لطالما كانت بيروت ساحة صراع بين رؤى ومسارات متناقضة: رؤية رسمية سعت منذ أربعينيات القرن الماضي إلى إنتاج عاصمة نخبوية مخصصة للاستثمار والسياحة، وواقع معاش لم يصنعه المخططون ولا السياسات الإقصائية. ففي مقابل مخططات الأوروبيين إيكوشار ودوكسياديس وغيرهم التي أرادت تحويل ضواحي بيروت الجنوبية إلى منتجعات سياحية وفيلات فاخرة، رسم السكان القادمون من الأرياف والمهجرون مساراتهم الخاصة. فنشأت الخريطة غير الرسمية لبيروت؛ أحياء تحولت بمرور العقود من مجرد تجمعات سكنية إلى ركائز بنيوية، واقتصادية، واجتماعية لا يمكن فهم بيروت بدونها، مجسدةً المفهوم الفلسفي لـ “الحق في المدينة” كفعل مقاومة يومي ضد التهميش.
اليوم، يواجه هذا النسيج العمراني معركة مزدوجة الأبعاد؛ فمن جهة، تعرض لتدمير وتهجير قسري عبر مئات الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت أحياء بيروت وضواحيها خلال موجات التصعيد المتتالية بين عامي 2024 و2026. ومن جهة أخرى، يجد السكان أنفسهم في مواجهة مع مقاربة السلطات الرسمية التي غابت عن الاستجابة للمجازر التي تعرضت لها هذه الأحياء والتي تحرم السكان (عبر قانون صادر في 2025 ) من الحق التلقائي في إعادة بناء منازلهم المهدمة وبالتالي يعيد إحياء العقلية الإقصائية.
يطرح هذا المقال قراءة نقدية وميدانية مدعمة بالخرائط والبيانات لواقع ما سُمي بيروت الكبرى، متتبعاً المسار من نشأة الأحياء غير الرسمية كفعل مقاوم للتخطيط وأنظمة الملكية، مروراً بأثر الاعتداءات الإسرائيلية عليها، وصولاً إلى إمكانية تحوّل الملكية إلى سلاح يهدد مستقبل المدينة وشرعيتها الشعبية.

أرشيف المكتبة الشرقية
تخطيط بيروت
في عام 1961، نُشِر مقال في المجلة اللبنانية البارزة حينها “روفو دو ليبان” (Revue du Liban) تحت عنوان: “ولادة بيروت الكبرى”. استعرض المقال رؤية لمدينة بيروت ومشاريعها الكبرى، كالنقل العام، وإنشاء شبكة طرق إقليمية، وتخصيص مناطق سكانية، وبناء مجمعات للعمال ومؤسسات حكومية، ونقل المقابر، وغيرها… إلّا أنّ هذه الرؤية شملت أيضاً تدمير الأحياء الشعبية والتخلص ممّا أسماه عشوائيات الصفيح أو bidonvilles.
هذه الرؤية الإقصائية التي وصفها المقال ظهرت بوضوح أيضاً في خطط مرحلة الاستقلال حتى الستينيات، والتي أدّت عملياً إلى تطوير مشاريع وتنظيمات تجاهلت حاجات المدينة وسكانها. وقد أتت مخططات بيروت الكبرى – التي نشرحها في هذا المقال – في سياق التزام لبنان بالسياسة الليبراليّة منذ 1943، وأن نكون البلد المختصّ بإنتاج الخدمات، ضمن سياسةٍ أوسع تقوم على الإسترخاء والتهاون بإسم تشجيع الإقتصاد الحرّ (أبو الريش، 2012)1Abu-Rish, Z. “Lebanon Beyond Exceptionalism,” in A Critical Political Economy of the Middle East and North Africa, ed. Joel Beinin, Sherene Seikaly, and Bassam Haddad (Stanford University Press, 2021).
في تلك المرحلة – تحديداً بين عامي 1950 و1975 – تضاعف حجم بيروت أربعة أضعاف، حيث ارتفع عدد سكانها من 300,000 نسمة في عام 1950 إلى حوالي 1.2 مليون نسمة في عام 1975 – وهو ما قُدِّر آنذاك بنصف سكان لبنان (Bourgey 1985)2Fawaz, M and Peillen, I. Slums, the Case of Beirut Lebanon. DPU, UCL.. ويعود هذا الارتفاع السكاني إلى المركزية المفرطة للصناعة والتجارة والخدمات في العاصمة. كما تزامنت هذه الفترة مع إنشاء مؤسسات تخطيط حديثة، واعتماد تنظيمات وتشريعات بناء كان لها أثر كبير في تحويل المدينة – ليس فقط في إطارها التنظيمي – بل في تحديد من يمكنه البناء في المدينة وبأيّ شكل.

بالنسبة لبيروت الكبرى، قدّم مخططون مدنيون بارزون من أوروبا مقترحات مختلفة لبيروت، مثل قسطنطينوس دوكسياديس (1958)، وبعثة “إيرفد” (1959-1964)، وميشال إيكوشار (1961-1964)، و”المشغل الباريسي للتنظيم المدني” (1977)، و”معهد التخطيط والتنظيم المدني لمنطقة إيل دو فرانس” منذ الثمانينيات (Verdeil 2012)3Verdeil, E. Beyrouth et ses urbanistes: Une ville en plans (1946-1975). وبالنظر إلى مخططاتهم، بات من الواضح أن جنوب بيروت، على سبيل المثال، كان موقعاً ملائماً للمشاريع الاستثمارية الكبرى والتطوير السياحي. كان هذا هو الحال مع مخططات إيكوشار: إذ استند (وفقاً لبحث فيرداي) إلى فكرة إنشاء “مدينة جديدة” في الضواحي الجنوبية الغربية مع الرغبة في خلق حي راقٍ من خلال تقسيم عقارات كبيرة الحجم ذات قدرة استثمارية مخفضة لتشجيع بناء الفيلات الضخمة، بالإضافة إلى عدة مرافق متنوعة تعكس المكانة والوظيفة الاجتماعية-الاقتصادية للمنطقة4Verdeil, E. Beyrouth et ses urbanistes: Une ville en plans (1946-1975). على ضوء هذه التوجّهات، بدأت المشاريع الترفيهية تظهر فعلاً في الخمسينيات، مثل المنتجعات البحرية الخاصة في “سان سيمون” و”سان ميشيل”، ونادي الغولف، ومدينة كميل شمعون الرياضية وغيرها.

أرشيف المكتبة الشرقية
الخريطة غير الرسمية
ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك المشاريع، لم تمر هذه المخططات دون اعتراض. تظهر خرائط بيروت الكبرى في الستينيات نشوء أحياء غير رسمية حول هذه المرافق الترفيهية. فمنطقة الأوزاعي-الرمل العالي التي صُنفت كمركز مرموق، ومصدر للموارد العقارية لمشاريع التطوير – نشأت عليها في الستينيات والسبعينيات الأحياء غير الرسمية المعروفة اليوم بـ: الحي الغربي، والأوزاعي، وحرش القتيل.
ففي ظل التحوّلات العمرانية المتسارعة التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية، برزت المناطق غير الرسمية كواحدة من أبرز مكوّنات المشهد العمراني. يوجد في بيروت اليوم 24 منطقة غير رسمية، تصل مساحتها إلى 5.12 كم2 أي نحو 27% من مساحة بيروت الإدارية5استوديو أشغال عامة، «الخريطة غير الرسميّة للمدن اللبنانية: طرابلس، بيروت، صيدا، صور»، خريطة تفاعلية. غالبيتها (14) نشأت في الخمسينيات والستينيات كسكن للقادمين من القرى إلى المدينة، فيما نشأت اثنتان فقط نتيجة الحرب الأهلية. وقد كان الوصول إلى الأرض في هذا السياق متنوّعاً: مخيمات أُنشئت لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين المهجّرين (3)؛ تجمّعات فلسطينية، أي تلك التي يقطنها لاجئون فلسطينيون خارج نطاق المخيمات الرسمية (2)؛ مناطق نشأت على أراضٍ زراعية كبيرة، غير مُفرزة، اشترى فيها السكان قطعاً بعد تقسيمها دون إفراز رسمي (6)؛ وضع اليد، أيّ البناء بشكل هادئ وعلني على أرض الغير (7)6 استوديو أشغال عامة، «الخريطة غير الرسميّة للمدن اللبنانية: طرابلس، بيروت، صيدا، صور»، خريطة تفاعلية.
إن التكوين التاريخي المتنوع لهذه الأحياء أتاح للسكان وسيلة للاستحواذ على الأراضي، وبناء المنازل بشكل تدريجي، والوصول إلى الخدمات، وتولي إدارة وتنظيم أحياء جديدة، مما جعلهم جزءاً لا يتجزأ من مسار تشكّل المدينة. يمكننا بالتالي وصف الأحياء غير الرسمية في بيروت بأنها تجسيد لمفهوم “الحق في المدينة”، وذلك من خلال انخراط السكان ذوي الدخل المحدود في عملية صنع المدينة. فيشير هنري لوفيفر، وهو أوّل من تحدّث عن الحق في المدينة عام 1968، أن للمجتمعات “الحريّة في إنتاج مدنها وإعادة إنتاجها”، وأن لها “الحق في تحديد ماهية المحيط والمساحة المدينية بنفسها، وشكلها وسبل استعمالها”7Lefebvre, H. (1992). The production of space.. ويتّخذ ديفيد هارفي في كتاباته موقفاً يعتبر فيه أن نشوء المناطق غير الرسمية هو بمثابة “مقاومة” أو “عمل مواجهة” ضدّ من سلب حقّ الناس في المدينة8Harvey, D. (1985). The Urbanization of Capital : Studies in the History and Theory of Capitalist Urbanization.. بهذا، فإن تطور أحياء بيروت غير الرسمية يمكن أن يُنظر إليه كفعل من أفعال المقاومة ضد خطط وتنظيمات الدولة في الخمسينيات ومخططيها الأوروبيون.

الاعتداءات الإسرائيلية على أحياء بيروت غير الرسمية
تُظهر الخريطة غير الرسمية لبيروت هذه الأحياء كأجزاء عضوية تشكّلت داخل المدينة، نمت وتوسّعت بالتوازي مع موجات النزوح والهجرة والنمو التدريجي للمدينة، ممّا يجعل من المستحيل اليوم رسم خط فاصل دقيق يحدّد أين ينتهي الشارع أو الحيّ الرسمي وأين يبدأ غير الرسمي.
وهذا التداخل هو اقتصاديّ واجتماعي أيضاً. فهذه الأحياء تمثّل محركاً للمدينة يزوّد قطاعاتها الحيوية باليد العاملة. وتضمّ أسواقاً تجارية شعبية كبرى توفّر السلع بأسعار ميسّرة تجذب المتسوقين من كافة أنحاء المدينة وخارجها، كما هي الحال في سوق عين السكة في مخيم برج البراجنة أو أسواق منطقة صبرا. كما تبرز أهمية هذه المناطق كخزان سكني أساسي في ظل الأزمة الاقتصادية والارتفاع الحاد في أسعار العقارات والإيجارات داخل الأحياء الرسمية، ممّا يجعلها الملاذ الوحيد لتأمين سكن ميسّر التكلفة. بالتالي، يجعل هذا التلاحم من الأحياء غير الرسمية ركيزة بنيوية في تعريف بيروت، حيث لا يمكن فهم واقع المدينة أو التخطيط لمستقبلها بمعزل عنها.
في الحرب الاسرائيلية على لبنان – لا سيّما خلال موجتَي التصعيد عاميّ 2024 و2026 – تعرّضت بيروت عموماً إلى اعتداءات عنيفة ومتكررة. حتى إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، استُهدفت بيروت وضواحيها بنحو 500 غارة جوية. وفي غضون 38 يوماً أعقبت تجدّد التصعيد في 2 آذار 2026، تعرّضت لـ 199 غارة إضافية، فضلاً عن 3 ضربات متفرّقة بعد 8 نيسان 2026، ليصل العدد الإجمالي التراكمي للغارات منذ عام 2024 إلى 638 غارة9 بحسب رصد الاعتداءات الإسرائيلية الذي يجريه استوديو أشغال عامة منذ 8 تشرين الأول 2023.. ومن بين الأحياء المستهدفة، تبرز بعض الأحياء غير الرسمية:
- حيّ الزهراء، ثلاث غارات عنيفة أدّت الى تدمير 6 مبان وتضرر 7 آخرين وارتقاء 27 شهيداً وعشرات الجرحى،
- الأوزاعي، ثلاث غارات استهدفت مبانٍ وهنكارات وقوارب،
- الرمل العالي، أربع ضربات استهدفت مبانٍ سكنية وألحقت أضراراً بمحيط جبانة الشهداء،
- جسر الليلكي، استهدافين طالا مبانٍ سكنية وأديّا إلى أضرار في مجمّع الحدث الجامعي،
- حيّ السلّم-العمروسية، 12 غارة توزّعت على مختلف أحيائهما وأدت إلى دمار واسع في المباني وسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى.

وعلى الرغم من أن عدد الغارات التي استهدفت هذه الأحياء غير الرسمية يبدو محدوداً مقارنةً بإجمالي الاعتداءات على بيروت وضواحيها، تُظهر نتائج العمل الميداني أن للضربة الواحدة فيها آثارًا متعددة تتجاوز موقع الاستهداف المباشر، وذلك بسبب الطبيعة الخاصة لهذه المناطق. ففي هذه الأحياء، تلتصق البيوت ببعضها البعض، ولا تفصل بينها شوارع واسعة. هذا التلاصق يعني أن الصاروخ الذي يستهدف مبنىً واحداً يتسبّب تلقائياً بتصدّع سلسلة من المنازل المجاورة له وتدميرها. كما أن ضيق الأزقّة والممرّات يفاقم تحديات الاستجابة بعد القصف، حيث تصبح عمليات الوصول والإخلاء ورفع الركام أكثر تعقيداً. إضافةً إلى أنّ البيوت المهددة في المناطق غير الرسمية غالباً ما تكون أيضاً مكان العمل ومصدر الرزق؛ فالدكان أو الورشة يقعان غالباً تحت المنزل نفسه، ممّا يؤدي إلى خسارة المسكن والعمل معاً، وإلى تعطيل شبكات اقتصادية واجتماعية تعتمد عليها حياة السكان اليومية. وبالتالي تمثل هذه الاعتداءات استهدافاً عنيفاً للمسار التاريخي للمدينة.
حيّ السلم: هنا استشهد رامبو لبنان
في حي السلم تحديداً، نفهم كيف الضربات لن تكن حدثا معزولا، بل نقطة إنهيار أثرت على مستويات متعددة من حياة الحي. في 8 تشرين الثاني 2024، استهدفت غارتان مبنيين في محيط الجامعة اللبنانية، بالقرب من كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال، حيث أظهرت الصور الجوية اختفاء المبنيين بالكامل بعد تسويتهما بالأرض. بعد أيام قليلة، في 12 تشرين الثاني، استُهدف مبنى آخر في حيّ الجامعة ودُمّر بالكامل. ثم في 14 تشرين الثاني، طالت غارة مبنى بالقرب من مجرى نهر الغدير ومشروع الحسون، حيث بقي الهيكل العام للمبنى قائماً، لكن أجزاء واسعة منه، خصوصاً الطوابق العليا، تعرّضت لأضرار كبيرة. وفي 23 تشرين الثاني، اتّسعت دائرة الاستهداف لتشمل أربعة مواقع إضافية: ثلاثة مبانٍ قرب ملعب المرتضى، إضافة إلى مبنى في حي الجامعة، بالقرب من الجامعة اللبنانية من جهة المسبح الأولمبي. وأظهرت الصور الجويّة أن معظم هذه المباني انهارت بالكامل. أما آخر الضربات التي شهدها الحيّ خلال عام 2024، فسُجّلت في 26 تشرين الثاني، حين استُهدف مبنى في محيط مدرسة المجتبى، ما أدى إلى انهيار جزء كبير منه.

ومع عودة التصعيد في 2 آذار 2026، استؤنفت الغارات والتهديدات التي طالت مناطق مختلفة من الضاحية، إلا أنها لم تشمل حيّ السلّم أو مبانيه هذه المرة. لذلك، بقي عدد كبير من السكان داخل الحيّ، قبل أن يشهد في 8 نيسان 2026 واحدة من أكثر مراحل القصف دموية، حين تعرّض لخمس غارات في أقلّ من 10 دقائق استهدفت مبانٍ موزّعة بين حيّ الزهراء/الكرامة قرب نهر الغدير، حيّ الجامعة، حيّ جامع العرب، حيّ عروة قرب مدينة العباس، وحيّ شقرا قرب مدرسة الغزالة.
“حيّ الكرامة… هون سقط العدو بالـ83، وهون كانت الحسينية يلّي دخلها الإسرائيليين، وهون تأسّست المقاومة. ومن هون بلّشت المنطقة تتعمّر بدفع من الإمام موسى الصدر وحركة المحرومين” هكذا يصف أحد سكان حيّ السلّم تاريخ حيّ الكرامة/الزهراء، مستحضراً المكان ليس فقط كجزء من النسيج العمراني للمنطقة، بل كفضاء ارتبط بذاكرة جماعية تشكّلت عبر عقود من التحولات السياسية والاجتماعية والعمرانية، وبالدور الذي لعبه الحيّ كمنطقة ارتبطت بمحطات المقاومة ومواجهة الاحتلال. في هذا الحيّ، أدّى القصف إلى تدمير ثلاثة مبانٍ بشكل كامل، فيما أصيبت مبانٍ مجاورة بأضرار جسيمة جعلت أجزاءاً من الشقق مكشوفة بعد انهيار الواجهات الخارجية. وقد استشهد في هذا الموقع 23 شخصاً، بينهم أربعة أطفال، والمصارعجي علي الدهيني المعروف بـ”رامبو لبنان”، وهو أحد أبناء حي السلم وشخصية محبوبة ومعروفة بين سكان المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي من خلال مسيرته في رياضة المصارعة. وكان يُنظر إليه في الحي كشخصية لها مكانتها بين الناس، تجمع بين الهيبة والقرب من المجتمع. شكّل استشهاده خسارة لأبناء حي السلم، الذين فقدوا وجهاً ارتبط بذاكرتهم وبقصص الشجاعة والصمود التي رافقت حياة الحي لسنوات. وعند غيابه، استغرب سكان الحيّ (عبر شهادات خلال العمل الميداني) أن أحداً لم يذكر استشهاد رامبو لبنان.
أما في حيّ عروة، فقد أدى استهداف مبنى واحد إلى استشهاد 25 شخصاً، إذ أنّ الحيّ يتكوّن من ممرات ضيقة وكثافة عالية و هو قريب من أحد أكثر النقاط حركة في الحي، بحيث يبعد الموقع بضع دقائق سيراً عن مفرق سوق حيّ السلم.
ويشير سكان الحي إلى أن تقارُب مواقع الاستهداف الخمسة في 8 نيسان ضاعف من آثارها. فالمسافة بين شارع عروة وشارع جامع العرب لا تتجاوز نحو 100 متر، فيما يبعد حيّ الزهراء حوالي 500 متر عن حيّ الجامعة، حيث استُهدف مبنى تعاونية ناصر الدين. لذلك، فإن استهداف عدة نقاط ضمن المجال العمراني نفسه لم يؤدِّ فقط إلى تدمير مبانٍ محددة، بل أحدث تأثيراً متسلسلاً أصاب شبكة مترابطة من العلاقات الاجتماعية والسكنية.
الاستجابة الرسمية لمجزرة حيّ السلّم والعلاقة التاريخية مع الدولة
ما بعد غارات ومجازر 8 نيسان، عبّر عدد من السكان عن شعورهم بأن الاستجابة الرسمية، خاصة تلك المتعلّقة بالإغاثة، ركّزت على مناطق أخرى من بيروت والضاحية الجنوبية10بحسب شهادات عدد من سكان حيّ السلم، كما وردت في مقال إيناس شرّي بعنوان «حيّ السلم في 8 نيسان: 80 شهيدًا ووجع يمتد من الجنوب إلى البقاع»، في حين اعتمد حيّ السلّم بدرجة كبيرة على مبادرات سكانه وشبكاته المحلية في رفع الأنقاض، ما يعكس استمرار أنماط التهميش التي طبعت علاقة المنطقة بالمؤسسات الرسمية المحلية والمركزية.
ومع وصول بعض الآليات لاحقاً، ومنها آليات جرى تأمينها بمبادرات محلية، بقي عامل الوقت حاسماً في عمليات البحث عن الناجين وانتشال العالقين. فقد اضطرّ الأهالي إلى التدخل خلال الساعات الأولى باستخدام وسائل محدودة، كما تولّوا نقل عدد من المصابين قبل وصول فرق الإنقاذ المتخصصة11 المصدر السابق. كذلك فرضت البنية المكانية للحي تحديات إضافية أمام عمليات الطوارئ، إذ حال ضيق الشوارع وتلاصق المباني دون دخول بعض الآليات إلى مواقع الاستهدافات، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى بحث فرق الدفاع المدني عن حلول استثنائية، منها إزالة أجزاء من مبانٍ مجاورة، لفتح ممرات تسمح بالوصول إلى أماكن الانهيار.
تُظهر هذه المعطيات أن التداعيات الراهنة للاستهداف لا تنفصل عن السياق المكاني؛ وتتقاطع مع الهشاشة البنيوية المتراكمة طوال العقود الماضية. من هنا، إنّ فهم كيفية تعامل الدولة تاريخياً مع هذا الحيّ يشكل إطاراً ضرورياً لفهم الاستجابة الرسمية في أعقاب الغارات الاسرائيلية.

نشأ حيّ السلّم في الخمسينيات كجزء من “صحراء الشويفات” الزراعية، قبل أن يبدأ تدريجياً باستقبال موجات من الوافدين الريفيين الباحثين عن فرص العمل في العاصمة. ويعود اسم الحي، بحسب الروايات المحلية، إلى تلك المرحلة الأولى؛ حيث كانت الأرض متفاوتة المستويات، وكان السكان يستخدمون السلالم للوصول إلى مصادر المياه.
بدأ القادمون الجدد، ولا سيما من قرى البقاع، بالاستقرار في المنطقة عبر شراء قطع في العقارات الزراعية غير المفرزة والبناء عليها بطريقة غير رسمية12Fawaz, Mona, and Isabelle Peillen. “The Case of Beirut, Lebanon.” In Understanding Slums: Case Studies for the Global Report on Human Settlements 2003. UN-Habitat, 2003.. وخلال الستينيات، وبناءً على اقتراح إيكوشار، تم التخطيط لإنشاء الأوتوستراد الدائري الذي يربط بين الجنوب والشمال، على أن يمرّ عبر حيّ السلّم كجزء من مساره. ونتيجةً لذلك، أصبحت أراضي حيّ السلّم المتأثرة بالتخطيط غير صالحة للبناء، وانخفضت قيمتها، فازدادت عمليات بيع حصص في العقارات للوافدين الجدد، الذين بنوا منازلهم داخل العقارات غير المفرزة13 بحسب مقابلة أجريناها مع الدكتورة وفاء شرف الدين، المهندسة المعمارية والمخططة العمرانية، التي عملت على قضايا التخطيط الحضري في لبنان.. وازدادت كثافة الحيّ بشكل كبير خلال الحرب اللبنانية، حين استقبل موجات متتالية من النازحين والمهجرين من مناطق مختلفة، ثم من الجنوب بعد الاجتياحين الإسرائيليين عامي 1978 و1982. ومع غياب سياسات إسكانية عادلة، توسّع الحيّ أفقياً، ثم عمودياً عبر إضافة طوابق جديدة إلى المباني القائمة.
بالإضافة إلى أتوستراد إيكوشار، يمكننا أن نقرأ مقاربة الدولة للحي كمزيج من الإهمال والتدخّل الانتهازي والإقصاء العقابي، برأي الأستاذة منى فواز. ففي مقالها “الاستثناء والممارسة الفعلية للتخطيط”، تسلّط الضوء على تهميش الدولة وإهمالها المتعمّدَين، من خلال التعاطي مع حي السلّم “كاستثناء” في المدينة، وحرمانه من البنى التحتية الأساسية، والمرافق العامة، والخدمات المدينية، تاركةً السكان من ذوي الدخل المنخفض يواجهون مصيرهم وحدهم. وتشير فواز أيضاً إلى أن الدولة تعاملت مع المنطقة بشكل أساسي من خلال فرض تطبيق القوانين بشكل فوقي، كالتهديد بالهدم، والحملات الأمنية المتقطعة على مخالفات البناء، أو التدخّلات الأمنية14Mona Fawaz, “Exceptions and the Actually Existing Practice of Planning: Beirut (Lebanon) as Case Study,” Urban Studies 54, no. 8 (2017): 1938–1955.
قانون إعادة الإعمار
في حزيران ٢٠٢٥، أقرّ مجلس النواب أوّل تشريع متعلّق بإعادة الإعمار على إثر الحرب الإسرائيلية. تضمن هذا القانون أربعة عشر مادة تتناول إعفاءات ضريبية مختلفة، وقد خصّص، في المادة الثانية عشر منه تحت عنوان “في معالجة أوضاع وحدات العقارات أو أقسامها المهدمة”، فقرات عدة لمعالجة مسألة الأبنية المدمرة أو المتضرّرة جزئياً أو كلياً من الحرب. وقد صُنفت هذه الأبنية إلى خمس فئات وفق وضعيتها القانونية، وقد نصّ القانون على صيغ مختلفة لمعالجة كلٍّ منها – ترتبط مباشرة بالأحياء غير الرسمية التي تعرّضت للقصف.
تحدّد المادة 12 أنّ البناء المتهدم الذي كان مشيداً في ملك الغير، لا يُجاز إعادة تشييده لإعادته إلى الحالة التي كان عليها، إلّا إذا تمّ الاستحصال على حق البناء من مالك الأرض. وفي حال عدم موافقة مالك الأرض، يُعطى صاحب البناء المتهدم مساعدة مالية. أما بالنسبة للبناء المتهدم الذي كان مشيداً في أملاك الدولة الخصوصية يُجاز إعادة تشييده لإعادته إلى الحالة التي كان عليها قبل التهديم بعد 1- موافقة مجلس الوزراء والسلطة المختصة على بيع الملك الخصوصي، 2- موافقة صاحب البناء على دفع الثمن، 3- وإجراء تسوية وضع البناء المخالف. في حال عدم توفّر هذه الشروط، لا يُجاز إعادة تشييده ويُعطى صاحبه مساعدة مالية تحدد بمراسيم لاحقة.
بذلك، يَحرم القانون سكان الأحياء غير الرسمية المدمرة من الحق التلقائي في إعادة بناء منازلهم، وعلى هذا النحو، فإن القانون يعمل كامتداد تشريعي للدمار، حيث يحوّل الأنظمة العقارية إلى سلاح موجه ضد الفئات السكانية نفسها التي بَنَت المدينة. ومن خلال فرض شروط بيروقراطية ومالية تعجيزية على السكان؛ تُحيي الدولة فعلياً الرؤية الإقصائية القائمة على مبدأ ‘التخلص من العشوائيات’ التي وصفتها مجلة “روفو دو ليبان” عام 1961.
مثال تطبيق القانون في حيّ المقداد
“الدولة ما خلّتنا نعمّر”، هكذا قال سكان حيّ المقداد خلال عمل ميداني في شباط 2025. فبين ضربة تشرين الأول 2024 وضربتي نيسان 2026، تعرّض الحيّ المحاذي لمستشفى رفيق الحريري لغارات تدميرية عنيفة أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، وتدمير وتهديم مبانٍ بشكل كامل.
أسفر قصف 2024 تحديداً عن تدميرٍ كامل لثلاثة مبان وإلحاق أضرار جسيمة بالمباني المحيطة بها، فيما خضعت بعض المنازل المتضررة جزئياً لعمليات ترميم تدريجية على نفقة أصحابها ضمن مبادرات فردية. تُشكّل المباني المدمرة بالكامل التحدي الأكبر، إذ منعت القوى الأمنية/الدرك أي إعادة بناء فيها. يقطن معظم هؤلاء حالياً عند أقاربهم في أحياء مجاورة، ممّا يزيد الضغط على فئات هشة أصلاً. يقوم أصحاب هذه المنازل بمحاولات مستمرة لإعادة بناء منازلهم، دون جدوى، ليتقاطع التدمير الاسرائيلي مع تاريخ الملكية. فقد وصل سكان حيّ المقداد (ضمن حي الزهراء) إلى الأرض عبر وضع اليد في عام 1976 على أراضٍ خالية هي عبارة عن مشاع لقرى حارة حريك والشياح والغبيري15Clerc, Valérie. Beyrouth : l’influence du foncier et des plans d’urbanisme sur la formation des quartiers irréguliers de la banlieue sud.، مدفوعين بظروف الحرب والنزوح. خلال الحرب، أعطت بلدية الغبيري أرضاً تزيد مساحتها عن هكتار ونصف للمجلس الشيعي الأعلى، بهدف بناء مستشفى الزهراء. وقد جاءت هذه الخطوة عقب إنشاء الإمام موسى الصدر مستشفىً ميدانيٍ في المنطقة عام 1976، والذي كان بمثابة مركزٍ للإسعافات الطارئة لجرحى الحرب، ومنه استمدّ الحي اسمه. وسمحت بلدية الغبيري (التابعة سياسياً لحركة أمل في وقتها) للناس بالسكن16Clerc, Valérie. Beyrouth : l’influence du foncier et des plans d’urbanisme sur la formation des quartiers irréguliers de la banlieue sud. على أراضي حي الزهراء بطريقة غير رسمية، وكان موظّفوها يؤمّنون لهم تصاريح البناء ويتقاضون أموالًا مقابل توزيع قطع الأراضي.
تجاهلت السلطات هذه المسار العمراني ولم تتجاوب مع حاجات السكان، وفرضت بمرور الزمن قوانين صارمة وإقصائية، صُنِّف فيها الحي (مِثله مثل جميع المناطق غير الرسمية) على أنه «غير قانوني»، ممّا أدى إلى تجريمه.
كما واجه الحيّ تاريخياً بَتراً لنسيجه العمراني من قِبل السلطات عبر مشاريع عدة. بعد انتهاء الحرب، تمّ إنشاء طريقين سريعين، الطريق المؤدّي إلى الأوزاعي، وطريق المطار الجديدة، اللذان اخترقا حيّ الزهراء، فدمّرا أجزاءً منه، وفصلا أجزاءه الأخرى عن بعضها. هذا وتمّ تدمير جزء من الحيّ أيضاً بهدف إنشاء تجمّع خدماتي يحوي مراكز مؤسسات حكومية، أهمّها مستشفى بيروت الحكومي17حالياً، يقع حي الزهراء ضمن النطاق المحدّد لتنفيذ مشروع أليسار (المجمد حالياً ) وهو من المشاريع الكبرى التي أُطلقت في سياق ورشة إعادة إعمار لبنان بعد الحرب اللبنانية، ويهدف إلى إعادة تنظيم منطقة الضاحية الجنوبية الغربية لبيروت..
لذا لا يمكن إلّا أن نقرأ قانون الإعمار على أنه استكمالٌ للتجريم التاريخي للأحياء غير الرسمية، ممّا يحوّله إلى أداة لتهجيرٍ جديدة.
الخاتمة
لقد كان مخطّط “بيروت الكبرى” المتخيّل في الخمسينيات والستينيات مشروعاً للإقصاء القائم على أساس طبقي، وسعى إلى إرساء مستقبل سياحي واستثماري لبيروت الجنوبية على حساب حاجات السكان. ومع ذلك، أثبتت العقود اللاحقة أن النمو الفعلي للمدينة كان بجهود السكان؛ فمن خلال وضع اليد على الأراضي الخالية والبناء التدريجي، أسس سكان بيروت نمط حياة غير رسمي متجذراً في المصلحة المشتركة، والبقاء، والحق الجماعي في المدينة. ويأتي قانون إعادة الإعمار لعام 2025 – كما الاستجابة للمجازر الاسرائيلية – ليحول الملكية والمقاربة الرسمية إلى سلاح، ويجرم الخريطة غير الرسمية للمدينة – وهو ما يُقرأ كامتداد لرؤية عام 1961.
بهذا، فإن واقع ضاحية بيروت الجنوبية اليوم يكمن في معركة مزدوجة: مقاومة الاحتلال من جهة، ومقاومة مقاربات إعادة الإعمار التي تفرغ الأماكن من معانيها التاريخية وتتشبّث بمقارباتٍ محدودة للملكية من جهة أخرى، فيتقاطع القصف العسكري مع الخطاب السائد محلياً، والسياسات العامة، وآليات الإعمار.
المراجع:
- 1Abu-Rish, Z. “Lebanon Beyond Exceptionalism,” in A Critical Political Economy of the Middle East and North Africa, ed. Joel Beinin, Sherene Seikaly, and Bassam Haddad (Stanford University Press, 2021)
- 2Fawaz, M and Peillen, I. Slums, the Case of Beirut Lebanon. DPU, UCL.
- 3
- 4
- 5استوديو أشغال عامة، «الخريطة غير الرسميّة للمدن اللبنانية: طرابلس، بيروت، صيدا، صور»، خريطة تفاعلية
- 6استوديو أشغال عامة، «الخريطة غير الرسميّة للمدن اللبنانية: طرابلس، بيروت، صيدا، صور»، خريطة تفاعلية
- 7Lefebvre, H. (1992). The production of space.
- 8Harvey, D. (1985). The Urbanization of Capital : Studies in the History and Theory of Capitalist Urbanization.
- 9بحسب رصد الاعتداءات الإسرائيلية الذي يجريه استوديو أشغال عامة منذ 8 تشرين الأول 2023.
- 10بحسب شهادات عدد من سكان حيّ السلم، كما وردت في مقال إيناس شرّي بعنوان «حيّ السلم في 8 نيسان: 80 شهيدًا ووجع يمتد من الجنوب إلى البقاع»
- 11المصدر السابق
- 12Fawaz, Mona, and Isabelle Peillen. “The Case of Beirut, Lebanon.” In Understanding Slums: Case Studies for the Global Report on Human Settlements 2003. UN-Habitat, 2003.
- 13بحسب مقابلة أجريناها مع الدكتورة وفاء شرف الدين، المهندسة المعمارية والمخططة العمرانية، التي عملت على قضايا التخطيط الحضري في لبنان.
- 14Mona Fawaz, “Exceptions and the Actually Existing Practice of Planning: Beirut (Lebanon) as Case Study,” Urban Studies 54, no. 8 (2017): 1938–1955
- 15Clerc, Valérie. Beyrouth : l’influence du foncier et des plans d’urbanisme sur la formation des quartiers irréguliers de la banlieue sud.
- 16Clerc, Valérie. Beyrouth : l’influence du foncier et des plans d’urbanisme sur la formation des quartiers irréguliers de la banlieue sud.
- 17حالياً، يقع حي الزهراء ضمن النطاق المحدّد لتنفيذ مشروع أليسار (المجمد حالياً ) وهو من المشاريع الكبرى التي أُطلقت في سياق ورشة إعادة إعمار لبنان بعد الحرب اللبنانية، ويهدف إلى إعادة تنظيم منطقة الضاحية الجنوبية الغربية لبيروت.


حلول لمواكبة ظروف الحرب: ترقيع يحجب ضرورة إصلاح قوانين الملكية والبناء
تعليق مشترك بين استوديو أشغال عامة والمفكرة القانونية
في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ تشرين الأول 2023 وتصاعد وتيرة الاعتداءات ورقعتها الجغرافية منذ أيلول 2024، تفاقم الدّمار ومعه أزمة نزوح مستمرّة على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار. فقد طالت …