كفركلا، جنوب لبنان: حكايات الأرض وأهلها في وجه الإبادة

يأتي هذا النص1 استُخدمت الخرائط المتوّفرة في هذا النص ضمن ورقة بحثية مشتركة بين “استديو أشغال عامة” و”مبادرة الإصلاح العربي” بعنوان “في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان: توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام”. في إطار  بحثٍ أوسع أجراه استديو أشغال عامة حول الإبادة البيئية في جنوب لبنان، حيث جرى خلال العام الماضي توثيق الأضرار البيئية والزراعية الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية والجنوبية، إلى جانب تنظيم ورش عمل ومقابلات مع الأهالي المتضررين/ات والجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية لتحليل أولويات العودة والتعافي وإعادة الإعمار من منظور بيئي واجتماعي. في هذا السياق، أعدّ استديو أشغال عامة ورقة بحثية تهدف إلى تقييم السياسات الحالية وتقديم توصيات حول كيفية انخراط الدولة اللبنانية، والسلطات المحلية والمجتمعات في جنوب لبنان، ومنظمات المجتمع المدني في معالجة الأضرار الناتجة عن الإبادة البيئية التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان. كما أعدّ منشوراً يلخّص بشكلٍ مبسط أبرز النتائج والتوصيات الواردة في الورقة البحثية. وقد وُزع هذا المنشور خلال ندوة عامة لإطلاق الورقة البحثية، كأداة لفتح نقاش حول مسارات تشاركية للمناصرة ولمواجهة الإبادة البيئية في جنوب لبنان ولتعميمه على نطاق واسع ممّا يتيح إشراك فئات متنوّعة، بما في ذلك متضررين/ات، صناع القرار، .باحثين/ات، ناشطين/ات، والفاعلين/ات المعنيين/ات.وقد نُشر هذا النص باللغة الإنكليزية ضمن “إيكوروف” (EcoRove). كما يجدر الإشارة إلى أنّ المعلومات والخرائط الواردة ضمن هذا النص والمتعلقة ببلدة كفركلا هي نتاج ورشة عمل بعنوان “تداعيات الإبادة المكانية والبيئية في كفركلا”، وقد حضرها حوالي 12 شخص من سكان كفركلا. أمّا المعلومات والخرائط المتعلقة بجنوب لبنان فهي ناتجة عن رصد استديو أشغال عامة للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.

يحمل اسم بلدة كفركلا في طيّاته معانٍ متعدّدة، تتنوع بين أصول سريانية وآرامية وتعكس تحوّلاتٍ رافقت مسار البلدة، مختزنةً حكاياتٍ ترويها الأرض وسكّانها. يُقال أن كفركلا تشير إلى “قرية العرائس2حسين سعد، “كفركلا: قرية العروس وبوابة فاطمة.. والمعبر “الرسمي” إلى فلسطين”، المدن، حزيران 2025، متاح على كفركلا: قرية العروس وبوابة فاطمة.. والمعبر “الرسمي” إلى فلسطين” حيث تعني “كفر” قرية، أمّا “كلا” فتعني “العروس”، ويغدو الاسم احتفاءً بالحياة والبدايات، وبالخصوبة والفرح الذي ارتبط بالأرض وأهلها. في مصادر أخرى، تُعرف كفركلا بوصفها “قرية المراعي”، باعتبارها مكانًا استُخدم تاريخيًا للزراعة والرعي، حيث شكّلت الأرض مورد العيش. وتذهب تعريفات أخرى إلى ربط الاسم بالماء، فتصبح كفركلا “قرية النبع”، في إشارةٍ إلى وجود الماء كمصدر للحياة. ولا يغيب التفسير الذي يرى في الاسم موقعاً محصَّناً أو مرتفعاً، لتغدو كفركلا “قرية القلعة”. بين العروس والمرعى والنبع والقلعة، يتشكّل اسم كفركلا كمرآةٍ لهويّةٍ مركّبة، تتّسع لسرديّاتٍ متعدّدة، قد تنطلق من دلالة لغوية، لكنها ترتبط بالميزات الجغرافية والطبيعية والتاريخية للمكان وتعكس علاقة الإنسان بأرضه\ا.

بالفعل، نشأت كفركلا أساساً في منطقة مرتفعة تتركز فيها عيون المياه، بوصفها قرية مبنية من الحجر والطين، تقع على أرض منحدرة، تحيط بها أشجار التين والزيتون. ولا يمكن فهم كفركلا إلّا بالنظر إلى تضاريسها والمنحدرات التي تتميّز بها، والتي كانت أساساً لتكوّن البلدة ونموها على الشكل الذي عرفناه، فهي تقع في حضن جبل العويذي، وتُحاط بسلسلة من التلال التي شكّلت حدودها الطبيعية واتصالها الجغرافي بالقرى المجاورة وبالجليل الفلسطيني. كفركلا اليوم، هي بلدة جنوبية حدودية “مسيجة بالزيتون” تواجه فلسطين، وتُعتبر الأكثر ملامسة للحدود من دون أدنى تضاريس معوّقة3 كامل جابر، “كفركلا تدفع فاتورة الحدود منذ 1948″، مناطق، آب 2024، متاح على كفركلا تدفع فاتورة الحدود منذ 1948 | مناطق نت. يفصل منازلها عن مستوطنة المطلّة الإسرائيلية شرقاً الجدار الفاصل الذي أنشأته إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000 بعد أن انسحب عبر بوابته (بوابة فاطمة في كفركلا) آخر جندي إسرائيلي في 25 أيار4 أحمد منتش، “كفركلا الحدودية جنوب لبنان أمّ البلدات المدمرة… والعودة إلى الحياة الطبيعية “قصة طويلة” (صور وفيديو)”، النهار، شباط 2025، متاح على كفركلا الحدودية جنوب لبنان أمّ البلدات المدمرة… والعودة إلى الحياة الطبيعية ‘قصة طويلة’ (صور وفيديو) | النهار.

موقع بلدة كفركلا

تتميز البلدة بتربتها الحمراء الخصبة وكون المساحات الخضراء فيها تتخطّى الـ70% من مساحتها. ويُعتبر الزيتون، الحبوب، الحمضيات والفواكه، والخضراوات أكثر المنتجات المزروعة شيوعاً. بينما تنتشر زراعة الزيتون الصوراني المحلي في البلدة، تُزرع المحاصيل الأخرى ضمن سهل الخيام/ مرجعيون المجاور. ويُعتبر زيت كفركلا من أجود أنواع زيت الزيتون، شأنه شأن زيت جارتها دير ميماس، الذي صُنف كأفضل زيت في العالم لعام 20235فرح نصور، “لبنانية تحصد الميدالية الذهبية “لأفضل زيت زيتون لعام 2023” في نيويورك… “دير ميماس الأصل””، النهار، نيسان 2023، متاح على لبنانية تحصد الميدالية الذهبية ‘لأفضل زيت زيتون لعام 2023’ في نيويورك… ‘دير ميماس الأصل’ | النهار. ويعود ذلك للمقومات البيئية المتوفّرة من نوع التربة، المناخ والمياه، عمر الأشجار، إلى جانب طريقة جمع المحاصيل. وبالرغم من أنّ شجرة الزيتون حلّت تاريخيًا مكان شجرة التين، فقد درج المزارعون على زراعة التين بين أشجار الزيتون كوسيلة طبيعية لمكافحة ذبابة الزيتون، إذ تجذبها رائحة التين وتقضي عليها. كما يساهم رعي الماعز بإنبات بذور الزيتون في عملية تكاثر الأشجار المحلية، حيث يعمد أهالي كفركلا إلى جمع الأشتال من الأحراج وإعادة زراعتها في حقولهم، ممّا يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الأرض والزراعة المحلية.

المعالم الأساسية في بلدة كفركلا
المصدر:  ورشة العمل بعنوان ” تداعيات الإبادة المكانية والبيئية في كفركلا” مع مجموعة من سكان البلدة

في كفركلا أيضاً، يضع النحالون أقفار النحل قرب الشريط الحدودي مستفيدين من وجود مناطق مزروعة باللوزيات ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث يرعى النحل، كما يرعى من أنواع عديدة من الأشجار الموجودة في كفركلا من الكينا والزيتون والجوز والحمضيات والزعتر والشوكيات، ما يجعل منتوج العسل من أجود الأنواع. وفي البحيرات الموجودة في سهل الخيام الخصب المجاور لكفركلا، تنتقل طيور الإوز حاملةً معها بيوض السمك من بحيرة طبريا، فتنمو هذه الأسماك في بحيرات المرج وتتحوّل البحيرات إلى مقصد للصيد لأهالي المناطق المجاورة. فالنحل والطيور تتنقل غير آبهةٍ بالحدود والجدران الفاصلة. 

الطبيعة لا تعرف الحدود ولا تعترف بها. فما يظهر في كفركلا ليس استثناءً، بل تعبيرٌ عن نمطٍ أوسع ميّز الجنوب اللبناني، إذ سبقت الجغرافيا الطبيعية والمنظومات البيئية تشكّلَ الحدود السياسية الحديثة، وتجلّى ذلك تاريخيًا في علاقات البشر. فبين سكان الجنوب اللبناني، المعروف تاريخيًا بجبل عامل، والممتد بين نهر الأولي وجزين شمالًا وفلسطين جنوبًا، وأهالي فلسطين، تاريخٌ طويل من التبادل التجاري وزراعة الحقول المتداخلة6مريم شعيب، “جبل عامل وفلسطين: 200 عام من الوحدة”، جنوبية، آذار 2014، متاح على جبل عامل وفلسطين: 200 عام من الوحدة – جنوبية. لكن الحدود كما نعرفها اليوم ليست إلّا نتاج حقبة استعمارية سعت لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، ورسمت خطوطاً عشوائية على الخرائط، وسيطرت على أراضٍ ليست لها وأدّت إلى عزل أجزاء من الأراضي والشعوب عن بعضها البعض. هذه المناطق ما زالت تعاني من تبعات إرث الحدود الاستعمارية مجاورةً كياناً صهيونياً محتلّاً. 

في مراجعةٍ سريعة7 Sara El- Yafi, “EXPOSING Ï$ř@€l’S CONTINUOUS UNPROVOKED AGGRESSION TOWARDS LEBANON”, April 2025, Available at https://www.youtube.com/watch?v=Yqi8_9wgMFs لتاريخ محاضر مجلس النواب، نلحظ بعض المناقشات حول الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية. في عام 1949، وضمن كلمة النائب ابراهيم عازار8مركز المعلوماتية القانونية – الجامعة اللبنانية، “الدور التشريعي السادس-6-العقد العادي الاول-محضر الجلسة الرابعة-1949″، أيار 2026، متاح على ‪legallaw.ul.edu.lb/PeriodSessionLandingPage.aspx?TextID=18735&SessionID=1772&searchtext1=ابراهيم عازار&searchtext2‬، أحاط المجلس بوجود مأساة بحيث أنه “بعد ما جلا اليهود عن هذه القرى (الحدودية) التي شرّد أهلها، وجد خندق في قرية حولا وضع فيه أكثرية أهالي هذه القرية أحياء ثم أطلق عليهم اليهود النار فقتلوهم جميعاً”، وأضاف “إن وضعية أهالي حولا دقيقة لأنهم لم يتمكنوا من زرع أراضيهم هذه السنة، والكثير منهم كانوا يعتاشون من زراعة أراضٍ واقعة في فلسطين”. في السنة نفسها، هاجم إسرائيليون رعاة قرب كفركلا وسرقوا البقر والحمير والبغال9مدونة جبل عامل، “كفركلا والمعاناة مع الإحتلال – 1949 – 1976″، حزيران 2026، متاح على https://jabalamelah.blogspot.com/2025/06/1949-1976.html. وفي عام 1952، قدّم أهالي رميش عريضة10مركز المعلوماتية القانونية – الجامعة اللبنانية، “الدور التشريعي السابع-7-العقد الاستثنائي الثاني-محضر الجلسة الثالثة-1952″، أيار 2026، متاح على ‪legallaw.ul.edu.lb/PeriodSessionLandingPage.aspx?TextID=19550&SessionID=1841&searchtext1=رميش&searchtext2 للاحتجاج على أفراد البوليس الإسرائيلي لسرقتهم الطروش والأغنام من منطقة مرج العفوش. وفي عام 1953، أرسل أحد أهالي بنت جبيل برقية11مركز المعلوماتية القانونية – الجامعة اللبنانية، “الدور التشريعي الثامن-8-العقد الاستثنائي الأول-محضر الجلسة الثالثة-1953″، أيار 2025، متاح على ‪legallaw.ul.edu.lb/PeriodSessionLandingPage.aspx?TextID=20557&SessionID=1926&searchtext1=بنت جبيل&searchtext2‬ للاحتجاج على نهب الإسرائيليين لطروشهم بعد دخولهم الأراضي اللبنانية. 

وقد جاء في كلمة النائب علي ماضي12مركز المعلوماتية القانونية – الجامعة اللبنانية، “الدور التشريعي الثاني عشر-12-العقد الاستثنائي الأول-محضر الجلسة الأولى-1969″، أيار 2025، متاح على ‪legallaw.ul.edu.lb/PeriodSessionLandingPage.aspx?TextID=30187&SessionID=2656&searchtext1=حولا&searchtext2‬ في عام 1969 “أن سبع مزارع على الحدود من الأراضي اللبنانية هي اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي وأربعة آلاف من اللبنانيين نازحون لا يستطيعون أن يحصلوا على قوت يومهم من الخبز فقط، وقد نُسفت منازلهم في المزارع. إن هذه الأراضي الشاسعة مُنع أهلها من استغلالها نظراً لأن في ذلك خطراً على حياتهم”. وفي عام 1974، تناول النائب حميد دكروب في كلمته13 مركز المعلوماتية القانونية – الجامعة اللبنانية، “الدور التشريعي الثالث عشر -13- العقد الاستثنائي الثاني – محضر الجلسة الثانية -1974″، أيار 2025، متاح على ‪legallaw.ul.edu.lb/PeriodSessionLandingPage.aspx?TextID=31960&SessionID=2776&searchtext1=القرى الحدودية&searchtext2‬ موضوع “القصف الإسرائيلي المستمر الذي يطال القرى الحدودية من الناقورة حتى العرقوب دون استثناء، ويضرب بشكلٍ أعمى، يضرب المحاصيل الزراعية، والمحصول الزراعي هو بنسبة ضرب المزارع تماماً إذ إن العدو يستهدف تفريغ المنطقة الجنوبية من لبنان، وذلك بعزل المواطن المزارع عن أرضه”.

هذه عيّنة عن الاعتداءات الإسرائيلية المنتظمة والممنهجة التي تعرّضت لها القرى الحدودية والقرى الجنوبية منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، والذي تلاها غزو واحتلال حتى عام 2000. وبعد مرور أكثر من 25 عاماً على انسحاب القوات الإسرائيلية منها، ما زال المشهد نفسه يتكرر، لا بل زاد وحشيةً. 

منذ ٨ تشرين الأول 2023 مع بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، وتوسّعها في 23 أيلول 2024 والغزو في 1 تشرين الأول 2024، وصولًا إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 202414كان يفترض أن تنسحب بعد الاتفاق القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان خلال ستين يوماً، لكن تمّ تمديده حتى 18 شباط 2025 مع عدم التزام إسرائيل ببنود الاتفاقية وحظر أهالي 66 قرية وبلدة العودة إلى قراهم.، تشهد المناطق الجنوبية اعتداءات وحشية يومية. استهدف العدو الإسرائيلي المنازل، البنية التحتية، المرافق العامة والصحية والتعليمية، المعالم الثقافية والدينية، الغابات والأراضي الزراعية، مسببة أضرارًا جسيمة في الأشجار والمحاصيل والتربة والمياه، ودمّر قرى حدودية بشكل شبه كامل.

أشكال الدمار  والاستهدافات في بلدة كفركلا
المصدر:  ورشة العمل بعنوان ” تداعيات الإبادة المكانية والبيئية في كفركلا” مع مجموعة من سكان البلدة،  خريطة تفاعلية الجنوبيون الخضر حول الاستهدافات بالفسفور الأبيض وصور جوية لكفركلا  بتاريخ 6 تشرين الثاني 2024 و27 كانون الثاني 2025

على صعيد البيئة والزراعة، تمّ تدمير نحو 130 ألف هكتار، أي ربع الأراضي الزراعية اللبنانية15 المجلس الوطني للبحوث العلمية، “العدوان الإسرائيلي على لبنان 2023-2024، تقرير موجز حول الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار القطاعية”، كانون الأوّل 2024، متاح على CNRS-L report on Israeli Offensive against Lebanon 2023-2024 Arabic (المجلس الوطني للبحوث العلمية، العدوان الإسرائيلي على لبنان 2023-2024، تقرير موجز حول الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار القطاعية).. استخدمت إسرائيل الفوسفور الأبيض في حوالي 61 بلدة، واستهدفت الغابات والأحراج والأراضي الزراعية والمزارع في حوالي 80 بلدة16استديو أشغال عامة، “الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان: أشكال القصف، نوعية الأهداف، وعدد الشهداء المدنيات\ين”، متاح على https://publicworksstudio.com/israeli-attacks-map/. وبلغ إجمالي المساحة المحروقة 2،192 هكتار قبل وقف إطلاق النار17المجلس الوطني للبحوث العلمية، العدوان الإسرائيلي على لبنان 2023-2024، تقرير موجز حول الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار القطاعية.، و162 هكتار حتى 21 تشرين الأول 202518المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر، “الحرائق التي اندلعت في بعض المناطق الجنوبية بسبب الاعتداءات الإسرائيلية”، تشرين الأول 2025

المناطق المستهدفة بالفوسفور الأبيض في جنوب لبنان
المصدر: رصد استديو أشغال عامة للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

لم تكن القنابل الفوسفورية وغيرها من الذخائر الوسائل الوحيدة المستخدمة لتدمير البيئة وقطع علاقة الجنوبيين بأرضهم، فقد استخدمت إسرائيل التفجير، التجريف، الإحراق، ونسف أحياء كاملة في نحو 45 بلدة بعد وقف إطلاق النار، مستمرةً في الاعتداءات اليومية لمنع عودة السكان. فبالرغم من عدم وجود منازل يعود إليها السكان، تستهدف إسرائيل البيوت الجاهزة المؤقّتة التي يُجهّزها المواطنون/ات كسكن مؤقّت أو المزارعين لوضع معداتهم، إضافةً إلى المنشآت الحيوية مثل خزانات المياه  والجرافات ومراكز الإسعاف والمقاهي هادفةً إلى إحباط أي محاول لإزالة الردم، زيارة المنازل، واستعادة الحياة الطبيعية.

البلدات الحدودية التي تعرضت للنسف
المصدر: رصد استديو أشغال عامة للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان
استهداف البيوت الجاهزة في جنوب لبنان
المصدر: رصد استديو أشغال عامة للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

يحتل جيش العدو الإسرائيلي حاليًا ستة مواقع في جنوب لبنان، بينما يتحكم فعليًا بمنطقة عازلة تمتد من رأس الناقورة حتى مرتفعات جبل الشيخ، بعمق يصل إلى ثلاثة كلم، يُمنع السكان من الاقتراب منها، وتتحرك فيها قوات الاحتلال بحرية مطلقة، مانعة إزالة الردم أو البناء.

بالتالي، تسعى الإعتداءات الإسرائيلية إلى تحويل المنطقة الحدودية إلى أرضٍ قاحلة، محروقة غير مأهولة ومكشوفة عسكريّاً، ومنطقة عازلة غير صالحة للحياة ومستحيلة للزراعة، في امتداد للمشروع الصهيوني المعادي لهذه الأرض وأهلها والساعي للسيطرة عليها. ما يظهر من آثار الحرب على البيئة والزراعة والناس، لا يترك مجالًا للشك بأن الاعتداءات الإسرائيلية، شكّلت فعل إبادة بيئية وبصورة أوسع إبادة مكانية، إذ لم تقتصر الخسائر على الموارد الطبيعية، بل استهدفت صلة السكان بأرضهم وذاكرتهم وسبل عيشهم وممارساتهم الزراعية، وحولت الطبيعة إلى مسرح للتدمير والتهجير طويل المدى.

وفي ظل غياب أطر للعودة والدعم، أو لاعتراف الدولة بحقوق النازحين والمزارعين وعائلاتهم وسكّان القرى الحدودية المدمَّرة التي لا تزال ترزح تحت القصف المستمر، يُبادر السكان عبر جهود جماعية متجذّرة تسعى إلى صون الأرض في وجه العنف المتواصل. ومع أنّ هذه الممارسات التي تُصرّ على الحياة وتجسّد حقّ الانتماء إلى الأرض والاستمرارية في الوجود لا تُشكّل بديلاً عن دور الدولة في إعادة البناء وتحقيق العودة والتعافي الشامل، فإنها تفتح مساحات للعمل الجماعي.

ففي بلدتي رامية وبليدا الحدوديتين مثلاً، أنشأ السكان مساحات لقاء مؤقتة لهم وللمزارعين، شكّلت خطوة أساسية لتنسيق الخدمات الزراعية والاجتماعية، ولتنظيم النشاط الجماعي والدعم المتبادل، ريثما تتحقق العودة الكاملة وإعادة الإعمار. وفي مواجهة الأضرار البيئية الخطيرة، ظهرت مبادرات تربط بين المعرفة المحلية والعلمية، مثل مشروع لمزارع من بلدة كفركلا بالتعاون مع منظمات بيئية محلية لإنشاء مختبر جوّال لفحص التربة ومعالجتها عبر إنتاج سماد بيولوجي محلّي. أما من خلال تجمّع أبناء البلدات الحدودية، فبرزت ملامح تنظيم قاعدي يطالب بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبالتعويضات لأبناء القرى الحدودية والمزارعين، تحت شعار: “عودة – أمان – إعمار19 حنان حمدان، “تجمّع مدني لأبناء جنوب لبنان للضغط باتجاه العودة للحدود مع إسرائيل”، الشرق الأوسط، آب 2025، متاح على تجمّع مدني لأبناء جنوب لبنان للضغط باتجاه العودة للحدود مع إسرائيل“.

يُشكّل هذا مثالاً مصغّراً على مبادرات تأخذ الحاجات الآنية والجماعية في الاعتبار، حتى في ظل غياب الإعمار الفوري، وتؤسّس لمسارات قادرة على دعم الناس بوصفهم ركيزة أساسية لاستمرارية الصمود، ولترسيخ علاقة الناس بالمكان والحفاظ على صلتهم بالأرض، ولإبقاء أشكال الحياة ممكنة فيها، وصون الذاكرة الحيّة التي تختزن السردية الجماعية على الرغم من محاولات الاقتلاع.

المراجع:

إعادة الإعمار والتعافي الموارد الطبيعية ممارسات مكانية وحراك اجتماعي قضاء بنت جبيل قضاء صور قضاء مرجعيون لبنان محافظة النبطية محافظة جنوب لبنان
 
 
 

في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان:

توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام

يدعوكم «استديو أشغال عامة» و«مبادرة الإصلاح العربي» إلى حضور ندوة عامة لإطلاق الورقة البحثية المشتركة بعنوان «في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان: توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام». 📅 الإثنين 16 شباط …

الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان: أشكال القصف، نوعية الأهداف، وعدد الشهداء المدنيات\ين

يتم تحديث هذه الخريطة عبر رصد يومي للمعلومات وجمع للبيانات المتعلّقة بالهجمات من منصة المجلس الوطني للبحوث العلمية ووسائل الإعلام المحلية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي الخاصّة بها ونشراتها الإخبارية المتلفزة، كما عبر المعلومات …

ماذا نقرأ من خلال رسم خريطة العدوان الإسرائيلي على لبنان؟

إنتاج الخرائط كفعل سياسيّ مرّ أكثر من 300 يوماً على اندلاع الحرب على الجبهة الجنوبية اللبنانية تلتها الشمالية الشرقية، وخلّفت أضراراً لا تقتصر على الماديات في أكثر من 184 بلدة، حيث سقط أكثر …

عن “الإطار المرجعي لإعادة الإعمار” المقرّر مناقشته في الحكومة:

ما زال أمامنا الكثير من العمل

نقدًا لـ "الإطار المرجعي لإعادة الإعمار" الحكومي، يكشف المقال عن مقاربة تقنية ضيقة تختزل القرى والمدن في أرقام وتعويضات وتغفل قطاعات وقضايا أساسيّة، أبرزها المنطقة الحدودية. يدعو النص إلى تخيّل تعافٍ شامل يتجاوز ...

قانون الإعفاءات وإعادة إعمار المباني: لا بديل عن خطة وطنية شاملة

بعد مرور أكثر من 7 أشهر على وقف إطلاق النار في لبنان، أقرّ مجلس النواب في جلسته في 30/6/2025 أوّل تشريع متعلّق بإعادة الإعمار على إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان. رغم التطوّر الذي ...

مشروع قانون إعادة الإعمار يكرر إخفاقات الماضي: 

ليس بإعمار المباني فقط نحيي بلدات مدمّرة

بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني، عقدت حكومة تصريف الأعمال جلسةً وزاريّة في 7 كانون الأوّل استثنائياً في مدينة صور، وأقرّت "مشروع قانون يرمي إلى ...