في إطار التدمير الممنهج لقرى الجنوب، والغارات المستمرة التي تمنع عودة السكان أو الحياة إلى القرى، يستهدف العدو الإسرائيلي قرية صغيرة جنوب شرق مدينة صيدا. منذ 2024، تمّ استهداف قاقعية الصنوبر لمدّة 15 يوم، بالإضافة إلى تهديد بالإخلاء، ليُهَجَّر من كان قد بقي في القرية من سكّان.
وفيما تتعرّض البلدة للتدمير، قامت السلطات بتغيير تصنيف مناطق زراعية فيها إلى منطقة صناعية، وذلك من خلال المرسوم رقم 2304 الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني 2026، الذي يُضاف إلى عدد من القرارات والمراسيم التي تستبيح الأرض في لبنان ويتم تمريرها حتى في ظل الحرب. في هذا النص، نقدّم تفنيداً للغارات الإسرائيلية ومعناها، معطوفاً على ممارسات السلطة في قاقعية الصنوبر بين الحربين. فما يرتكب تحت اسم التنظيم المدني في قاقعية الصنوبر وغيرها من البلدات اللبنانية يؤدي في واقع الأمر الى نهش الجبال والوديان والبراري، وتُعامل الأرض كمادّة مباحة للنهب والتخريب. وهو ما يفاقم ما يرتكبه الاحتلال من تدمير واستخراج.
جيش الاحتلال وقاقعية الصنوبر
تظهر الصور الجوية لقاقعية الصنوبر امتداد أراضيها الزراعية على مساحة كبيرة، لتشكّل معظم أراضي القرية، بينما تتجمّع البيوت في رقعة صغيرة. وهو ما يبرّر شهرة القرية تاريخياً بزراعة التين والقمح، وكونها مقصد مزارعي القرى المجاورة. أمّا اليوم، فتنتشر بساتين الفاكهة والحمضيات وكروم الزيتون فيها، وتجعلها الهضاب والوديان موقع تنزّه أهل المنطقة في الربيع، حين تمرّ بها السواقي.
تم استهداف قاقعية الصنوبر ب15 غارة منذ 2024، 8 منها خلال حرب سنة 2024، ثم 7 خلال الحرب القائمة في 2026، منها اثنتان بعد إعلان وقف إطلاق النار في 16 نيسان.
فبعد وقف إطلاق النار، تمّ تهديدها في 13 أيار، وبالتالي تهجير الناس منها، وقصفت في 16 أيار.
خاصة وأنّ القرية صغيرة نسبياً، فبحسب الموقع الالكتروني للقرية، تُظهر السجلّات وجود 3000 نسمة في القرية. وتظهر الصور الجوية امتداد أراضيها الزراعية على نسبة كبيرة من أراضي القرية، بينما تتجمّع البيوت في رقعة صغيرة.
فإن هذا العدد من الغارات، بالإضافة إلى التهجير الحاصل، ينتجان إبادةً مكانية وبيئية، يمارسهما الاحتلال الإسرائيلي، سعياً منه إلى تدمير قرية أخرى في الجنوب.
السلطة وقاقعية الصنوبر
في الخطة الشاملة لترتيب الأراضي1 قاقعية الصنوبر منطقة غير منظّمة، أي أنه لم يصدر بشأنها أي تصاميم توجيهية تنظّم عمليات البناء فيها وترشد استخدامات الأراضي، ممّا يشكّل بحد ذاته إشكالية وخلل في عمل المديرية العامة للتنظيم المدني، تقع قاقعية الصنوبر ضمن منطقة مصنّفة ريفية يمكن السماح فيها بإنشاء مؤسسات مصنفة وفق معايير بيئية. وتشتهر القرية تاريخياً بزراعة التين والقمح، وكونها مقصد مزارعي القرى المجاورة. اليوم، تنتشر بساتين الفاكهة والحمضيات وكروم الزيتون فيها، وتجعلها الهضاب والوديان موقع تنزّه أهل المنطقة في الربيع، حين تمرّ بها السواقي.
عام 2016، كان المجلس الأعلى للتنظيم المدني قد وافق على إنشاء منطقة صناعية فئة ثانية ضمن العقارات 111 و114 و115 و117 (المبيّنة بالأحمر على الخريطة أدناه)، وقد أحال إلى المديرية العامة للتنظيم المدني اقتراح منطقة انتقالية (قرار المجلس رقم 31/2016). ولكن حينها لم يكن رأي وزارة البيئة مرفقاً. وبالاطّلاع على داتا قرارات المجلس الأعلى التي لدينا وجدنا قرار رقم 2 صادر بتاريخ 15/11/2020 يتضمّن “الموافقة على تصنيف المنطقة الصناعية في منطقة قاقعية الصنوبر العقارية وفقاً للخريطة ونظام البناء المرفقين بالمحضر”. ولم يصدر بعده أي مرسوم. (وبالتالي، من المرجّح أن طلب وزارة الأشغال أمام مجلس الوزراء المتعلق بإصدار المرسوم متعلّق بقرار المجلس هذا.)
ومن الملفت أن يتمّ تصنيف أراضٍ معيّنة، في منطقة لا يوجد تصنيف فيها. فخلال عملية التصنيف، يتمّ دراسة المنطقة ككل، لمعرفة أين يمكن أن توضع منطقة صناعية، للتأكّد من عدم قربها من أحياء سكنية أو من أراضٍ زراعية أو منطقة مهمة بيئياً، كي لا تتضرّر المناطق المجاورة.
تبلغ المساحة الإجمالية للعقارات الثلاث التي تم تغيير تصنيفها 77717 متر مربّع. وفي تضارب فاقع للمصالح، فإن 75% من مساحة العقارات التي تمّ تغيير تصنيفها، بإسم رئيس البلدية السابق لقاقعية الصنوبر، قاسم محمد صالح، وهو عضو حالي في البلدية. وربّما يجيب هذا التفصيل على السبب وراء تحويل هذه الأراضي الزراعية والحرجية إلى منطقة صناعية، في قرية صغيرة، لا يتعدّى سكّانها ال3000 نسمة.


خاتمة
لسنتين، تعاني قاقعية الصنوبر في فترات الحرب من الظلم والقصف والاستغلال من قبل العدو الصهيوني؛ وفي فترات السلم، من تدمير بهدف الربح المادي مقابل المصلحة العامة، من قبل السلطة.
وفي هذا الإطار، من الضروري حماية مناطقنا الجنوبية من الممارسات الاستغلالية بمساريها: التحوّلات العمرانية التي تقضم الأراضي الزراعية وتدمّرها بشكل لا عودة عنه، والقصف الاسرائيلي الممنهج وما ينتجه من قتل مستمرّ لها.
المراجع:
- 1قاقعية الصنوبر منطقة غير منظّمة، أي أنه لم يصدر بشأنها أي تصاميم توجيهية تنظّم عمليات البناء فيها وترشد استخدامات الأراضي، ممّا يشكّل بحد ذاته إشكالية وخلل في عمل المديرية العامة للتنظيم المدني


