u003cstrongu003eما هي الأسباب الموجِبة التي يذكرها القانون؟u003c/strongu003e
معالجة قضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس
u003cstrongu003eمن اقترح القانونu003c/strongu003e
الحكومة
u003cstrongu003eالنوعu003c/strongu003e
قرار حكومي
u003cstrongu003eالفاعلونu003c/strongu003e
الحكومة
الهيئة العليا للإغاثة
بلدية طرابلس
نقابة المهندسين في الشمال
شركة خطيب وعلمي
لجنة ادارة الكوارث في محافظة الشمال
وزارة الشؤون الاجتماعية
وزارة الصحة العامة
مجلس الإنماء والإعمار
مجلس النواب
سكان الأبنية المهدّدة
u003cstrongu003eالمناطق المتأثرةu003c/strongu003e
مدينة طرابلس و أحيائها ومناطقها العقارية (القبة، التبانة، الزاهرية، الحديد، الحدادين، المهيترةـ، التل، السويقة، النوري، زيتون طرابلس، بساتين طرابلس)
u003cstrongu003eلتحميل القوانينu003c/strongu003e
كتابة وبحث: رياض الأيّوبي وتالا علاءالدين
حتى أواخر حزيران الماضي، كان يمكن لمن يراقب طرابلس من شاشة الأخبار أن يظن أنّ أزمة انهيار مبانيها انتهت؛ أو أنّ الملف، شأنه شأن سائر الملفات الكبرى في لبنان، استقرّ في الأدراج المغلقة. لكن، ظهيرة يوم الإثنين الثاني والعشرين من الشهر، انهار أحد المباني المهجورة في منطقة التبانة وكاد أن يقتل أحد العمّال المكلّفين بهدمه. المصادفة، بل المفارقة، الأشدّ مرارةً من انهيار المبنى أثناء تنفيذ ما يُفترض أنّه جزء من معالجة الأزمة، هو انهياره على بُعدِ أمتارٍ معدودة من المبنى الذي سقط قبل ٥ أشهر على سكّانه، متسبّبًا بمقتل ١٥ شخصًا.
كانت حادثة المبنى المهجور آخر انهيار في سلسلة انهيارات ضربت طرابلس القديمة ومناطق القبّة والتبانة وضهر المغر مطلع هذا العام، انهيارات بدت وكأنها تسابق أصحاب القرار وتتقدّمهم دائمًا بخطوة. عندئذٍ، فرض تراكم الوقائع على السلطات الرسمية معالجة أزمةً لم تعد تحتمل المماطلة.
فكيف استجابت السلطات الرسمية، وماذا تخبرنا أزمة طرابلس عن قضية المباني المتصدعة في لبنان؟ نسعى في هذا التعليق لاستعراض الاستجابة الرسمية، المركزية منها والمحلية، وتفكيك إشكالياتها، ورصد ما بقي منها معلّقًا بين الإعلان والتنفيذ، وصولاً إلى طرح المقاربة البديلة الواجب اعتمادها.
تسلسل الأحداث
وثّق استديو أشغال عامة 21 حالة انهيار كلّي وجزئي لمبانٍ في مدينتي طرابلس والميناء بين كانون الأول 2019 وشباط 2026 (توزّعت بين 10 انهيارات كلّية و11 انهياراً جزئياً)، كجزء من رصده انهيارات المباني على الصعيد الوطني (أنظر/ي إلى الخريطة أعلاه). كما وثّقت تقاريره، بين ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، ٣٧ حالة لمبانٍ تشكّل خطراً على السلامة العامة و/أو مبانٍ مهدّدة بالانهيار في المناطق التي أصابتها كارثة ٢٠٢٦، بناءً على البلاغات الواردة إلى “مرصد السكن”1يستند هذا الرقم إلى البلاغات الواردة إلى مرصد السكن في استديو أشغال عامة والعمل الميداني الذي أنجزه المرصد بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، والذي وثّق خلاله ٣٧ حالة لمبانٍ مهدّدة بالانهيار في طرابلس، توزّعت بين أحياء باب الرمل والزاهرية وباب التبانة وأبو سمرا وجبل محسن، إلى جانب حالات متفرقة في الميناء والبداوي، على ما فصّله تقرير “طرابلس تحت الخطر: تقرير حول تدهور البيئة المبنية ومسار التحركات من أجل الحق في السكن” الصادر في ٣٠ تموز ٢٠٢٥. ويندرج هذا التوثيق في مسارٍ بحثي أطول أنجزته المؤسسة حول تدهور المدينة القديمة وأحيائها الشعبية، بدءاً من مقال “طرابلس: مدينة أثرية على حساب سكانها” وتحوّل تصنيف مناطق مثل حي تحت السباط إلى شرط ترميمٍ تعجيزي يفوق قدرة أهلها، وصولاً إلى تقرير “الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني”، الذي حلّلت فيه ثغرات مرسوم السلامة العامة وغموض توزّع مسؤوليات الصيانة بين المالك والبلدية والدولة.. ومع أن هذه المعطيات عيّنة تؤشر بوضوح إلى تدهور كبير في بيئة المدينة المبنية وحجم الخطر المحدق بالسكان، إلّا أن استجابة السلطة المركزية بقيت مجتزأة، أقرب إلى إجراءات منها إلى سياسة شاملة قادرة على معالجة الأزمة؛ فعقب زلزال عام 2023، الذي أثّر على طرابلس بشكل خاص، دعا المجلس الأعلى للدفاع إلى عقد جلسة للجنة تنسيق عمليات مواجهة الكوارث والأزمات الوطنية، أعلنت خلالها “حالة طوارئ بلدية” وكلفّت جميع البلديات -بما فيها بلدية طرابلس- بإجراء مسوحات ميدانية للمباني غير الآمنة في نطاقها ورفع تقارير إلى وزارة الداخلية في غضون 72 ساعة ليُصار إلى تقييم المباني المعرّضة للخطر، مع وعود بتقديم بدل إيواء يغطّي كلفة إيجار سكن بديل2منظمة العفو الدولية، “لسنا بأمان هنا: الحكومة تخذل سكان المباني الآيلة للسقوط في طرابلس“، رقم الوثيقة MDE 18/7703/2024 (لندن: منظمة العفو الدولية، 20 شباط/فبراير 2024)، 5.. ولكن لم تنفّذ هذه الخطة ولم تزوّد المؤسسات المعنية بالتنفيذ بالموارد اللازمة. وفي السياق ذاته، أقرّت الحكومة في 4 نيسان 2025 مقرراً خاصاً بطرابلس يقضي بتحديد الأبنية المتصدّعة فيها وتأمين أماكن بديلة للسكان واعتمادات ضرورية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والبلديات؛ إلا أنه بقي هو الآخر مجرد إعلان رسمي بلا تنفيذ.
أمّا استجابة السلطة المحلية فاقتصرت على الاستنكار عند كلّ «حادثة» انهيار، وإجراء كشوفات متفرقة، وإصدار إنذاراتٍ بالإخلاء. ففي عام 2022 أجرت بلدية طرابلس مسحاً ميدانياً خلص إلى أن هناك 236 مبنىً مهددًا بالانهيار. وفي آب 2023، بعد مرور ستة أشهر على وقوع الزلزال، أعلنت البلدية أنها حددت بين 800 و1000 مبنى مهدد3المصدر نفسه، 3.. لكنّ تفاصيل هذه الأرقام ونتائج المسوحات بقيت حبيسة الأدراج والدوائر البلدية دون تغذية أي خطة عمل واضحة أو إشراك أهالي المدينة بالحقائق والمخاطر المحدقة بهم.
غير أنّ نفاذ صبر السكّان مع موجة الانهيارات المتتالية مطلع العام 2026، ولا سيّما انهيار الثامن من شباط، الذي ارتفع عدد ضحاياه على مدار الساعة، شكّل ضغطاً على المجلس البلديّ الحالي ورئيسه ودفعهم إلى التلويح بالاستقالة، قبل التراجع عنها استجابةً للوعود الحكوميّة بالتحرّك نحو استكمال “خطّة طوارئ” وتنفيذها. وبناءً عليه، أعلنت الحكومة في التاسع من شباط عن خطة تتضمن 7 بنود أساسية، وأتبعتها بـمقرّر مكمّل صدر خلال جلسة مجلس الوزراء في التاسع من تموز الحالي.
وكان أول بنود هذه الخطة تنفيذ خطوة إجرائية تقضي بإخلاء ١١٤ مبنًى مهدّد. وهو رقمٌ يكتنف الغموض مصدره، مقارنةً بالأرقام المتفرقة التي تعاقب ظهورها طيلة السنوات الماضية. واستتبع الإعلان عن هذا الرقم افتتاح البلدية «خطاً ساخناً» لاستقبال البلاغات؛ ليتخطّى خلال فترةٍ وجيزة عدد المباني التي بلّغ سكانها عن قلقهم بشأن وضعها الإنشائي ٨٠٠ مبنى4 بحسب مقابلة أجريناها مع رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة بتاريخ 23 نيسان 2026.. وهو ما يكشف فداحة الأزمة ومدى اتّساع رقعتها ومعالمها التي تفاقمت طيلة عقود. من هنا تكتسب اللحظة الراهنة أهميتها؛ ليس بوصف الإعلان عن خطة طوارئ استجابة غير مسبوقة، بل كـمحطة يواجه فيها التراكم التاريخي للأزمة حدود القرارات والوعود الحكومية والبلدية السابقة.
في فهم خطة الحكومة
في اليوم التالي لانهيار الثامن من شباط 2026 في التبانة، ترأّس رئيس مجلس الوزراء نواف سلام اجتماعًا موسّعًا في السراي الكبير لمتابعة الإجراءات المتصلة بالأبنية المتصدّعة في طرابلس. وحضر الاجتماع عدد واسع من الوزراء المعنيّين ورئيس بلدية طرابلس ونقيب المهندسين في الشمال وعدد من ممثّلي الجهات القضائية والأمنية والإدارية، إلى جانب ممثلين عن الهيئات الدينية والدفاع المدني والصليب الأحمر، وهيئات التخطيط والكوارث الرسمية.
لاحقًا، صرّح رئيس الوزراء بأنّ الخطة التي نتجت عن الاجتماع تتألف من سبع نقاطٍ أساسية، في مقدّمتها إصدار قرار من بلدية طرابلس بإخلاء ١١٤ مبنى معرّض للسقوط، خلال مدّة “لا تتجاوز الشهر،” مع تأمين بدل إيواء للعائلات التي أخلت منازلها لمدة سنة. ثانيًا، تحديد لائحة بمراكز إيواء مؤقتة لدى لجنة إدارة الكوارث في الشمال، “على أن يتم تأمين مراكز إضافية عند الحاجة.” ثالثًا، أن تتولّى وزارة الشؤون الاجتماعية تقديم المساعدات وإدراج العائلات ضمن برنامج «أمان». رابعًا، أن تتولّى وزارة الصحة تغطية العائلات صحيًّا وربطها بمراكز الرعاية الأولية. خامسًا، “المباشرة بتدعيم الأبنية القابلة للتدعيم” وهدم تلك الآيلة للسقوط من قبل الهيئة العليا للإغاثة. سادسًا، أن تستكمل الهيئة العليا للإغاثة المسح انطلاقًا من مسوحات البلدية الأولية وبالتعاون مع نقابة المهندسين. وسابعًا، المباشرة بتقييم وضع البنى التحتية من قبل مجلس الإنماء والإعمار.
أوّل ما ينبغي التوقف عنده هو أنّ إعلان الحكومة عن الخطة لم يُستتبع بأي خطواتٍ معلنة حول تطبيقها، فبَدَت أقرب إلى مجموعة بنود فضفاضة تفتقر إلى آليات التنفيذ والشفافية. من هنا، تقدّمنا بطلبات حق الوصول إلى المعلومات5 بالتعاون مع مبادرة غربال الموجّهة إلى عدد من الجهات المعنية، تحديداً الأمانة العامة لمجلس الوزراء، والهيئة العليا للإغاثة، ومجلس الإنماء والإعمار، والبلدية؛ وذلك للاطلاع على مضمون الخطّة المفصّل وللوقوف على المسار الفعلي لتطبيق هذه البنود ومساءلتها. غير أن الردود الثلاثة التي وردتنا حتى الساعة جاءت مقتضبة وقاصرة؛ إذ لم تُشارك النص الكامل للخطة، واقتصرت الإجابات على عرضٍ لبند أو اثنين مجتزأين يخصان نطاق عمل كل جهة بمفردها.
فاقتصر جواب مجلس الوزراء على الإشارة إلى قرارين سابقين اتّخذهما؛ يقضي الأول بتكليف الهيئة العليا للإغاثة بتحديد الأبنية المتصدعة وغير الصالحة للسكن في المدينة وتأمين مراكز الإيواء لسكانها، بينما ينص الثاني على الموافقة على مشروع مرسوم لهبة كويتية (500 ألف دينار كويتي) مخصّصة حصراً لدراسات المسح الإنشائي، على أن تكون الهيئة الجهة المستفيدة منها6جواب مجلس الوزراء (19 أيار 2026): أشار الجواب إلى القرار رقم 12 (تاريخ 4 نيسان 2025) المكلِّف للهيئة العليا للإغاثة بتحديد الأبنية المتصدعة وغير الصالحة للسكن في المدينة وتأمين مراكز الإيواء لسكانها بعد تحديد الكلفة التقديرية لذلك، والقرار رقم 3-4 (تاريخ 7 أيار 2026) القاضي بالموافقة على استصدار مشروع مرسوم لإبرام مذكرة تفاهم بين مجلس الإنماء والإعمار والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، لتأمين هبة بقيمة 500 ألف دينار كويتي لدراسات المسح الإنشائي، على أن تكون الهيئة العليا الجهة المستفيدة والقائمة على تنفيذ المشروع.. من جهتها، أوضحت الهيئة العليا أن تدخّلها مرهونٌ بالتسلسل الإداري الذي يبدأ بكشوفات البلدية الأولية وإنذاراتها بالترميم والإخلاء، لتقتصر مهام الهيئة بعدها على مسارين: صرف بدلات الإيواء، وتكليف استشاريين بالكشوفات والفحوصات المخبرية للحالات المعقدة المرفوعة إليها، مع التأكيد على أنها لم تحصل بعد على تمويل المسح الإنشائي بانتظار موافقة الجهة المانحة الكويتية7جواب الهيئة العليا للإغاثة (10 حزيران 2026): يوضح الجواب أن العمل يخضع لتسلسل إداري يتوجب فيه على البلدية أولاً الكشف الأولي وإصدار إنذارات الترميم أو الإخلاء لتتدخل الهيئة بعدها عبر مسارين: مسار يتمثل في صرف بدلات الإيواء للعائلات التي أخلت منازلها، ومسار آخر يتمثل في تكليف استشاريين بإجراء كشوفات ميدانية، قد تمتد إلى فحوصات مخبرية لمواد البناء مثل الباطون والحديد عند الضرورة. وحتى تاريخ الجواب، أكّدت أنها لم تحصل بعد على تمويل دراسات المسح الإنشائي، وأن المسار لا يزال في حدود المراسلات بانتظار موافقة الجهة المانحة الكويتية.. في المقابل، أكّد جواب مجلس الإنماء والإعمار أن نطاق الهبة المذكورة يتضمّن، كجزء من دراسات المسح، تصنيف المخاطر وإعداد قاعدة بيانات تُستخدم لاحقاً لاتخاذ قرارات التدعيم أو الترميم أو الهدم8 الوارد يوم 15 حزيران 2026..
وهكذا، تُظهر القراءة الأوّلية لهذه الأجوبة الرسمية أن تنفيذ الخطة ما يزال محصوراً في نطاقٍ ضيّق لا يتعدّى المسارات الإجرائية الأولى؛ كالإخلاء، وصرف بدلات الإيواء، وإجراء المسوحات الأولية. وفي المقابل، لا تُقدّم هذه الردود أي إيضاحاتٍ حاسمة حول الآليات التفصيلية لكيفية تطبيق هذه المسارات نفسها، كما تغيب عنها الرؤية الواضحة لكيفية الانتقال من مرحلة التقييم والكشوفات إلى التدخل الميداني الفعلي بالترميم أو التدعيم أو الهدم، وما يرافق هذه المرحلة من أطر عمل وتحديدٍ للتمويل وتوزيع مسؤوليات. حتى أن مقرّر مجلس الوزراء الصادر مؤخّراً في جلسة 9 تموز كمكمّل للخطة—والذي نصّ على «استمرار الهيئة العليا للإغاثة بدفع بدلات إيواء مؤقتة للأبنية شديدة الخطورة»، إلى جانب «إنشاء صندوق خاص لجمع الهبات محلياً ودولياً تحت إشراف الهيئة لتمويل تدعيم وترميم الأبنية المتصدعة»—أعاد اختزال دور السلطات الرسمية في الإخلاء وصرف البدلات، ورحّل التمويل الفعلي لأعمال الترميم والتدعيم إلى صندوقٍ مرتهنٍ للهبات، دون تقديم جدول زمني أو آلية تنفيذية.
الخطة من النص إلى الواقع: كيف تبلورت الاستجابة على الأرض؟
كان قد أعقب اجتماع السراي الكبير، الذي أُعلنت خلاله الخطة الحكومية، اجتماعٌ في سرايا طرابلس، يوم الحادي عشر من شباط، لوضع “آلية تنفيذية واضحة” واعتماد “متابعة يومية دقيقة لضمان حسن التنفيذ“9بحضور وزيرة الشؤون الاجتماعية ومحافظ الشمال بالإنابة وعدد من أعضاء المجلس البلدي ورئيسه، وممثلين عن الأجهزة الأمنية والعسكرية، والإدارات المعنية بإدارة الكوارث والصحة والتنظيم المدني، وممثلون عن منظمات دولية وغير حكومية.. أعاد الاجتماع هذا التأكيد على مقرّرات اجتماع السراي الكبير وتوسّع بعض الشيء في التفاصيل، إذ تمّ الاتفاق على مباشرة البلدية تنفيذ قرار إخلاء المباني الـ ١١٤ الآيلة للسقوط، ووضع آلية لتنظيم عملية الإخلاء وتوجيه العائلات إلى مراكز الإيواء، مع تحديد الجهات المسؤولة عن تقديم المساعدات. كما نصّت المقررات على تحديد “أسبوع كحد أقصى” للإقامة في مراكز الإيواء، على أن يُدفع بدل الإيجار خلال هذه المهلة لتأمين انتقالهم إلى مساكن بديلة. وكُلّفت غرفة إدارة العمليات في المحافظة تزويد وزارة الشؤون الاجتماعية بعناوين الأسر النازحة لتأمين المساعدات. كما وتقرّر إعداد لائحة بمراكز الإيواء مع العمل على توسيعها بالتعاون مع الوكالات والمنظمات الدولية والجمعيات الأهلية، إضافةً لتعيين منسقين من وزارة الشؤون الاجتماعية في المراكز لمتابعة أوضاع العائلات، وإنشاء آلية بلديّة “لتنظيم سوق الإيجارات” عبر تسجيل العقارات الشاغرة.
وبهدف تتبّع مسار هذه الاستجابة ومدى تنفيذ الخطة ميدانياً، أجرينا مقابلةً مع رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة في 23 نيسان 2026. بحسب كريمة، بدأ مسار الاستجابة بافتتاح البلدية خط ساخن لاستقبال بلاغات السكان؛ وسرعان ما تراكمت البلاغات وتخطى عددها ٨٠٠ مبنى يخشى سكانه من احتمال انهياره. منذ ذلك الحين، شرعت البلدية، عبر مصلحة الهندسة فيها، وبالتعاون مع نقابة المهندسين في الشمال، في كشف أولي ميداني يومي لهذه المباني.
حتى تاريخ المقابلة أجرت البلدية كشوفات أولية على نحو ٥٥٠ مبنى من أصل أكثر من ٨٠٠. واعتبر الرئيس أنّ أهمية هذه الخطوة تكمن في تنظيم ملف إداري موحّد؛ يوثّق الشكاوى والتقارير والمخاطر وقرائنها الفنية. وأوضح أنّ البلدية تنوي إتاحة هذه المعطيات للرأي العام بعد استكمال الكشف؛ وأشار أيضًا لاحتمال توظيف إنجاز الكشف والملف في جذب تمويل الجهات المانحة.
كخطوة ثانية، وبناءً على نتائج الكشوفات، ووفقاً لصلاحيات البلدية ومسؤولياتها بحسب المادة 18 من قانون البناء رقم 646/2004، قامت البلدية، حتى تاريخ المقابلة، بإخلاء نحو ٧٤ مبنى، في طرابلس القديمة ومناطق التبانة والقبة وضهر المغر والزاهرية. هذا فيما يتداول سكّان المدينة أنّ الإخلاءات ما زالت آخذةً في الاتساع، وقد جاوزت حدود العشرات إلى مئات المباني. وفي هذا المسار، أصدرت البلدية إنذارات ترميم تطالب مالكي المباني المهددة وشاغليها بالتدعيم والترميم الفوري، لتتبعها بعد مدة بإنذارات إخلاء في حال عدم امتثال المالكين للإنذار الأول.
أمّا في مسألة الإيواء، فقال رئيس البلدية أنه أُنيطت بالهيئة العليا للإغاثة مسؤولية تأمين بدلات الإيواء للعائلات التي أخلت منازلها، حيث تمكّنت، بالتنسيق مع الحكومة، من تأمين الأطر والموارد اللازمة لصرف هذه البدلات بقيمة ٩٠ مليون ل.ل. (أي حوالي 1000 دولار أميركي) لكل عائلة تُصرَف فصليًّا لمدة سنة. وإلى جانب الدعم المالي، جرى اعتماد المعهد الفندقي في الميناء كمحطة إيواء انتقالية تستقبل العائلات التي يتعذّر عليها إيجاد مسكن بديل مباشرةً بعد الإخلاء، وذلك لمدة أسبوع كحد أقصى بانتظار تسلّمهم بدلات الإيجار ومغادرة المركز، في إطار تنسيق جمع الهيئة وخلية الأزمة ولجنة إدارة الكوارث في المحافظة.
غير أنّ رئيس البلدية يقرّ بأنّ مسار الإيواء تعثّر عند نقطة مركزية تتصل بـ«سوق الإيجارات». فالمبادرة الهادفة إلى إنشاء آلية تربط العائلات بالشقق الشاغرة داخل المدينة لم تُثمر، في ظلّ ارتفاع متسارع في الأسعار، غذّاه تلاعب “السماسرة والمضاربين” في لحظة ضغطٍ استثنائي. وعليه، تراجعت البلدية عمليًا عن فكرة ضبط سوق الإيجارات أو تنظيمه، لتترك العائلات في مواجهة سوقٍ يتفاعل مع الأزمة بوصفها فرصة استثمارية، مع هزالة قيمة البدل في مواجهة جشع السماسرة.
وفيما يخص التدخلات المباشرة، أوضح رئيس البلدية أنه جرى إسناد قرابة ١٦ مبنى. وفي هذا السياق، شدّد على التمييز بين الإسناد والترميم؛ معتبرًا أنّ الإسناد “إجراء احترازي وغير مستدام،” يقوم على تركيب ركائز أو دعامات حديدية أو خشبية لمنع الانهيارات الفورية دون أن يُشكّل علاجاً لأصل المشكلة الإنشائية، في حين أنّ الترميم الإنشائي، المستند إلى معايير الاستدامة، لم يدخل بعد حيّز التنفيذ. وأوضح الرئيس أنّ بعض أعمال الإسناد والتدعيم نُفّذت بمساهمة جهاتٍ محلية تعاونت مع البلدية، وتمكّنت، في أفضل الأحوال، من دعم أربعة أو خمسة مبانٍ. غير أنّ هذه المبادرات، كما تعي البلدية، محدودةٌ ولا ترتقِ إلى مستوى برنامجٍ عام ذي موارد مستقرة وآليات مؤسساتية. أمّا عندما يتبيّن بالكشف الأولي أنّ حالة المبنى تحتاج إلى دراسةٍ متعمّقة، ينتقل الملف إلى الهيئة العليا للإغاثة، التي تُحيله بدورها إلى استشاريين هندسيين (شركة خطيب وعلمي) لإجراء الدراسات الإنشائية اللازمة. وعلى ضوء هذه الدراسات تصدر التوصيات الفنية التي أفضت، حتى الساعة، في كثيرٍ من الحالات، إلى التوصية بالهدم لا بالتدعيم.
قراءة نقدية في قصور الخطة والتنفيذ الميداني
إن تفكيك محتوى الخطة الحكومية والردود الرسمية ومطابقتها مع التنفيذ الميداني في طرابلس يظهر جوهر القصور في الاستجابة الراهنة. وفي هذا الجزء من التعليق، نشارك أوجه القصور هذه بناءً على التحليل و العمل البحثي لفريق «استديو أشغال عامة» حول ملف انهيار المباني في لبنان، وتقصّي الأسباب الجذرية لتدهور البيئة المبنية؛ ولا سيّما تفكيك الفريق لتوزيع المسؤوليات بين الجهات المعنية ومن كان بإمكانه التدخل لإنقاذ الناس، إضافة إلى المطالب التي طورها الفريق وشاركها في الكتاب الموجه إلى المسؤولين والمُعنون: «ضمانات الحق في السكن والعودة: كتاب إلى المسؤولين حول أزمة الأبنية المهدّدة بالانهيار في طرابلس».
تتجلّى أولى معالم هذا القصور في كون اختيار المسوحات الحالية عملية تُحرّكها نتائج مسوحات سابقة متفرقة وبلاغات السكان المتخوّفة عبر الخط الساخن؛ أي أنها تعتمد على تقييماتٍ موضعية لا تعكس حجم الخطر الفعلي -الذي يُرجّح تجاوزه الـ 800 مبنى المبلّغ عنها بكثير . كما أن هذه المنهجية غير مقرونة بقراءة عامة وشاملة لواقع الأحياء المهددة بأكملها؛ من ناحية أخرى، تركّز الكشوفات على البُعد التقني والوضع الإنشائي للمبنى من دون أن يأخذ جمعُ البيانات في الحسبان الواقع الاجتماعي والاقتصادي لقاطنيه، فضلاً عن استمرار حجب هذه المسوحات والتقارير الفنية وعدم إتاحتها للرأي العام.
> يفرض هذا القصور انتقال الخطة والاستجابة نحو مسحٍ شامل ذي منهجية واضحة لاختيار مواقع المسح، لا المباني كمبانٍ منفردة فحسب بل كأحياء أو مجموعة مبانٍ، وأن يكون أيضاً متعدّد الأبعاد يتخطّى مجرّد تعداد المباني المتصدّعة فيشمل مقاربة اجتماعية واقتصادية لأحياء المدينة المتنوّعة، حمايةً لنسيجها العمراني الاجتماعي وحقوق قاطنيها، مع إتاحة البيانات والتقارير الفنية للرأي العام كشرطٍ أساسي للتخطيط والمساءلة.
أما الإشكالية الثانية فتتجلى في مرحلة ما بعد الكشف؛ إذ تواصل البلدية توجيه إنذارات للمالكين والشاغلين تُطالبهم فيها بتنفيذ أعمال التدعيم أو الترميم الفوري خلال مهل قصيرة لا تتجاوز أحياناً أسبوعين، تحت طائلة الإخلاء ثم الهدم. ورغم استناد البلدية في ذلك إلى الصلاحيات الممنوحة لها بموجب قانون البناء (رقم 646/2004)، إلا أن هذه الممارسة تتخذ شكلاً إجرائياً يسعى إلى رفع المسؤولية القانونية عنها، دون أن تقترن بآليات تحيلهم مباشرة إلى الهيئة العليا للإغاثة، أو إلى الصندوق المخصّص للتمويل، في تناقض صريح مع أحد بنود الخطة الحكومية ومقرّر مجلس الوزراء الصادر في 9 تموز، اللذين ينيطان بالهيئة مسؤولية أعمال التدعيم والترميم عبر صندوق الهبات المرتقب.
> بناءً عليه، تتطلّب معالجة هذه الإشكالية تحديداً صريحاً ومُعلناً لمسؤوليات التدعيم والترميم وآليات تمويلها والجهات المكلّفة بها وفق ما نصّت عليه الخطة، إلى جانب تكريس الشفافية التامة لمنع هذا التناقض بين قرارات السلطة المركزية والممارسات البلدية الميدانية، وضمان وصول الدعم المالي والتقني إلى مستحقّيه فعلياً.
وتتفرع عن هذه الإشكالية عقبة قانونية؛ ففي حال رغب السكان والمستأجرون أو اضطرّوا للتحرّك بذاتهم لإنقاذ مساكنهم عبر مبادرات فردية أو جماعية، فإنهم يصطدمون بحصر حق الاستحصال على تراخيص الترميم بالمالك حصراً، الأمر الذي يُعرقل هذه المبادرات تماماً.
> ضماناً لعدم تحول إنذارات التدعيم والترميم إلى وسيلة للإخلاء والتهجير، تستوجب هذه الإشكالية استحداث آلية إدارية استثنائية وطارئة تُخصَّص للمباني المتصدعة، وتُتيح للمستأجرين والقاطنين الاستحصال على تراخيص الترميم والتدعيم بشكل مباشر.
وتتجلّى الإشكالية الرابعة في مرحلة ما بعد الإخلاء، حيث تنكشف محدودية أفق بدلات الإيواء التي تُمنح عبر الهيئة العليا للإغاثة لمدة سنة واحدة دون أي رؤية لمرحلة ما بعد انقضائها، وفي غيابٍ تام لمتابعة منهجية أو مسار يجيب العائلات عن أسئلة العودة وشروطها ومواعيدها ومصير العقود السكنية، لا سيما للمستأجرين القدامى. وحتى مع إقرار الحكومة مؤخراً الموافقة على استمرار دفع هذه البدلات، إلا أن هذا القرار جاء مبهماً دون تحديدٍ واضح لفئات المستفيدين أو للمدى الزمني والسقف المالي لهذا الاستمرار10في قرار الجلسة الحكومية تاريخ 9 تموز 2026... وإن محدودية قيمة هذه البدلات مع فشل السلطات في ضبط «سوق الإيجارات»، أدّى إلى اضطرار بعض العائلات للعودة إلى منازلها المتصدعة والمعرّضة للانهيار، وهو ما استدعى بدوره تدخّل القوى الأمنية لإعادة إخلائها قسراً.
> تستوجب هذه الإشكالية أن تقارب الخطة الإيواء والعودة كمسارٍ واحد ومترابط، عبر تخصيص مساكن مؤقتة قريبة من مناطق السكن الأصلية بالاستفادة من المساكن والشقق الشاغرة، ووفق جدولٍ زمني واضح وشامل لكل من كان يقطن المبنى المهدّد، سواء أكان مالكًا أم مستأجرًا، وسواء أكانت إقامته رسمية أم غير رسمية، وبصرف النظر عن جنسيته، تماشيًا مع المسؤوليات المحدّدة في مرسوم إنشاء الهيئة العليا للإغاثة، وباعتماد أطر تشاركية تأخذ بعين الاعتبار أولويات السكان بدلاً من الاكتفاء ببدلات الإيواء محدودة الأفق والتمويل.
أما الإشكالية الخامسة فتكمن في الغياب التام لـمسارٍ واضح ومُحدّد لإعادة تأهيل الأبنية المتصدعة، وضمان عودة السكان إليها، وإعادة بناء الأبنية المنهارة أو التي تُهدم، مع الحفاظ الكامل على الحقوق السكنية لقاطنيها. إذ تُقرّ بلدية طرابلس، على لسان رئيسها، بعدم امتلاكها الموارد والقدرات الكفيلة بإطلاق ورشة ترميم شاملة أو “إعادة تنظيم مناطق كاملة بمفردها”؛ وهو عجزٌ طبيعي ومبرر بالنظر إلى ضخامة الملف التي تتجاوز قدرات أي سلطة محلية منفردة. غير أنّ الخطة الحكومية لم تضع إطاراً تنفيذياً شاملاً في هذا الإطار؛ بل اقتصرت في بندها الخامس على إناطة مسؤولية جزئية بالهيئة العليا للإغاثة للمباشرة بـ “تدعيم الأبنية القابلة للتدعيم وهدم تلك الآيلة للسقوط”، دون أي تطرق للترميم أو إعادة البناء، سوى مؤخّراً عبر قرار الحكومة بإنشاء صندوق خاص يجمع الهبات لتمويل أعمال تدعيم وترميم11في جلستها المنعقدة في 9 تموز 2026.. وفي ظلّ هذه الضبابية، يأتي حديث البلدية عن إمكانية “استقطاب المستثمرين” كمؤشرٍ خطير على انقلاب منطق الاستجابة الرسمية نحو مقاربةٍ تُسلّم الملف برُمته لديناميات السوق وشروطه12ويتقاطع هذا التوجه المحتمل مع طرحٍ سابق قدّمه النائب إيهاب مطر في منتصف آذار، عبر كتابٍ إلى البلدية يقترح فيه “تعديل عامل الاستثمار في منطقتي القبة والتبانة،” تحت عنوان “تحفيز الاستثمار وإعادة الإعمار في هاتين المنطقتين الأكثر خطورة وتصنيفًا لجهة الأبنية الآيلة للسقوط، في ظل إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار بسبب غياب الحوافز.” ويأتي هذا الطرح امتداداً لاقتراح قانون كان قد قدّمه النائب نفسه في المجلس النيابي لمعالجة انهيارات المباني، يسمح عبره بإضافة طوابق إضافية إذا ثبتت الإمكانية الفنية والهندسية لذلك.. وهنا يبرز التساؤل: ما الضمانات كي لا يتحول إخلاء السكان، تحت ستار السلامة العامة، إلى تهجيرٍ مقنّع يفسح المجال أمام تغوّل رأس المال العقاري واستبدال النسيج العمراني والاجتماعي للأحياء المتهالكة بنسيج مختلف طبقياً وعمرانياً؟
> يتطلب هذا الواقع ضمان إلزامية الترميم الإنشائي ووضع خطة إصلاح وترميم شاملة للمباني المتصدّعة تُصاغ على ضوء المسوحات الميدانية، وتراعي الوضع الإنشائي للمباني جنباً إلى جنب مع الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لسكانها، وتلتزم بمعايير السلامة العامة والحق في السكن، وذلك ضمن إطار مؤسسي يجمع بين وزارة الأشغال العامة والنقل، ووزارة الثقافة، ونقابة المهندسين، والبلدية. كما المطلوب مقاربة تبتعد عن المعالجة المنفردة أو المعزولة للمباني، والتأسيس لبرامج متكاملة لإعادة تأهيل الأحياء المتهالكة في طرابلس، بالنظر إلى أن نسيجها العمراني والاجتماعي يتطلب رؤية شاملة لا تفصل المباني عن محيطها. وتزامناً مع ذلك، يُفترض بالخطة أن تُوضح صراحةً—في حال تبين أن الحالة الفنية للمبنى تستوجب الهدم بدلاً من الترميم، أو في حال انهياره فعلياً—آلية إعادة البناء ومصادر التمويل اللازمة لها، مع ضمان انخراط السكان والمستفيدين ومشاركتهم الفعالة في تصميم هذه الآليات وتحديد أولوياتها. وهو ما يعني بأن الخطة يجب تبدأ بالاعتراف بقيمة النسيجين العمراني والاجتماعي، وبأن أي عملية تمويل يجب أن تخدم هدف الحفاظ عليهما لا أن تضحّي بالسكان في طريقها للحفاظ على المباني.
أخيراً، تتجاهل الخطة الحكومية الفجوة التشريعية المرتبطة بالسلامة العامة. فالأطر القانونية الحالية—لا سيّما قانون البناء (رقم 646/2004) والمرسوم الناظم للسلامة العامة (رقم 14293/2005 والمعدَّل بالمرسوم 7964/2012)—تُلقي بمسؤولية صيانة المباني وتدعيمها كاملاً على عاتق المالك، في حين تحصر دور البلديات في مجرّد الكشف وتوجيه إنذارات الإخلاء أو تنفيذ الهدم، دون تزويدها بالصلاحيات أو الموارد أو الأدوات التنفيذية اللازمة للتدخل الفعلي لإنقاذ المباني. ويرافق ذلك ضبابية شديدة في تحديد مسؤوليات باقي الأجهزة الرسمية، إلى جانب خللٍ أساسي يتمثل في عدم إلزامية تطبيق شروط السلامة العامة على الأبنية القائمة قبل تاريخ صدور المرسوم. يُبقي هذا الاستثناء المباني التراثية والقديمة التي تشكّل الجزء الأكبر من الرصيد العمراني في لبنان—وبالأخص في طرابلس—خارج أي إطارٍ رقابيّ مرتبط بالسلامة العامة13إنّ مرسوم السلامة العامة (رقم 14293 الصادر عام 2005 والمعدَّل بالمرسوم 7964 عام 2012) يفرض شروط السلامة الإنشائية على الأبنية المُشيَّدة حديثًا حصرًا، من دون أن يُلزم بفحصٍ دوري أو خطة تأهيل للأبنية القائمة قبل صدوره أو تعديله. أي أنه يترك الرصيد العمراني الأقدم خارج أي إطار رقابي مُلزم؛ وهو ما بيّنه تعليق استوديو أشغال عامة على “مرسوم السلامة العامة: لا ضمان لسلامة السكان ولا وقف لتدهور البيئة العمرانية“، وفصّلته لاحقاً دراسته “الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني” (كريستينا أبو روفايل، عبير سقسوق، تالا علاء الدين، تموز 2024).
> وعليه، من الضروري معالجة هذا الخلل التشريعي وتدارك غياب الأدوات التنفيذية والموارد، عبر تقديم اقتراحات وتعديلات قانونية حاسمة على قوانين البناء والمراسيم الناظمة للسلامة العامة، لتكون هذه التعديلات التشريعية جزءاً أصيلاً من الخطة الحكومية، لا مجرد ملحقٍ هامشيّ بها.
من معالجة النتائج إلى المواجهة الجذرية للأزمة
بناءً على ما تقدّم، يتّضح أن الاستجابة الرسمية والخطة المطروحة -بمستوييها المركزي والمحلي- تظل، وإن أخذت بعين الاعتبار كل الاقتراحات لمعالجة الإشكاليات التي طرحناها، مقاربةً تكتفي بالتعامل مع نتائج المشكلة بعد وقوعها دون أن تتطرق إلى أسبابها الجذرية. فلا معالجة تشريعية لإشكاليات قانون البناء وقصور أنظمة السلامة العامة، ولا مراجعةَ لتصنيفات المخططات التوجيهية، فضلاً عن غياب الرؤية التخطيطية الشاملة لمدينة طرابلس التي تُرِكت لمنطق الربح الذي يقود سوق السكن وعمليات البناء. إن إغفال هذه الأسباب الجذرية يضمن إعادة إنتاج الأزمة نفسها مستقبلاً، ويحول دون أي معالجة حقيقية تضمن حماية النسيج العمراني والاجتماعي للمدينة ككل. كما أن الخطة لم تلتفت إلى الأزمة المحلية في طرابلس بوصفها جزءاً من أزمة التدهور الشامل للبيئة المبنية على الصعيد الوطني. والتي لا تكفي مقاربتها أو معالجتها محلياً فحسب.
ويكشف الاستعراض الميداني لتنفيذ «الخطة» ذات البنود السبعة على الأرض أنها قد اخُتزِلَت عملياً في الإخلاء وصرف بدلات الإيواء. بينما يظلّ مسار الترميم والتدعيم الإنشائي وإعادة البناء غائباً وغير واضح الأفق.
يفتح ذلك مجالاً واسعاً للتنصل من المسؤوليات، بل يهدّد بالانقلاب على منطق السلامة العامة لصالح تسليم الملف لمنطق «الاستثمار» في أحياء يعجز قاطنوها عن الصمود أمام ضغوط سوق يتلاعب به السماسرة والمضاربون. وفي مثل هذه الظروف، لا يحتاج الإحلال الطبقي والعمراني إلى قرار رسمي صريح ليتحقق، إذ يكفيه استمرار هذا الواقع.
لذا، فإن السؤال عن الضمانات التي تحول دون تحول الإخلاء إلى تهجيرٍ مقنّع هو الاختبار الحقيقي للخطة برمتها: هل تتعامل مؤسسات الدولة مع سكّان طرابلس بوصفهم أصحاب حق في السلامة والسكن، أم كعائق أمام «استثمار» المدينة؟ لن يأتي الجواب من داخل أجهزة الدولة وحده؛ فميزان القوى الاجتماعي والشعبي هو الذي سيحدد مآل هذه الخطة، وسكان المدينة أنفسهم—لا سيّما الفئات التي تدفع اليوم الكلفة الأكبر—هم الطرف الحاسم في هذه المعادلة إذا ما انتظموا لاستعادة حقوقهم المشروعة.
ختاماً، يظل من الضروري التذكير بأنّ أزمة البيئة المبنية المتدهورة في طرابلس وكلّ لبنان هي نتاج تراكم عقودٍ من السياسات التي جرّدت السلطات العامة من الأدوات والقدرات والأطر التشريعية اللازمة لمواجهة الأخطار. وفي غياب مبادرة رسمية جادة من الحكومة ومؤسساتها لمعالجة الفجوة التشريعية عبر اقتراح تعديلاتٍ على قوانين البناء والسلامة العامة—لتكون جزءاً أصيلاً من الخطة لا ملحقاً هامشياً بها—ستظل الاستجابة الرسمية أسيرة منطقٍ إجرائي قاصر يتفاعل مع الفاجعة بعد وقوعها، بدلاً من التأسيس لمعالجة جذرية شاملة تحمي طرابلس وأهلها وتمنع تكرار الكارثة.
المراجع:
- 1يستند هذا الرقم إلى البلاغات الواردة إلى مرصد السكن في استديو أشغال عامة والعمل الميداني الذي أنجزه المرصد بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، والذي وثّق خلاله ٣٧ حالة لمبانٍ مهدّدة بالانهيار في طرابلس، توزّعت بين أحياء باب الرمل والزاهرية وباب التبانة وأبو سمرا وجبل محسن، إلى جانب حالات متفرقة في الميناء والبداوي، على ما فصّله تقرير “طرابلس تحت الخطر: تقرير حول تدهور البيئة المبنية ومسار التحركات من أجل الحق في السكن” الصادر في ٣٠ تموز ٢٠٢٥. ويندرج هذا التوثيق في مسارٍ بحثي أطول أنجزته المؤسسة حول تدهور المدينة القديمة وأحيائها الشعبية، بدءاً من مقال “طرابلس: مدينة أثرية على حساب سكانها” وتحوّل تصنيف مناطق مثل حي تحت السباط إلى شرط ترميمٍ تعجيزي يفوق قدرة أهلها، وصولاً إلى تقرير “الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني”، الذي حلّلت فيه ثغرات مرسوم السلامة العامة وغموض توزّع مسؤوليات الصيانة بين المالك والبلدية والدولة.
- 2منظمة العفو الدولية، “لسنا بأمان هنا: الحكومة تخذل سكان المباني الآيلة للسقوط في طرابلس“، رقم الوثيقة MDE 18/7703/2024 (لندن: منظمة العفو الدولية، 20 شباط/فبراير 2024)، 5.
- 3المصدر نفسه، 3.
- 4بحسب مقابلة أجريناها مع رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة بتاريخ 23 نيسان 2026.
- 5بالتعاون مع مبادرة غربال
- 6جواب مجلس الوزراء (19 أيار 2026): أشار الجواب إلى القرار رقم 12 (تاريخ 4 نيسان 2025) المكلِّف للهيئة العليا للإغاثة بتحديد الأبنية المتصدعة وغير الصالحة للسكن في المدينة وتأمين مراكز الإيواء لسكانها بعد تحديد الكلفة التقديرية لذلك، والقرار رقم 3-4 (تاريخ 7 أيار 2026) القاضي بالموافقة على استصدار مشروع مرسوم لإبرام مذكرة تفاهم بين مجلس الإنماء والإعمار والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، لتأمين هبة بقيمة 500 ألف دينار كويتي لدراسات المسح الإنشائي، على أن تكون الهيئة العليا الجهة المستفيدة والقائمة على تنفيذ المشروع.
- 7جواب الهيئة العليا للإغاثة (10 حزيران 2026): يوضح الجواب أن العمل يخضع لتسلسل إداري يتوجب فيه على البلدية أولاً الكشف الأولي وإصدار إنذارات الترميم أو الإخلاء لتتدخل الهيئة بعدها عبر مسارين: مسار يتمثل في صرف بدلات الإيواء للعائلات التي أخلت منازلها، ومسار آخر يتمثل في تكليف استشاريين بإجراء كشوفات ميدانية، قد تمتد إلى فحوصات مخبرية لمواد البناء مثل الباطون والحديد عند الضرورة. وحتى تاريخ الجواب، أكّدت أنها لم تحصل بعد على تمويل دراسات المسح الإنشائي، وأن المسار لا يزال في حدود المراسلات بانتظار موافقة الجهة المانحة الكويتية.
- 8الوارد يوم 15 حزيران 2026.
- 9بحضور وزيرة الشؤون الاجتماعية ومحافظ الشمال بالإنابة وعدد من أعضاء المجلس البلدي ورئيسه، وممثلين عن الأجهزة الأمنية والعسكرية، والإدارات المعنية بإدارة الكوارث والصحة والتنظيم المدني، وممثلون عن منظمات دولية وغير حكومية.
- 10في قرار الجلسة الحكومية تاريخ 9 تموز 2026.
- 11في جلستها المنعقدة في 9 تموز 2026.
- 12ويتقاطع هذا التوجه المحتمل مع طرحٍ سابق قدّمه النائب إيهاب مطر في منتصف آذار، عبر كتابٍ إلى البلدية يقترح فيه “تعديل عامل الاستثمار في منطقتي القبة والتبانة،” تحت عنوان “تحفيز الاستثمار وإعادة الإعمار في هاتين المنطقتين الأكثر خطورة وتصنيفًا لجهة الأبنية الآيلة للسقوط، في ظل إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار بسبب غياب الحوافز.” ويأتي هذا الطرح امتداداً لاقتراح قانون كان قد قدّمه النائب نفسه في المجلس النيابي لمعالجة انهيارات المباني، يسمح عبره بإضافة طوابق إضافية إذا ثبتت الإمكانية الفنية والهندسية لذلك.
- 13إنّ مرسوم السلامة العامة (رقم 14293 الصادر عام 2005 والمعدَّل بالمرسوم 7964 عام 2012) يفرض شروط السلامة الإنشائية على الأبنية المُشيَّدة حديثًا حصرًا، من دون أن يُلزم بفحصٍ دوري أو خطة تأهيل للأبنية القائمة قبل صدوره أو تعديله. أي أنه يترك الرصيد العمراني الأقدم خارج أي إطار رقابي مُلزم؛ وهو ما بيّنه تعليق استوديو أشغال عامة على “مرسوم السلامة العامة: لا ضمان لسلامة السكان ولا وقف لتدهور البيئة العمرانية“، وفصّلته لاحقاً دراسته “الأسباب الأساسية وراء الانهيار المتزايد للمباني” (كريستينا أبو روفايل، عبير سقسوق، تالا علاء الدين، تموز 2024)


A Proposal to Address Building Collapses:
Filling the Legal Void Does Not Replace the State
Building collapses in Lebanon are no longer isolated incidents, but the result of a long accumulation of neglect and the state’s retreat from its responsibilities toward public safety. The latest draft law proposed ...