابنتها الصغيرة، وأدّى الانهيار إلى وفاة الطفلة وإصابة والدتها بجروح بليغة. لم يقتصر وقع الحادثة على عائلة الضحية، بل عمّ الحزن والغضب أهالي طرابلس كافة. ففور إعلان خبر وفاة الطفلة، اشتعلت شوارع المدينة وأزقّتها برصاص الغضب، تعبيراً عن حالة الاستياء العارم من الإهمال الذي أدّى إلى هذه الكارثة. أدّى الانهيار إلى خلق رعب كبير عند سكان الحي، اللواتي والذين أصبحوا يشعرون بأنهم مهدّدون في أمانهم وسكنهم أكثر من أيّ وقت مضى.

 تخاذل  السلطات يُشرّد عائلات طرابلس

شكّل يوم الانهيار مشهداً مروعاً. كانت زوجة محمود (اسم مستعار) وابنتهما داخل المنزل عندما انهار المبنى، بينما كان محمود وابنه خارجه. في لحظة واحدة، وجدت عائلة محمود، المكوّنة من أربعة أشخاص، نفسها منكوبة كما جيرانها من المستأجرين. فقد محمود ابنته، بينما بقيت زوجته لفترة تتعالج في المستشفى. كانت عائلة محمود العائلة الوحيدة المتواجدة في المبنى أثناء انهياره، وهي لم تكن قد نامت في الشقة في تلك الليلة. إذ لم يكن انهيار المبنى حدثاً مفاجئاً بل كان مأساة متوقّعة نتيجة لتراكم الإهمال وتقاعس المسؤولين عن اتخاذ التدابير اللازمة.

بدأت القصة عام 2021، عندما لاحظ سكان المبنى تدهور حالته الإنشائية وظهور تشقّقات في جدرانه. دفعهم قلقهم على سلامتهم إلى التواصل مع بلدية طرابلس مطالبين إياها بإجراء كشف على المبنى وتقييم وضعه. في حينه، استجابت البلدية لمطلب السكان، وكشفت على المبنى. بعد المعاينة، حذّرت البلدية السكان من خطورة السكن فيه وأوصتهم بالإخلاء الفوري، غير أنّه من غير الواضح إن كانت قد أرسلت إنذاراً رسمياً بالإخلاء. في ذلك الوقت، غادر أحد المستأجرين القدامى المبنى، فيما بقي فيها الآخرون لغياب البديل. إلا أن خطوة البلدية لم تترافق مع أي إجراءات عملية لترميم المبنى أو تدعيمه، تاركة السكان في وضع حرج ومخاوف تزداد يوماً بعد يوم.

في حزيران 2022، وقبل حوالي أسبوع من انهيار المبنى، وقع حادث زاد الأمور سوءاً. ارتطمت رافعة جمع نفايات تابعة لبلدية طرابلس بأحد أعمدة المبنى، ممّا أثّر على سلامته الإنشائية بشكل أكبر. ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى ضربت عاصفة قوية مدينة طرابلس يوم السبت 24 حزيران 2022، مصحوبة بأمطار غزيرة وسيول جارفة. عندها شعر السكان باهتزاز في المبنى، وخاف أولاد السيدة المسنّة التي كانت تسكن بمفردها في الطابق الأرضي، وأخرجوها من المنزل لتبقى لديهم مؤقتاً، فيما غادر محمود وعائلته الشقة وبقوا لدى أخت زوجته، وهكذا فرِغ المبنى من سكانه. في اليوم التالي، عادت زوجة محمود وابنتها إلى المبنى لإحضار بعض الأغراض والثياب، أحسّت باهتزاز المبنى، اتّصلت بمحمود خائفة، لكنها لم تحظَ بالوقت الكافي للخروج، فانهار المبنى عليها وعلى ابنتها خلال ثوانٍ معدودة. وفوراً، حضرت الفرق الإنقاذية والإسعاف إلى المكان، غير أنه وبسبب ضيق الطرقات، لم تتمكن سوى آلية واحدة وجرّافة صغيرة من الوصول إلى المكان، فيما أزال الأهالي الركام بالوسائل البدائية المتمثّلة بالمعول والشاكوش وبأيديهم. استطاعت الفرق انتشال زوجة محمود، وإنقاذ حياتها، وحين وصلت إلى ابنته كانت قد فارقت الحياة. هذا وأدّى إنهيار المبنى إلى تهدّم جزء من المبنى الملاصق له، وهو ما استدعى إخلاء العائلات الخمس التي كانت تقطنه على وجه السرعة. لاحقاً، قامت البلدية بهدم المبنى الملاصق المتضرّر دون أن توفّر أي سكن بديل أو تعويضات مناسبة للسكان. في اليوم الأول، أمّنت الهيئة العليا للإغاثة لهذه العائلات، بما فيها عائلات المبنى المنهار، مبيتاً ليلياً في فندق الهوليدي إن. بعد ذلك، تم نقلهم إلى إحدى مدارس المنطقة مع توفير بعض المساعدات العاجلة كالفرش والطعام. أمّا فيما يخصّ التعويض المادي، فقد قدمت الهيئة مبلغ 30 مليون ليرة لبنانية لكل عائلة متضرّرة.

مع انهيار مبنى النشار، وهدم المبنى الملاصق دون توفير أي بديل أو تعويضات مناسبة، بقي السكان مشردين دون مأوى، بحيث لم تتجاوب أي من الجهات الرسمية، بما فيها الهيئة العليا للإغاثة والبلدية، مع مطالبهم بتعويضات مالية مناسبة تُمكنهم من إعادة بناء حياتهم. هذا ولم يتواصل أي من ورثة المبنى الذين كانوا يقبضون الإيجار من السكان بإنتظام، مع سكانه.

في الوقت ذاته، واجه السكان ظروفاً قاسية. فقد اضطر محمود، على سبيل المثال، لاستخدام مبلغ التعويض الذي حصل عليه لعلاج زوجته التي أصيبت في الانهيار وأُدخلت المستشفى. وبعد خروجها منه، انتقل معها وابنهما إلى منزل شقيقتها المستأجرة في أبو سمرا، بعيدًا عن مكان عمله، حاله كحال معظم السكان الذين انتقلوا مؤقتاً لدى أقربائهم لغياب البدائل.

مبنى الريشاني في الشويفات

شباط 2024، انهيار المبنى كاملاً، 4 ضحايا وتشرد 6 عائلات

موقع مبنى الريشاني بالعلاقة مع محيطه

عن منطقة الأمراء في الشويفات

تشكّل منطقة الأمراء إحدى المناطق العقارية الثلاث في الشويفات، واحدة من أكبر المدن في جنوب شرق بيروت. وتتربّع الأمراء على تلة مساحتها 4.304 كم²، وتتميز بطبيعتها الخضراء وكثرة الأحراج فيها. شهدت الشويفات، ومن ضمنها الأمراء، في العقود الأخيرة طفرة عمرانية واقتصادية ملحوظة، تجسّدت في إنشاء العديد من المجمّعات السكنية والتجارية وتحسين البنية التحتية بشكل كبير.
هذه التطوّرات جذبت العديد من السكان من بيروت وضواحيها المزدحمة، هرباً من الإيجارات المرتفعة في العاصمة، و بحثاً عن الاستقرار في منطقة هادئة قريبة منها، في حين وجد العديد من الجنوبيين في الشويفات بديلاً جيداً عن الضاحية الجنوبية المزدحمة دون أن يكونوا بعيدين عنها.

انهيار مبنى الريشاني: من غياب رخصة إشغال إلى كارثة

يقع مبنى الريشاني في حي العين بمنطقة الشويفات الأمراء. وهو واحد من ثلاثة مبانٍ، يتألّف كلٌّ منها من ثلاثة طوابق. تمّ بناء المباني الثلاث بدايةً من عام 1995 على العقار 1629 (الشويفات – الأُمراء)، ولم يتمّ فرزها، كما لم يحصل مالكوها – وهم ثلاثة إخوة من عائلة الريشاني11وهي من عائلات الشويفات الكبرى – على رخصة إشغال (رخصة سكن) لها، ما يجعلها غير مؤهلة للسكن و ويجعل إشغالها غير قانوني وعلى الرغم من ذلك، قاموا بتأجير شققها لعشرات العائلات.

وقعت يوم الإثنين 19 شباط 2024 كارثة مروعة، حيث انهار أحد هذه المباني على سكانه البالغ عددهم 17 شخصاً، مما أسفر عن وفاة أربعة أشخاص بينهم طفلان، وإصابة ستة آخرين بجروح خطيرة. نتيجة لهذا الانهيار، تم إخلاء المبنى الملاصق للمبنى المنهار، وتشرّدت ست عائلات سورية كانت تسكن في المبنيين، وتمّ إيواءها مؤقتاً في قاعة تابعة لبلدية الشويفات لعدة أيام.

مصير السكان والبحث عن مأوى في ظلّ غياب الدعم الحكومي

يسكن مهند (إسم مستعار)، وهو لاجئ سوري، مع زوجته وأطفاله الثلاثة في شقة مؤلّفة من غرفتين ومطبخ وحمام وشرفتين في الطابق الأول من مبنى الريشاني، منذ ما يقارب الـ ٤ سنوات. يُخبرنا مهند أنّ وضع شقته، كما الشقق الأخرى في المبنى، جيّد غير أنها كانت تعاني من رطوبة عالية ونشّ، إلا أنه لم يكن يبدو عليها أو على المبنى أي تصدعات أو علامات إنشائية تُنذر بوقوعه. وقبل ١٠ أيام من وقوع حادثة الانهيار، بدأت أجزاء من الجبل الموازي للمبنى تنهار، وامتلأت الشرفات في المبنى بالرمال والوحول الآتية من الجبل. في حينه، التقى مهند بابن صاحب المبنى الذي أخبره بأنه أخصائي، وطمأنه أنه لا خوف على المبنى وعلى سكانه، وأنه سيقوم بتنظيف المكان بين حائط الدعم الذي يحمي المبنى من الجبل، وذلك عندما يتحسّن الطقس. غير أن التطمينات لم تكن بمكانها، فلم تمضِ عشرة أيام حتى انهار الجبل وانهار معه المبنى بشكل كلي، مضعضعاً المبنى المجاور.

لم يكن مهند وزوجته وابنته الصغيرة داخل المنزل أثناء الانهيار، بل كان ابناه هناك. وقد تم إنقاذهما سريعاً فور وقوع المبنى. فقدت العائلة كل ما تملكه داخل المنزل ولم تستطع إنقاذ أي غرض. في ليلتها، وفي الأيام اللاحقة، سكنت العائلة لدى جيرانها مؤقتاً إلى حين وجود منزل للإنتقال إليه. في حين فتحت البلدية إحدى قاعاتها للسكان الذين لم يكن لديهم بدائل سكنية أو أقرباء ليبقوا عندهم، وكان ذلك لفترة لم تتعدى ٤ أو ٥ أيام.

منذ اليوم الأول الذي تلى الانهيار، عمد مهند إلى التفتيش عن منزل، لكنه لم يجد مكاناً مناسباً، نظراً لارتفاع الأسعار بشكل يفوق قدرته، إذ تراوحت بين ٣٠٠$ ، ٣٥٠$ و٤٠٠ $، كما رفض العديد من أصحاب الملك في المنطقة تأجيره لأنه سوري. بعد ٢١ يوماً من البحث، وجد مهند منزلاً مناسباً في المنطقة مقابل إيجار ٢٠٠$، غير أن المالك أخبره أنه يمكنه البقاء فيه بشكل مؤقت، وأن عليه التفتيش عن بديل بأسرع وقت ممكن. ويخبرنا مهند أنه لم يتلقَّ أي مساعدة سوى مبلغ 90$ قدمته كاريتاس، إضافةً إلى ٥ فرشات للنوم. وقد أكّد أنه وبحسب علمه، تلقّت كل العائلات المبلغ نفسه، إضافةً إلى فرشات بحسب عدد أفراد كل عائلة. أما بالنسبة للهيئة العليا للاغاثة، فهي لم تقدّم أي شيء للسكان، ويرجع ذلك بحسب مهند إلى كونه، إلى جانب جميع العائلات التي كانت تسكن في المبنى المنهار والمبنى المخلي، من السوريين. هذا ولم تتكفّل أي جهة بتغطية نفقات علاج الجرحى في المستشفى. ويروي مهند قصة جاره الذي فقد ابنه وابنته وصهره وحفيده في انهيار المبنى، ثم أصيب هو وزوجته وابنه ونُقلوا جميعاً إلى مستشفى كمال جنبلاط. كانت إصابة الزوجة خطيرة جداً، أما الجار فبقي في المستشفى لمدة 20 يوماً. وعند رغبته في الخروج، رفضت المستشفى ذلك دون دفع مبلغ محدّد من المال. ساعدته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تأمين جزء من المبلغ، فيما عانى لتأمين الجزء الآخر، فجمعه من جيرانه وأقربائه وبعض الخيّرين. أما بالنسبة لمالكي المبنى فهم لم يتواصلوا مع السكان منذ حدوث الانهيار. هذا وكان قد تم الإعتداء على بعض سكان المبنى وتهديدهم من قبل أهالي المنطقة بسبب تحدّثهم أمام الكاميرات وإخبار الإعلام أن المالكين كانوا يعلمون عن خطر الانهيار وكذلك البلدية . وبحسب مهند « ما حدا فيه يحكي ، ممنوع حدا يحكي ». كما يؤكّد أنه والسكان لم يتلقوا حالياً أو سابقاً أي إنذار من البلدية أو من مالكي المبنى، سواء مكتوب أم شفهي، ينذرهم بخطورته. وهو ما أكدّه لاحقاً مالكو المبنى في توضيح للإعلام بتاريخ 20 شباط 202412توضيح من مالكي العقار المنهار في الشويفات: لم نتلق أي إنذار سابق بالإخلاء.

فشل الحكومة اللبنانية في واجبها تجاه متضرّري انهيار المباني الخمسة

بعد انهيار مبنى، تتبع الحكومات عادة سلسلة من الإجراءات العاجلة والمنظمة لإدارة الأزمة، مساعدة المتضررّين، والتحقيق في الحادث، بحسب بروتوكول تكون قد وضعته مسبقاً. تشمل الممارسات الشائعة، بالإضافة إلى الإنقاذ والعناية الصحية المجانية، الإيواء والدعم المؤقّت، إذ من واجب الحكومات تأمين المأوى المؤقت أو تقديم تعويض مالي لإيجاد سكن بديل للعائلات التي فقدت منازلها. إضافةً إلى ذلك، توزّع هذه الأخيرة، بنفسها، أو بمساعدة جمعيات أو جهات أخرى، مساعدات مالية فورية لتغطية احتياجات المتضرّرين العاجلة، كنفقات الطعام والملابس والأدوية إلخ. فضلاً عن توفير خدمات الصحة النفسية لمساعدة الناجين على تجاوز الصدمة التي مرّوا بها. بموازاة هذه الخطوات تنشط السلطات في المسار القانوني، إذ تعمل الحكومات على إجراء تحقيق شامل لتحديد أي نقاط ضعف هيكلية أو مخالفات أو إهمال ساهم في الانهيار، ومحاسبة كل المسؤولين. إضافةً إلى ذلك، يتمّ إزالة الأنقاض تمهيداً لإعادة الإعمار، حيث تضع الحكومة بالتعاون مع الجهات المعنية خطة متكاملة تشمل تحديد احتياجات إعادة البناء وتوفير الموارد اللازمة وتعيين الجهات المنفّذة. أثناء كل ذلك، على الحكومة أن تلتزم بالشفافية ومحاسبة المقصرين، مع الحرص على إطلاع الجمهور على آخر المستجدات المتعلّقة بالحادث وخطط إعادة الإعمار.

الحالة \ الإجراءتأمين المأوى المؤقت أو تقديم تعويض مالي لإيجاد سكن بديلمساعدات مالية فورية لتغطية احتياجات المتضرّرين العاجلةإجراء تحقيق شامل لتحديد أسباب الانهيار، ومحاسبة المسؤولينإتّخاذ خطوات لإعادة الإعمار
مبنى المسلماني في حيّ عرسال / /لا ضحايا > الحكومة غير ملزمة بالتحقيق، بحسب القوانين اللبنانية /
مبنى أمهز في صحراء الشويفاتمساعدة بقيمة 30 مليون ليرة من الهيئة العليا للإغاثة (دُفعت لمرة واحدة عن كل شقة متضرّرة )  /لا ضحايا > الحكومة غير ملزمة بالتحقيق، بحسب القوانين اللبنانية /
مجمّع يزبك في المنصوريةمساعدة بقيمة 30 مليون ليرة من الهيئة العليا للإغاثة (دُفعت لمرة واحدة عن كل شقة متضرّرة ) 
تأمين مأوى  مؤقت في رعية سانت تيريز
/فُتح تحقيق في ملابسات انهيار المبنى في النيابة العامّة الاستئنافية /
مبنى النشّار في ضهر المغر- طرابلسمساعدة بقيمة 30 مليون ليرة من الهيئة العليا للإغاثة (دُفعت لمرة واحدة عن كل شقة متضرّرة )
مبيت ليلي في فندق الهوليدي إن ليوم واحد، بعد ذلك، تم نقل العائلات إلى إحدى مدارس المنطقة
توفير الفرش للنوم والطعام.من غير الواضح إن كان قد فُتح تحقيق في ملابسات انهيار المبنى في النيابة العامّة الاستئنافية
مبنى الريشاني في الشويفاتتأمين مأوى لـ5 أيام في قاعة تابعة لبلدية الشويفات90$ قدمتها كاريتاس لكل عائلة متضرّرة، إضافةً إلى فرشات للنوم على عدد الأفرادفُتح تحقيق في ملابسات انهيار المبنى في النيابة العامّة الاستئنافية لكنّه مُتوقّف إذ لم يتم استدعاء المالكين ولا المهندس المسؤول عن المشروع ولا أهالي الضحايا حتى اليوم /

في أعقاب انهيار المباني الخمسة، فشلت الحكومة اللبنانية في الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المتضررات/ين من هذه الكوارث. فعلى عكس الممارسات الشائعة التي تتبعها الحكومات عادةً في مثل هذه الحالات، لم تقدم الحكومة اللبنانية أي مساعدة ملموسة للعائلات التي فقدت منازلها أو تضرّرت من الانهيار. نلاحظ في الجدول كيف لم تقم الحكومة اللبنانية بتأمين أي مأوى مؤقت لكامل المدة أو تقديم تعويضات مالية مناسبة لمساعدة العائلات على إيجاد سكن بديل. إذ اقتصرت المساعدات المالية التي قدمتها الحكومة على مبالغ زهيدة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للمتضررين. لم تُقدم الحكومة أي خدمات دعم نفسي لمساعدة الناجين على تجاوز الصدمة التي مرّوا بها، كما ولم تُجر تحقيقاً شاملاً لتحديد أسباب الانهيار ومحاسبة المسؤولين سوى في حالة مبنى المنصورية. وعلاوةً على ذلك، لم تُقدم الحكومة أي خطة متكاملة لإعادة إعمار المباني المتضررة، تاركةً مسؤولية إعادة البناء على عاتق العائلات المتضررة، دون أي دعم أو مساندة من قبل الجهات الرسمية.

بشكل عام، اتّسمت استجابة الحكومة اللبنانية لهذه الكارثة باللامبالاة وعدم الكفاءة، ممّا أدّى إلى تفاقم معاناة السكان الناجين، حيث تعرّضوا للتشرد، حتى لو توفّر للبعض منهم سكن مؤقت، إلّا أنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف تأمين سكنهم البديل. يُشكّل غياب البدائل السكنية بعد انهيار المباني، انتهاكاً واضحاً للحق في السكن اللائق، ويُخالف المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

وتشير الأبحاث والدراسات إلى أن توفير السكن البديل العاجل يُقلّل من التأثيرات السلبية للكارثة على الأفراد والمجتمعات. ففي دراسة أجراها “المركز الدولي لمراقبة النزوح الداخلي” (IDMC)13https://api.internal-displacement.org/sites/default/files/publications/documents/IDMC_GRID_2023_Global_Report_on_Internal_Displacement_LR.pdf، وُجد أن الأسر التي تحصل على سكن بديل بشكل سريع بعد الكوارث تكون قادرة على التعافي بشكل أسرع والعودة إلى حياة طبيعية نسبياً.

من غير الممكن أن نرى انهيار هذا العدد من المباني وفي فترة قصيرة كهذه، كحوادث فردية، ولا أن يكون الأمن السكني، خاصة للمفقّرين أو للواتي والذين نجوا من حادثة انهيار بيوتهم وتبعاتها النفسية والجسدية، مسؤولية فردية.

وبالتالي، فإن قدرة الفئات الأضعف من المجتمع على التعافي بعد الكوارث، مرتبطة بشكل كامل، بما تقدّمه الدولة من شبكة دعم وأدوات لتأمين الحقوق الأساسية. وإلّا نتّجه، كما يحصل اليوم، إلى إنتاج مجتمع يستضعف الأفراد والجماعات ويحمّلها أكبر من قدرتها، مكرِّساً غياب العدالة الاجتماعية.

المراجع:

 

نادين بكداش

مديرة تنفيذية ومسؤولة قسم التواصل و التصميم

نادين مصمّمة بصريّة وباحثة مدينيّة، وعضو مؤسس في استديو أشغال عامة. تلجأ الى أساليب متعددة الإختصاصات لمقاربة عمليات إنتاج الفضاء المديني، مستخدمة أدوات تمثيلية وبحثية في آن، كالخرائط، المرئيات والفيديو. كجزء من بحثها المرتكز على الحقوق السكنية والتحوّلات المدينية، نشرت بحث «سيادة الإخلاء: مستأجري لبنان من مواطنين إلى عقبات»، وأخرجت أيضاً فيلم «رسم خريطة شارع بيهم». تدرّس التصميم والتواصل البصري في الجامعة اللبنانيّة.

 

رياض الأيوبي

مُتابع حالات الإخلاء (متعاون)

يعمل رياض ضمن فريق مرصد السكن في متابعة البلاغات الواردة وإحالتها على الشخص المختصّ\ة. وهو مهتمٌّ بالبحث في تاريخ سياسة مدن المشرق العربي وجماعاتها، كما دراسة علاقةالعمران بالإنسان واللسان، للاجتهاد بالدفع إلى استصلاح الأدوات التاريخيّة، كالإحياء والإبداع، مثلًا، في تخطيط الأرض، كما وتفكيك استبداد أنماط الملكيّة (الخاصّة) والقسمة الثنائيّة على مصالح الجماعة ومصالح الأفراد في المدن المعمورة. وهو عضو فريق الترجمة في مجلّة كحل، إذ اشترك بالترجمة في موضوعات النسويّة ومناهضة الاستعمار والسياسة الحيويّة.

 

عبير سقسوق

مديرة تنفيذية ومسؤولة الأبحاث

تخرجت عبير كمهندسة معمارية في العام 2005، ثم حصلت على ماجستير في التخطيط المديني. هي عضو مؤسس في استوديو أشغال عامة. يشمل تركيز بحثها العلاقة بين العمران والقانون، الملكية والمساحات المشتركة، والحق في المدينة للمجتمعات المهمشة. كما تعمل عبر شراكات متعدّدة على تطوير الطرق التي تحفّز دور الجماعات المحليّة في تخطيط مستقبل مساحاتهم ومُدنهم وصياغته. هي أيضاً عضو في المفكرة القانونية (منذ 2014) وعضو مؤسس في مجموعة الدكتافون (منذ 2009).

 

ريان علاء الدين

باحثة

ريان مهندسة مدنية حاصلة على ماجستير أشغال عامة وتخطيط طرقات من الجامعة اللبنانية (2019)، وماجستير في الهندسة الجيوتقنية عبر برنامج مزدوج بين جامعة ليل في فرنسا والجامعة اللبنانية (2021).
باستخدام أدوات بحثية وميدانية متنوعة، تهتم بالتعرّف على ديناميكيات البيئة المدينية، وتفاعل هذهالبيئة مع الناس. كما يشمل عملها رصد تطوّر المتغيّرات والعوامل المدينية المختلفة ومراقبتها.

السكن قطاع البناء الشويفات الغبيري صبرا ضهر المغر طرابلس قضاء المتن قضاء بعبدا قضاء عاليه لبنان محافظة جبل لبنان محافظة شمال لبنان
 
 
 

انهيار المباني في لبنان

يصعب أن نتفاجأ اليوم من الانهيارات الحاصلة في المباني حول الأراضي اللبنانية، ونحن نعي كمية العوامل القانونية والمادية التي أضعفت بنيتها وزعزعتها، كما نعي غياب المبادرات الرسمية للتأكد من صحة المباني، الموجودة منها …

خمسة عوامل ساهمت في تدهور البيئة العمرانية في لبنان

مقدمة1- سياسة الهدم2- منطق الربح الذي يقود عمليات البناء3- غياب المقاربة الشاملة4- الحروب الداخلية، الاعتداءات الإسرائيلية، وتفجير المرفأ5- التغيير المناخي والظروف الطبيعيةخاتمة مقدمة بحسب الهيئة اللبنانية للعقارات، يوجد في لبنان ما لا يقلّ …

الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني

مقدمة1-الخلل في مرسوم السلامة العامة2-مبان مشيّدة في غياب أطر الرقابة3-الضبابية في مسؤوليات الصيانة والترميم4-هشاشة المباني في المناطق غير الرسمية في ظل تجاهلها5-البناء في مناطق معرضة للفيضانات والسيول6-إشكالية قوانين البناء وتصنيف المناطقخاتمة مقدمة في …