هدم مساكن في الحارة الجديدة وتشريد سكّانها: حين تعالج السلطات نزاعاً من إنتاجها

عشرة بيوتٍ واقعة على عقارٍ في أطراف الحارة الجديدة بمدينة الميناء، تحوّلت في التاسع من تموز الحالي إلى ركام. منذ أسابيع، وتحديداً في 29 حزيران، داهمت قوة أمنية العقار ونفّذت إخلاءً بالقوة للسكان أوقع إصابات بينهم، ثم ختمت الأبواب بالشمع الأحمر – تلك العلامة البيروقراطية الصغيرة التي تختصر بها الدولة سيادتها على أجساد الناس ومساكنهم. لكن السكان عادوا إلى منازلهم وأزالوا الأختام. فاستُدعي الرجال منهم، وتم توقيف عدد منهم تباعاً بتهمة خلع الشمع الأحمر، يوم السادس من تموز، تمهيداً للهدم.

ليست هذه الحادثة سوى فصلٍ جديد في مسارٍ ممتد داخل «الحارة الجديدة» و«حيّ التنك»، إحدى أقدم المناطق غير الرسمية في الميناء. تتجاوز الواقعة نطاق العقار لتعاود طرح أسئلةٍ تؤرق المدينة منذ نصف قرن: كيف وصل الناس أصلاً إلى السكن على هذه الأرض وفي هذه المنطقة؟ وما الخلفيات والأسباب الجذرية الأبعد من مجرد التوصيف القانوني بـ «الإشغال غير الرسمي»، التي أفضت إلى حادثة الإخلاء هذه؟

كيف وصل السكان إلى الأرض؟

يحمل العقار المذكور الرقم 1136 من منطقة بساتين الميناء العقارية، وتبلغ مساحته 1554 متراً مربعاً. لم يكن، حتى عقدين خلَيا، سوى أرضٍ بورٍ تتناثر فيها الأشجار وبالقرب منها فرنٌ ومنزلٌ أو اثنان، يقصدها أهل الحارة في نزهاتهم الموسمية، على طرفها الجنوبي الخالي يومها من أي عمران.

يروي أحد سكان العقار، أنه افتتح قبل نحو خمسة عشر عاماً مقهىً صغيراً على حدود العقار للاستفادة من قربه من فرع جامعة AUL الذي شيّد مبناها على بُعد حوالي مئة متر. ولمّا انتقلت الجامعة إلى موقع آخر، حوّل المقهى إلى منزل. ومع توسّع الحارة في ظلّ تسارع الانهيار الاقتصادي، لحقت به عائلاتٌ أخرى، وبدأت ببناء بيتٍ بعد بيت، حتى صار على العقار عشرة أو أحد عشر مسكنًا، تؤوي عدّة عائلاتٍ لبنانية وعائلة سورية واحدة. جميعهم، إذ عجزوا عن دفع أثمان السكن “الرسمي” في المدينة، استطاعوا تحصيل حقّهم بالسكن فيها بالطريقة الوحيدة المتاحة لهم. وهذا ما فعلته أطراف الحارة الجديدة وحي التنك كلّها طوال عقود: نمت لتمتصّ أزمة سكنٍ أنتجها غياب السياسات الإسكانية العادلة.

خلفيات قرار الإخلاء ومساره

خلال عام 2025، انتقلت ملكية العقار إلى فواز كريمة، بعقد بيعٍ من مالكه السابق عدنان الحلاب. لم يوضح المالك الجديد نيّته بشأن مستقبل العقار، لكنه لم يتأخر في التوجه إلى القضاء، فتقدّم في 14 آب 2025 بدعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة في طرابلس، القاضية رنا شلالا، يطلب فيها إخلاء الساكنين لعدم امتلاكهم “أي سند شرعي”. اختُتمت المرافعات في 8 نيسان 2026.

وفي القرار رقم 144/2026، الصادر في 22 أيّار، رأت القاضية أنّ إشغال العقار “تعدٍّ واضح” لا يحتمل التأخير في تنفيذ الإخلاء، فقضت بإلزام الساكنين إخلاء العقار فوراً وتسليمه “شاغراً من أي شاغل”، وفرضت غرامة إكراهية قدرها 15 مليون ليرة عن كل يوم تأخير بعد التبليغ، مع تحميلهم نفقات المحاكمة. المفارقة أن المحكمة نفسها ردّت طلب المالك هدم “المخالفات” على العقار، لعدم ثبوت من أحدثها تحديدًا. وهو ما يشي بأن القانون يعرف جيدًا من يسكن، لكنه يتعامى عن كيف وصل إلى هناك ولماذا.

بدأ تنفيذ الحكم ميدانياً في 15 حزيران، لكنه تعثّر بامتناع الساكنين واستنفار منصات التواصل الاجتماعي، ما أربك القوة الحاضرة. فعادت القوى الأمنية في 29 حزيران بمداهمةٍ أوسع لتنفّذ إخلاءً بالقوة أوقع إصابات، ختمت خلاله المنازل بالشمع الأحمر؛ فقاوم السكان وأصرّوا على العودة في ظلّ غياب الخيارات السكنية وكسروا الأختام وعادوا إلى المنازل. وفي 6 تموز استُدعي عددٌ من السكان الذكور وتمّ توقيفهم تباعاً بتهمة خلع الشمع، وتبع ذلك البدء بهدم المنازل في 9 تموز، وسط ضبابية وغيابٍ لأي وضوح حول كيفية الشروع بالهدم دون قرارٍ قضائيّ يتيح ذلك، وتحت ضغط المالك.

سكنت هذه العائلات العشر قرابة عشر سنوات على هذه الأرض، فإذا بالحكم يصدر وينفّذ خلال أقل من شهرٍ من صدوره، دون أن يُمهلهم ميدانياً ولو ساعة واحدة؛ في خروجٍ جليّ على أبسط ما أجمعت عليه شرائع الحق في السكن، التي تشترط الإمهال العادل، والتفاوض النزيه، وكفالة البديل اللائق. ومن ثمّة، لمّا هُدمت البيوت، لم تجد هذه العائلات العشر ملاذاً إلا بيوت ذويها وأنسبائها—سواء من كان منهم في الحارة نفسها أو في الأحياء المحيطة بها—ريثما تدّخر من المال ما يُعينها على استئناف عيشها المنقطع، أو تلتمس من “الجمعيات” معونة إيواء.

الضم والفرز العام: حين تُرسم الأرض بلا أهلها

لم يكن هذا النزاع سوى محطة واحدة في تاريخ المنطقة، وواحداً من عشرات النزاعات التي أنتجتها سياسات الدولة؛ إذ اختزلت المنطقة في مخيلتها بوصفها مساحةً للاستثمار العقاري، مراهنةً على دورها في إحداث طفرة اقتصادية لمدينتَي طرابلس والميناء. ولتحقيق هذه الغاية، اعتمدت السلطة مرسوم الضم والفرز العام كأداة تخطيطية أواخر السبعينات. فالحارة الجديدة، بحسب شهادات أقدم قاطنيها، نشأت قبل نحو قرنٍ من الزمن، بينما تشكّل حي «التنك» المجاور مع مطلع الحرب الأهلية، حين توافد إلى الأرض خليطٌ من أبناء الميناء وعكار والضنية، وبنوا مساكنهم ضمن ما عُرِف تاريخياً بـ«بساتين الميناء».

وفي عام 1979، صدر مرسوم الضم والفرز العام رقم 2151. بموجبه، قامت البلدية بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني بإعادة ترتيب المنطقة وشكل العقارات فيها بهدف تحويلها إلى عقارات مهيّأة للبناء، ووزّعتها على المالكين بحسب حصصهم، بعد أن اقتطعت 25% من مساحتها الإجمالية للمرافق العامة. غير أن هذا التخطيط وتوزيع الملكيات جرى على الورق وحده، من دون أي مراعاة للواقع العمراني والسكني القائم فعلاً على الأرض1 لقراءة المزيد، الاطلاع على مقال” السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: حيّ التنك في الميناء مثالاً”. ولكنّ سكان الحارة لم يغادروها ولم يهدموا مساكنهم، ولم تُقدم الدولة بدورها على إخلائهم (للمزيد، الاطلاع على مقال” السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: حيّ التنك في الميناء مثالاً” وفيديو “الضم والفرز كأداة ضد السكان”).

ولكن تدخّل الدولة هذا ثمّ غيابها فتح الباب، منذ أواخر السبعينيات حتى اليوم، أمام شبكة من الدعاوى القضائية والتهديدات المستمرة بين مالكين “على الورق”، يبيعون ويشترون عقاراتٍ وزّعها مرسومٌ لم يلحظ من يسكن فيها، وشاغلين فعليين، لا سند بيدهم غير إقامتهم المتواصلة منذ عقود. ولم تتدخل الدولة لمعالجة الأزمة التي أنتجتها، لا بمراجعة المرسوم وتصحيحه، ولا بالاعتراف بوجود الحارة وتثبيت سكانها وحقّهم. وفي غياب هذه المعالجة، توالت عمليات بيع العقارات بالتوازي مع التوسع العمراني للحارة، لتتفاقم النزاعات مع كل موجة بيعٍ ونموٍّ سكاني جديدة؛ وما العقار 1136، بعائلاته العشر، إلا امتداداً جليّاً لهذا المسار.

حين تعالج السلطات نزاعاً من إنتاجها

في الختام، لم يكن هذا الإخلاء وما تبعه من هدم عشرة بيوتٍ في التاسع من تموز سوى محطةٍ في سلسلةٍ بدأت قبل نصف قرن. لقد أسهمت الدولة، عبر مشروع الضم والفرز العام، في إنتاج الإطار التخطيطي والقانوني ذاته الذي يُستدعى اليوم لتبرير الإخلاء — إطارٌ ثبّت حدوداً على الورق تجاهلت منذ البداية الواقع السكاني القائم على الأرض. وقد ضاعف غياب المعالجة الحقيقية والواقعية للأزمة السكنية، وتقاعُس الدولة عن وضع سياساتٍ إسكانية عادلة، من استمرار هذا النمط وتفاقمه على مدى عقودٍ من الزمن. من هنا، لا بدّ من إعادة النظر بالمرسوم 2151 وتعديله، وإلغاء مشاريع الضم والفرز المخطّطة والتي لم تنفّذ بعد، وإعادة تنظيم المنطقة حيث تقع الحارة الجديدة وحي التنك ومحيطهما، لضمان حقوق السكان في أمن الحيازة والسكن اللائق. فمشاريع الضم والفرز تهمش حاجات السكان وهي عملية من عمليات سلب الأرض في المدينة.

المراجع:

  • 1
     لقراءة المزيد، الاطلاع على مقال” السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: حيّ التنك في الميناء مثالاً”
إدارة الأراضي والتنظيم المدنيالسكنبساتين الميناءقضاء طرابلسمحافظة شمال لبنان
 
 
 

السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز:

حيّ التنك في الميناء مثالاً

على الرغم من الدور الاقتصادي الذي نتوقّع أن تلعبه طرابلس بالنسبة لكامل شمال لبنان -دور نراه مرتقبٌ مثلاً في مقاربة كل من بعثة إيرفد والخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية- كونها المنفذ لسوريا الداخلية …

هل بقي شيء يُقال عن حيّ التنك؟

ينظر هذا المقال إلى حيّ التنك في طرابلس، لا مثالًا أو دليلًا على العشوائيّة أو الافتقار للتنظيم، بل سؤالًا عن معنى الحيّ؛ فالحيّ ليس وليد الصدفة أو خطيئةً معماريّةً. بل هو الشاهد على ...

الأحياء غير الرسمية بين مقاربة الدولة والتدمير الإسرائيلي: 

أمثلة من حيّ السلّم وحيّ المقداد

يرصد المقال الصراع بين رؤية رسمية سعت إلى تحويل بيروت إلى عاصمة نخبوية للاستثمار والسياحة، ومدينة صنعها سكانها القادمون من الأرياف والمهجّرون خارج أطر التخطيط الرسمي. ويتناول كيف تحوّلت الأحياء غير الرسمية في ...

طرابلس: من سلب منّا الأرض؟

سنعرض من خلال ثلاث مقالات، موجزاً لكيفية تعاطي السلطات مع طرابلس النهرية وطرابلس البحرية (أي مدينة المينا، كما يسمّيها أهلها)، وتداعيات ذلك على أحيائها من النواحي المدينية والسكنية والبيئية. تستند المقالات إلى ورشة …

شرعية المساكن أم الحق بالسكن فيها؟

مشاريع سكنيّة وتحوّلاتها غير الرسمية في صيدا وطرابلس

۱.المقدمة المدن هي أماكن للتفاعل والتبادل بين أشخاص يختلفون حول معظم الأشياء. فالمدينة، بكثافتها وجاذبيتها المستمرة للوافدين الجدد والمهاجرين، تُشكّل نسيجاً من عدم التجانس، وهو نسيج قد يضمن “اللقاء مع الاختلاف” (ميتشل، ٢٠٠٣) …