بعد أن قدّمنا في الجزء الأول من هذا المقال لمحة عامة عن أراضي الأوقاف في لبنان، بما في ذلك مفهوم الأوقاف في القانون وفي بيانات مديرية الشؤون العقارية، نستكمل في هذا الجزء تحليل توزيع الثروة العقارية للطوائف المارونية، الأرثوذكسية، والسنية ضمن بيروت الكبرى. كما نستعرض دور أراضي الأوقاف في تأمين السكن، لاسيما خلال الأزمات، من خلال التركيز على أراضي الأوقاف بعد تفجير 4 آب وإخلاء الوقف المسيحي لعقارات ضمن المناطق المتضررة، ودور هذه الأراضي خلال العدوان الإسرائيلي والنزوح الناتج عنه. لنبيّن أخيراً الدور الذي كان يمكن أن تلعبه الأوقاف في تأمين السكن خلال هذه الأزمات وغيرها.
قراءة للثروة العقارية لثلاث طوائف في بيروت الكبرى
بعد تحليل بيانات مديرية الشؤون العقارية حول أراضي الأوقاف التابعة للطوائف الثلاث (المارونية، الأرثودوكسية، السنية) في محافظتي جبل لبنان وبيروت، توصلنا إلى النتائج التالية:
للطائفة المارونية 90.1% من مجمل عقارات الوقف
تبيّن وجود 14774 عقار تابع للأوقاف الثلاث التي حصلنا على بياناتها في محافظتي جبل لبنان وبيروت، موزّعة على الشكل التالي: 90.1% للطائفة المارونية، 8.6% للطائفة الأرثوذكسية، و 1.3% للطائفة السنية. وهو ما يتوافق نسبياً مع بعض الأرقام المتوفّرة التي تشير إلى أنّ لدى الأوقاف المسيحيّة حوالي 81% من مجموع أراضي الأوقاف في لبنان، فيما 19% منها تابعة للأوقاف الإسلاميّة1المسيحيّون في لبنان.. بالأرقام، 2024، متاح على: المسيحيّون في لبنان.. بالأرقام – Cedar News.

ضخامة هذه الأملاك من ناحية المساحة
فيما خصّ مساحة هذه الأراضي، فقد تبيّن – استناداً إلى ما توفّر لدينا من بيانات حول المساحة – أنّ المساحة الإجمالية لـ 2414 عقار، بنسبة 16.3% من مجمل العقارات، تبلغ 10.7كم²، بما يعني أنّ مساحة 16.3% من هذه الأملاك الموجودة في محافظتي جبل لبنان وبيروت فقط تساوي – على سبيل المقارنة – حوالي 60% من مساحة بيروت الإدارية2 تبلغ مساحة بيروت الإدارية حوالي 18 كم².. من جهةٍ أخرى، يشير جرد لكامل للأوقاف المسيحية، أنّ 60000 هكتار منها (600كم²) هي أراضٍ زراعية3Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réforme.، بما يساوي تقريباً مساحة قضاء راشيا (545كم²) وهو من أكبر الأقضية اللبنانية. ما يبيّن بالتالي ضخامة هذه الأملاك.
| الطائفة | المساحة (م²) | عدد العقارات التي تتوفّر مساحتها | إجمالي عدد العقارات |
| أملاك الأوقاف المارونية | 9,742,450 | 1,865 | 13,309 |
| أملاك الأوقاف الأرثوذكسية | 830,930 | 395 | 1,276 |
| أملاك الأوقاف السنية | 151,230 | 154 | 189 |
| المجموع | 10,724,610 | 2,414 | 14,774 |
| نسبة العقارات التي تتوّفر مساحتها من إجمالي العقارات | 16.3% |
قضاء المتن هو الأول من حيث عدد العقارات
على صعيد الأقضية، فقد كان قضاء المتن القضاء الأوّل من حيث عدد العقارات التابعة للأوقاف (4،307 عقار)، يليه قضاء كسروان (4،143 عقار)، ثمّ قضاء جبيل (3،153 عقار)، قضاء بعبدا (1,338 عقار)، وصولاً إلى قضاء الشوف (828 عقار)، قضاء عاليه (769 عقار)، وأخيراً بيروت الإدارية، وهي تشكلّ القضاء الأصغر حجماً مما يفسرّ العدد المنخفض من العقارات فيها نسبةً للأقضية الأخرى (236 عقار)، مع العلم أنّ الطائفة الأولى من حيث عدد العقارات التابعة لها في كافة هذه الأقضية هي الطائفة المارونية.

تتوزّع الأوقاف المسيحية على كامل الأراضي اللبنانية
وإذا ما ركّزنا على توزيع أراضي الأوقاف على مختلف الأقضية لكلّ طائفة على حدى، يتبيّن أنّ أملاك الطائفة المارونية موجودة في كافة الأقضية ضمن جبل لبنان وبيروت. فبحسب بعض المراجع المتوفّرة، تملك الكنيسة المارونية في كسروان وجبل لبنان الكثير من الأملاك، ويُقال أنّ 40% من الأراضي في هذه المناطق تابعة للكنيسة4غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.. أمّا بالنسبة لأملاك الطائفة الأرثوذكسية فهي أيضاً موجودة في كافة الأقضية وإن بأعدادٍ قليلة في بعضها. تتوافق هذه الأعداد مع بعض الدراسات المتوفّرة التي تشير إلى أنّ أراضي الأوقاف المسيحية بشكلٍ عام تتوزّع على كامل أراضي الجمهورية اللبنانية، وتتركّز بشكلٍ أساسي في مناطق جبل لبنان الشمالي وشمال البلاد5 Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réform..
وفيما يتعلّق بأملاك الطائفة السنية فهي غائبة عن قضائَي المتن وكسروان، وتتمركز بأغلبها في قضاء الشوف. يجدر الإشارة إلى أنّ أوقاف السنّة في بيروت اليوم حجمها محدود بسبب قوانين استبدال وحلّ الأوقاف وتحوّل الأراضي في العاصمة لتصبح استثماراً تجارياً ومالياً، لكنّ عددها في طرابلس والمناطق أكثر بكثير6المرجع نفسه.. فقد بلغت الممتلكات العقارية لدار الفتوى وأوقاف الطائفة السنّية 1974 عقاراً عام 1989، بينها 52.7% في محافظة الشمال، 15.9% في محافظة البقاع، 13.1% في محافظة جبل لبنان، 12.2% في محافظة الجنوب و6.1% في بيروت7الحداد، الطائفية المالية والضريبية في لبنان.، أي 379 عقار ضمن جبل لبنان وبيروت8لا يتوافق عدد أراضي أوقاف الطائفة السنية بحسب بيانات السجلات العقارية مع عدد هذه الأراضي عام 1989، بما يعني إمّا انخفاض عدد العقارات في بيروت وجبل لبنان من 379 عقاراً عام 1989 إلى 184 عقاراً عام 2024 للأسباب المذكورة أنفاً، أو أنّ قاعدة البيانات التي حصلنا عليها لم تكن كاملة، أو السببين معاً..

غالبية الأراضي غير مبنية
وقد وردت ضمن بيانات السجلات العقارية الخاصة بأوقاف الطائفة المارونية، معلومات متعلقة بتعيين العقار أي وصف حالته إذا كان مبنيّ أو غير مبنيّ، علماً أنّ هذه المعلومات قد لا تكون دقيقة أو محدّثة. بغض النظر عن ذلك، تبيّن أنّ 81% من العقارات في قضاءي كسروان وبعبدا غير مبني، و701 عقار في قضاء كسروان و184 عقار في قضاء بعبدا هو فعلياً أرض مبنية، بنسبة 17%.
بالنسبة لأوقاف الطائفة السنية، التي لم تتوفّر ضمن بياناتها المعلومات المتعلقة بتعيين العقار، ونظراً لعددها المحدود، استطعنا تتبُّع بعض عقاراتها وتحديد حالته. فقد تبيّن أنّ 80 عقار9 36 عقار في قضاء الشوف، 33 عقار في بيروت، 3 عقارات في قضاء بعبدا، 5 في قضاء عاليه، و3 في عقار جبيل. من ضمنها هي أراضٍ مبنية، أي بنسبة 42%، 59 عقار1051 عقار في قضاء الشوف 5 في بيروت و3 في قضاء. من ضمنها هي أراضٍ غير مبنية، أي بنسبة 31%، منها 5 عقارات ضمن بيروت الإدارية.
إذا كانت هذه الأرقام صحيحة، فإنّ عدداً ملحوظٌ من أراضي الأوقاف هي أراضٍ غير مبنية، بالأخصّ لدى الطائفة المارونية. من جهة يمكن تبرير هذا الواقع لكون جزء من هذه الأراضي غير قابلٍ للبناء أو لكونها أراضٍ زراعية أو حرجية وذلك بحسب موقعها، خصوصاً أنّ أكثر من 80% من الأحراج والغابات اللبنانية تقع في الأملاك العامة وفي أملاك الدولة الخاصة وفي المشاعات وفي ملكية الأوقاف، بحسب الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، وهو ما يجدر حمايته والحفاظ عليه، نظراً للقيمة البيئية التي يحملها. كما يمكن أن يدّل ذلك على وجود أراضٍ شاسعة ضمن بيروت الكبرى على سبيل المثال قابلة للاستخدام للمنفعة العامة.


تمركز العقارات يعكس التوزيع الجغرافي لمراكز سلطة الطوائف
فيما يتعلّق بتوزيع هذه الأراضي بحسب المناطق العقارية، تتوّزع هذه الأخيرة على 216 منطقة عقارية، ونلاحظ أنّه من النادر أن نجد أوقافاً لعدّة طوائف في المنطقة العقارية نفسها. يظهر الجدول والخريطة أدناه تركّزها ضمن قضاء كسروان في الكفور، غزير، عين الريحانة، ميروبا، درعون، دلبتا، مزرعة الراس، ذوق مصبح، كفرذبيان، غوسطا، إلخ، وذلك بالنسبة للأوقاف المارونية. يُذكر أنّ مقرّ البطريرك الماروني الشتويّ وهو دير سيّدة بكركي في غادير من هنا نجد ضمن محيطه عدداً كبيراً من أملاك الوقف الماروني. من جهةٍ أخرى، قبل بكركي والديمان لم يكن هناك مقرّ بطريركيّ شتويّ وآخر صيفيّ، بل كان المقرّ واحداً، وغالباً في الأنحاء الجبلية، أو الأديار النائية في الأماكن الوسطى، كبلدة غوسطا التي تَضُمّ دير مار شلّيطا مقبس ودير مار يوسف الحصن ودير سيّدة نِسبيه، أو تلك الوِهدَة ما بين درعون وعين الريحانة حيث يقع دير مار يوحنّا حراش11 دير السيّدة – الديمان، متاح على: GabyReaidy.com. وهو ما يفسرّ احتواء هذه المناطق على أعداد ملحوظة من الأوقاف.
بينما تتركّز الأوقاف الأرثوذكسية في قضاء المتن في أبو ميزان حيث يقع دير مار الياس البطريركي – شويا، وهو المقرّ الصيفيّ للبطريرك الأرثوذكسي، دير الحرف، المنصف، قنابة برمانا، وبسكنتا، والأوقاف السنية في قضاء الشوف في شحيم التي تعتبر كبرى بلدات إقليم الخروب وعاصمته حيث أنّ أغلب سكان الإقليم من المسلمين السنة، كترمايا، ومزبود.
كذلك، يتبيّن من الجدول أدناه، أنّه غالباً ما يملك مالك واحد أغلب أراضي الأوقاف ضمن منطقة عقارية واحدة، ما يجعله من كبار المالكين فيها. مع العلم أنّه يمكن لمالك واحد أن يملك عقارات في عدة مناطق عقارية، فدير سيدة النصر نسيبة غوسطا، على سبيل المثال لا الحصر يملك 119 عقار في ميروبا، كما هو مبيّن في الجدول أدناه.
| الطائفة | المنطقة العقارية | عدد العقارات | اسم المالك الأساسي (عدد العقارات التي يملكها في المنطقة) |
أملاك الطائفة المارونية في قضاءي كسروان وبعبدا | الكفور – كسروان غزير عين الريحانة ميروبا درعون دلبتا مزرعة الراس ذوق مصبح كفرذبيان غوسطا | 294 265 259 202 159 147 141 134 128 115 | الأبرشية البطريركية المارونية – جونية (236) الرهبانية الأنطونية المارونية – دير مار الياس غزير (102) الرهبانية اللبنانية المارونية – دير مار يوحنا حراش (258) الرهبانية اللبنانية المارونية – دير سيدة النصر نسيبة غوسطا (119) كرسي البطريركية الأنطاكية للطائفة المارونية (71) دير مار يوسف الحرف – درعون – عائلة انطين (25) دير سيدة الحقلة – دلبتا – عائلة ديب (66) دير سيدة الحقلة – دلبتا (32) الرهبانية اللبنانية المارونية – دير مار الياس الراس (141) الرهبانية المارونية المريمية – دير سيدة اللويزة (47) كرسي البطريركية الأنطاكية للطائفة المارونية (25) دير سيدة البشارة – ذوق مكايل – مشياخ آل الخازن (35) كنيسة مار أفرام – مزرعة كفرذبيان (22) الرهبانية المارونية المريمية – دير مار شليطا كفرذبيان (18) البطريركية المارونية – مدرسة عين ورقة الإكليريكية (74) الرهبانية اللبنانية المارونية – دير سيدة النصر نسيبة غوسطا (21) |
| أملاك الطائفة الأرثوذكسية في محافظتي جبل لبنان وبيروت | أبو ميزان دير الحرف المنصف قنابة برمانا بسكنتا | 221 55 41 39 39 | دير مار الياس البطريركي – شويا (221) دير مار جرجس – دير الحرف (55) كنيسة مار جرجس – المنصف (19) دير مار الياس البطريركي – شويا (30) دير مار مخايل بسكنتا (17) |
| أملاك الطائفة السنية في محافظتي جبل لبنان وبيروت | شحيم كترمايا مزبود | 27 19 16 | الطائفة الإسلامية السنية (13) الطائفة الإسلامية السنية – شحيم (9) الطائفة الإسلامية السنية – كترمايا (19) الطائفة الإسلامية السنية – مزبود (8) |
من الناحية الجغرافية، تظهر الخريطة في الأسفل تركّز أراضي الأوقاف السنية في الجزء الجنوبي والغربي من قضاء الشوف – حيث يقع إقليم الخروب وأغلب سكانه من المسلمين السنة – الجزء الغربي من قضاء عاليه، في بعض المناطق في أعالي قضاء بعبدا ويتوزّع على مناطق أخرى مختلفة ضمن القضاء نفسه، وفي عدّة مناطق عقارية ضمن بيروت الإدارية (المدوّر، المرفأ، الأشرفية، المزرعة، الباشورة، زقاق البلاط، المصيطبة ورأس بيروت). بينما تتركّز الأوقاف الأرثوذكسية في الجزء الغربي الساحلي من قضاء جبيل، في أعالي قضاء المتن وفي ساحله ضمن بيروت الكبرى، في الجزء الأوسط من قضاء عاليه وفي الجزء الأوسط والغربي من قضاء بعبدا وفي عدّة مناطق عقارية ضمن بيروت الإدارية (الرميل، المرفأ، الصيفي، الأشرفية، المزرعة، المصيطبة، وراس بيروت). أمّا بالنسبة للأوقاف المارونية، والتي حصلنا على بياناتها التفصيلية في قضائي كسروان وبعبدا فقط، فهي موزّعة على كامل قضاء بعبدا، وقضاء كسروان، متركزةً في الجزء الأوسط والغربي منه. ويدلّ انتشار الأوقاف الدينية المختلفة ضمن مناطق معينة وأحياناً غير متداخلة، على توّزع هذه الطوائف على الصعيد الجغرافي.

أكبر 12 مالك (2,3%) يستأثرون بحوالي 37% من مجمل أملاك الأوقاف
بحسب بيانات السجلات العقارية، تنوّعت أسماء المالكين بشكلٍ كبير، كما سبق وذكرنا. ونظراً لارتفاع أعداد الأوقاف المارونية، كان من الطبيعي أن يكون أكبر المالكين تابعين لهذه الطائفة مع وجود استثناء واحد من ضمن الطائفة الأرثوذكسية. ويلاحظ من خلال الجدول أدناه، أنّ أكبر 12 مالك (2,3%) يستأثرون بحوالي 37% من مجمل أملاك الأوقاف. كما أنّ كبار المالكين عادةً ما يكونون من الأديرة التابعة للرهبانيات مختلفة، بحيث تظهر قاعدة البيانات الكاملة أنّ 92 مالك (17,9%) من الأديرة يملكون 50% من مجمل أملاك الأوقاف، منها 18% تابعة للرهبانية اللبنانية المارونية.
| الطائفة | اسم المالك | عدد العقارات |
| أملاك الطائفة المارونية في قضاءي كسروان وبعبدا | الأبرشية البطريركية المارونية – جونية الرهبانية اللبنانية المارونية – دير مار يوحنا حراش الرهبانية اللبنانية المارونية – دير مار الياس الراس البطريركية المارونية – مدرسة عين ورقة الإكليريكية الرهبانية اللبنانية المارونية – دير سيدة النصر نسيبة غوسطا كرسي البطريركية الأنطاكية للطائفة المارونية الرهبانية اللبنانية المارونية – دير مار الياس الكحلونية الرهبانية الأنطونية المارونية – دير مار الياس غزير دير سيدة الحقلة – دلبتا – عائلة ديب كرسي الأبرشية المارونية – أنطلياس دير مار عبدا هرهريا – القطين | 377 323 251 187* 186 169 166 149 121 119 100* |
| أملاك الطائفة الأرثوذكسية في محافظتي جبل لبنان وبيروت | دير مار الياس البطريركي – شويا دير مار جرجس – دير الحرف كنيسة السيدة – غرزوز كنيسة مار الياس – شويت كنيسة السيدة البربارة | 285 68 33 31 30 |
| أملاك الطائفة السنية في محافظتي جبل لبنان وبيروت | دائرة الأوقاف الإسلامية السنية – جبل لبنان الطائفة الإسلامية السنية – كترمايا المديرية العامة للأوقاف الإسلامية السنية المديرية العامة للأوقاف الإسلامية السنية – بيروت الطائفة الإسلامية السنية – شحيم | 29 19 16 16 13 |
*إذا ما أضفنا “البطريركية المارونية – مدرسة عين ورقة الإكليريكية – عائلة اسطفان” يصبح العدد 191 عقاراً.
*إذا ما أضفنا “دير مار عبدا هرهريا – القطين – عائلة أصاف” و“دير مار عبدا هرهريا – القطين – عائلة مراد” يصبح العدد 180 عقاراً.
بين الاستخدام الربحيّ والإهمال
في ضوء النتائج التي توصّلنا إليها، يتبيّن أنّ الأوقاف الدينية في لبنان تمتلك مساحات واسعة من الأراضي، ما يدّل بوضوح على كونها مؤثّر كبير على صعيد خريطة ملكية الأراضي في لبنان، وذلك بالأخصّ بالنسبة للطائفة المارونية التي تستحوذ على غالبية العقارات في محافظتي جبل لبنان وبيروت.
فيما خصّ استعمالات هذه الأراضي، تعذّر علينا التعمّق باستعمالاتها نظراً لارتفاع عددها، لكنّ ومن خلال المصادر والأبحاث المتاحة، استطعنا تكوين نوع من القراءة لاستعمالاتها. بالنسبة للباحث – المهندس باتريك أسعد الذي قام بدراسة حول الأوقاف المسيحية، وجد أنّها تستخدم لمنافع عامّة أحيانًا (مستشفى، حديقة عامة، سوق خضار) ولتأمين مشاريع سكنية للمسيحيين فقط أحيانًا أخرى12غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.. من جهةٍ أخرى، يعتبر البعض الآخر أنّ الأراضي اللبنانية الصّالحة للزّراعة مهملة، مهجورة ومتروكة دون استصلاح واستثمار، التّابِعة تحديداً للأوقاف المسيحيّة، لا سيّما الأوقاف المارونيّة التابعة لبكركي وللرهبانيّات. وهو ما تؤكده دراسةٌ تظهر أنّ الطوائف المسيحية المختلفة في لبنان تملك مساحات شاسعة من الأراضي، وتمثل هذه الأراضي حوالي 25% من أفضل وأوسع الأراضي الزراعية اللبنانية. وفقاً للإحصاء الأولي الذي أجراه المشروع الأخضر، تبيّن وجود أراضٍ زراعية غير مستخدمة كانت مزروعة سابقاً بمساحة 70,000 هكتار، وأراضٍ قابلة للزراعة بمساحة 200,000 هكتار. وقد أتت الطوائف المسيحية كأولى المالكين فيما يتعلق بالأراضي غير المستخدمة. وبعد إجراء جرد لكامل الأوقاف، التي غطت 60,000 هكتار (600كم²) من الأراضي الزراعية، تبيّن وجود 92% من ضمن هذه الأراضي غير مستخدم أو بالكاد مزروع13 Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réforme.. وفي حين أنّ أراضي الوقف في درعون وحريصا وغيرها في قضاء كسروان، بعضها مؤجّر كمقاهٍ ومطاعم ومحلات، وبعضها الآخر شيّدت عليه مبانٍ سكنية جرى تأجير بعضها وبيع البعض الآخر14باسكال أبو نادر، إفادة مختار تكشف حقيقة بيع أراضي الوقف في درعون-حريصا، 2021، متاح على: إفادة مختار تكشف حقيقة بيع أراضي الوقف في درعون-حريصا، أو مراكز تجارية كبرى كالـ ABC في الأشرفية أو Promarché في الحازمية (بو خليل سابقاً)، يتمركز على أجزاءٍ أخرى من أراضي الأوقاف المسيحيّة في المناطق الأخرى مخيمات وتجمعات فلسطينية كمخيّم ضبية ومخيّم مار الياس، حيث تؤمّن هذه الأراضي حقّ الوصول إلى المدينة والسكن للفئات المستضعفة.
الأولوية الاقتصادية أو الحقوق السكنية في الأزمات؟
منذ انهيار الاقتصاد اللبناني قبل أكثر من خمس سنوات، لم تكن هذه الأزمة الوحيدة التي عانى منها لبنان. فقد تزامنت مع أزمات أخرى، أبرزها انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، وزلزال تركيا وسوريا في شباط 2023، الذي أثّر على سلامة المباني في لبنان، بالإضافة إلى الحرب الإسرائيلية التي بدأت في تشرين الأوّل 2023 وتصاعدت في أيلول 2024 قبل أن تنتهي في تشرين الثاني 2024، مع استمرار تداعياتها لفترة طويلة خلال عملية إعادة الإعمار المنتظرة. هذه الأزمات المتلاحقة، إلى جانب العوامل التاريخية، أدّت إلى تفاقم أزمة السكن بشكلٍ سريع، فازدادت الإخلاءات، وبرزت صعوبة في العثور على سكن ميسور الكلفة، إلى جانب تفاقم ظاهرة التشرّد. وقد طالت هذه الأزمة سكان المدن في جميع أنحاء لبنان، وخاصة الفئات والمناطق التي تعاني أساساً من التهميش والتمييز. في هذا السياق، لا تزال السلطات الدينية تستخدم العديد من أراضي الأوقاف لأغراض تجارية، متغافلةً عن دورها المحتمل في المساهمة في تحقيق السكن الميسور.
بين الحين والآخر، ترِد على المواقع الإخبارية بعض الأنباء المتعلّقة بإشكاليات أراضي الوقف بالأخصّ تلك المستأجرة للسكن. ففي عام 2020، على سبيل المثال لا الحصر، أنذرت البطريركيّة المارونية من خلال إنذارات مكتوبة حملت بنود جزائية، عدداً من العائلات بإخلاء البيوت التي يستأجرونها (إيجار قديم وزراعي) من البطريركية في بكركي وغادير منذ أكثر من أربعة عقود، ملزمةً إياهم “الإخلاء خلال عام”، وإلاّ دفع غرامات بعضها ناهز مئة ألف دولار. وقد أُجبر عدد من المستأجرين على توقيعها تحت الضغط، ومن دون حجّة قانونيّة ولا نسخ تكفل لهم مراجعة النص المكتوب، فيما امتنع بعضهم عن التوقيع. وتبيّن أن البطريركيّة باشرت بزراعة الأفوكادو على هذه الأراضي، ما يطرح تساؤل حيال أولويّة زراعة هذه الفاكهة في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة وغلاء المعيشة، على حساب إيواء العائلات التي لا تملك غالبيتها مأوى آخر، والتي خسر عدد من أفرادها وظائفهم أو رواتبهم في ظلّ الأزمة الاقتصادية15المرجع نفسه..
تتكّرر لدى الطائفة السنية أيضاً، فكرة إخلاء أراضي الأوقاف من الإيجارات القديمة تحديداً أو “تحريرها”، بحيث صرّح مؤخراً مفتي بعلبك الهرمل عن ضرورة استثناء الأوقاف الإسلامية والمسيحية من موضوع الإيجارات القديمة، إذ إنّ غالبية إيجاراتها قبل عام 1992، ووجوب “معاملتها معاملة خاصة كونها رافداً من روافد العمل المجتمعي وتكمل عمل الدولة وتخفّف العبء عنها”ز كما ذكر بأنه و“عندما كانت تنهار الدولة، كانت الأوقاف تحمي المجتمع، كنيسة ومسجداً”16عيسى يحيى، الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات، 2024، متاح على: الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات | LebanonFiles. بشكلٍ مماثل، أكدّ مفتي صور ضرورة تطوير قانون الإيجارات فيما يتعلق بالأوقاف، قائلاً: “إذا كانت الدولة تتريث في إصدار قانون الإيجارات، فهذا لا يجوز بخصوص الأوقاف. فنحن لدينا أزمة وبحاجة إلى تحرير العقارات الوقفية لتلبي غاية الواقف بخدمة المساجد ومن يقوم عليها، وكي لا تتحول إلى استغلال من المستأجرين وعائلاتهم عبر توريث الخلو”17حامد الدقدوقي، مفتي صور لـ”لبنان الكبير”: لتحرير العقارات وصندوق الدار فارغ ولا قوى تجمع السنة بغياب “المستقبل”، 2024، متاح على: مفتي صور لـ”لبنان الكبير”: لتحرير العقارات وصندوق الدار فارغ ولا قوى تجمع السنة بغياب “المستقبل”.
بهذه الطريقة أيضاً، تمّ التعامل مع أراضي الأوقاف خلال الأزمات الأخيرة. فيما يلي نتناول حالاتٍ متعلّقة بدور أراضي الأوقاف بعد تفجير 4 آب وخلال أزمة النزوح، مبينين القصور في مقاربة المؤسسات الدينية لإشكالية أراضي الأوقاف التي يجدر مبدئياً تسخيرها لخدمة المجتمع. فيما خصّ أراضي الأوقاف السنية، تقوم المديريات المحلية اليوم بمشاريع من ضمنها مزارع ومساكن18غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.. لكن يعتبر البعض أنّ ملفّ الأراضي الوقفية السنية أحد أبرز الملفات التي ما زالت قاصرة عن إيجاد حلّ يمكّنها من تنمية الوقف السني وتسخيره في خدمة أبناء الطائفة الذين يعانون أوضاعاً اقتصادية صعبة19الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات، 2024، متاح على: الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات | LebanonFiles. وفي إطار الجهد الذي قمنا به لمعرفة استعمالات بعض أراضي الأوقاف السنية، تبيّن وجود مساجد، مؤسسات أو مكاتب في بعضها ومبانٍ سكنيّة في بعضها الآخر مع محال تجارية فاخرة (Gucci ،Patchi على سبيل المثال)، وذلك بالأخصّ ضمن بيروت الإدارية.
بذلك، يتبيّن مما سبق أنّ نسبة كبيرة من أراضي الأوقاف غير مستعملة بشكلٍ فعّال، رغم وجود فرص كبيرة لاستخدامها للمنفعة العامة، ممّا يسلّط الضوء على الحاجة إلى تعزيز استخدام الأراضي الوقفية بشكلٍ يخدم المجتمع، وهو ما سنتوسّع في عرضه في الجزء الأخير من هذا المقال، بالتركيز على دور الأوقاف في تأمين الوصول إلى السكن خلال الأزمات.
إخلاء الوقف المسيحي لأراضي وقف تابعة له بعد تفجير 4 آب
في بيروت، تصل نسبة العقارات والأراضي التي تملكها أوقاف الطوائف إلى حوالي 6.7% من مساحة المدينة وفق إحصائيات المديرية العامة للشؤون العقارية لعام 2016. تُشكّل هذه النسبة ثروة عقارية كبيرة يُستخدم البعض منها لأغراض دينية واجتماعية (مساجد، كنائس، مدارس، إلخ)، فيما يُستثمر البعض الآخر عن طريق التأجير لأغراض السكن والتجارة أو غيرها. يتمركز جزء من هذه الأملاك ضمن المناطق الأكثر تضرراً من تفجير 4 آب، كالمدور والرميل. بعض هذه الأراضي كان خالياً أو مستخدماً، أو تم إخلاؤه قبل التفجير أو بعده مباشرة. فقد تمّ استغلال الدمار، لإخلاء البعض من أحيائهم دون مراعاة الأوضاع الاستثنائية التي مرّت بها المنطقة نتيجة التفجير.

وفي بعض الحالات، تمّ التعامل مع هذه الأملاك بشكلٍ مشابه لتعامل أي مالك عقاري مع مستأجريه، مما يظهر أولية المصالح الاقتصادية في إدارة أراضي الأوقاف الدينية على حساب السكان، وهو ما يثير تساؤلات حول دور الأوقاف والمؤسسات الدينية في ضمان العدالة الاجتماعية والعدالة في إدارة الأملاك الوقفية والحفاظ على حقوق السكان خاصةً في ظلّ الأزمات، كتلك التي أعقبت التفجير.
بعد تفجير مرفأ بيروت، رصدنا في منطقة المدوّر – التي تحوي وحدها أكثر من 29 عقار للأوقاف – حالتَي تهديد مباشر بالإخلاء من قبل وقف مؤسستين دينيتين، إحداهما لمستأجر قديم عجوز في كرم الزيتون والأخرى لمصنع صغير في الكرنتينا يتخذ منه صاحبه العجوز وزوجته منامة. وفي إحدى هاتين الحالتين، تحوّل التهديد الشفهي إلى محاولة إخلاء قسري للسكان قبل وصول القضية للقضاء. أمّا في الحالة الثانية فقد تمّ الإخلاء من قبل وقف يملك عدة منازل محيطة متروكة وخالية، في منطقة تشهد نمطاً متسارعاً من التطوير العقاري في الآونة الأخيرة. كما تبيّن وجود عدّة حالات سابقة لا تزال الدعاوى فيها قائمة بين المستأجرين القدامى والوقف، نتيجة رفع الإيجار وتخمين جديد للمأجور، فضلاً عن عدّة حالات تمّ إخلاؤها نهائياً في فترة سابقة لكون الإيجارات قليلة الربحية. فابتداءً من عام 2014، أي توازياً مع صدور قانون الإيجارات الجديد، باشرت الأوقاف ببرمجة استثماراتها من خلال زيادة الإيجارات في عقاراتها أو تغيير وجهة استعمالها في خطوة أخلت فيها العديد من السكان والمحلات القديمة.
لا يمكن رؤية هذه الحالات بشكل منفصل، وهي تستدعي التساؤل حول مصير السكان في العقارات الوقفية. فبالرغم من وجود نسبة ملحوظة من الأراضي التابعة للوقف في المنطقة، برز تنصّل المؤسسات الدينية من واجباتها الاجتماعية فيما يخصّ تأمين السكن بعد التفجير.

أراضي الأوقاف خلال العدوان الإسرائيلي
لم تكن الحال أفضل فيما خصّ دور الأوقاف خلال العدوان الإسرائيلي. فتارةً ما يتوقف البعض على إعلان من قبل وزير الأشغال علي حمية، عن إقامة بيوت جاهزة للنازحين من الجنوب في أملاك عامة أو في عقارات وأراض تابعة وبنسبة ١٧% منها للوقف الماروني، معتبرين “أن التاريخ يعيد نفسه ومن خلال تكرار تجربة لاسا واحتلال عقارات تعود ملكيتها لبكركي، إنما بأعداد مضاعفة وبطريقة عشوائية في كل المناطق اللبنانية، وهو ما ينبئ مواجهات ذات طابع طائفي بالدرجة الأولى مع ما يتضمّنه هذا القرار غير المدروس من تداعيات على النسيج الوطني اللبناني20فريق Lebtalks، مخيمات في أراضي “الوقف”.. وزير حزبي يهيمن على الاملاك العامة؟، 2024، متاح على: بِ الاسرار – مخيمات في أراضي “الوقف”.. وزير حزبي يهيمن على الاملاك العامة؟”؛ وتارةً ما نسمع عن صدور قرار بهدم بناء والطلب من القوى الأمنيّة تنفيذ قرار الهدم ضمن إحدى الأراضي المعروفة بـ“ضهر الهوا”، الّتي تقع ضمن بلدة الغابات العقاريّة في قضاء جبيل، والّتي تعود ملكيّتها لوقف مار الياس- سرعيتا، كون البناء مخالفاً، بالرغم من استكمال البناء المخالف بحجّة النّزوح. مع العلم أنّ القضية الأخيرة تتجاوز وجود بناء مخالف وترتبط أيضاً بإشكاليات استكمال أعمال التّحديد والتّحرير في أراضٍ متنازع عليها بين بلدتي الغابات وأفقا21“القوات” طالبت القوى الأمنية بتنفيذ قرار هدم بناء مخالف على أرض لوقف مار الياس- سرعيتا، 2024، متاح على: القوات طالبت القوى الأمنية بتنفيذ قرار هدم بناء مخالف على أرض لوقف مار الياس- سرعيتا.
كما شهدنا على طرد دورية من مخابرات الجيش – باستخدام القوة – وبالتعاون مع أمن سوليدير، لنازحين/ات من ساحة الشهداء بالقرب من جامع محمد الأمين، ليتمّ بعدها إغلاق محيط الجامع. لم يفتح الجامع أبوابه للنازحين/ات الذين عاشوا نحو أسبوعين مشرّدين أمامه جرّاء العدوان الإسرائيلي. وقام الدرك، وبطلب من القائمين على كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت، بطرد بعض النازحات/ين اللواتي والذين افترشوا الرصيف احتماءً بظلال سور الكنيسة وفي الساحة المقابلة لها، وذلك بشكلٍ تعسفي، باستخدام القوة والترهيب ومن دون توفير البدائل22 مجلة أشغال عامة، نداء بشأن إشغال النازحين المساحات العامة، 2024، متاح على: نداء بشأن إشغال النازحين المساحات العامة • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio. وبالنظر إلى البيان الأخير23بيان رقم 18 في تاريخ 17 تشرين الأوّل 2024. الصادر عن اللجنة الوطنية لتنسيق عمليات مواجهة الكوارث والأزمات، والتي تضمّ لائحة مراكز الإيواء الرسمية والخاصة المعتمدة والتي بلغ عددها 1029 مركزاً، تبيّن وجود حوالي 120 مركزأً قد يكون تابع لجهات دينية (دير، مقام، حسينية، كنيسة، جامع، مدرسة، إلخ) بنسبة 12% فقط من مجمل المراكز، و30% من المراكز من غير المؤسسات التعليمية الرسمية.
بالتالي، في هذا المفصل أيضاً، لم تكن المؤسسات الدينية، من خلال أوقافها، على قدر المسؤولية في خدمة المجتمع من خلال تأمين السكن، خاصة بالنظر إلى ضخامة أراضي الأوقاف التي كانت لتشكلّ مأوى مؤقتاً للنازحين/ات، بالأخصّ المشردين/ات منهم.
الخاتمة
هناك تصوّر بأنّ الوقف صندوق ثروات24غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.. يعتبر البعض بأنّ المؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية وأوقافها كانت لقرون عديدة تُستخدم كنوع من شبكة الأمان الاجتماعي وكضمان للتعافي الاقتصادي في الفترات التي تلت الصراعات العنيفة والكوارث الطبيعية مثل الزلازل والأوبئة25Suad Abou el-Rousse Slim, The Greek Orthodox Waqf in Lebanon during the Ottoman Period, 2007.. ومع أنّ هذه الأوقاف عرفت ازدهاراً في الماضي بالأخصّ في زمن السلطنة العثمانية، ما جعلها قوة اجتماعية واقتصادية هامة في البلاد، فإنها لم تحافظ على دورها الاجتماعي في جميع المناطق. ومع ذلك، مازالت تشكلّ حتى يومنا هذا إرثاً أساسياً وثروة عقارية، ثقافية، بيئية وزراعية وفرصةً لتطوير سياسات تنمية مجتمعية واقتصادية محتملة في المستقبل26المرجع نفسه..
بالنظر إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها لبنان اليوم، فإن استعمال هذه الأراضي بشكلٍ فعّال قد يوفّر فرصاً كبيرة لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، سواء من خلال تعزيز المشاريع الزراعية والتنموية نظراً لكون هذه الأراضي ذات حجم كافي لتشكيل وحدات زراعية منتجة اقتصادياً وقادرة أن تكون نقطة انطلاق لإنشاء تعاونيات وجمعيات زراعية27 Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réforme.، أو عبر توفير مساحات للسكن الميسّر ولإنشاء التعاونيات السكنية والخدمات العامة، بالأخصّ خلال الأزمات.
بقي أن نؤكّد أن إلغاء إعفاء الأوقاف والطوائف المختلفة من الضرائب بات ضرورة في ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان. ولا شكّ أنّ المؤسسات الطائفية وأملاكها الواسعة يمكن أن تساهم، كسائر المواطنين، في تأدية الضرائب والرسوم عملاً بمبدأ المساواة، خاصة إذا كانت تلك المؤسسات تقوم بأنشطة اقتصادية مربحة28 المفكرة القانونية، اقتراح بإخضاع الطوائف للضرائب: من أجل أن تشارك الطوائف في الأعباء العامة.. وتبقى المساءلة والشفافية بالأهمية ذاتها، إذ يجب نشر تقارير سنوية تُفصح عن الأملاك والإيرادات وكيفية صرف الأموال29 غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار..
في النهاية، بالرغم أنّ الحلّ الأساسي يكمن في بناء دولة تمنح تقديمات قائمة على الحقوق، وليس عبر ترك الطوائف تقدّم حلولاً للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية30 المرجع نفسه.، لا بدّ اليوم من تفعيل قيمة أراضي الوقف الاجتماعية، الاقتصادية، البيئية، الزراعية، وذلك في خدمة المجتمع ككلّ، ليكون هذا “الملك الخاص” – كما توصي المجامع الكنسية – في استخدامه لا يخصّ مالكه القانوني وحده، بل مشترك ويعود بالنفع على الآخرين أيضًا.
المراجع:
- 1المسيحيّون في لبنان.. بالأرقام، 2024، متاح على: المسيحيّون في لبنان.. بالأرقام – Cedar News
- 2
- 3Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réforme.
- 4غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.
- 5Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réform.
- 6المرجع نفسه.
- 7الحداد، الطائفية المالية والضريبية في لبنان.
- 8لا يتوافق عدد أراضي أوقاف الطائفة السنية بحسب بيانات السجلات العقارية مع عدد هذه الأراضي عام 1989، بما يعني إمّا انخفاض عدد العقارات في بيروت وجبل لبنان من 379 عقاراً عام 1989 إلى 184 عقاراً عام 2024 للأسباب المذكورة أنفاً، أو أنّ قاعدة البيانات التي حصلنا عليها لم تكن كاملة، أو السببين معاً.
- 936 عقار في قضاء الشوف، 33 عقار في بيروت، 3 عقارات في قضاء بعبدا، 5 في قضاء عاليه، و3 في عقار جبيل.
- 1051 عقار في قضاء الشوف 5 في بيروت و3 في قضاء.
- 11دير السيّدة – الديمان، متاح على: GabyReaidy.com
- 12غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.
- 13Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réforme.
- 14باسكال أبو نادر، إفادة مختار تكشف حقيقة بيع أراضي الوقف في درعون-حريصا، 2021، متاح على: إفادة مختار تكشف حقيقة بيع أراضي الوقف في درعون-حريصا
- 15المرجع نفسه.
- 16عيسى يحيى، الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات، 2024، متاح على: الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات | LebanonFiles
- 17حامد الدقدوقي، مفتي صور لـ”لبنان الكبير”: لتحرير العقارات وصندوق الدار فارغ ولا قوى تجمع السنة بغياب “المستقبل”، 2024، متاح على: مفتي صور لـ”لبنان الكبير”: لتحرير العقارات وصندوق الدار فارغ ولا قوى تجمع السنة بغياب “المستقبل”
- 18غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.
- 19الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات، 2024، متاح على: الأوقاف الإسلامية السنّية: عيّنات من الإهمال والمحسوبيات | LebanonFiles
- 20فريق Lebtalks، مخيمات في أراضي “الوقف”.. وزير حزبي يهيمن على الاملاك العامة؟، 2024، متاح على: بِ الاسرار – مخيمات في أراضي “الوقف”.. وزير حزبي يهيمن على الاملاك العامة؟
- 21“القوات” طالبت القوى الأمنية بتنفيذ قرار هدم بناء مخالف على أرض لوقف مار الياس- سرعيتا، 2024، متاح على: القوات طالبت القوى الأمنية بتنفيذ قرار هدم بناء مخالف على أرض لوقف مار الياس- سرعيتا
- 22مجلة أشغال عامة، نداء بشأن إشغال النازحين المساحات العامة، 2024، متاح على: نداء بشأن إشغال النازحين المساحات العامة • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio
- 23بيان رقم 18 في تاريخ 17 تشرين الأوّل 2024.
- 24غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.
- 25Suad Abou el-Rousse Slim, The Greek Orthodox Waqf in Lebanon during the Ottoman Period, 2007.
- 26المرجع نفسه.
- 27Khalifé, Les Wakfs Chrétiens au Liban: Situation actuelle et aspiration à la réforme.
- 28المفكرة القانونية، اقتراح بإخضاع الطوائف للضرائب: من أجل أن تشارك الطوائف في الأعباء العامة.
- 29غمرون، إبراهيم، الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار.
- 30المرجع نفسه.




