“الجمعة الجاي على جلسة مجلس الوزراء فيه آلية إعادة الإعمار. هيدي انشالله بتقرّ، وبتكون الدولة عملت الشق القانوني والإداري تبعها.”
هكذا وصف الرئيس جوزيف عون في مقابلة على تلفزيون الجديد الوثيقة التي سوف يناقشها مجلس الوزراء وعنوانها “الإطار المرجعي لتحديد منهجية وآليات التدخل ضمن مسار إعادة الإعمار“.
وفقاً لكلامه، صاغَ الرئيس هذا المستند بوصفه ركيزة أساسية لإطلاق عملية إعادة الإعمار وتجسيداً لجهود الحكومة: “بتكون الدولة عملت الشق القانوني والإداري تبعها”. الأمر إيجابي – كحد أدنى – لأنه بات لدينا الآن، بعد مرور أكثر من عام على إعلان وقف إطلاق النار، إطار عمل لإعادة الإعمار نستطيع مناقشته. إنما الحقيقة التي يجب إطلاع الرئيس عليها هي أن المسودة ما زالت بعيدة جداً عن كونها نهاية الجهود القانونية أو الإدارية للحكومة، وما زال هناك حاجة للكثير من الجهود الرسمية لمواجهة التحديّات الكبيرة التي نتجت عن هذه الحرب. تظهر مراجعة “الإطار المرجعي” أن الدولة لا تزال أسيرة مقاربة غير مكتملة تقصي الكثير من القطاعات والقضايا المهمة، أبرزها المنطقة الحدودية. كما يرتكز الإطار على مقاربة تقنية ضيقة تختزل المدن والقرى ب “وحدات سكنية” و”أرقام تعويضات” وتجرّد الأماكن من معانيها المتعددة.
تدلّ الدراسات على أنّ أضرار الحرب كبيرة جداً، بحيث تجاوزت ثلاثة أضعاف ما تسبّبت به حرب 2006، كما أنّها امتدّت وأثّرت على العديد من القطاعات. وهي تأتي فيما يعاني لبنان من فشل في معالجة سنوات من الانهيار المالي والاقتصادي والأزمات المتعدّدة والمتداخلة. يضعنا هذا الواقع أمام تخبّط حول كيفية إعادة الإعمار في مكانٍ يفكك فيه العنف فكرةَ العدالة العمرانية من جذورها. فهل من الممكن أن نتخيّل عملية إعادة إعمار وتعافٍ شاملة، لا تكتفي فقط بمعالجة تداعيات الحرب، بل تشمل أيضاً شكل العدالة العمرانية التي نسعى إليها؟
يحاول المقال الإجابة على هذا التساؤل، عبر استعراض محتوى الإطار المقترح وتسليط الضوء على بعض إشكالياته، كما يدعو إلى عرضه للمناقشة العلنية.
في فهم الأماكن وكيفية إعمارها
في مجمّع الكاظم في الليلكي الذي يتألف من خمسة مبانٍ سكنية مهدمة بشكل كامل، هناك لجنة للسكان لتنظيم شؤون 105 عائلة كانت تسكن في المجمع، لكن العائلات مشتتة ولم تجتمع منذ بداية الحرب الأخيرة. لم يتسنّ للسكان اللقاء لمواساة بعضهم البعض ولا لمناقشة كيفية إعادة بناء مجمّعهم. مشياً على الأقدام وعلى بُعد ربع ساعة من مجمع الكاظم، في الكفاءات تحديداً، مقابل المبنى السكني الذي تعرّض لقصف أدّى إلى تشريد 24 عائلة، أُنشئت مقبرة جديدة للشهداء، وذلك لعدم اتساع مقبرة “روضة الشهيدين” لشهداء هذه الحرب الكُثر. وفي المباني المتصدعة المجاورة والمهجورة، قرّر بعض السكان إقامة معرضٍ يُخلّد ذكرى الحرب والشهداء1 تستند هذه المشاهدات إلى بحث ميداني قام به فريق استوديو أشغال عامة في كانون الأول 2025.. هنا، حيث قام الاحتلال بإبادة مكانية متعمدة، طال القصف أكثر من 16 مجمّعًا سكنيًا أسفر عن دمار واسع لأحياء بأكملها2 ريان علاء الدين، “قتل المدينة كاستراتيجية: الضاحية الجنوبية بين الاستهداف العسكري والتفكيك العمراني”، مجلة أشغال عامة، كانون الثاني 2026. بالنتيجة، لم تفقد الأسر مساكنها بشققها المنفردة وأقسامها المشتركة وبنيتها التحتية فقط، بل تعطّلت الروابط الاجتماعية والجوار اليومي.
إلى جانب هذه المجمّعات السكنية، تضرّر عددٌ كبيرٌ من الأسواق المتنوّعة التي تنتشر داخل الأحياء وتُعَدّ شريان حياة المنطقة وفضاءات للتفاعل اليومي. استعادت بعض الأسواق حيويتها اليوم، لكنّ سوق الشياح الشعبي ذو السقف التنك والذي يحوي عشرات محال الخضار والبهارات والدجاج والسمك، لا يزال مدمراً، فيما يحزن عليه روّاده من الشيّاح والأحياء المجاورة، ومن ضمنها عين الرمانة، لقدرته على تأمين احتياجاتهم اليومية بأسعار معقولة.
رغم كل هذا الدمار، بقيت شجرة الكينا في حارة حريك صامدة. لهذه الشجرة مكانة خاصة في ذاكرة أهالي المنطقة؛ ففي حرب تموز تهدّمت كافّة مباني شارع الشورى، بينما بقيت الشجرة. يعتزّ بها أهالي الحيّ كثيرًا، فهي تذكّرهم بالقوة والعزيمة. وضع شباب المنطقة تحتها اليوم صور الشهداء الذين انطلقوا من هنا واستشهدوا في الجنوب.
اللقاء – مقبرة – ذكرى – الروابط الاجتماعية – فضاءات للتفاعل اليومي – شجرة الكينا: هذه بعض مفردات الأمكنة، ومعانيها. ومن المؤكد أنّ ثمّة تعقيد في فهم الأماكن، وينبع هذا التعقيد من تعدّد العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمادية والبيئية والقانونية والعاطفية التي تساهم في تكوينها. إذًا، كيف نعيد بناء المكان ضمن هذا التعقيد، أو دون تقويض الأساسات التي جعلته ما هو عليه؟
سياق العمل على الإطار المرجعي لإعادة الإعمار ومضمونه
بناءً على مقررات حكومية وتكليف رسمي، عقدت وزارة البيئة في كانون الأول 2025 اجتماعاً ضمّ مجلس الجنوب، الهيئة العليا للإغاثة، اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، مجلس الإنماء والإعمار، وشركة خطيب وعلمي، لتحديد أولويات الإعمار. ونتج عن ذلك “الإطار المرجعي لإعادة الإعمار” الذي قدمته الوزيرة تمارا الزين إلى مجلس الوزراء في 18 كانون الأول. ماذا يتضمن الاقتراح؟
يتضمن أولاً منهجية وأولويات التدخّل الحكومي، التي يفنّدها على الشكل التالي:
- المباشرة بإطلاق أول رزمة عمل للمباني التي تحتاج ترميماً إنشائياً
- استكمال عملية مسح وتدقيق الأضرار
- إتمام اللجنة المكلفة بمتابعة ملف إعادة الإعمار ترتيب أنواع التدخّل المطلوبة وفق حجم الأضرار الممسوحة.
- بحسب توفّر الأموال، يُصار إلى تحريك المبالغ اللازمة لتغطية التدخلات الممكنة.
- بالنسبة للقرى الحدودية، يمكن للحكومة أن تحرّك التمويل اللازم لدفع بدلات إيواء.
- تحديث المعطيات بخصوص النازحين الذين ما زالوا في مراكز إيواء وإعطائهم أولوية.
ثانياً، يتضمن آلية تحديد ودفع المساعدة عن الأضرار اللاحقة بالوحدات السكنية وغير السكنية من جراء العدوان الاسرائيلي كما وتلك التي نتجت عن انفجار مرفأ بيروت. ويشمل في هذا الصدد آلية كشف الأضرار وتحديد المساعدة ودفعها؛ حالة الأضرار التي تم إصلاحها قبل إجراء الكشف وحالات استثنائية أخرى؛ وقيمة المساعدات.
وذكرت الوزيرة في كتابها إلى مجلس الوزراء أن هذا الإطار “يصلح أيضاً ليكون مرجعاً في كل الحالات التي يحدث فيها دمارٌ واسع سواء بفعل عدوان أو حادث أو كارثة طبيعية”.
ويؤكد المستند أن التحرك الرسمي، بعد أكثر من عام على إعلان وقف إطلاق النار، ظلّ مقتصراً على إعفاءات جزئية ومبادرات متفرقة. ورغم صدور ملامح خطة تعافي عن اللجنة الوزارية مؤخراً، إلا أنها غير مكتملة وتفتقر للشمولية وترتهن كلياً للتمويل الخارجي، مما يكرّس محدودية دور الدولة واستسلامها لخطاب العجز.
وقد شمل الإطار في مقدمته التقييم الشامل لأثر العدوان الإسرائيلي استناداً للتقارير الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية، واصفاً أشكال العدوان وتطوّره وتداعياته على القطاعات المتعددة. تقرّ الوثيقة بالضرر المتعدد الأبعاد والقطاعات، وتؤكّد أنّ الدراسات الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية تقدّم “صورة شاملة عن طبيعة الأضرار وأثرها، وهو ما تحتاجه الدولة اللبنانية لبناء وتنفيذ خطط للتعافي تأخذ في عين الإعتبار كافة الأبعاد البشرية، الإجتماعية، العمرانية، البيئية، الزراعية، الإقتصادية، الخ”.
هنا، يُطرح التساؤل الجوهري حول التناقض في الإطار المرجعي: لماذا يُختزل “التعافي” بالجانب المادي فقط؟ ولماذا يقوّض مفهوم مواجهة الإبادة المكانية – التي يقرّ بحصولها – بإعادة بناء الوحدات بشكل منفرد يجرّد الأماكن من معانيها المتعدّدة؟ أليست الإبادة المكانية – في تعريفها – هي التدمير الذي يتجاوز هدم المباني إلى إزالة الذكريات الفردية والجماعية، والقضاء على الروايات المكانية التاريخية داخل هذه المساحات ونسيجها العمراني؟
تجاهل النسيج العمراني وتجريد الأماكن من معانيها
في تحديد أولويات التدخّل الحكومي في إعادة الإعمار، يستند “الإطار المرجعي” على مبدأ يعتبره واقعي،، مفاده أنّ محدودية التمويل العام والخارجي تفرض علينا تبنّي معايير تركّز على تحقيق أقصى استفادة ممكنة، وذلك عبر توجيه الدعم نحو التدخلات التي تضمن عودة أكبر عدد من السكان إلى منازلهم بأقل التكاليف.
تبدأ هذه العملية بخطوة طارئة تتمثل في ترميم المباني المتضرّرة إنشائياً لمنع انهيارها وتسهيل عودة الأسر سريعاً. وبالتوازي مع ذلك، تُستكمل عمليات المسح الشامل لرفع تقارير دقيقة إلى رئاسة مجلس الوزراء. بناءً عليه، تقوم اللجنة المختصة بتصنيف التدخلات المطلوبة وترتيبها تمهيداً للتنفيذ وفقاً للموارد المالية المتاحة.
ومن الممكن التسليم جدلاً بأهمية اعتماد هذا المبدأ، إلّا أنّ الخلل الذي نريد تسليط الضوء عليه هو الربط الأحادي ما بين نوع التدخّل ونوع الضرر المادي بحسب التصنيف المادي المُعتمد (مباني مدمّرة كلّياً؛ مباني تعرضت لدمار جزئي؛ مباني ووحدات متضررة بشكل طفيف إلى متوسط؛ مباني تضررت من الناحية الإنشائية وأصبحت غير آمنة). فإنّ هذا النهج لا يزال ينظر إلى عملية البناء بوصف الأمكنة كوحدات سكنية منفردة، متجاهلاً بذلك النسيج العمراني وعناصره المكانية الأساسية، كالأسواق، ومساحات اللقاء، والمرافق الصحيّة والتعليمية، والمقابر، والدكاكين، والعلاقات الحميمة بين السكّان وأمكنتهم.
إنّ هذه المنهجية المعتمدة (والتي تترجم إلى شروط تعويض وآليات لتقييم الأضرار) تؤدي إلى تجريد المكان، وظروف المعيشة، والبنية الاجتماعية، وتحويلها إلى مجرد أرقام وخانات حول مستوى الضرر المادي الفردي. وقد أكدت تجارب إعادة الإعمار السابقة أن هذه المقاربة كانت بعيدة كل البعد عن كونها تعافياً كريماً.
للمناطق المتضررة خصوصيّات وتنوّع عمراني ثقافي واجتماعي، ويجدر على أيّ نهج لإعادة الإعمار أن يتضمّن إطاراً ونهجاً محلياً، منبثقاً من خصوصيّات المناطق وإشكالياتها وحاجات سكانها من خلال مشاريع ذات رؤى ومقاربات محليّة، تأخذ بعين الاعتبار كلّ حي وبلدة ومدينة. فإنّ التركيبة العمرانية وتحديات الإعمار في صور على سبيل المثال تختلف عن بعلبك، وعن البلدات الحدودية. ولكي يتبلور هذا النهج ويتحول إلى واقع، يجب على الخطة أن تتجاوز معايير الأضرار الفردية لكل مبنى على حدة وتوفر التمويل، وأن تتبنى رؤية تحدّد دور السلطات المحلية ومؤسسات التنظيم المدني في تلبية احتياجات كل منطقة. باختصار، لما لا نسخّر العمارة والتنظيم المدني كأدوات سياسية لتحقيق شكل التعافي الذي نطمح إليه؟
تغييب قضية المنطقة الحدودية ومحاولات تحويلها إلى مساحات عازلة
بالنسبة للقرى الحدودية والمتضرّرة بشكل كبير، تقرّ الوثيقة أنّ هذه القرى ما زالت تتعرض لاعتداءات تمنع عودة السكان أو المباشرة بالتدخلات الإعمارية بشكلٍ فوري، لكنها لا تقدّم اقتراحات أو توصيات أو منهجية بهذا الشأن، إلّا بشكل محدود من خلال سطرين حول ضرورة أن تحرّك التمويل اللازم لدفع بدلات الإيواء.
في حين أنّ المعركة الحقيقية ليست معركة تمويل الإعمار فقط، بل هي معركة إرادة لرفض تحويل مناطقنا إلى “مساحات عازلة” أو “سلع عقارية”، والتمسك بها كفضاءات للعيش والذاكرة والمقاومة بالبقاء. إحدى الوسائل التي تستطيع الدولة استخدامها للتحرك دفاعاً عن الأرض هو إرساء آليات تتحدّى الواقع الذي يفرضه الاحتلال، مثل مؤازرة العودة الآمنة للسكان وإجراء مسوحات شاملة للمخلفات الحربية وبقايا المتفجرات وإزالتها، كما ورفع الركام كأولوية قصوى، وتوفير البنى التحتية والخدمات الضرورية لإعادة الحياة إلى المناطق. ويشمل ذلك إرجاع الناس ليس فقط إلى سكنها بل إلى نشاطها، بالأخصّ المزارعين من خلال تأمين الوصول إلى الأراضي الزراعية.
وفي غياب هذا التحرّك من الدولة، يبادر السكان. ففي بلدتَي رامية وبليدا مثلاً، أنشأ السكان مساحات لقاء مؤقتة لهم وللمزارعين، كانت بمثابة خطوة أساسية لتنسيق الخدمات الزراعية والاجتماعية ريثما تتحقق العودة الكاملة وإعادة الإعمار. هذا مثال مصغّر للإعمار الذي يأخذ الحاجات الآنية والجماعية بالاعتبار ويؤسّس لمسارات قادرة على دعم الناس، حتى لو لم يتحقّق الإعمار في الحال.
وفي مواجهة الخطابات والخطط الداعية إلى تحويل المناطق الحدودية إلى منطقة عازلة أو إلى منطقة اقتصادية على غرار “خطة ترامب الاقتصادية” لجنوب لبنان، وإفراغها من سكانها، لا بدّ من إرساء رؤية وطنية للمناطق الحدودية تعزّز ميزاتها الطبيعية والسكنية وتحمي مواردها البيئية والزراعية. على أن تقوم هذه الرؤية على وضع تصوّرات اقتصادية وتنموية محلية لهذه المناطق تنطلق من مقوماتها وفقاً لتوجهات الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، كما والحدّ من بيع الأراضي ضمن هذه المناطق بما يمنع محاولات الاستغلال أو تنفيذ خطط خارجية تهدف إلى تهجير السكان والاستيلاء على أراضيهم.
اختزال قضية النزوح: كيف ننتقل من السكن كـ”منتج” إلى السكن كـ”عملية”؟
تختزل الوثيقة قضية النزوح المتعدّدة الجوانب ببند واحد حول تحديث المعطيات بخصوص النازحين اللواتي والذين ما زالوا في مراكز إيواء، وعن ضرورة إعطائهم أولوية سواء في حالة دفع المساعدة المتوجّبة أو دفع بدلات الإيواء.
يبلغ عدد النازحين 64,417 نازحاً، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة (في تشرين الأول 2025). يُظهر التقرير ذاته أن 692 نازحاً من أصل العدد الإجمالي ما زالوا مسجّلين في 9 مراكز إيواء، إلّا أنّ 85% من مجمل النازحين يسكنون عبر الاستئجار، فيما يشهد سوق الإيجارات ارتفاعاً جنونياً في الأسعار وصل إلى 50% في العاصمة وحدها. تسبّبت الإيجارات المرتفعة في استنزاف مدّخرات النازحين ومازالت، خصوصاً أن بدل الإيواء السنوي الذي تلّقوه عبر القرض الحسن لم يكن كافياً لتغطية حاجاتهم. ورغم مرور أكثر من سنتين على بدء الحرب، لم يتدخّل المعنيون الرسميون، سواء على الصعيد الحكومي أو التشريعي أو المحلي، لدعم النازحين المستأجرين أو وضع ضوابط للإيجارات إلا عبر إعلان وزارة الشؤون الاجتماعية مؤخراً في تشرين الأول 2025 عن إطلاق برنامج “النقد مقابل الإيجار”، الموجّه للعائلات الأكثر هشاشة وفق معايير محددة، وليس لجميع العائلات النازحة. على الرغم من أهميته، يبقى هذا البرنامج غير كافٍ دون وضع ضوابط أو سقوف لأسعار الإيجارات. كما يُلاحظ أن الخطاب الإعلامي والرسمي السائد حول النزوح يركّز حصراً على “بدل الإيجار والوحدة الغذائية”، متجاهلاً بذلك قضايا جوهرية، منها تشتّت السكان وانسلاخهم عن بيئتهم، وتدهور العلاقة بين العائلة النازحة ومحيطها، إلى جانب فقدان العمل والنشاط الاجتماعي للكثيرين في أماكن نزوحهم.
وهذا يعني إنه علينا النظر إلى السكن كـ”عملية” وليس كـ”منتج”، مما يمكن أن يشكّل تحولاً مفاهمياً ومنهجياً ضرورياً في جميع السياقات، وبشكل أكثر إلحاحاً خلال فترات إعادة الإعمار. ففي نموذج “المنتج”، يُعتبر السكن سلعة جامدة — أي “اسماً” — يتم بناؤها وبيعها واستهلاكها\استئجارها. أما في نموذج “العملية”، فإن السكن يصبح “فعلاً” (أي عملية الإسكان)، بما يمثله من نشاط مستمر يتكيف مع الاحتياجات المتغيرة، والروابط الاجتماعية، والواقع الاقتصادي للأشخاص القاطنين فيه.
لذا، من الضروري دعم السكان في أماكن النزوح عبر وضع خطط وبرامج شاملة، تشمل خطط إيواء تقوم على تخصيص مساكن مؤقتة قريبة من مناطق الأصل، عبر الاستفادة من البيوت والشقق الشاغرة، على سبيل المثال لا الحصر. وتهدف هذه الخطط والبرامج إلى التعامل مع قضية النزوح ليس فقط من زاوية الإيواء، بل أيضًا من خلال معالجة التشتت الاجتماعي والاقتصادي المصاحب له، والحفاظ على النسيج المجتمعي، وتأمين الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، إلى حين عودة النازحين والنازحات بأمان إلى مناطقهم، بما يُسهم في الحد من التهجير الدائم.
في التعويضات: عدالة متأخرة للأحياء المتضرّرة من تفجير المرفأ
لن نغوص في تقييم آلية توزيع التعويضات وقيمتها. لكننا نجد أنه من المحيّر أنه بعد مرور ما يقارب ٦ سنوات على تفجير المرفأ، لم يتم دفع تعويضات إعادة الإعمار للأحياء المتضررة من التفجير إلّا الآن، وذلك كشرط مسبق لصرف التعويضات للمتضررين من الحرب الإسرائيلية.في قانون إعادة إعمار المناطق المتضررة من تفجير ٤ آب الصادر في تشرين الأول 2020، كان على الحكومة إنشاء لجنة تنسيقية لمسح الأضرار والإغاثة والتعويض، وكان من أبرز مهام اللجنة جمع المعلومات المتعلقة بمسح الأضرار خلال مهلة 3 أشهر من تشكيلها وإنشاء قاعدة للبيانات المتعلقة بالعقارات المتضررة ورفع تقارير دورية الى رئاسة مجلس الوزراء، وتخمين كلفة إعادة الإعمار وتقدير قيمة التعويض المناسب. إلا أن مجلس الوزراء لم يقم بتشكيل هذه اللجنة حتى الآن. وعانى السكان جراء ذلك من سيطرة الجهات الخاصة والحزبية على عملية الترميم ووجدت العائلات غير المرتبطة بأحزاب أو جمعيات أو لها أقرباء مقتدرين، صعوبةً كبيرة في ترميم منازلها. وكانت أولويات الترميم مرتبطة بأجندات وأولويات هذه الجهات، بالإضافة إلى أنّ المباني المدمرة كلياً لم يعاد بناؤها حتى اليوم.
تغييب القطاعات الأخرى
لم تكن الحرب الأخيرة على لبنان مجرد سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية، بل ارتقت إلى عملية إبادة مكانية مُتَعَمَّدة استهدفت البيئة المبنية والطبيعية والسكان في آنٍ واحد. فلم يكتفِ الاحتلال بالتدمير المادي، بل عمل على تقويض مقومات الحياة ذاتها، من الإبادة البيئية والزراعية في القرى الحدودية، إلى تفكيك الذاكرة الاجتماعية والبنى الاقتصادية عبر استهداف الأسواق الشعبية ومساحات اللقاء في المدن.
وتؤكد وثيقة “الإطار المرجعي” على ذلك. فهي تذكر الإبادة البيئية وتحويل الجنوب إلى “محيط حيوي حربي” لتعطيل الحياة فيه؛ تضرّر المساحات الزراعية وضرب الأمن الغذائي ومصادر رزق الآلاف؛ الإبادة المكانية مع تقدير كميات الركام الهائلة الناتجة عن الدمار؛ عدوان على الإرث الثقافي؛ تعطيل البنى التحتية والقطاع التربوي والخدمات.
في الأضرار البيئية والزراعية على سبيل المثال – التي لا تُقاس فقط بالأرقام التي تبيّن حجم الخسائر – فإنّ “النُظُم البيئية قد قُتلت أو جُرحت أو شُرّدت، ومساحات شاسعة من الأرض قد حُرقت وسممت ودُمرت، وهناك آثار بعيدة المدى على سبل عيش الناس”3كريستينا أبو روفايل ويارا عبد الخالق، “في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان: توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام”، ورقة قيد النشر، مبادرة الإصلاح العربي، 2026. إذاً، نحن فعلاً بحاجة إلى عملية تَعافٍ لا تقتصر فقط على معالجة الدمار الذي طال المباني والبنى التحتية بل تشمل البعد الاجتماعي والتدهور الاقتصادي والضرر البيئي.
بالتالي وفي الحد الأدنى، على الإطار المرجعي أن يضع معالجة الأضرار البيئية\الزراعية ضمن الأولويات الحكومية، وفي الحد الأدنى أيضاً إنشاء إطار بقيادة وزارة البيئة وبمشاركة وزارة الزراعة، إلى جانب المجلس الوطني للبحوث العلمية والمؤسسات العامة المعنية، بهدف تنسيق التقييمات الميدانية، توجيه الموارد، ووضع استراتيجية التعافي.
نحو المشاركة والتضامن الاجتماعي
في الختام، يظهر “الإطار المرجعي لإعادة الإعمار” أن الدولة اللبنانية، رغم محاولتها الخجولة لاستعادة دورها الإداري والقانوني، لا تزال أسيرة مقاربة تقنية ضيقة وغير مكتملة، تختزل المدن والقرى في مجرد “وحدات سكنية” و”أرقام تعويضات”، وتقصي الكثير من القضايا المهمة. إن مواجهة الإبادة المكانية التي مارسها الاحتلال لا يمكن أن تتم عبر ترميم الجدران فحسب. فإن التعافي الذي نتوق إليه ليس حالة “ما بعد” الحرب، ولا هو عملية محصورة في حدود مادية؛ بل هو مسار يمكنه أن يرسخ العودة، ويعيد إحياء النسيج الاجتماعي، ويحمي الروابط الإنسانية التي قطعتها الحرب، ويصون الذاكرة الجماعية للأماكن.
وهو ما يتطلب أيضاً دوراً مجتمعياً يتمثّل من ناحية بضرورة معرفة الخطط التي تضعها الحكومة والمشاركة في مناقشتها وإبداء الرأي فيها. وبالتالي ينبغي إرساء أطر مشاركة واسعة في التخطيط والتنظيم والتنسيق والتنفيذ ضمن إطار عام لا مركزي لعملية إعادة الإعمار والتعافي. لا تنشأ هذه الأطر ضمن قوالب جاهزة. فإنّ سبل إيجاد آليات تُكرّس ممارسة الديموقراطية التشاركية تبقى بالغةَ الصعوبة، إلّا أنه من الحتمي العمل اتجاهها. ومن ناحية أخرى، يشكّل التضامن الاجتماعي، خاصة اليوم وفي ظل غياب أطر للعودة والدعم أو لاعتراف الدولة بحقوق النازحين والأسرى وعائلاتهم وسكّان القرى الحدودية والمدمّرة، ركيزة أساسية لاستمرارية الصمود في القرى التي ترزح تحت القصف المستمر. وبالتالي، فإن المطلوب هو تجديد أشكال التضامن الاجتماعي وتنويعها وجعلها قادرة على رسم خطاب يتحدى الأطر القائمة.
المراجع:
- 1تستند هذه المشاهدات إلى بحث ميداني قام به فريق استوديو أشغال عامة في كانون الأول 2025.
- 2ريان علاء الدين، “قتل المدينة كاستراتيجية: الضاحية الجنوبية بين الاستهداف العسكري والتفكيك العمراني”، مجلة أشغال عامة، كانون الثاني 2026
- 3كريستينا أبو روفايل ويارا عبد الخالق، “في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان: توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام”، ورقة قيد النشر، مبادرة الإصلاح العربي، 2026
مشروع قانون إعادة الإعمار يكرر إخفاقات الماضي:
ليس بإعمار المباني فقط نحيي بلدات مدمّرة
بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني، عقدت حكومة تصريف الأعمال جلسةً وزاريّة في 7 كانون الأوّل استثنائياً في مدينة صور، وأقرّت "مشروع قانون يرمي إلى ...