لم تغِب عيتا الشعب من مخيال من عايشت حرب 2006. وربّما كان معظمنا، عندما بدأت حرب 2024، ينتظر بخوف ما سيحصل في عيتا هذه المرة. صوت رفيق علي أحمد الذي يصدح باسمها، يذكّرنا بما مثّلته عيتا يومها للجنوبيين من جهة، وللإسرائيليين من جهة أخرى.
ولكن حين خفتت أصوات القنابل، لم يحلّ الصمت على الشهداء وما فقدنا من ذكريات وأماكن، بل أتى صوت الجرّافات، تتراكض لتزيل الأنقاض والبيوت.
فعيتا الشعب مثال آخر حملت فيه عملية إعادة الإعمار العديد من التجارب القاسية. وهو تصوّر يحمله أغلبية السكان في لبنان، نتيجة الحروب الكثيرة التي مررنا بها، وما نتج عنها من عمليات إعمار كانت تُعيد نفسها، ولا تسمح بطرح يُسائل وجود بديل أو يبحث عنه.
تبدو تجربة عيتا الشعب كتجربة خاصة ومحدودة، لكنّها قادرة على تمثيل ما جرى في العديد من القرى والبلدات الجنوبية بعد حرب 2006؛ إن لجهة جرف الحارة القديمة والسعي للاستفادة من التعويضات، أو لجهة مقاربة إعادة الإعمار من زاوية مشابهة لسوليدير مع ما يصاحبها من غياب المشاركة والقراءة الجماعية لإعادة الإعمار، أو لجهة القصص الكثيرة التي سمعناها من العائدات\ين وتجاربهنّ\م خلال الحرب ومعنى فقدان المنزل والقرية.
مستويات ثلاث، ثقيلة، عميقة وصعبة، سنحاول معالجتها من خلال هذا النص المعتمد على مقال نُشِرَ في مجلة المهندس عام 2007 ويخوض النص في تجربة مجموعة من المخطّطين والمخطّطات المدينيات اللواتي والذين تطوّعوا بعد الحرب مباشرةً لدعم جهود الإعمار في القرية.

خلفية تاريخية عن عيتا الشعب في علاقتها مع الحروب
لماذا البلدة التاريخية لعيتا الشعب؟
ما الذي جعلنا نتكلّم عن البلدة التاريخية وضرورة الحفاظ عليها حينها، أو عن البلدة القديمة لأي قرية أو مدينة؟ هل لأنها قديمة وتثير فينا مشاعر ما، أم لأنها كانت عنوان المعركة والمقاومة وقت الحرب، أم بسبب بيوتها الحجرية التاريخية؟ أم لأن البلدة التاريخية لها علاقة بمواضيع مختلفة يمكن لبقية المناطق التعلم منها في البناء وثقافته والإقتصاد والنسيجين الإجتماعي والعمراني؟ أم لأنها كانت الأكثر تهديداً بعد الحرب؟ ربما كل ذلك، مع التفاوت في درجة تأثير كل عامل.
خصائص البلدة التاريخية
يعود تاريخ عيتا الشعب إلى أكثر من 250 عام. عمرانياً، وحتى أوائل الخمسينيات كانت عيتا الشعب ممتدة في حدود بلدتها التاريخية الحالية بالإضافة إلى المدافن، حيث كانت حدود بلدة رومانية في السابق كما يبدو. وكانت البيوت بداية من الطين والتبن، ثم الحجر الصخري العريض. وكانت أسقف البيوت تُستخدم لتجميع مياه المطر حيث يحتفظ كل بيت ببئر على الأقل، بعضها آبار رومانية. وتتداخل الأراضي الزراعية مع البيوت، حيث تزرع مشاتل الدخان في بعض الحواكير والأراضي الزراعية المجاورة، قبل نقلها إلى الأراضي الزراعية الأبعد. وكان التبغ منذ ذلك الوقت جزءاً أساسياً من عمران البيوت والحياة الإقتصادية.
وكبقية البلدات التاريخية، تتميّز الطرقات بشكلها المتعرّج وضيقها، كما تشكّل امتدادات اجتماعية للبيوت. ومنذ الخمسينيات، بدأت ساحة الضيعة الرئيسية بالخروج إلى حافة القرية التاريخية وتشكيل صلة وصل مع باقي القرية، عبر ساحتي الكاراج والحسينية حيث النشاطات الإجتماعية والثقافية والجامعة. وبدأت عيتا الشعب بالإنتشار نحو التلال، وبإتجاه الطريق العام الذي يربط بين قريتَي رميش والقوزح.
عام 1948، أصبحت دولة الاستيطان جارة عيتا الشعب المباشرة، لا يفرّق بينهما سوى أمتار قليلة، بعد أن دمّرت وهجّرت معظم القرى الفلسطينية التي كانت تملك علاقات اجتماعية واقتصادية قوية مع عيتا الشعب ومحيطها قبل عام 1948، وشيّدت مكانها مستوطنات عدوانية. وصارت عيتا الشعب قرية حدودية نائية محاصرة حدودياً من الجنوب والغرب، بعد أن كان امتدادها جنوباً إلى الداخل الفلسطيني، أكثر منه نحو صور أو بيروت. انقطعت علاقاتها الإقتصادية والإجتماعية من الجهتين إذاً كما يروي كبار السن عن الطرقات التي كانوا يسلكونها، وصار حتى امتداد الشوارع محكوماً فقط بالشمال والشرق منذ الخمسينيات.

ومثلما دمّرت أو هجّرت غالبية القرى الفلسطينية شمال فلسطين، فإن القرى اللبنانية الحدودية1بعض القرى التي هجرت في عام 1948: حانين، مارون الراس، بنت جبيل، الخيام. في السبعينيات: عيناتا، صديقين، بنت جبيل ومارون الراس مجددا، ومنها عيتا الشعب. جنوباً تعرّضت لمحاولات مشابهة من التدمير والتهجير والإحتلال ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن، وإن بحدّة أقل من مثيلاتها الفلسطينية بسبب طبيعة الاستيطان هناك. لكن ثمة استمرارية في السياسات الإسرائيلية منذ عام 1948، حيث احتلّ العدو الصهيوني أكثر من 2000 دونم من الأراضي الزراعية لعيتا الشعب، وبعض وثائق هذه الأراضي موجودة لدى الأهالي.
لذلك فإن أراضي عيتا الشعب العقارية محدودة مقارنة بالقرى المحيطة بها، رغم أن عدد سكانها من الأكبر2وقد سجّل الفريق اللبناني تحفظاً على الخط الأزرق في جوار عيتا الشعب..
تاريخياً، أنتج المكان في البلدة القديمة عوامل “عضوية”، أي متصلة مباشرة بالسكان. جرى تحدّي هذه العوامل من قبل إسرائيل أوّلا، وبعدها من قبل المصالح المالية وخطاب تطويري له هيمنته، ما زال قائماً حتى لحظة الكتابة. لقد قاومت البلدة القديمة إسرائيل، وانطلقت منها بدايات المقاومة منذ نهاية الستينيات وحتى الحرب الأخيرة.
تأثير إسرائيل
كان لاحتلال فلسطين عام 1948 إذاً أثرٌ مباشرٌ على حياة سكّان عيتا الشعب وشكل قريتهم. كانت عيتا مركزاً لعدّة قرى، وما زالت، وفيها مركز جمع التبغ لمصلحة الريجي. خلال الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، توقّفت عن أن تكون مركزاً لجمع التبغ، وترافق ذلك مع تغيّر مكانتها كمركز اقتصادي للمنطقة. لكن ساحة البركة (بركة مياه الجمع العامة) أو الحسينية التي شيّدت فوق البركة خلال الإحتلال، ظلّت مركزاً إجتماعياً وثقافياً وسياسياً.
خلال الاحتلال الإسرائيلي جرى تهميش برك مياه الجمع، وبدأ مركز البلدة ينتقل نحو الطريق العام حيث مبنى البلدية السابق. وحينما بدأت القرية بالتمدّد، نزلت بإتجاه الأراضي الزراعية، ممّا أدّى إلى توسيع الطرقات باتجاهها، وترافق مع تغيّر طبيعة العمل – بحيث توجّه السكّان إلى العمل داخل فلسطين مثلاً أو في جيش لحد- فقلّ الاعتماد على الزراعة إلى حدّ ما. وصار القرية بعيدة عن وسطها التاريخي، وإن ظلّت محافظة عموماً على نمط البناء على التلال وعلى جزء كبير من الأراضي الزراعية.
ومنذ بداية السبعينيات، شهدت عيتا الشعب مراحل حافلة بالمقاومة، وذلك نتيجة تعرّضها ومحيطها للقصف بشكل يومي، ثم تعرّضها لاحتلال إسرائيلي لمدة 22 عاماً. فبين عامي 1970-1972 مثلاً، دمّر الكوماندوس الإسرائيلي سبعة بيوت في عيتا الشعب منها مخفر الجيش.
وفي 2006، كانت البلدة التاريخية مركز المعارك والمحاولة العديدة لدخول الآليات الاسرائيلية.
داخل البلدة التاريخية، كانت هناك محاولات عديدة لتوسيع الشوارع “تسهيلاً لدخول آليات جيش لحد” كما روى عدد من الأشخاص. بعد التحرير عام 2000، وخروج كثير من سجناء الخيام وعودة المنفيين، ظهرت فورة بناء في عيتا الشعب دون توجيهات تخطيطية. ولذلك تمدّد البناء وبدأ تهديد الأراضي الزراعية يصبح موضوعاً جديّاً. فعيتا الشعب تعتمد على الزراعة بشكل كبير حيث يعمل في زراعة التبغ (المدعوم من الدولة عبر احتكار الريجي) قرابة 80% من أهالي عيتا الشعب، وفيها علاقة تكاملية صحية بين الأراضي الزراعية والعمران، بدايةً من البيت وحواكيره وحتى الحقل.
حول واقع الدمار في عيتا الشعب عام 2006
أولاً، ماذا أراد المخطط الإسرائيلي خلال حرب 2006؟
عام 2006، ركّز العدو الصهيوني في حربه على البلدة القديمة لعيتا الشعب. وليس مصادفة أن الحارة التحتا في البلدة القديمة هي التي جرفت بالكامل، في إطار عملية مستمرة منذ عام 1970، حيث دمرّ الكوماندوس الإسرائيلي بيوتاً فيها. وهي مهد المقاومة التي أوقعت عشرات القتلى الإسرائيليين3 يقدّر البعض نتائج المعركة بحوالي أربعين قتيلاً إسرائيلياً، عدا عن الجرحى، مقابل 19 شهيدا بين مدني وعسكري من عيتا الشعب..
وقد لعب الشكل العمراني للقرية القديمة وأزقّتها دوراً أساسياً في دعم العمل المقاوم وتصعيب عمل جنود الاحتلال ودباباتهم4في الفترة الأخيرة من العدوان الإسرائيلي، قامت الجرافات الإسرائيلية دي-9 كاتربيلر بجرف قرابة ستة عشر بيتاً في الحارة التحتا، ولكنها لم تتمكن من متابعة تقدّمها بفضل المقاومة العنيفة التي واجهتها هناك. أما في الطرف الآخر من البلدة القديمة، في الحارة الفوقا، فقد دخلت جرافة إسرائيلية تتبعها دبّابة كما أشارت روايات السكان، لكن المقاومة العنيفة، وتدمير الجرافة التي كانت تعمل على فتح الطريق للدبابة التي واجهت صعوبة في دخول الأزقة، والكمائن التي تعرضت لها أكثر من مجموعة إسرائيلية هناك بحسب روايات مختلفة، أدّت إلى تراجع التوغل الإسرائيلي، ممّا وفّر الحماية لبيوتها هناك من الجرف. .

إن هذه الأحياء ذات الشوارع والأزقة التي لا تتسع في كثير من الأحيان لأكثر من عبور سيّارة، تمثّل أحياء مقاوِمة بحد ذاتها. خلال تلك المعركة، حاول الإسرائيليون تحطيم المقاومة عبر جرف هذه الأحياء وكسر المقاومة فيها، ليصبح ممكناً لاحقاً احتلال البلدة بأكملها؛ حيث تصبح البيوت والمساحات أكثر اتساعاً وانتظاماً مقارنة بالزورايب والأزقة الضيقة التي شيّدت بشكل تراكمي على مدى أكثر من 150 سنة في البلدة القديمة. إن التاريخ والعلاقات الإجتماعية التي كانت قائمة على مدى السنين، متجسّدة بالبناء المعماري وتنظيمه، هي بتكوينها الأساسي جزء من مقاومة هذه الأحياء والبلدات، على عكس الشكل عالي التنظيم والتصميم للمستوطنات. لذا، كانت المقاومة الأشرس تنطلق من هذه الأحياء في الحرب الأخيرة، وهي نقطة تجمّع المقاومين من الأماكن المختلفة.

ومن خلال أبحاث تتناول تفكير الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الأماكن والأحياء القديمة خلال إجتياح البلدة القديمة لنابلس ومخيم جنين، ظهر “فهم جيش الدفاع الاسرائيلي المعركة في نابلس كمعركة متعلقة بالحيّز المكاني”. يقوم ضباط إسرائيليون بمتابعة دراساتهم الأكاديمية في جامعات إسرائيلية من أجل فهم كيفية تفكير السكان في الأحياء القديمة واحتماء المقاومين فيها بالحيّ والزاروب والشبّاك والباب. ويحاول الإسرائيليون بدورهم إعادة تعريف هذه الأماكن ليقابل تعريفهم الجديد لها تعريف السكان والمقاومين لهذه الأماكن. فمثلاً، صار الإسرائيليون يعتمدون سياسة الحائط، وحمل ما يسمونه “عدّة الشغل” وهي أدوات يتمكّنون من خلالها من فتح ممرّ في غرفة النوم أو الصالون، ليوفّروا مداخل لهم غير التي يتوقّعها المقاومون. أوضحت الدراسة بأن الجيش الإسرائيلي يعيد تكييف نفسه، ويقلل من جموده، اعتماداً على مواجهات متعلقة بحرب الشوارع في الأحياء القديمة.

إعادة الإعمار بعد حرب 2006: استراتيجية الجرف
منذ البداية كانت هناك أفكار “سوليديرية” صغيرة في ما يخص البلدة التاريخية لعيتا الشعب، شجّعتها عوامل متعلّقة بالإنبهار بالـ”حديث” والمتمركز في التجربة المدينية لبيروت تحديداً، وتحويل وسطها من مكان للتلاقي والعيش إلى مساحة مقتصرة على تقديم الخدمات لأغنياء لبنان والمنطقة. وكانت آلية كشف الأضرار التي حدّدتها الدولة اللبنانية. كما ساوت آلية كشف الأضرار بين الفيلا الدوبلكس والبيت التاريخي، بحيث اعتمدت المؤسسات التي اتّخذت على عاتقها القيام بالكشف، على المخيال الهندسي العمراني المحدود بتجربة واحدة هي سوليدير. كما طُرحت العديد من علامات الاستفهام حول دقّة آلية تدقيق الدولة على الكشوف، والتي لم يتمّ إعلانها أساساً.
كان هناك بدايةً، كشفَين لمسح الأضرار، واحد من قبل “مجلس الجنوب” والآخر من قبل “جهاد البناء”، وكلاهما لم يأخذ بعين الإعتبار حالة البلدة القديمة والبيوت الحجرية التاريخية وغيرها من البيوت القديمة. ويمكن القول بأن الكشفين شجّعا على تسجيل البيوت في خانة الهدم للحصول على تعويض هدم، وإن كان هناك فارق في الدقة لصالح الأخير كما عبّر كثير من السكّان.
كما لعبت مصالح مالية تخص مقاولين مسؤولين عن إزالة الردميات دوراً في تشجيع هدم البيوت وجرفها، مستخدمة شبكة علاقاتها، كي يتم الحصول على مبلغ مالي أكبر لكل بيت مهدوم، في مقاربة تقول بأن هذه الممارسة هي خير لأهل البلد\القرية من حيث حصولهم على تعويضات مالية أكبر.
بالإضافة إلى ذلك، ربما ساهمت آلية التعويض المالية الفردية، لا أن يعاد بناء البيت والحيّ والطريق، بل التعويض عن ذلك مادياً، بتهشيم النسيج العمراني.

أما نصيب المقاومة ودور البلدة التاريخية فيها فقد جرى تهميشه أيضاً. وبرغم أن “حزب الله” تجاوب مع مساع متتالية وضغوط من قبل جهات مختلفة للحفاظ على الطابع العام للبلدات التاريخية، إلاّ أن ذلك الموضوع لم يدخل سلّم الإهتمامات إلا متأخراً: ومحلياً لم يكن هناك تجاوب معه من قبل أطراف نافذة ومسؤولة وبرغم أنه أتخذت قرارات صريحة من قبل الحزب ذاته. فأول قرار لحزب الله حول المحافظة على البيوت التاريخية الحجرية كان في نهاية كانون الأول 2006، كما افتقد القرار إلى المتابعة على الأرض، على الرغم من كونه أول استجابة لنشاط من دافعن\وا عن الموضوع في عدّة قرى وأماكن، وتواصلهم مع أشخاص من الحزب من بنت جبيل وعيتا الشعب وبيروت وصور وغيرها.

المصالح المالية والنفوذ بعد الحرب
كان للمصالح المالية والنفوذ السياسي دوراً أساسياً في جرف أجزاء كبيرة من البلدة التاريخية بعد الحرب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، جرى جرف بيت بتشجيع من سكان ونافذين من أجل توسيع الشارع المؤدي إلى الجامع الفوقاني، على الرغم من عدم الحاجة للتوسيع لأن غالبية المصلين في هذا الجامع هم من المشاة وأهل الحارة.
استخدمت حجّة توسيع الشوارع في محاولة هدم أكثر من بيت أو الضغط على السكان من أجل البناء مع تراجع في البلدة التاريخية، مستخدمين حجة وجوب أن يكون التراجع، قانونيا5تحدّد المديرية العامة للتنظيم المدني خططا أو مخططات على مناطق بأكملها حيث تحدد التراجعات وعوامل الإستثمار. ولكن في عيتا الشعب، كانت الحالة مختلفة بعض الشيء. بعد تشكيل الدائرة العقارية في لبنان في العام 1923، ابتدأ الفرنسيون مسح وتسجيل ملكيات الأراضي في لبنان وفقا لمناطق عقارية. في المناطق الجنوبية، وبوجود العمليات العسكرية الإسرائيلية، توقفت أعمال المسح، ومنعت فرق المسح من تأدية مهامها في اواخر الستينيات. اليوم، لم تمسح المناطق الجنوبية المحتلة سابقا، بما فيها عيتا الشعب، ولا وجود لتشريعات مدينية أو خطط لهذه المناطق. وتحدد ملكيات الأراضي بحسب الجيران، وبدون وجود خرائط عقارية للمنطقة (لا يعني ذلك بأنه بالضرورة أمر سلبي). نتيجة لذلك، وبحسب مديرية التنظيم المدني، تخضع منطقة عيتا الشعب للقوانين المدينية للمناطق غير الممسوحة. إن تنظيم المناطق غير الممسوحة ينص على أن يجري التراجع عن الشوارع من قبل كل الأبنية (باستثناء الطرق التي تصل بقرى أخرى) بـ 3 أمتار، وبعامل إستثمار سطحي بنسبة 25/ 50 (40/ 80 مؤخرا). الطريق الرئيسي الذي يصل القرى بعضها ببعض هو الوحيد الذي مسحه مؤخرا (بتمويل من البنك الدولي)، وجرى تصنيفه مع خطة تنص على أن يكون التراجع 12 مترا من منتصف الطرق. باستثناء البيوت التي بنيت بعد التحرير في العام 2000 وتشكيل أول بلدية منتخبة بعد التحرير، فكل البيوت القائمة لا تسير وفق تشريعات مديرية التنظيم المدني، وبعض البيوت المبنية بعد العام 2000 تخضع لها. كما ذكر سابقا، فإن التأثير الإسرائيلي والنفوذ أيضا أثرت بشكل ما على تخطيط الشوارع مقارنة للطابع الأكثر عضوية سابقا كما إعتاد الناس أن يبنوا بحسب علاقات وأعراف.، مترين من حدود الشارع.
إن هذا النوع من التراجعات أقرب إلى المستحيل في البلدة التاريخية، خاصة وأن بعض الأراضي لا تزيد مساحتها عن الـ 100 متر مربع. مع هذا، تمّ الضغط باتّجاه هذا النوع من التراجع (2-3 متر) حتى في الأماكن الأكثر هشاشة.
مجموعة متطوّعات\ين: محاولة تغيير المقاربة لإعادة الإعمار
في هذا الإطار، وبعد الحرب مباشرةً، عملت مجموعة من المتطوعات والمتطوعين6في الأشهر الأولى، اعتمدت مجموعة البناء على مصاريف شخصية، ثم جاءت تبرعات من جمعية “مدى” اللبنانية، لبنانيون نشطوا خلال الحرب في فرنسا، تجمع “صامدون” اللبناني خلال الحرب جمعية “تضامن” اللبنانية الكندية، مجموعة فنانين ناشطين خلال الحرب من ألمانيا. والمجموعة تحفظت على مصادر تمويل لأطراف كانت داعمة للحرب الإسرائيلية. عملت المجموعة تحت إسم “صامدون عيتا الشعب”، وكانت على تنسيق مع جهات مختلفة من بينها تجمع “صامدون” ومجموعة إعادة الإعمار في الجامعة الأميركية في بيروت، و”سينمايات” لتوثيق الحرب وما بعدها، التي كنا من ضمنهما، والمخططون نصر شرف الدين وياسمين معكرون، وجمعية “أرض وناس” وغيرهم. وكان الفريق المتطوع يعمل ضمن مجموعة واسعة عملت في الإغاثة الغذائية والطبية أيضا بعد الحرب. ونشاطات تضامن مع عوائل الشهداء والأطفال وغيرها. والمجموعة التي عملت في موضوع البناء هي من خلفيات شبابية متنوعة: مخططون ومعماريون وناشطون وعمال وموظفون سابقون وطلاّب، وهي بمجملها لبنانية وعربية وبعض الغربيين، قلة من عيتا الشعب والمعظم من خارجها. وظل هناك فريق قليل مقيم في عيتا الشعب، بينما كان يأتي أفراد متطوعون على فترات مختلفة. واعتمدت بموردها المالي في التكاليف الأساسية أو في أنشطة متعلقة بالبناء في عيتا الشعب على موارد مالية تضامنية قليلة وعبر معارف. ربما كان يراودنا البحث عن دور وربما كمية التدمير الكبيرة في عيتا الشعب، وكون عيتا الشعب مركزا لعدّة قرى، وربما قربها من الحدود وقربها من فلسطين، وربما عوامل أخرى لا نعيها قادتنا إلى عيتا الشعب دون غيرها. ومنذ البداية كنا نفكر في عدّة قرى، ورأينا أن بعض المجموعات اتجهت إلى بعض القرى ضمن بلدية عيتا الشعب في قسم التخطيط والهندسة المستحدث. لم تكن هناك خطة واضحة في البداية، بل بدأت بالتعرف على واقع الأضرار والقرية وناسها، تضامناً وتواصلاً.
وكان موضوع البلدة التاريخية لعيتا أولى المواضيع التي اهتمّت بها المجموعة، إضافةً إلى التعويضات المالية، بالتزامن مع تبني سلطة عربية (قطر) لعملية إعادة الإعمار هناك. جرى التركيز على الموضوع الأول وأهمل الثاني، وفي النهاية ارتد الثاني على الأول: كان لتجزئة عملية إعادة الإعمار وفصلها وآليتها عن بعضهما البعض، آثارها العميقة.
كانت المجموعة تقوم بالتواصل مع السكان -مع كل عائلة من العائلات القاطنة في البلدة التاريخية، وبرسم خرائط من قبل السكان، وبشكل جماعي في الحسينية، وعبر نشرات توضيحية صغيرة توزَّع على السكان حول المستجدات والإقتراحات ونقاشها معهم، وعبر الإعلام إلى حد ما، وداخل البلدية حيث استحدث قسم التخطيط والهندسة في البلدية، ومع جهات معنية بالموضوع، وغيرها- سواء حول ترميم البيوت الحجرية أو غيرها من المواضيع. وكانت تتكيّف مع توجهات الناس في الإقتراحات.
نتيجة تواصلها مع الناس، اطمأنّ الكثير من أصحاب البيوت إلى خيار إعادة ترميم بيوتهم الحجرية، ووقّعوا على عريضة تطالب بإعادة تأهيل بيوتها ضمن آلية تعويض مناسبة في شهري كانون الأول والثاني 2006. وهنا جرى إقناع الدولة المموِّلة برغبة السكان بإعادة تأهيل بيوتهم، وتكيّفوا بدورهم مع ذلك وتبنّوا الموضوع. لكن بما أن سلطة كشف الأضرار لم تتواصل بشكل جيد ومستمر مع السكان إثر ذلك، فقد عمد السكان أخيرا للعودة إلى أساليب رد الفعل لفرض الأمر الواقع والضغط على سلطة كشف الأضرار بإعطائهم تعويضاً مالياً مناسباً.
وفي أحد الأمثلة، هدم أحد أصحاب البيوت منزله الحجري، وعندما تم التواصل معه، كشف بأنّه لم يكن على علم بمشروع إعادة تأهيل البيوت الحجرية. وقد كان دافعه الأساسي لهدم بيته هو الحصول على تعويض يراه وافراً.
فقد كان للتعويضات المالية انعكاسها على مجمل عملية إعادة الإعمار بما يرافقها من علاقات اجتماعية ونفسية، ومن هذه الآثار هدم الجزء الأكبر من البلدة التاريخية. لقد أمكن وقف الجرف في البلدة التاريخية لستة أشهر تقريباً، وفي صراع مرير، لكن آلية التعويضات المالية دمّرت كل هذا الجهد، كما أطاحت بمئات السنين من التراكم في تشكيل أبنية البلدة القديمة وذاكرتها.
ما العمل إذاً؟ ما بعد العمران
في ظل هذه المقاربة المأزومة للمساحة وإعادة الإعمار، من غياب استراتيجية لإعادة الإعمار، ومن هدم وجرف، نرى من الضروري طرح خارطة طريق لعملية إعادة إعمار تحافظ على الحق بالسكن وعلى علاقة الناس بأرضهم وسبل عيشهم، وتحافظ على الموروث العمراني للقرى والبلدات المدمّرة.
فالحرب، وإن كان الجزء الأكبر منها ضد الناس، كان جزء منها ضد أرض الناس وبيوتهم وإمكانية عودتهم.
وقد رأينا من خلال تجربة عيتا، دروس عديدة يمكن التعلّم منها.
بناءاً على تجربة المجموعة المتطوّعة، ما الممكن غير المطروح إذاً، وما البديل لما يُطرح كحتمي؟
نعتقد أن خطوات عديدة، بدايةً من إعادة تموقع المخطط\ة، والتواصل والمشاركة، ومشاركة كل أفراد العائلة في تصميم المنزل، اعتبار الناس والذاكرة جزء من إعادة الإعمار، وغيرها من القضايا، ضرورية لاسترجاع قرانا ومناطقنا.
موقع المخطّط\ة
إن موضعة المخطط\ة لنفسه\ا كمعني\ة بصراع واسع، أوله الصراع ضد المخطط العسكري الإسرائيلي، هو في صلب عملية التخطيط الذي ينحاز لمصلحة السكان وأهل الأرض.
وبهذا التوجّه، فإن محاولات جرف البلدة القديمة، ومكب الردميات على حافة تلة، ومحاولات ردم بركة مياه التجميع العامة (حيث ندرة المياه في المنطقة)، والضغط على توسيع الشوارع كيفما أتفق، واشتداد البعد الفردي في عملية البناء على حساب التواصل الاجتماعي، وتمزيق النسيجين العمراني والاجتماعي وغيرهما، جميعها إنعكاسات لتغييرات جذرية متعلّقة بالحرب وما بعدها، ولها علاقة بالموقف من مواضيع أوسع من المهنية بشكلها التقني، من مستويات سياسية واجتماعية واقتصادية وبيئية وثقافية ورمزية، هي في أساس موضوع التخطيط والتصميم.

من الضروري بالنسبة لنا تشكيل مقاومة جذرية لهذه التغييرات واحتوائها قدر الإمكان، خصوصاً أن موضوع البلدة القديمة. وبذلك فإن عملية التجديد مثلاً في عملية إعادة البناء، تقع ضمن ما كان قائماً، وبإيقاع بطيء، دون أن يفتح المجال للمتنفّذين بالاستفادة على حساب السكان.
فعملية إعادة البناء بعد الحرب ليست فرصة إيجابية، ومن هنا نبدأ. هي مرحلة انتقالية صعبة مليئة بالمخاوف التي يجب الإجابة عليها. وبهدوء، يمكن فتح نوافذ تعزيز مشاريع تخطيطية وإقتصادية وإجتماعية في القرية، ولكن الأولوية هي احتواء موجة تغيير شكل مناطقنا ووظيفتها، الناتجة عن الحرب، وربطه بما حاول الإسرائيليون فعله من تمزيق إجتماعي وعمراني، وتفريغ. التفريغ بمعانيه الواسعة من عمران وعلاقات إجتماعية وذاكرة وغيرها.
التواصل الجماعي والحوار والمشاركة
لقد كانت فترة الإحتلال فترة عنف وقهر وصمت. كان ممنوع على الناس أن يتواصلوا أو يتكلّموا، خوفاً. يقول ح. ع. ع الذي أُجبِر فترةً على دخول جيش لحد ثم انتقل إلى المقاومة سرّاً: “كنت خاف من الحكي مع مرتي. ما كانت تعرف عنّي. كنت إحكي بصوت واطي بالبيت… وشوشة.” دخل سجن الخيام أكثر من مرّة، وفي حرب 2006 جرف الإسرائيليون بيته. بعد الحرب، وعند بداية الإعمار، عبّر عن حزنه ممّا يجري. فجاره بنى بيتاً من ثلاثة طوابق، وجاره الآخر سيبني الأمر ذاته، “هل سأبني هنا طابقاً واحداً بين بنايات؟” كان يقول. تردّد كثيراً فيما إذا كان سيعيد بناء بيته في حارته، مع بناء كل شخص بشكل فردي ودون التفكير جماعياً بما سينتجه هذا التغيير أو ذاك، مع ما لذلك من تأثير على النسيج الاجتماعي والعمراني للأحياء في عملية إعادة البناء.
لذلك، فإن جزءاً أساسياً من التخطيط في إعادة البناء هو فتح حوارات متعدّدة المستويات حول مواضيع إعادة الإعمار المطروحة، مثلما هو حال الحوار داخل العائلة حول إعادة بناء بيتها. والحوار الحقيقي يبقى ناقصاً في غياب إمكانية مشاركة الفئات المعنية في عملية التخطيط والبناء، وتحديداً عندما يتعلّق ذلك ببيوتها وأحيائها وطرقاتها التي ستعيش فيها بشكل يومي.
المشاركة في تقرير شكل البيت بين أعضاء العائلة الواحدة وما حولها
في أحد البيوت التي دمّرت عام 1970 من قبل الكوماندوس الإسرائيلي، وأثناء إعادة بناء البيت، تشاور أفراد العائلة بين بعضهم البعض حول علو الأسقف ومساحة الغرف وغيرها، ووصلوا إلى صيغة وسط بينهم، وكان معلم العمار يلعب دور الوساطة عندما يحتاجونه. فسكّان القرى لا يسكنون بيوتاً مبنيّة سلفاً، وهو ما يجعلهم ينتجون أساليب مختلفة، أكثر ديمقراطية، لتسهيل عملية بناء المسكن الذي سيعيشون فيه. والحال يطال العلاقة بين البيوت في الحي والطريق، فثمة حوار مستمر حول علاقة البيوت بين بعضها البعض، وكشفها وسترها، والساحات والجنائن المتكوّنة فيما بينها، وطرق مرور السكان بينها، إلخ. ومن خلال هذه العملية، تتكوّن حقوقٌ وأعرافٌ قادرة على دعم النسيج الإجتماعي المتغيّر وتقويته.
ويمكننا بذلك أن نرى كيف يتكوّن النسيج العمراني للبلدات القديمة في مدننا وقرانا، والذي يوفّر الإستفادة القصوى من المساحات ويحدّد علاقات مريحة إلى درجة كبيرة بين العام والخاص، ليس كنتاج عمل خبراء أو مهندسين أو مخطّطين بشكل أساسي، وإنما نتاج عملية تواصل تحفظ الحقوق بين أصحاب البيوت، في البيت والحي والطريق.
لذلك فإن عملية وضع توجّهات عامة لهذا النسيج العمراني خلال عملية إعادة البناء – خاصة بعد جرف أحياء بأكملها- لا يمكن أن يكون سليماً إذا جرى أولاً بطريقة فردية من قبل صاحب كل بيت (من خلال تطبيق قوانين التنظيم المدني غير المرعية الإجراء في هذه المناطق مثلاً)، ثانياً بالبناء دون أخذ الاحتياجات المحلية بعين الاعتبار، وثالثاً في غياب التواصل بين الجيران وسكان الحيّ حول توجهات عامة تخصّهم.
فعلى المخطّط\ة أن تلعب دور المسهّل لهذه العملية، عندما يغيب التوافق بين السكان في حال أراد الجميع البناء بفردية دون التواصل مع محيطه، وذلك من خلال استنباط التوجّهات العامة من داخل هذا النسيج العمراني والاجتماعي وتسهيل الحوار بين الجيران.
ترابط المواضيع والأحياء
تجزئة المواضيع أو الأماكن، أولاً بين الأماكن المختلفة في عيتا الشعب، وثانياً بين المواضيع المختلفة، له انعكاساته السلبية على التخطي.
فتجزئة عيتا الشعب، وخلق تباعد بين أحيائها أو عزل البلدة القديمة عن بقية المناطق واعتبار أن هناك كسر حاد بين “القديم” و”الجديد”، أوفي العلاقة بين الأراضي الزراعية والعمران، هو تمثيل زائف للواقع وتهشيم للعلاقة المترابطة والتكاملية بين مكوّنات القرية. كما أن المواضيع مترابطة مع بعضها: موضوع الذاكرة، المقاومة، التجديد، التعويض الفردي والجماعي (المالي أو إعادة البناء)، التصميم، النسيجين الإجتماعي والعمراني، الحوار والتواصل والمشاركة، إلخ. وهو ما يفتح حواراً جدياً مع مخططين ومعماريين ينظرون إلى عملية التخطيط والبناء كعملية تقنية ومهنية إحترافية أو عملية تصميمية فقط، وغير مرتبطة مباشرة وبشكل غير مباشر بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها. وقد أظهرت عملية إعادة البناء في عيتا الشعب بوضوح شديد مدى ترابط هذه المواضيع مع بعضها البعض.
وقد شهدنا ذلك مثلاً من خلال تحوّل عيتا الشعب من قرية منتجة إلى قرية مستهلكة. والسؤال حول تركيز التعويضات على العمران وتجاهل الزراعة وعدم إعطائها أولوية.

التخطيط كتفصيل تقني
من التجربة، وبشكل عام أيضا، يمكن القول بأن عملية التخطيط ليست عملية تقوم بها جهة واحدة، مهنية (متعلقة بالتخطيط والهندسة كمهنة وتعليم مثلاً). فالبلدية، وأصحاب الأراضي، سكان الحي، مستخدمو المكان، الممولون، ماسحو الأضرار، المختار، المتطوعات\ين، الجمعيات، أصحاب البلدوزرات، الأحزاب السياسية، الشيوخ، المقاولون، تجار مواد البناء، معلمو العمار والمهندسون، ناشطون في الشأن العام من القرية، الناس بشكل فردي وعائلي، مجالس الدولة، إلخ… هم جميعاً مشاركون بالتخطيط، باختلاف درجة الانخراط. التحدّي الفعلي هو أن يكون هناك مساحة لإبداء الرأي والمشاركة من قبل الأطراف المتعددة، وألاّ يحسم طرف أو أطراف محدودة شكل التخطيط لصالح مجموعة واحدة، مهما كانت هذه المجموعة مقتنعة بأنها تمثّل المصلحة العامة.
في حالة عيتا، ولأن التواصل أساسي في هذا الإطار، كان هناك إقتراح في البداية بأن يجري التنسيق بين الجهات المختلفة، وتكون البلدية كجسم منتخب جزءا راعيا لهذا التنسيق. لم يكن هناك رغبة فعلية من قبل الأطراف المختلفة الحذرة من بعضها البعض. وكان لذلك تأثيره على بقية الملفات في عيتا الشعب، ومنها ملف التعويض وما يتصل به من مواضيع.
فبعد أشهر من الحرب، قال رئيس البلدية بأن مسؤولاً من الدولة لم يزر عيتا الشعب، ووجدت والبلدية نفسها مثقلة بمهمة أكبر منها، فيما كانت تفقد الثقة بقدرتها على مواجهة ملفات كبيرة، مع تشتت الناس وقلقهم وعصبيتهم، ومع قلة التواصل والمشاركة من قبل الأطراف القادرة.
ففي هذا الإطار، على البلدية أن تكون جزءاً أساسياً من التخطيط، فهي الجسم المنتخب. ولا يجب تجاوزها في أي من المواضيع، سواء اتفق مع رأيها أم لم يتفق. وفي كثير من البلديات بعد الحرب، عمدت منظمات دولية إلى تقديم مساعدات أو مشاريع من دون المرور مباشرة في البلدية، وكأنها بذلك تعمل على خصخصة الخدمات.
في الوقت عينه، فإن البلدية، أي بلدية كانت، لا تمثّل جميع الناس (تمثّل نتائج الإنتخابات نسبة من الناس هي في لحظة معينة)، ولكن ذلك لا يمكن أن يعني عدم مشاركة النسب الأخرى في نقاش عملية إعادة الإعمار. في أي نقاش حول قضية أو مشروع ما، فلأصحاب العلاقة من سكان حي أو غيره، الحق بالمشاركة في هذا المشروع الذي يمكن أن يؤثّر على إيقاع حياتهم المستقبلي أو يحدّده
لذلك رأينا البلدية في أكثر من مرة تحاول الإستعانة وتوسيع الدائرة، وإن بحذر. فكان استحداث قسم التخطيط والهندسة من ضمن البلدية وليس من خارجها. وكانت الدعوة إلى اللقاءات العامة (لقاءان في الحسينية في تشرين الثاني وآذار بعد الحرب) بإسم البلدية، ليحضر أعضاء بلدية ويناقشوا السكان عامة، إضافة إلى مناقشتهم فردياً في البلدية، ممّا كان له وقع إيجابي على السكان ومشاركتهم في الحياة العامة في قريتهم.
الناس، الذاكرة، الممارسة، كجزء من إعادة الإعمار
بعد حرب 2006، جرى التواصل مع صاحب بيت تاريخي حول إعادة تأهيل بيته من أجل المباشرة به سريعاً، لاضطراره للعودة للسكن بأسرع وقت، وهو دافعٌ لدى كثيرين من أصحاب البيوت في البلدة القديمة حيث البلدة مأهولة وحيّة (بإختلاف قليل عن منطقة البلدة التاريخية في بنت جبيل مثلاً). لقد أدى سوء تفاهم إلى أن قام بجرف بيته.
وهنا تمّ طرح التساؤل التالي: هل من الملائم منع جرف البيوت التاريخية إذا أراد أصحابها ذلك؟ هذه البيوت تاريخية وتعود ذاكرتها لأناس كثر، وهي جزء من الذاكرة الجماعية لعيتا الشعب بالإضافة إلى الذاكرة الفردية، فلا يملك رجل واحد صار صاحب البيت مؤخراً التصرف بها بفردية، وخصوصا أن حتى العائلة الواحدة فيها وجهات نظر مختلفة. ويعزّز وجهة النظر هذه أن المبدأ الأساسي هو إعادة بناء البيت كما كان مع هوامش للتجديد ليكون مريحا للحياة. فالمطلوب إزالة آثار العدوان، لا استكمال العدوان بطريقة أخرى عبر تقطيع الأحياء وذاكرتها ونسيجها العمراني والاجتماعي.
وفي حالة العديد من البيوت التي تمّ جرفها لأن أصحابها يسعون إلى الحصول على تعويض، فآلية الكشف المقررة من قبل السلطة المسؤولة لم توفر خياراً لأصحاب البيوت التاريخية، ولم تلحظ بيوتهم، وبالتالي فرضت خياراً بين “الترميم” أو “الهدم”. وبما أن خانة الترميم وإعادة تأهيل البيوت الحجرية لها مردود مالي أصغر من خانة الهدم، فكانت حتى كلمة ترميم صعبة الإستخدام في حالة عيتا.
وبذلك كان الميل للخيار الثاني مراعاةً للواقع والضرورة من جهة، وتحسساً من فرض سلطة يراها البعض تعسفاً.
إعادة الإعمار كعملية تشاركية
بدايةً من البلدة التاريخية، إلى امتدادها الحديث والأراضي الزراعية، شكّلت عيتا تجربة فريدة، إن من حيث التدمير الإسرائيلي المقصود والممنهج، أو لناحية صعوبات إعادة الإعمار وتعقيداته.
ما جعلنا نتكلّم عنها اليوم، هو ارتباطها بما يحصل في الجنوب عام 2025 بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة: دمار كبير وممنهج أيضاً للقرى، وحاجة ماسّة لاتّباع منهجيات إعادة إعمار مختلفة عن إعادة إعمار المدن أوّلاً، كما هي مختلفة عن إعادة الإعمار التقنية والإقصائية التي تعوّدناها، ثانياً.
أن نرى القرى من منظار أهلها هو جزء أساسي لإعادة إعمار قرى حيّة، تنمو بحاجات أهلها لا عكسها، قرى قادرة على أن تدافع عن نفسها في حالة الاحتلال، وأن تستطيع إعادة الإعمار أن تدعم تعافي نسيجيها الاجتماعي والعمراني .
المراجع:
- 1بعض القرى التي هجرت في عام 1948: حانين، مارون الراس، بنت جبيل، الخيام. في السبعينيات: عيناتا، صديقين، بنت جبيل ومارون الراس مجددا، ومنها عيتا الشعب.
- 2وقد سجّل الفريق اللبناني تحفظاً على الخط الأزرق في جوار عيتا الشعب.
- 3يقدّر البعض نتائج المعركة بحوالي أربعين قتيلاً إسرائيلياً، عدا عن الجرحى، مقابل 19 شهيدا بين مدني وعسكري من عيتا الشعب.
- 4في الفترة الأخيرة من العدوان الإسرائيلي، قامت الجرافات الإسرائيلية دي-9 كاتربيلر بجرف قرابة ستة عشر بيتاً في الحارة التحتا، ولكنها لم تتمكن من متابعة تقدّمها بفضل المقاومة العنيفة التي واجهتها هناك. أما في الطرف الآخر من البلدة القديمة، في الحارة الفوقا، فقد دخلت جرافة إسرائيلية تتبعها دبّابة كما أشارت روايات السكان، لكن المقاومة العنيفة، وتدمير الجرافة التي كانت تعمل على فتح الطريق للدبابة التي واجهت صعوبة في دخول الأزقة، والكمائن التي تعرضت لها أكثر من مجموعة إسرائيلية هناك بحسب روايات مختلفة، أدّت إلى تراجع التوغل الإسرائيلي، ممّا وفّر الحماية لبيوتها هناك من الجرف.
- 5تحدّد المديرية العامة للتنظيم المدني خططا أو مخططات على مناطق بأكملها حيث تحدد التراجعات وعوامل الإستثمار. ولكن في عيتا الشعب، كانت الحالة مختلفة بعض الشيء. بعد تشكيل الدائرة العقارية في لبنان في العام 1923، ابتدأ الفرنسيون مسح وتسجيل ملكيات الأراضي في لبنان وفقا لمناطق عقارية. في المناطق الجنوبية، وبوجود العمليات العسكرية الإسرائيلية، توقفت أعمال المسح، ومنعت فرق المسح من تأدية مهامها في اواخر الستينيات. اليوم، لم تمسح المناطق الجنوبية المحتلة سابقا، بما فيها عيتا الشعب، ولا وجود لتشريعات مدينية أو خطط لهذه المناطق. وتحدد ملكيات الأراضي بحسب الجيران، وبدون وجود خرائط عقارية للمنطقة (لا يعني ذلك بأنه بالضرورة أمر سلبي). نتيجة لذلك، وبحسب مديرية التنظيم المدني، تخضع منطقة عيتا الشعب للقوانين المدينية للمناطق غير الممسوحة. إن تنظيم المناطق غير الممسوحة ينص على أن يجري التراجع عن الشوارع من قبل كل الأبنية (باستثناء الطرق التي تصل بقرى أخرى) بـ 3 أمتار، وبعامل إستثمار سطحي بنسبة 25/ 50 (40/ 80 مؤخرا). الطريق الرئيسي الذي يصل القرى بعضها ببعض هو الوحيد الذي مسحه مؤخرا (بتمويل من البنك الدولي)، وجرى تصنيفه مع خطة تنص على أن يكون التراجع 12 مترا من منتصف الطرق. باستثناء البيوت التي بنيت بعد التحرير في العام 2000 وتشكيل أول بلدية منتخبة بعد التحرير، فكل البيوت القائمة لا تسير وفق تشريعات مديرية التنظيم المدني، وبعض البيوت المبنية بعد العام 2000 تخضع لها. كما ذكر سابقا، فإن التأثير الإسرائيلي والنفوذ أيضا أثرت بشكل ما على تخطيط الشوارع مقارنة للطابع الأكثر عضوية سابقا كما إعتاد الناس أن يبنوا بحسب علاقات وأعراف.
- 6في الأشهر الأولى، اعتمدت مجموعة البناء على مصاريف شخصية، ثم جاءت تبرعات من جمعية “مدى” اللبنانية، لبنانيون نشطوا خلال الحرب في فرنسا، تجمع “صامدون” اللبناني خلال الحرب جمعية “تضامن” اللبنانية الكندية، مجموعة فنانين ناشطين خلال الحرب من ألمانيا. والمجموعة تحفظت على مصادر تمويل لأطراف كانت داعمة للحرب الإسرائيلية. عملت المجموعة تحت إسم “صامدون عيتا الشعب”، وكانت على تنسيق مع جهات مختلفة من بينها تجمع “صامدون” ومجموعة إعادة الإعمار في الجامعة الأميركية في بيروت، و”سينمايات” لتوثيق الحرب وما بعدها، التي كنا من ضمنهما، والمخططون نصر شرف الدين وياسمين معكرون، وجمعية “أرض وناس” وغيرهم. وكان الفريق المتطوع يعمل ضمن مجموعة واسعة عملت في الإغاثة الغذائية والطبية أيضا بعد الحرب. ونشاطات تضامن مع عوائل الشهداء والأطفال وغيرها. والمجموعة التي عملت في موضوع البناء هي من خلفيات شبابية متنوعة: مخططون ومعماريون وناشطون وعمال وموظفون سابقون وطلاّب، وهي بمجملها لبنانية وعربية وبعض الغربيين، قلة من عيتا الشعب والمعظم من خارجها. وظل هناك فريق قليل مقيم في عيتا الشعب، بينما كان يأتي أفراد متطوعون على فترات مختلفة. واعتمدت بموردها المالي في التكاليف الأساسية أو في أنشطة متعلقة بالبناء في عيتا الشعب على موارد مالية تضامنية قليلة وعبر معارف. ربما كان يراودنا البحث عن دور وربما كمية التدمير الكبيرة في عيتا الشعب، وكون عيتا الشعب مركزا لعدّة قرى، وربما قربها من الحدود وقربها من فلسطين، وربما عوامل أخرى لا نعيها قادتنا إلى عيتا الشعب دون غيرها. ومنذ البداية كنا نفكر في عدّة قرى، ورأينا أن بعض المجموعات اتجهت إلى بعض القرى