امتداد المخيّم في لبنان بين حاجزي الأمن والقانون: قصة نهر البارد

تمّ نشره قبلاً في مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 88، عام 2011

تقدّم هذه الدراسة عن دمار مخيم نهر البارد وإعادة إعماره خلاصات بشأن وضع المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان اليوم، وتُظهر أن المقاربة التي اعتمدتها السياسة اللبنانية الرسمية في مخيم نهر البارد، في “المخيم القديم” وامتداده، ستؤدي إلى احتمال ولادة نهج جديد في التعامل مع المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان. يعتمد إجراءات أمنية مدجّجة بقوانين تمييزية.

وتتناول الدراسة الخلفية التاريخية لتطوّر امتداد مخيم نهر البارد، فتضعه في سياق تطوّر ما يُعرَف ب”التجمّعات غير الرسمية”، وخصوصاً في بلاد الجنوب العالمي، حيث يتمكّن السكّان من حيازة مأوى أساسي بتكلفة قليلة.

غير أن دخول الدولة، في العقد الأخير، على خط الإمساك بمصير المخيم، عرّض أمان السكان في امتداد المخيّم للاهتزاز، وزاد في “اللارسمية”، وذلك في محطتين أساسيتين: قانون سنة 2001 الذي منع الفلسطينيين من التملك، ومواجهات سنة 2007 في مخيم نهر البارد.

يجب أن نستمدّ من تجربة دمار مخيّم نهر البارد وإعادة إعماره دروساً كثيرة عن وضع المخيّمات والتجمّعات الفلسطينية في لبنان اليوم. ليس المقصود من هذا الكلام أن مخيّم نهر البارد هو نموذج للمخيّمات الأخرى – كما تدّعي الحكومة اللبنانية منذ انتهاء النزاع – بل أن المقاربة التي اعتمدتها الحكومة والمؤسّسات الأمنية اللبنانية في نهر البارد ربما تؤشّر إلى ولادة نهج جديد في التعامل مع المخيّمات والتجمّعات الفلسطينية.

من أجل استخلاص العبر الممكنة من تجربة نهر البارد، لا بدّ من التوقّف عند تجربتي المخيّم القديم (نواة المخيم) والجديد (امتداد المخيم). لقد عانى التجمعان من  آثار القتال عام 2007 بطريقتين مختلفتين، كما تختلف عملية إعادة الإعمار بينهما باختلاف خصائصهما القانونية والسياسية والمكانية. فمن جهة، يكشف تعاقب الأحداث في المخيّم القديم السياسات والاستراتيجيات الأمنية الجديدة التي تنوي الحكومة اللبنانية تطبيقها في المخيّمات الفلسطينية في لبنان. ومن جهة أخرى، تُبيِّن تجربة المخيّم الجديد مستوى الهشاشة المرتفع الذي تعاني منه التجمّعات الفلسطينية، ولا سيما جرّاء التداعيات المترتّبة عن قانون الملكيّة لعام 2001 الذي يمنع الفلسطينيين من تملّك العقارات في الأراضي اللبنانية. 

تركّز هذه الدراسة على الجزء الذي يُعرَف اليوم ب”المخيّم الجديد” أو “المنطقة المحاذية”. تحمل المصطلحات المستخدَمة للإشارة إلى هذه المنطقة مدلولات سياسية (سوف نشرح هذه النقطة لاحقاً). لأغراض هذه الدراسة، سأسمّي هذه المنطقة “امتداد المخيّم” آخذةً في الاعتبار أن التجمع غير الرسمي (informal settlement) قيد الدراسة لا يمكن اعتباره مخيّماً، نظراً إلى أن وضعه القانوني والمورفولوجيا المكانية فيه (شكل المكان وتطوره) يختلفان عن تصنيف المخيّمات في لبنان. لكن لا يمكن تسميتها أيضاً “منطقة محاذية” نظراً إلى أن كلمة “محاذية” تعني فقط الجوار الجغرافي، ولا تفيد ضمناً عن أيّ استمرارية في المخيّم، كما أنها لا تشير إلى وجود روابط بين المنطقتَين. أعتبر أن المنطقة قيد الدراسة نشأت كامتداد مباشر لمخيّم نهر البارد؛ ولذلك أسمّيها امتداد مخيم نهر البارد.

مخيم نهر البارد هو واحد من 42 “تجمّعاً فلسطينياً” موزَّعة في الأراضي اللبنانية1Norwegian Refugee Council (NRC); Première Urgence (PU), 2009. Norwegian Refugee Council (NRC); Première Urgence (PU). (2009). Needs assessment in the Palestinian gatherings of Lebanon – housing, water and sanitation . تُستخدَم عبارة “تجمّع فلسطيني” للإشارة إلى أيّ مجموعة بشرية تسكن مكاناً محدداً وتضمّ غالبية من الفلسطينيين، سواء أكانوا مسجّلين أم لا، إلا أنه لا يُعترَف بها رسمياً كمخيّم تابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). لهذه التجمعات حاجات هائلة على الصعيد الإنساني وعلى مستوى الحماية2Norwegian Refugee Council (NRC); Première Urgence (PU), 2009; ibid. ، لا سيما بسبب عدم شمولها ضمن نطاق التفويض الممنوح للأونروا، وللمرتبة المتدنّية التي تحتلّها هذه التجمّعات في سلّم أولويات المنظّمات السياسية والأهلية. لكن إلى جانب الظروف المعيشية السيّئة وغياب الخدمات، فإن سكّان التجمّعات الفلسطينية أكثر عرضة – من أبناء شعبهم في المخيّمات – لقوانين التهميش التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. فبينما جرى تعليق العمل بهذه القوانين داخل حدود مخيّم “الأونروا” (الذي يُعتبَر “مساحة خاضعة للاستثناء3Hanafi, S., & Long, T. (2010). “Governance, Governmentalities, and the State of Exception in the Palestinian Refugee Camps of Lebanon”, Journal of Refugee Studies, 23(2): pp. 134 -159.يذكر أن تعبير “مساحة خاضعة للاستثناء” في دراسة حنفي ولونغ مستمد من مفهوم “حالة الاستثناء” للكاتب جورجيو أغامبين إذ “”تشير الحالة الاستثنائية إلى تعليق القانون من جانب الدولة السيادية، عادةً لدواعي الدفاع الوطني أو الأمن القومي””.أنظر\ي: Agamben, G. (1998). Homo sacer. Stanford Univ Pr.، استمر تطبيق هذه القوانين على التجمّعات الأخرى. لكن في نهر البارد، وفي غيره من التجمّعات، تطوّرت المنطقة بصورة غير رسمية بالالتفاف على القوانين والتنظيمات.

إن دراسة امتداد المخيّم هي محاولة لفهم كيف أمكن تطوّر تجمّع فلسطيني في ظل القوانين الإقصائية. ولا تقتصر هذه الممارسة على التجمّعات الفلسطينية، بل نجدها في أيّ منطقة غير محظيّة حيث يعجز السكّان عن الوصول إلى سوق السكن النظامية، ويستحوذون على مأوى لهم عبر التحايل على بعض أحكام التنظيم المدني أو بعض التنظيمات المتعلّقة بالبناء أو التملّك. وترتدي قضيّة التجمّعات الفلسطينية طابعاً خاصاً لأن السبب وراء لجوء السكّان إلى الخيار غير الرسمي هو حرمانهم من حق التملّك. من الأهمّية بمكان في هذه اللحظة بالتحديد التوقّف عند أوضاع هذه التجمّعات على ضوء سياسة إزالة “المخالفات” التي يُطبّقها لبنان مؤخراً. فنظراً إلى أن التجمّعات الفلسطينية أكثر هشاشة من سواها، كونها تفتقر إلى الدعم والحماية من أحزاب سياسية نافذة أو منظّمات تابعة للأمم المتحدة، فإنها تشكّل هدفاً سهلاً لهذه السياسات.

نهر البارد

في صيف 2007، تعرّض مخيّم اللاجئين في نهر البارد، وهو ثاني أكبر مخيّم فلسطيني في لبنان، لدمار واسع النطاق على إثر مواجهات عنيفة بين الجيش اللبناني ومجموعة إسلامية راديكالية تُعرَف ب”فتح الإسلام” سيطرت عسكريا على أجزاء من المخيم. كان المخيم يضم آنذاك ما يُقدَّر ب5449 عائلة من اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون ضمن حدود مخيّم الأونروا الأساسي (واسمه المتداوَل المخيم القديم) و امتداداته في المناطق المحاذية (واسمها المتداول المخيم الجديد). 

أسفرت المعارك التي استمرّت 105 أيام عن مقتل ما لا يقل عن 428 شخصاً، بينهم 166 عسكرياً لبنانياً و220 من مقاتلي “فتح الإسلام” وفق ما أعلنته السلطات اللبنانية، وما لا يقل عن 42 مدنياً، ونزوح نحو 36000 شخص من نهر البارد والقرى المجاورة4 منظمة العفو الدولية، “اللاجئون الفلسطينيون في لبنان : بين النفي والمعاناة”، 17 تشرين الأول/اكتوبر 2007 . وألحق النزاع أيضاً دماراً كاملاً بالمخيم القديم، فيما تكبّد امتداد المخيم أضراراً واسعة النطاق. تعرّضت نحو 6000 وحدة سكنية وتجارية للدمار أو لحقت بها أضرار فادحة. وبعد نهاية النزاع، أُعلِن مخيّم نهر البارد و امتداده منطقة عسكريّة يُمنَع دخول السكّان والزوّار إليها إلا بموجب إذن – تصريح دخول – يمنحه الجيش اللبناني بناءً على استنسابه المطلق (واستثني مؤخرا تطبيقه على النساء والأطفال فقط، وذلك بعد نحو أربعة أعوام من انتهاء الحرب).

اليوم، بعد أكثر من ثلاث سنوات على انتهاء النزاع، أعيد إعمار أقل من 20 في المئة من المباني المدمَّرة، وعاد 30 في المئة فقط من السكّان إلى منازلهم، فيما لا يزال السبعون في المئة المتبقّون مهجّرين5Bassem Chit. (2009). Nahr El-Bared Statistical Report2009: Main trends and findings on the conditions and the situation of the Nahr El-Bared displaced and returned population. Lebanon Support. . وافقت الحكومة على إطار عمل لإعادة إعمار المخيّم (القديم) الذي يخضع لإدارة “الأونروا”، والذي يشمل ما يُقدَّر بـ 1700 مبنى. وقد قطعت مرحلة التصميم أكثر من نصف المسافة تقريباً، لكن لم يؤمَّن سوى جزء من التمويل. بدأت أعمال إعادة الإعمار في الرزمة الأولى من المخيّم (القديم)، واكتملت في 40 وحدة فقط. بيد أن الوضع مختلف إلى حد كبير في امتداد المخيّم الذي لا يُصنَّف رسمياً في عداد المخيّمات الفلسطينية، ويقع تالياً خارج نطاق صلاحيات “الأونروا”. وقد خاضت مجموعة متنوّعة وواسعة من الفاعلين هناك مفاوضات في الأعوام الأخيرة حول الإطار المؤسّسي المحتمل الذي يمكن أن تستند إليه إعادة الإعمار في امتداد المخيّم، إنما من دون جدوى. يبدو أنه من شبه المستحيل التوصّل إلى إجماع، ولا سيما بسبب التعقيدات القانونية: فمنذ عام 2007، صنّفت الحكومة امتداد مخيّم نهر البارد بأنه منطقة غير قانونية، وفرضت خضوع إعادة الإعمار هناك لقانون التملّك وأحكام التنظيم المدني، مستندةً في ذلك إلى واقع أن امتداد المخيّم انطلق إلى حد كبير من نموذج التجمعات غير الرسمية (informal settlements)، متجاوزاً حقوق التملّك وقانوني البناء والتنظيم المدني. تعدّ هذه الأنظمة إشكاليّة كبيرة نظراً إلى أن المنطقة تُعتبَر واجهة بحرية سياحية وزراعية في نظر المشترعين في حين أنها تحوّلت في الواقع تجمعا كبيرا من المساكن التي يتمكن السكان من تحمّل أسعارها. فضلاً عن ذلك، فرضت سلسلة من القوانين والممارسات الإقصائية قيوداً على حقوق الفلسطينيين في التملّك في لبنان، ولا سيما قانون 2001 (الرقم 296) الذي منعهم صراحةً من التملّك. لقد ولّدت هذه المسائل القانونية المتعدّدة مشكلة كبيرة بالنسبة إلى إعادة إعمار امتداد المخيم، وتشكّل تهديداً للتطوّر المستقبلي للتجمّع.

من أجل فهم الأبعاد المختلفة لامتداد المخيّم، من المفيد أن نتوقّف عند كيفية تطوّر هذا  التجمع، والقواعد والمعايير التي وجّهت تطوّره. في ما يأتي، نسلّط الضوء على تاريخ التمدين في هذا التجمّع، وأنماط ممارسات تطور الأراضي التي كانت قائمة في امتداد المخيّم قبل نزاع 2007.

التطوّر التاريخي لامتداد المخيّم

قبل الثمانينات، كان مخيم نهر البارد محاطاً بأراضٍ زراعية كبيرة يملكها لبنانيون من القرى المجاورة. لكن مع تزايد الكثافة السكّانية في المخيّم وتدهور ظروفه المعيشية، بدأت عائلات قليلة،  تحسّن وضعها الاقتصادي، تسعى إلى أخذ مسافة ما من المخيم فاشترت قطع أراضٍ صغيرة على مقربة من المخيّم لبناء منازل عليها، من دون أن تقطع صلاتها بجماعتها في المخيم. وبدأ الطلب على شراء قطع أراضٍ في المناطق المحاذية للمخيّم يرتفع، ودخل استخدام الأراضي في هذه المنطقة مرحلة الانتقال العملي من الوجهة الزراعية إلى الوجهة السكنية. نتيجةً لذلك، بدأت قيمة الأراضي ترتفع، مما شكّل إغراء لأصحاب الأراضي اللبنانيين الذين أقبلوا على بيع أراضيهم لسكّان المخيّم الذين أرادوا شراء قطع صغيرة كي يُشيِّدوا عليها بناء تقيم فيه العائلة الموسَّعة. في بعض الحالات، باع المالكون اللبنانيون أراضيهم لمتعهّدين فلسطينيين عمدوا بدورهم إلى فرز الأرض إلى قطع أصغر بمقدور السكّان شرائها. وفي حالات أخرى، قسّم المالكون اللبنانيون أراضيهم إلى قطع صغيرة وباعوها مباشرةً إلى السكان الذين يريدون تشييد مساكن عليها. وفي الحالتَين، فرزت معظم أراضي امتداد مخيّم نهر البارد بطريقة غير رسمية. 

المقصود بالفرز غير الرسمي هو أن فرز الأراضي لم يعمل على مراعاة أحكام التنظيم المدني المطبَّق في المنطقة، ولم يُدوَّن في السجل العقاري. فعلى سبيل المثال، إذا قُسِّمت أرض ما إلى 40 قطعة صغيرة، وبيع كلّ منها إلى مالك فلسطيني مختلف، كانت الأرض تظلّ مسجّلة في السجل العقاري على أنها أرض واحدة كبيرة يملكها المالك اللبناني الأصلي. والسبب وراء فرز الأراضي بطريقة غير رسمية هو أن التنظيم المدني في المنطقة المحيطة بمخيم نهر البارد لا ينسجم مع متطلّبات السكّان وحاجاتهم. في الواقع، فان اغلبية الأراضي التي تحيط بنهر البارد هي عبارة عن مساحات كبيرة تتراوح بين 5000 و 20000 متر مربع، في حين أن السكّان المحتملين كانوا يبحثون عن قطع صغيرة تتراوح مساحتها بين 100 و 400 متر مربّع. وهكذا وجب فرز الأراضي لبيعها لشارين أفراد. بيد أن متوسّط المساحة المسموح به عند فرز الأراضي هو نحو 1200 متر مربع لقطعة الأرض الواحدة، الأمر الذي لا يتناسب مع الحاجة إلى قطع أرض صغيرة. علاوةً على ذلك، وفي حالة الأراضي التي تزيد مساحتها عن 10000 متر مربع، يفرض الفرز القانوني تخصيص 25 في المئة للنفع العام أي للشوارع العريضة والمساحات العامة. كما أن عملية الفرز القانوني وتسجيل الأراضي مكلفة ويمكن أن تستغرق ستّة أشهر، في حين أنه يمكن إتمام الفرز غير الرسمي في غضون شهر أو شهرَين. ونتيجة لذلك، فرز ما يزيد عن 95 في المئة من الأراضي حول نهر البارد بطريقة غير رسمية.

كان السيناريو الأكثر شيوعاً لفرز الأراضي وتملّكها في امتداد مخيّم نهر البارد على الشكل الآتي: يستخدم مالك أو متعهّد أراضٍ يملك قطعة أرض أو أراضي عدّة متاخمة، مسّاح أراضٍ لبنانياً، أو فلسطينياً من نهر البارد، ويكلّفه مسح قطعة الأرض وفرزها إلى أراضٍ صغيرة تتراوح مساحتها عادةً بين 100 و 400 متر مربع. ويترك نسبة 10 إلى 20 في المئة من الأرض للشوارع التي تندرج في إطار “النفع العام”. يخرج المسّاح بخريطة تُبيِّن الشوارع وقطع الأراضي الصغيرة، مع تعيين رقم ومساحة محدَّدة لكل قطعة أرض. المتعهِّدون أو مالكو الأراضي هم الذين يُقرّرون مساحة قطعة الأرض وعرض الشارع والنسبة المئوية المخصَّصة للنفع العام. بعد ذلك، يبيع المتعهّد أو المالك أو وسيط يستخدمانه قطع الأراضي الصغيرة للسكّان الأفراد، وذلك بحسب الخريطة التي وضعها المسّاح. الخريطة تستخدم بمنزلة وثيقة رسمية، حيث تُرفَق في حالات عدّة بعقد البيع الذي يتضمّن إشارة واضحة إليها. عند بيع قطع الأراضي كافة، تُبيِّن الخريطة توزيع الشارين المختلفين على قطعة الأرض الكبيرة، إلى جانب حصّة كل واحد منهم والمساحة المحدَّدة لكل قطعة أرض وتاريخ إجراء المعاملات.

غالبية الأراضي التي تم شراؤها في امتداد المخيم، حتى تلك التي تم شراؤها قبل عام 2001، لم تُسجَّل رسمياً في السجل العقاري. في الواقع، كان يحقّ للفلسطينيين تملّك الأراضي قبل 2001؛ لكنّهم اعتُبِروا أجانب وطُبِّق عليهم نوع مقيَّد من التملّك. فقد كان يُسمَح لهم بتملّك مساحة محدودة فقط، والضرائب التي كانت تُفرَض عليهم لتسجيل الأراضي كانت أعلى بكثير من تلك المفروضة على اللبنانيين (كانت ضريبة التسجيل المفروضة على الأجانب 16.7 في المئة، في حين أن الضريبة على اللبنانيين هي 6 في المئة). فضلاً عن ذلك، كانت إجراءات التسجيل معقّدة ويتعذّر أحياناً إتمامها6 لإثبات أن الشاري لا يملك أراضي في أيّ مكان آخر، ولا يتجاوز بالتالي المساحة القصوى المسموح بها، كان عليه أن يُقدِّم إفادة ملكيّة صادرة عن كل المحافظات اللبنانية، إلا أنه كان من الصعب جداً الحصول على مثل هذه الوثيقة. يروي الأشخاص الذين أجريت مقابلات معهم أنهم اصطدموا خلال محاولتهم إتمام هذه الإجراءات المعقَّدة، بعوائق في محافظة جبل لبنان حيث كانت طلباتهم تُرفَض باستمرار بسبب الطائفية السياسية تاريخيا. كان يمكن استخدام شخص لإنجاز المعاملة، لكن الكلفة كانت مرتفعة أيضا.. ولذلك نظراً إلى التعقيدات والنفقات المترتّبة عن آلية التسجيل – والشعور العام بأن هذا التسجيل لا يُحسِّن بالضرورة أمان الأملاك – لم يسجّل نحو 90 في المئة من الشارين الفلسطينيين أراضيهم في السجل العقاري. بدلاً من ذلك، سُجِّلت معظم عمليات شراء الأراضي لدى الكاتب العدل في المحلة بموجب وكالة غير قابلة للعزل. حتى عام 2001، كانت هذه الطريقة الأكثر شيوعاً لتسجيل الأراضي في امتداد المخيّم. في الواقع، اعتبر عدد كبير من السكّان الفلسطينيين أن هذه الوثيقة هي إثبات كافٍ على ملكيّتهم للأرض لأنها تعتمد على مستند قانوني فعلي وجرى إبرامها في مؤسّسة عامّة. وبناءً عليه، رأوا فيها اعترافاً صريحاً من الدولة، واعتبروا أنها تضفي شرعيّة على ملكيّتهم للأراضي من دون اضطرارهم للحصول على سند ملكية قانوني، وأنها تترك المجال مفتوحاً أمام تسجيل الأرض في مرحلة لاحقة. ولكن، بعد عام 2001، أصبح التسجيل الرسمي مستحيلاً، بسبب القانون رقم 296 الذي ينص على الآتي “لا يجوز تملك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها أو لأي شخص إذا كان التملّك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة رفض التوطين7Saghieh, Nizar, & Saghieh, Rana (2008). Legal Assessment of Housing, Land and Property Ownership, Rights and Property Law related to Palestinian Refugees in Lebanon. Norwegian Refugee Council.” . نتيجةً لذلك، مُنِع الفلسطينيون أيضاً من تسجيل الأرض بموجب وكالة بعد عام 2001. وهكذا استُبدِل هذا الإجراء بتسجيل عقد البيع لدى “اللجنة الشعبية” في المخيم. شكّل هذا النوع من التسجيل الخيار الأكثر موثوقيّة لتسجيل المعاملات بعد صدور قانون 2001، واعتُبِر بالتالي الحلّ للمشكلة التي تسبّب بها القانون التمييزي. 

وهكذا فإن أغلبية المالكين في نهر البارد، ونتيجة التسجيل غير الرسمي للأراضي سواء بموجب وكالة أم عقد مسجَّل لدى اللجنة الشعبية، لا تملك سندات ملكية كاملة، وليست ملكيّتها للأراضي مسجّلة في السجل العقاري. يقودنا هذا إلى طرح السؤال الآتي: كيف يؤمِّن المالكون الفلسطينيون على أملاكهم؟ في الواقع، يُظهر التقصّي الذي أجريته أن سكّان امتداد المخيّم لم يروا في معظم الأحيان ضرورة إلى المستندات القانونية. فقد استمدّوا أمان الحيازة من مصادر أخرى، ولا سيما عن طريق الوثائق الخطّية مثل الوكالة المبرَمة لدى الكاتب العدل أو العقد المسجَّل لدى اللجنة الشعبية. لقد أضفت هاتان الوثيقتان شرعيّة على ملكية الأراضي بصورة موثوقة. واستمدّ ساكنوها أيضاً أمان الحيازة من التنظيم الاجتماعي الذي يؤازر هذه الممارسات في تطوير الأراضي. لقد أُنشِئت منظومة تطوير الأراضي في امتداد مخيّم نهر البارد على مر السنين على يد فاعلين محلّيين على صلة وثيقة بالمجتمع المحلي هناك، واستندت إلى حد كبير إلى الثقة، وكذلك إلى الروابط الاجتماعية وصلات القرابة. في الواقع، كان السكّان يعرفون أنه لا داعي للجوء إلى المحاكم لتسوية النزاعات الناشئة عن ملكيّة الأراضي، بل يمكن حلّها من خلال المفاوضات المحلّية. أخيراً، يعتبر معظم المتعهّدين والسكّان في نهر البارد، بغض النظر عن مدى رسمية المستندات، أنّ “كل شخص دفع ثمن أرضه هو مالك، ولا يستطيع أحد انتزاع ملكيّته منه”، كما يتردد في أقوالهم.

لا يعني هذا أن كل المالكين في نهر البارد لم يسجّلوا أراضيهم، وأنهم اعتبروا أن سندات الملكيّة القانونية ليست ضرورية. يُظهر تحليل الأنماط القائمة أن اتّباع الأصول القانونيّة كان مهمّاً في حالة الأملاك التي كانت تعدّ ذات مردود اقتصادي، أي عندما تُشتَرى الأرض بهدف الاستثمار، سواء لتشييد مبانٍ سكنية أو وحدات صناعية أو تجارية للتأجير أو البيع. ومن الواضح أن مواصفات الفاعلين الاجتماعيين الذين سجّلوا أراضيهم بصورة قانونية كانت تختلف أيضاً عن أولئك الذين لم يفعلوا: فإما انهم كانوا أكثر ثراء من المعدّل أو تربطهم علاقة وثيقة بشخصية لبنانية ما، مما أتاح لهم تسجيل الأراضي باسمائهم. باختصار، فان الممارسات غير الرسمية التي تجاوزت التنظيمات القانونية الرسمية هي التي طبعت الطريقة التي تطوّر بها امتداد مخيّم نهر البارد. إلا إنّه لم يتطوّر في غياب كامل للقوانين.

على النقيض، نشأ “نظام ترتيب” واضح، كما يسمّيه مكوسلان8McAuslan, P. (2003). Bringing the law back in: essays in land, law, and development. England: Ashgate Pub Ltd. ، على مرّ السنين لتنظيم تطوير هذا التجمع وهيكلته. وكانت هذه الآلية التي استندت إلى معايير وتنظيمات طُوِّرت على صعيد محلّي وضمّت مزيجاً مهجنا من الممارسات الرسمية وغير الرسمية، تعمل بفاعلية في شكل عام في مرحلة ما قبل الحرب، وتوفّر للسكّان درجة عالية من أمان الحيازة، على أرض الواقع de facto. لكن، وكما تُبيِّن الفقرة أدناه، اهتزّت هذه الآلية إلى حد كبير بعد نزاع 2007، وظهر أنها صارت أكثر هشاشة في مراحل النزاع مع الدولة.

نزاع 2007

أحدث نزاع 2007 زلزالاً في منطقة نهر البارد على مستويَين فيما يتعلق بظروف السكن. يتمثّل المستوى الأوّل في الأضرار المادّية الهائلة التي تسبّب بها القتال. فقد دُمِّر ‘المخيّم القديم’ دماراً كبيراً خلال المعارك التي استمرّت مدة 105 أيام، فيما لحقت أضرار واسعة النطاق بامتداد المخيّم: دُمِّر 30 في المئة من المباني السكنية والتجارية، واعتُبِرت 20 في المئة من المباني الأخرى آمنة جزئياً9Government of Lebanon. (2008). “A common challenge: A shared responsibility”. Presented at the International donor conference for the recovery and reconstruction of the Nahr el-Bared Palestinian refugee camp and conflict affected Areas of North Lebanon, Vienna: Government of Lebanon . أما المستوى الثاني – وهو موضوع هذه الفقرة – فيتمثّل في التحوّل في السياسة العامة الذي حصل بعد النزاع: لقد تأثّر امتداد المخيم بشدّة بسلسلة القرارات والتدابير التي اتّخذتها الحكومة اللبنانية منذ عام 2007.

حتى عام 2007، كانت الدولة اللبنانية قد تبنّت مقاربة تقوم عموما على عدم التدخّل في امتداد المخيّم. ولا تختلف هذه المقاربة كثيراً عن السياسة العامة المطبَّقة حيال التجمعات غير الرسمية (informal settlements) في شكل عام في لبنان10Fawaz, M., & Peillen, I. (2002). The Slums of Beirut: History and Development 1930-2002. Paper prepared for United Nations Center for Human Settlement. . ومن خلال هذا الموقف، ساهمت الحكومة في تسهيل تطوّر منطقة امتداد المخيّم عن طريق القنوات غير الرسمية لمعاملات الأراضي وتسجيلها. لكن بعد نزاع 2007، أعلنت الحكومة اللبنانية عن نيّتها البدء بالتدخّل في ضبط الأمن في التجمع واحكام قبضتها عليه. وقد تضمّنت بيانات العديد من المؤسّسات العامة وتصريحات شخصيّات عدّة تعبيراً واضحاً عن هذا التغيير في المقاربة. ففي اجتماع تحضيري لمؤتمر المانحين الذي عُقِد لجمع الأموال لإعادة إعمار المخيّم وإعادة تأهيل محيطه، أعلنت لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني11هذا الاقتباس مترجم عن الانجليزية عن موقع “لجنة الحوار”: وتُعتبَر لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني، التي كانت تُعرَف سابقاً بفريق العمل اللبناني حول اللاجئين الفلسطينيين، هيئة حكومية يشارك فيها ممثّلون من وزارات متعدّدة، تم تشكيلها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2005 بموجب قرار صادر عن مجلس الوزراء اللبناني. تنسِّق مع “الأونروا” ومنظمة التحرير الفلسطينية “لتثمير الوعي وتشجيع مبادرات المصالحة بما يضمن حقوق الإنسان للاجئين الفلسطينيين في ظل سيادة الدولة والقانون”. من الموقع الرسمي للجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني:

“لقد تمّ التوصّل إلى اتفاق بين جميع الأفرقاء المعنيّين، بوضع مخيّم نهر البارد تحت سيادة الدولة اللبنانية. لأوّل مرّة منذ أربعة عقود، سوف تمارس الحكومة سلطتها على مخيّم فلسطيني، مما يمهّد الطريق أمام بسط السلطة على مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين الأحد عشر الأخرى، إذ إن الحكومة تنوي تحويل برنامج استنهاض وإعادة إعمار نهر البارد إلى نموذجً لباقي المخيّمات”.

بناءً عليه، كان هذا إعلاناً من الدولة بأنها ستبسط “سيادة الدولة اللبنانية” على المخيّم وامتداده، وكانت مصمّمة بالتالي على إخضاعه للقوانين والتنظيمات اللبنانية. وهي قوانين تُهمِّش اللاجئين عبر حرمانهم من حقوقهم الأساسية؛ ومن بينها الحق في التملّك.

إلى جانب التغيير العام في التعاطي الرسمي مع منطقة نهر البارد بكاملها، فإن الخطاب العام أولى أهمّية كبيرة لامتداد المخيّم في شكل خاص. كان هناك إصرار واضح من جانب مؤسّسات الدولة على التأكيد بأن امتداد المخيّم ليس مخيّماً فلسطينياً، بل هو جزء من الأراضي اللبنانية، وتنطبق عليه بالتالي قوانين التنظيم المدني والبناء المرعيّة الإجراء داخل الأراضي اللبنانية. في هذا السياق وللسبب نفسه، أوليت أهمّية كبيرة في الخطاب العام للمصطلح المستخدم للإشارة إلى امتداد المخيّم. ففيما أطلق الجيش عبارة “المخيّم الجديد” في بداية النزاع للتمييز بين مخيّم الأونروا وامتداداته، ومن ثم عادت المؤسّسة نفسها فرفضت المصطلح في وقت لاحق، وأصدرت بياناً حذرت فيه الإعلام والمنظّمات من استخدام عبارة “المخيّم الجديد”، وفرضت استعمال تسمية “المنطقة المحاذية”. تعكس هذه الأهمّية المعطاة للمصطلح إصرار الجيش ومؤسّسات عامّة أخرى على اعتبار المخيّم الجديد جزءاً من الأراضي اللبنانية، وبالتالي محاولة فرض حكم الدولة اللبنانية عليه. شكلت هذه السياسة على الأرض امتدادا للحملة السياسية التي نشطت في الأعوام الأخيرة و المطالبة بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، وهو ما شهدناه في الإصرار على ذلك في طاولة الحوار اللبناني من دون إشراك الجانب الفلسطيني في هذا الحوار المتعلق بشؤون تخصه، بل وتعدى ما يجري في نهر البارد ما اتفقت عليه “طاولة الحوار” اللبنانية بشأن نزع السلاح في امتدادات المخيمات الفلسطينية ليجري تطبيق سياسة أحادية حتى داخل المخيم القديم، والتعامل مع ذلك كسياسة سوف يتم تطبيقها داخل المخيمات الفلسطينية الأخرى، بحسب النص المقتبس أعلاه.

فضلاً عن ذلك، في شباط / فبراير 2010، أصدرت وزارة الداخلية اللبنانية قراراً منعت فيه المؤسّسات والجمعيات الفلسطينية من العمل في المنطقة المحاذية من دون حصولها على التصاريح الضرورية. فكان هذا مؤشّراً آخر على رغبة الدولة اللبنانية في فرض القانون في امتداد المخيّم على وجه الخصوص، عبر معاملته – افتراضاً – مثل أي أرض لبنانية أخرى علما أنه يجري التمييز ضد الفلسطيني في القوانين، وهو تناقض لا تريد الدولة اللبنانية حلّه، بل تفاقم الدولة هذا التناقض عبر إجراءاتها الأمنية التي يخضع فيها الفلسطيني لتمييز أمني إضافي (فلا نجد قرية لبنانية محاطة كليا بأسلاك شائكة مثلا). في ما عدا ذلك، فإنّ نمط تطور امتداد المخيّم لا يختلف كثيراً عن أنماط تطور القرى المجاورة، أو عدد كبير من المناطق الريفية في لبنان، وكذلك العديد من التجمعات غير الرسمية داخل العاصمة وحولها. 

إذاً تعاملت الحكومة مع نهر البارد من خلال منظورَين اثنَين: الأمن والقانون. وسرعان ما تجسّد هذا النهج في التدابير والإجراءات التي اتّخذتها الحكومة ضد نهر البارد. فمن جهة، حاولت الدولة السيطرة على عملية إعادة إعمار المخيّم، وكذلك على ضبط الأمن فيه ونظام حكمه في المستقبل12Sheikh Hassan, I., & Hanafi, S. (2010). “(In)Security and Reconstruction in Postwar Nahr al-Barid Refugee Camp”, Journal of Palestine Studies. Vol. XL, No. 1 (Autumn): pp. 27-48. . كما أشرنا سابقاً، أُعلِنت المنطقة منذ انتهاء المعارك منطقة أمنية، ولا تزال حتّى اليوم محاطة بالأسلاك الشائكة والجدران الإسمنتية، ويُقيم الجيش اللبناني حواجز تفتيش عند مداخلها. علاوةً على ذلك، كشفت المراحل الأولى من عمليّة إعادة الإعمار أن الأمن هو الهمّ الأساسي للسلطات العامة. فعلى سبيل المثال، كان الشغل الشاغل للجيش هو أن تتمكّن الدبّابات من الوصول إلى شوارع المخيّم المعاد إعماره، ولذلك فرضوا شقّ طرقات واسعة ومنعوا بناء شرفات يتجاوز عرضها المتر الواحد13Sheikh Hassan, I., & Hanafi, S.; ibid.. وكذلك، تضمّنت رؤية الحكومة للمخيّم المعاد إعماره مخطّط حكم واضحاً يشمل “فرض الأمن وسيادة القانون في مخيّم نهر البارد من خلال الحفاظ على النظام في الداخل والجوار14Government of Lebanon. (2008); ibid.” .

من جهة أخرى، اعتبرت الحكومة أن امتداد المخيّم غير شرعي، ووصفته بـ “التوسّعات غير النظامية” للمخيّم، حيث يتمسّك السكّان بـ”ادعاءات ضعيفة” بحقّهم في أملاكهم15Government of Lebanon. (2008); ibid. وقد عُرِضَت هذه النظرة بوضوح في الوثيقة التي قدّمتها الحكومة في “مؤتمر الدول المانحة لاستنهاض وإعادة إعمار مخيّم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين والمناطق المتضرّرة من المعارك في شمال لبنان” في فيينا في حزيران/ يونيو 200816Government of Lebanon. (2008); ibid:

صنعت العلاقات التكافلية للتجمعات (Communities) التي تعيش في “المخيّم الجديد” توسّعات غير نظامية لمخيّم نهر البارد. (…) يتمسّك عدد كبير من سكّان مخيّم نهر البارد الذين انتقلوا إلى “المخيّم الجديد” بادعاءات ضعيفة بحقّهم في الأرض ومرافق سكنية وأصول الاجتماعية اخرى موجودة خارج حدود أراضي مخيّم نهر البارد. منذ عام 2001، يمنع القانون اللبناني اللاجئين الفلسطينيين من امتلاك أراضٍ أو انتقالها إليهم بالوراثة. نظراً إلى هذه المسائل، فإن إعادة تأهيل المرافق السكنية، والاتّصال بخطوط الخدمات، ومصادرة الأراضي، والتعويض عن الأملاك المتضرّرة والمفقودة في منطقة “المخيّم الجديد” تطرح تحدّياً معقَّداً.

تجدر الإشارة إلى أنه عندما تستعمل الدولة عبارة “غير نظامي” (informal) أو “غير قانوني” (illegal)، فهي تحمل مدلولاً مختلفاً عن ذاك الذي يقصده الباحثون والخبراء. يقول ألين دوراند-لاسيرف إن مصطلح اللاقانونية (illegality) “يكشف لدى استخدامه من جانب السلطات الحكومية نيّة قمعيّة واضحة أو أنه يلمّح إلى تهديد”17AlainDurand-Lasserve, A. (2006). “Informal Settlements and the Millennium Development Goals: Global Policy Debates on Property Ownership and Security of Tenure”, Global Urban Development Magazine, 2(1): http://www.globalurban.org/GUDMag06Vol2Iss1/Durand-Lasserve.htm. سرعان ما انكشفت هذه النيّة القمعية عندما أعلنت الحكومة أنه لن يُعاد بناء امتداد مخيّم نهر البارد إلا بوجود “إطار قانوني” لإعادة إعماره. فبحسب الحكومة اللبنانية، يكمن الطابع غير القانوني لامتداد المخيّم في أنه طُوِّر “من دون مراعاة آليات تنظيم المناطق [zoning] أو التسجيل أو الترخيص، أو التقيّد بها”. وقد اعتبرت الحكومة أن من شأن الإطار القانوني “حلّ هذه المسائل”18Government of Lebanon. (2008); ibid. بعبارة أخرى، من شأن الإطار أن يُقدِّم حلاً لإعادة بناء الهيكليات غير الرسمية في امتداد مخيم نهر البارد من خلال قنوات رسمية، أي عبر التقدّم بطلب للحصول على رخصة بناء، والتقيّد بتنظيم الأراضي (zoning) وقوانين البناء19 يعتبر المخطط التوجيهي لقريتَي المحمرة وببنين، المحيطتين بنهر البارد، أن غالبية المنطقة المحيطة بالمخيم هي منطقة سكنية وزراعية ذات كثافة بناء متدنّية، حيث الحد الأدنى المسموح به عند فرز الأراضي (subdividing) هو 1200 متر مربّع لقطعة الأرض الواحدة، ونسبة استغلال السطح (Surface Exploitation Ratio) هو 20 في المئة. بيد أنه على أرض الواقع فإن الحد الأدنى لمساحة قطعة الأرض المقسَّمة بطريقة غير رسمية في امتداد مخيّم نهر البارد هو 100 متر مربع، وتتراوح نسبة استغلال السطح حالياً على أرض الواقع من 70 إلى 80 في المئة.. يقتضي ذلك إعادة النظر في الإطار التنظيمي للمنطقة التي يقع فيها امتداد المخيّم . وتزيد مسألة الملكيّة الأمور تعقيداً: فالحكومة التي تعي وجود ممارسات غير رسمية في معاملات الأراضي في نهر البارد، مصمّمة على عدم خلق سابقة قانونية عن طريق الاعتراف بالملكيات غير الرسمية في امتداد المخيّم20 في الواقع، اقترح الفريق الحكومي المتخصّص استراتيجيات عامّة لتسوية الوضع غير القانوني للبناء. فعلى سبيل المثال، وبما أنهم يعون التباين بين مراسيم تنظيم الأراضي (zoning) وواقع البنى المشيَّدة في امتداد مخيّم نهر البارد، أعربوا عن استعدادهم لتطوير مخططط توجيهي جديد يأخذ في الاعتبار المورفولوجيا (شكل البناء) المدينية القائمة. علاوةً على ذلك، بما أن التقدّم بطلب للحصول على رخصة بناء كان أحد شروط إعادة الإعمار، وبما أنه كان واضحاً أن السكّان لا يستطيعون أن يتقدّموا بطلب بأنفسهم لأنهم ليسوا مالكي الأراضي الرسميين، وعدت الحكومة باستنباط إجراء ليتمكّن السكّان من الحصول على رخص بناء. فضلاً عن ذلك، بما أنه يُمنَع على اللاجئين الفلسطينيين التملّك في لبنان، فلا يستطيعون تسجيل أملاكهم ولا يمكنهم بالتالي التقدّم بطلب للحصول على رخصة بناء. نظراً إلى هذه التعقيدات، لم تتوصّل المفاوضات حول إطار مؤسّسي محتمل لإعادة الإعمار، إلى نتيجة بعد. ويذكر أن أطرافا فلسطينية مختصة بموضوع الإعمار، وجهات لبنانية، طالبت صراحة أو ضمنا بحل المشكلة عبر وضع “استثناء” باعتبارها حالة طوارئ لما بعد الحرب. 

لم تكن إعادة إعمار امتداد مخيّم نهر البارد التجربة اللبنانية الأولى والوحيدة في إعادة إعمار التجمعات غير الرسمية بعد الحرب. فإعادة الإعمار في الجنوب وفي ضاحية بيروت الجنوبية عقب حرب تموز/ يوليو 2006 تندرج إلى حد كبير في السياق نفسه. هناك، أجازت الحكومة استثنائياً إعادة بناء هذه المناطق على الرغم من عدم رسميتها. أما في امتداد مخيّم نهر البارد فتصرّ الحكومة على وجوب التقيّد بالقوانين، وترفض إقرار استثناء لمرّة واحدة من أجل إتمام إعادة الإعمار. عامل الاختلاف بين إعادة إعمار امتداد مخيم نهر البارد والحالات المشابهة السابقة (“الضاحية” أو الجنوب أو حتى مخيّم “الأونروا” في نهر البارد) هو أن سكّان امتداد المخيم، وخلافاً للباقين، هم فلسطينيون يفتقرون إلى الدعم من حزب سياسي نافذ أو من منظّمة ذات تأثير واسع، الأمر الذي كان من شأنه أن يوفّر لهم المؤازرة الضرورية لفرض إطار لإعادة الإعمار. فقد أدّى هذا الدعم دوراً أساسياً في إنفاذ إعادة الإعمار في مناطق أخرى. ففي “الضاحية” مثلاً، أسفرت الضغوط السياسية التي مارسها “حزب الله” على الحكومة على موافقة الأخيرة على اقتراح قانوني “يمنح ترخيصاً موقّتاً واستثنائياً للسكّان كي يعيدوا بناء منازلهم ‘كما كانت عليه’، حتى ولو كانت تنتهك أحكام التنظيم المدني وتنظيمات البناء المطبَّقة حالياً”21Fawaz, M. (2007). “Beirut: The city as a body politic”. ISIM Review, b, 20 (Autumn): pp. 22–23. وفي ما يتعلّق بمخيّم “الأونروا” في نهر البارد، دفعت الضغوط التي مارستها “الأونروا” و”المجتمع الدولي” بالحكومة اللبنانية إلى الموافقة على إطار قانوني لإعادة إعمار المخيّم. لكن في ما يختصّ بامتداد المخيّم، فإنّ ضعف التمثيل السياسي الفلسطيني في لبنان، والذي تزيد من حدّته الانقسامات والخلافات المستمرّة بين الفصائل الفلسطينية، ناهيك عن فك الارتباط بامتداد المخيم من جانب “الأونروا”، أدّى إلى إضعاف موقف سكّان امتداد المخيّم في مفاوضات إعادة الإعمار.

تبلغ إشكاليّة إعادة الإعمار درجة كبيرة من التعقيد في مناطق امتداد المخيم التي هي على حروف المخيم القديم- أي أطرافه المباشرة. كانت هذه المناطق التي تُعرَف بـ ‘المناطق الحَرْفية’ (prime areas)- وهو اسم جديد جرى تداوله في امتداد المخيم الذي تحول إلى حروف:A’, B’, C’… ، تشكّل استمراراً للمخيّم القديم، واستند تصميم المباني فيها إلى التصميم المعتمَد في المخيّم. خلال الحرب، تكبّدت هذه الأطراف أضراراً واسعة النطاق بسبب قربها من المخيّم القديم، وسُوِّيَت مبانٍ كثيرة بالأرض، ولذلك فإن إعادة إعمارها أكثر تعقيداً وكلفة من باقي المباني في امتداد المخيّم. بيد أن ما يزيد المسألة تعقيداً هو أن إعادة إعمار هذه المناطق تتوقّف إلى حد كبير على إعادة إعمار المخيّم القديم، لا سيّما وأنه أعيد تصميم المباني في المخيّم القديم، ورُفِع مستوى الأرض فيه22رُفِع مستوى الأرض في المخيّم القديم بكامله بسبب اكتشاف موقع أثري تحت المخيّم. ولذلك لا يمكن أن تتم إعادة إعمار المناطق الملاصقة للمخيم القديم على أساس معزول عن امتداد المخيم، بل يجب أن يوضَع مخطط توجيهي على أن يأتي منسجما مع التصميم الجديد للمخيّم القديم. وقد طلب مالكو المباني الواقعة في هذه الأطراف، بمساعدة من بعض المهندسين المعماريين والمخطّطين الذين يعملون عن كثب مع الفلسطينيين هناك، من “الأونروا” التدخّل في إعادة الإعمار في هذه المناطق الملاصقة، بيد أن الوكالة ترفض الانخراط في أي نشاط لإعادة الإعمار خارج حدود المخيّم. فضلاً عن ذلك، بُذِلَت محاولات لدى الجهات الحكوميّة كي توافق على إعداد مخطط توجيهي جديد للأطراف، بيد أنها لم تبدِ أيّ تعاون. وهكذا فان وضع الأطراف مجمَّد، ولا يزال مستقبلها مجهولاً. 

يثير وضع الأطراف مخاوف بشأن المقاربة التي تعتمدها “الأونروا” في امتدادات المخيّم. في الواقع، في الرؤية الأوّلية لإعادة الإعمار، اعتُبِرت “الأونروا” ضمن الأفرقاء الثلاثة المسؤولين عن إعادة إعمار هذه المنطقة؛ فقد ورد في وثيقة فيينا: “الحكومة اللبنانية، بالتعاون مع الأونروا وممثّلي المنتفعين في ‘المخيّم الجديد’23Government of Lebanon. (2008); ibid (…) مكلَّفة مواصلة وضع مقاربات مناسبة للاستنهاض وإعادة الإعمار في ‘المخيّم الجديد’” . لكن منذ انتهاء النزاع، تتجنّب “الأونروا” الانخراط في إعادة إعمار امتداد المخيّم، وتحصر مشاركتها في إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل بعض البنى التحتية لأن نسبة كبيرة من مهجري المخيم القديم يقيمون مؤقتا في امتداد المخيم، بحسب تبرير “الأونروا”. والسبب وراء موقف “الأونروا” هذا هو أنها لا تريد أن تخلق سابقة عبر التدخّل خارج الحدود الجغرافية للمخيّمات، على الرغم من أنها حالة طارئة. كما أن هذا الموقف محفوف بالمخاطر، لأنه إذا كانت “الأونروا” تحصر مسؤوليّاتها بالمخيّمات القديمة، فهذا يعني أنها تستثني من تفويضها اللاجئين الفلسطينيين الذين يُقيمون خارج المخيّمات، والذين يشكّلون نحو 40 في المئة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان24Chaaban, J., Ghattas, H., Habib, R., Hanafi, S., Sahyoun, N., Salti, N., Seyfert, K., Naamani, N. (2010), “Socio-Economic Survey of Palestinian Refugees in Lebanon”, Report published by the American University of  Beirut (AUB) and the United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East (UNRWA)..

من جهة أخرى، وإلى جانب إعادة الإعمار، زادت بعض تداعيات النزاع من الهشاشات التي يعاني منها سكّان امتداد المخيّم. أولاً، أعاد النزاع خلط أوضاع السكّان كما وضع تعريفاً جديداً لمعنى الالتزام بالقانون. فقد كشف النقاب عن بعض ممارسات المنظومة التي تنتقص من أمان الحيازة. قبل النزاع، كانت هذه الممارسات تُعتبَر غير قانونية إنما آمنة؛ لكن تداعيات حالة اللاقانونية بدأت تظهر للعلن في مرحلة ما بعد الحرب. ثانياً، ساهم موقف الدولة اللبنانية في تمكين موقع مالكي الأراضي اللبنانيين، وأتاح لهم استغلال الموقف الضعيف لسكّان امتداد المخيّم عبر ابتزازهم والمطالبة باستعادة الأراضي التي سبق أن باعوهم إياها. كان هؤلاء المالكون محط ثقة من فلسطينيي نهر البارد في شكل عام، لكن نظراً إلى الموقف السلبي للحكومة من امتداد المخيّم بعد النزاع، صُنِّف سكان الامتداد بأنهم ‘غير قانونيين’ وجرى التشكيك علناً في حقوقهم بأملاكهم. وهكذا بدأت تقع حوادث حيث يُهدّد مالك الأرض اللبناني مالكيها الفلسطينيين الحاليين ويضغط عليهم كي يبيعوا الأرض لـ ‘زبون’ آخر هذا إذا لم يشترِيها بنفسه من جديد.

أخيراً، ولّد النزاع والتحوّل في السياسة العامة الذي أعقبه، أرضيّة مناسبة لتطبيق قانون التملّك لعام 2001. شرح نزار صاغية، وهو محامٍ درس تداعيات قانون 2001 ، في مقابلة مع25 مقابلة مع نزار صاغية في مكتبه في بيروت، الأشرفية، في 10 كانون الثاني/ يناير 2011. ، أن مخاطر قانون 2001 لم تنكشف إلا بعد معارك نهر البارد. في الواقع، تجلّت إحدى العواقب الأساسية جداً لهذا القانون في إعادة إعمار المخيّم القديم الذي يقع ضمن صلاحية “الأونروا”. فمنذ اللحظة الأولى، اتّخذت الحكومة قرار مصادرة أراضي المخيّم من مالكيها الأفراد اللبنانيين الأصليين. لكن الحكومة لم تكشف سوى قبل أشهر قليلة فقط (ومجدداً بصورة غير رسمية)، أنّ الوحدات التي أعيد إعمارها مؤخراً في المخيّم القديم هي أملاك عامّة، وأنّ الحكومة اللبنانية هي المالكة الوحيدة لها، وتوضَع في تصرّف المنتفع ليستخدمها شرط تقيّده بقوانين الدولة وتنظيماتها.

خاتمة

استطاع امتداد مخيّم نهر البارد التطوّر في سياق ريفي حيث وجود المؤسّسات الحكومية محدود، وذلك عبر سلوك الاتّجاهات نفسها التي تطوّرت بها التجمعات غير الرسمية في بلدان الجنوب حول العالم؛ كما تطوّرت منظومة ذاتية الدفع على مرّ السنين لتنظيم توسّع هذا التجمع وهيكلته. وقد استندت هذه المنظومة إلى مجموعة من القواعد والتنظيمات المحلّية المنشأ، وكانت تعمل بفاعليّة في شكل عام قبل حرب 2007. بيد أنها اهتزّت إلى حد كبير بفعل واقعتَين. الواقعة الأولى هي إصدار قانون 2001 الذي منع كل الفلسطينيين من التملّك، وهكذا ساوى نظرياً بين الحيازات الرسمية وغير الرسمية. لم يوقف هذا القانون حيازة المنازل، بل دفعها نحو مزيد من عدم الرسمية بعد العام 2001. الواقعة الثانية التي كان لها تأثير أكبر بكثير هي نزاع 2007 الذي أعقبه تحوّل كبير في السياسة العامّة حيال المخيم وامتداده. تشير خلاصاتي إلى أن سياسات الدولة المركزية في مرحلة ما بعد النزاع عطّلت عمل هذه المنظومة غير الرسمية، وأدّت إلى زعزعتها وكشفت هشاشتها حيال الدولة.

الخلاصة الأساسية لهذه الدراسة ودراسات أخرى كثيرة تحلّل وضع إيواء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هي أنّ قانون 2001 يشكّل انتهاكاً واضحاً للحق في المأوى الذي هو حق أساسي من حقوق الإنسان (وهو ما تكرّس في عدد من المواثيق الدولية أيضا). لذلك، يجب تعديل هذا القانون بصورة عاجلة لأنه يساهم إلى حد كبير في تدهور الظروف المعيشية للفلسطينيين في لبنان. كما تُبيِّن هذه الدراسة ً أن هذا القانون يستنثي الفلسطينيين المقيمين خارج المخيّمات من السوق الرسمية، مما يزيد من هشاشتهم عبر دفعهم نحو حيازة المنازل بطريقة غير رسمية. وملكيّتهم غير الرسمية هذه مهدَّدة عند وقوع أي أزمة أو في أي لحظة حرجة، سواء كانت حرباً أو موجة من إزالة “المخالفات” مشابهة لتلك التي شهدناها مؤخرا. علاوةً على ذلك، تُظهر هذه الدراسة أن الأشخاص الأكثر تضرّراً من هذا القانون هم السكّان الذين تنبع حاجتهم إلى الأرض من حاجتهم إلى مأوى أساسي، في حين أنّ بعض المتعهّدين والمستثمرين الذين يستخدمون الأرض لأغراض تجارية ويملكون المساحات الأكبر من الأراضي، قد يتمكّنون، من خلال أموالهم ومعارفهم، من إيجاد طرق لإضفاء شرعية على ملكيّاتهم.

إلى جانب الحاجة إلى تعديل قانون 2001، تكشف هذه الدراسة وجوب إنشاء هيكليات محلّية قادرة على حماية المُلكيات الرسمية وغير الرسمية الحالية لسكّان التجمّعات الفلسطينية. ففي الوضع الراهن، السكّان متروكون ليناضلوا على نحو فردي من أجل حقهم الأساسي في المأوى، من دون دعم فاعل من أيّ منظّمة سياسية أو أهليّة. ولذلك يُدفَعون إلى استنباط حلول موقّتة لا تضمن حقوقهم في المدى الطويل. وما يشجع على الذهاب في خيار إنشاء مثل هذه الهيكليات هو وجود تجارب عديدة حول العالم إضافة إلى أنوية تجارب فلسطينية في لبنان في هذا الموضوع، كما أنه يمكن الاستفادة من توفر خبرات فلسطينية ولبنانية ودولية في هذا الشأن. لكن ذلك يتطلب أساسا مبادرة من السكان لتنظيم أنفسهم، وتجنب الانقسامات والتنازع على السلطة. 

أخيراً، يتوقّف مستقبل امتداد نهر البارد، وكذلك امتداد أي مخيّم أو تجمّع آخر في لبنان، في شكل أساسي على مقاربة الدولة اللبنانية وموقفها من اللاجئين الفلسطينيين. لقد كشفت الأحداث الأخيرة في نهر البارد، والدمار وإعادة الإعمار غير المكتملة، أن التعاطي الحالي مع المخيّمات والتجمّعات يعطي الأولوية للأمن والطابع القانوني على حساب حياة السكّان.

بين إعادة الإعمار الإشكاليّة لامتداد مخيّم نهر البارد ونوع الحيازة الجديد المحفوف بالمخاطر الذي قد يُطبَّق في المخيّم القديم تحت إدارة “الأونروا”، أتاح نزاع 2007 فرصة للحكومة كي تُطبِّق قانون التملّك لعام 2001، مع ما يترتّب عن ذلك من انتقاص شديد لأمان الحيازة بالنسبة إلى سكّان نهر البارد. فضلاً عن ذلك، تشكّل هذه الممارسات سابقة خطيرة في ما يتعلّق بحقوق المأوى التي يجب أن يتمتّع بها الفلسطينيون في لبنان، لا سيما وأنّ الحكومة اللبنانية تصرّ منذ انطلاق إعادة الإعمار، على أن مخيّم نهر البارد المعاد إعماره سيصبح نموذجاً قد يُطبَّق على باقي المخيّمات في لبنان.

المراجع:

  • 1
    Norwegian Refugee Council (NRC); Première Urgence (PU), 2009. Norwegian Refugee Council (NRC); Première Urgence (PU). (2009). Needs assessment in the Palestinian gatherings of Lebanon – housing, water and sanitation
  • 2
    Norwegian Refugee Council (NRC); Première Urgence (PU), 2009; ibid.
  • 3
    Hanafi, S., & Long, T. (2010). “Governance, Governmentalities, and the State of Exception in the Palestinian Refugee Camps of Lebanon”, Journal of Refugee Studies, 23(2): pp. 134 -159.يذكر أن تعبير “مساحة خاضعة للاستثناء” في دراسة حنفي ولونغ مستمد من مفهوم “حالة الاستثناء” للكاتب جورجيو أغامبين إذ “”تشير الحالة الاستثنائية إلى تعليق القانون من جانب الدولة السيادية، عادةً لدواعي الدفاع الوطني أو الأمن القومي””.أنظر\ي: Agamben, G. (1998). Homo sacer. Stanford Univ Pr.
  • 4
     منظمة العفو الدولية، “اللاجئون الفلسطينيون في لبنان : بين النفي والمعاناة”، 17 تشرين الأول/اكتوبر 2007
  • 5
    Bassem Chit. (2009). Nahr El-Bared Statistical Report2009: Main trends and findings on the conditions and the situation of the Nahr El-Bared displaced and returned population. Lebanon Support.
  • 6
     لإثبات أن الشاري لا يملك أراضي في أيّ مكان آخر، ولا يتجاوز بالتالي المساحة القصوى المسموح بها، كان عليه أن يُقدِّم إفادة ملكيّة صادرة عن كل المحافظات اللبنانية، إلا أنه كان من الصعب جداً الحصول على مثل هذه الوثيقة. يروي الأشخاص الذين أجريت مقابلات معهم أنهم اصطدموا خلال محاولتهم إتمام هذه الإجراءات المعقَّدة، بعوائق في محافظة جبل لبنان حيث كانت طلباتهم تُرفَض باستمرار بسبب الطائفية السياسية تاريخيا. كان يمكن استخدام شخص لإنجاز المعاملة، لكن الكلفة كانت مرتفعة أيضا.
  • 7
    Saghieh, Nizar, & Saghieh, Rana (2008). Legal Assessment of Housing, Land and Property Ownership, Rights and Property Law related to Palestinian Refugees in Lebanon. Norwegian Refugee Council.
  • 8
    McAuslan, P. (2003). Bringing the law back in: essays in land, law, and development. England: Ashgate Pub Ltd.
  • 9
    Government of Lebanon. (2008). “A common challenge: A shared responsibility”. Presented at the International donor conference for the recovery and reconstruction of the Nahr el-Bared Palestinian refugee camp and conflict affected Areas of North Lebanon, Vienna: Government of Lebanon
  • 10
    Fawaz, M., & Peillen, I. (2002). The Slums of Beirut: History and Development 1930-2002. Paper prepared for United Nations Center for Human Settlement.
  • 11
    هذا الاقتباس مترجم عن الانجليزية عن موقع “لجنة الحوار”: وتُعتبَر لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني، التي كانت تُعرَف سابقاً بفريق العمل اللبناني حول اللاجئين الفلسطينيين، هيئة حكومية يشارك فيها ممثّلون من وزارات متعدّدة، تم تشكيلها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2005 بموجب قرار صادر عن مجلس الوزراء اللبناني. تنسِّق مع “الأونروا” ومنظمة التحرير الفلسطينية “لتثمير الوعي وتشجيع مبادرات المصالحة بما يضمن حقوق الإنسان للاجئين الفلسطينيين في ظل سيادة الدولة والقانون”. من الموقع الرسمي للجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني
  • 12
    Sheikh Hassan, I., & Hanafi, S. (2010). “(In)Security and Reconstruction in Postwar Nahr al-Barid Refugee Camp”, Journal of Palestine Studies. Vol. XL, No. 1 (Autumn): pp. 27-48.
  • 13
    Sheikh Hassan, I., & Hanafi, S.; ibid.
  • 14
    Government of Lebanon. (2008); ibid.
  • 15
    Government of Lebanon. (2008); ibid
  • 16
    Government of Lebanon. (2008); ibid
  • 17
    AlainDurand-Lasserve, A. (2006). “Informal Settlements and the Millennium Development Goals: Global Policy Debates on Property Ownership and Security of Tenure”, Global Urban Development Magazine, 2(1): http://www.globalurban.org/GUDMag06Vol2Iss1/Durand-Lasserve.htm
  • 18
    Government of Lebanon. (2008); ibid
  • 19
     يعتبر المخطط التوجيهي لقريتَي المحمرة وببنين، المحيطتين بنهر البارد، أن غالبية المنطقة المحيطة بالمخيم هي منطقة سكنية وزراعية ذات كثافة بناء متدنّية، حيث الحد الأدنى المسموح به عند فرز الأراضي (subdividing) هو 1200 متر مربّع لقطعة الأرض الواحدة، ونسبة استغلال السطح (Surface Exploitation Ratio) هو 20 في المئة. بيد أنه على أرض الواقع فإن الحد الأدنى لمساحة قطعة الأرض المقسَّمة بطريقة غير رسمية في امتداد مخيّم نهر البارد هو 100 متر مربع، وتتراوح نسبة استغلال السطح حالياً على أرض الواقع من 70 إلى 80 في المئة.
  • 20
     في الواقع، اقترح الفريق الحكومي المتخصّص استراتيجيات عامّة لتسوية الوضع غير القانوني للبناء. فعلى سبيل المثال، وبما أنهم يعون التباين بين مراسيم تنظيم الأراضي (zoning) وواقع البنى المشيَّدة في امتداد مخيّم نهر البارد، أعربوا عن استعدادهم لتطوير مخططط توجيهي جديد يأخذ في الاعتبار المورفولوجيا (شكل البناء) المدينية القائمة. علاوةً على ذلك، بما أن التقدّم بطلب للحصول على رخصة بناء كان أحد شروط إعادة الإعمار، وبما أنه كان واضحاً أن السكّان لا يستطيعون أن يتقدّموا بطلب بأنفسهم لأنهم ليسوا مالكي الأراضي الرسميين، وعدت الحكومة باستنباط إجراء ليتمكّن السكّان من الحصول على رخص بناء
  • 21
    Fawaz, M. (2007). “Beirut: The city as a body politic”. ISIM Review, b, 20 (Autumn): pp. 22–23
  • 22
    رُفِع مستوى الأرض في المخيّم القديم بكامله بسبب اكتشاف موقع أثري تحت المخيّم
  • 23
    Government of Lebanon. (2008); ibid
  • 24
    Chaaban, J., Ghattas, H., Habib, R., Hanafi, S., Sahyoun, N., Salti, N., Seyfert, K., Naamani, N. (2010), “Socio-Economic Survey of Palestinian Refugees in Lebanon”, Report published by the American University of  Beirut (AUB) and the United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East (UNRWA).
  • 25
     مقابلة مع نزار صاغية في مكتبه في بيروت، الأشرفية، في 10 كانون الثاني/ يناير 2011.
إدارة الأراضي والتنظيم المدني إعادة الإعمار والتعافي قضاء عكار لبنان محافظة شمال لبنان محافظة عكار مخيم نهر البارد
 
 
 

إعادة الإعمار في لبنان: التجارب والدروس

يختبر لبنان اليوم، وخاصة الجنوب وبيروت والبقاع، دماراً هائلاً على مستوى البنى التحتية والمباني والمساحات والنسيج الاجتماعي والحَضَري، نتيجة الحرب الإسرائيلية الأخيرة. وهو ما أثّر بشكل مباشر على حق الناس بالسكن وأجّل عودتهن\م …

دروس من مشروع “وعد” لإعادة الإعمار

بعد ثلاثة وثلاثين يوماً من القصف المتواصل الذي أدّى إلى مقتل أكثر من 1,000، أثّرت حرب 2006 على إجمالي 1,232 مبنى. في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 عُقد اجتماع مع الأهالي وفيه أظهر الناس ...

عيتا الشعب: كيف نعيد بناء قرية؟

قد تبدو تجربة عيتا الشعب، وهي قرية لبنانية حدودية تمّ استهدافها بشكل كبير خلال الحرب الإسرائيلية عام 2006، كتجربة خاصة ومحدودة، لكنّها قادرة على تمثيل ما جرى في العديد من القرى والبلدات الجنوبية ...

شركة سوليدير: تجربة إعادة إعمار وسط بيروت

تأسّست شركة "سوليدير" بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) لتتولى مهمة إعادة إعمار وسط مدينة بيروت، الذي أصبح اليوم معروفاً باسمها. تمثّل تجربة هذه الشركة النموذج النيوليبرالي لإعادة الإعمار، وهو نموذج تعرّض للكثير ...