واقع المشروع
بعد ثلاثة وثلاثين يوماً من القصف المتواصل الذي أدى إلى مقتل أكثر من 1,000 شخص وإصابة أكثر من 4,000 شخص وتشريد ما يقرب 1,000,000 شخص من منازلهم، أثّرت حرب 2006 على إجمالي 1,232 مبنى. شملت هذه المباني في معظمها وحدات سكنية لحوالي 30 ألف شخص و1600 وحدة تجارية، بالإضافة إلى الطرق والبنية التحتية الداعمة. ومن بين المباني المتضررة، تم تدمير 951 مبنى بشكل جزئي، فيما سوّي الباقي بالأرض بشكل كامل1المدير العام لمشروع وعد المهندس حسن جشي . محاضرة في الجامعة الأمريكية في بيروت 19 تشرين الثاني 2008.

قامت الحكومة اللبنانية بإزالة الأنقاض بعد انتهاء الحرب حتى مستوى الأرض، وفي 31 تشرين الأول/أكتوبر أعلنت أن دورها سيقتصر على توزيع التعويضات المالية على الجهات المعنية فقط.
وقد تم توزيع التعويضات على النحو التالي:
80 مليون ليرة لبنانية (ما يعادل 53333 دولاراً أمريكياً في عام 2007) لكل منزل أو شقة و 50 مليون ليرة لبنانية إضافية (ما يعادل 33333 دولاراً أمريكياً في عام 2007) للأجزاء المشتركة من المبنى، بانتظار الاتفاق بين المالكين المختلفين2Presidency of the Council of Ministers. “Report on the Work and Achievements of the Government Year 2, p. 77. July 2006 – September 2007, www.rebuildlebanon.gov.lb..
ووفقاً لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (2006)، “حتى قبل انتهاء القتال، تعهّدت العديد من الدول العربية بما لا يقل عن 1.1 مليار دولار أمريكي في شكل منح – 500 مليون دولار أمريكي من المملكة العربية السعودية، و300 مليون دولار أمريكي من كل من الكويت وقطر، ومبالغ أصغر من دول أخرى.”
في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 عُقد اجتماع مع الأهالي وفيه أظهر الناس هاجساً رئيسياً واحداً: العودة إلى منازلهم في أسرع وقت ممكن. وعليه، وعدهم الحزب السياسي المحلي بإعادة بناء ضاحية بيروت الجنوبية لتصبح “أجمل مما كانت”، كما أصبح شعار هذا المشروع.
نقوم في هذا النص بعرض المشروع وتحدياته، خاصة على المستوى العمراني.
هيكلية المشروع
بدأت المنظمة غير الحكومية المحلية، جهاد البناء، عملية إعادة الإعمار من خلال صياغة خطة على ثلاث مراحل:
- الخطوة الأولى هي توفير المأوى الفوري للنازحين وأسرهم الذين اضطروا للعيش في الحدائق العامة والمدارس خلال الحرب. مُنحت كل عائلة مبلغ 12 ألف دولار أمريكي لاستئجار وتأثيث شقة لمدة عام واحد.
- الخطوة الثانية البدء في الإصلاحات غير الهيكلية للمباني المتضررة جزئياً.
- الخطوة الثالثة بهدف ضمان أقصى قدر من مشاركة أصحاب المصالح، قامت جهاد البناء بتقسيم منطقة إعادة الإعمار إلى مناطق لمسح الأضرار. كما قامت بتشكيل وعقد شراكة مع لجان هذه الأحياء. ولدراسة تحديات مشروع إعادة البناء في الضاحية الجنوبية لبيروت، تمّ إنشاء كيان إداري جديد تحت اسم “وعد”، لتولي هذه المهمة الهائلة.

وكان لمشروع “وعد” ستة أقسام : الإدارة المركزية، إدارة المشاريع، إدارة المسائل القانونية، التخطيط وجدولة الوقت، المشتريات والدعم اللوجستي، والإدارة المالية.
وكانت الإدارة القانونية من أهم الأقسام، بحيث قامت بحل المسائل القانونية للمباني من خلال العمل مع البلديات والدوائر الحكومية. تناول عمل الإدارة مخالفات أنظمة البناء، ومتطلبات المحاكم الشرعية، وأي مشاكل في الميراث والملكية، والرهون العقارية والقروض المستحقة من البنوك. وتم التعامل مع إجمالي 1237 حالة.3Jishi, Mohamad, “Waad for rebuilding Dahyeh – New Vision of construction in Lebanon,” 2009, p. 52. A dissertation submitted to the University of Manchester for the degree of MSC Engineering Project Management.
ومع حجم الدمار الكبير والمروع الذي خلفته حرب عام 2006، أنشأ مدير عام مشروع وعد مجلساً استشارياً. وضم المجلس الاستشاري رئيس نقابة المهندسين المعماريين في نقابة المهندسين اللبنانية وخمسة شخصيات أكاديمية من مختلف الجامعات والخلفيات المهنية في لبنان. وفي منتصف كانون الأول\ديسمبر 2006، انضمت شركة “المعمارية” إلى المجلس الاستشاري كمستشار للتصميم المديني ولترجمة رؤية المشروع إلى مبادئ توجيهية للتصميم المديني.
شمل مشروع وعد إجمالي 242 مبنى، مع 102 مبنى متركّزة في مكان واحد. وقد قام المجلس الاستشاري لوعد بتحديد حدود المشروع حول هذا التركيز، والتي تحدّدها شبكات الطرق ضمن منطقة مستطيلة (حوالي 540 متراً وبطول 720 متراً).

الرؤية
صاغ الحزب السياسي المحلي عودة الناس إلى منازلهم وعملية إعادة الإعمار كجزء من انتصارهم على إسرائيل التي أعلنت أن هدفها تدمير الحزب.
لذلك، كانت أولوية المشروع تمكين الناس من العودة إلى منازلهم في أسرع وقت ممكن مع الأولوية لرؤية من شأنها تحسين ما كان موجودًا سابقًا، ضمن ميزانية معينة، مع الحفاظ على حقوق الملكية وأصحاب المصالح. كما سلّط الضوء على الحاجة إلى استعادة النسيج الاجتماعي المحلي والحفاظ على الذكريات والهويات المشتركة بين الناس وشعورهم بالانتماء الجماعي.
الاستراتيجية التخطيط المديني
على المستوى المديني، وبما أن وعد هو مشروع منظمة غير حكومية، اقتصرت صلاحيات المنظمة على القطاع الخاص. لذلك تركّز العمل على واجهات المباني، ومناظر الشوارع وخصائصها، للحفاظ على مورفولوجيا المنطقة وهويتها. وبناءً على ذلك، صاغ المجلس الاستشاري التوصيات الشاملة التالية المتعلقة بالمجال العام:
• إرساء علاقة متناغمة بين المباني والشوارع من خلال تنسيق المباني على طول الشوارع الرئيسية.
• توسيع الأرصفة.
• إعطاء كل شارع طابعه الخاص، والحفاظ على التسلسل الهرمي لهياكل الشوارع، وتمييز زواياها.
• تحسين الجودة البيئية للمساحات العامة من خلال زراعة الأشجار.
• الحصول على قطع أراضي خالية لاستخدامها كمساحات عامة خضراء مع مواقف سيارات أسفلها.
• الحفاظ على المسارات المتبقية من النسيج الزراعي للمنطقة.
• تنظيم حركة المرور المحلية والتحكم فيها.
كان أحد الأهداف التصميمية الرئيسية للاستراتيجية هو تحقيق التوازن بين الكثافة السكانية والشوارع والأماكن العامة. وهدفت الاستراتيجية إلى استيعاب مرور السيارات المحلية، والحياة التجارية في الشارع، ورفاهية المشاة. كما خصّصت الاستراتيجية مساحات لمواقف السيارات في الشوارع لدعم الحياة التجارية، وتم تخصيص الطوابق السفلية للمباني مواقف سيارات للسكان. كما تمّ حصر الطوابق السفلية إلى حدود مساحة المباني، ممّا أدّى إلى توسيع الأرصفة الحيوية للمشاة والمحلات التجارية.
عزّزت استراتيجية زرع الأشجار على الشوارع قيمة مضافة على المشهد العام للمكان، كما تم زراعة أشجار الزيتون (Olea Europea) في الحدائق الصغيرة نظراً لقيمتها الرمزية.

اعتبارات المساحات العامة
كان نقص المساحات الخضراء المفتوحة واضحًا لكل من إدارة المشروع والمجلس الاستشاري. ومع ذلك، نظرًا لعدم السماح بنقل حقوق الملكية، تم اتباع نهج عملي تدريجي لإنقاذ أي مساحة مفتوحة متاحة وجعلها صالحة للاستخدام. فجرى، على سبيل المثال، نقل مثلث مروري كبير من منتصف شارع الشورى إلى أحد جانبيه، ممّا أدّى إلى إنشاء مساحة عامة صغيرة. وبالمثل، تم نقل بعض مداخل المباني إلى زاوية شارع الشورى لتخصيص شارع صغير وتوسيع مساحة عامة. كما تم شراء إحدى الأراضي غير المبنية على أحد الشوارع التجارية وتحويلها إلى موقف سيارات عام تحت الأرض مع مساحة خضراء على مستوى الطريق.
أما بالنسبة للممرات الزراعية المتبقية من فترة كانت فيها المنطقة ريفية، فقد تقرَّر المحافظة عليها كشبكة للمشاة. كما أن المشروع تقدّم بمقترح إنشاء ممرات مشاة إضافية، كان من المفترض أن تُعزّز الأمن المحلي والبيئة الاجتماعية. ولكن أصحاب الأراضي رفضوا واعتبروا أن هذه الممرات الإضافية تُشكّل تعديًا على أملاكهم.
الاستراتيجيات المعمارية
كان التبسيط والمحاذاة الهدفين الرئيسيين للاستراتيجيات المعمارية. كما كان التركيز على المباني عند تقاطعات الشوارع لإبراز موقعها وتشكيل بوابات للشوارع الجانبية. بالنسبة للشرفات، التي قد تصل مساحتها إلى 20% من المساحة المبنية المسموح بها، قُدّمت توصيات بتجميع هذه المساحات لتبسيط أشكال المباني، وطُلب تصميم الطابق العلوي من كل مبنى ليشكّل نهاية واضحة للهيكل. والأهم كان طلب مراعاة السلامة والامتثال لمتطلبات قانون البناء اللبناني.
مرحلة التنفيذ
أطلقت مؤسسة جهاد البناء مشروع وعد يوم الخميس الموافق 24 مايو 2007. قُسِّمت خطة المشروع إلى 24 قطاعاً، مع مراعاة الخصائص المختلفة للسياق الحضري. وقد تسلّم كل استشاري في فريق المشروع مخططًا تفصيليًا للمنطقة، ووثيقة المخطط الرئيسي، ومواصفات البناء من المكتب الفني لوعد
خلال مرحلة ما قبل البناء. شكّل كل مبنى لجنة من شخصين إلى ثلاثة أشخاص للعمل مع فريق وعد ومستشاريه. خلال مرحلة البناء، زار المُلّاك الموقع وتفقّدوا تصميمات القواطع الداخلية، ولاحظوا وجود مشاكل في التصميمات تتعلق بالخصوصية، إذ احتاج الملاك إلى فصل المناطق العامة في المنازل عن المناطق الخاصة، مثل غرف النوم. وبلغ إجمالي عدد مراجعات وتعديلات التصميم 10,000 مراجعة في نهاية المشروع4The reconstruction of the Beirut’s southern suburb after the Israeli war in 2006 between the reality and desire, November 2018. See discussions, stats, and author profiles for this publication at https://www.researchgate.net/publication/329184871, p. 8..
سُلِّم آخر مبنى من مشروع وعد في كانون الاول 2012 ومن ناحية الهدف من المشروع، من الممكن القول بأن وعد نجحت بتمكين عودة الناس رغم التحديات الجمة .


التحديات
من أول التحديات كانت الحصول على خرائط دقيقة وحديثة وذلك لأن خرائط المنطقة كانت قديمة ولم يجرِ تحديثها ممّا اضطرّ جهاد البناء إلى رسم خرائط اعتماداً على صور جوية لم تكن دقيقة. أما إزالة الأنقاض من الطوابق السفلية للمباني، فقد أخذ وقتاً إضافياً لم يكن في حسبان التعويضات المقدمة من الدولة. كذلك بالنسبة إلى وضع التربة، فإن القصف المكثّف أثّر على استقرار التربة ممّا أدّى إلى تأخير البدء بالعمار ستة أشهر . أمّا التحدي الأكبر فكان في المشاكل القانونية المعقدة للسكان وأصحاب العقارات.
الدروس و العبر
ممّا لا شك فيه أن إعادة الإعمار ليست مسألة إعادة بناء الحجر وإنّما هي عملية معقّدة لها جوانب عدّة مثل حل المشاكل القانونية من مخالفات بناء الى أمور الإرث و المسائل المالية . زيدي إلى ذلك عامل الوقت الضاغط مع وجود سكان المكان مشردين خارج بيوتهم ومصالحهم في انتظار العودة .
إن إنشاء إدارة لتشغيل المشروع والإشراف عليه أمر ضروري ساعد في التنسيق بين مختلف المتطلبات والإدارات كما وأسهم في تقليص كلفة المشروع بشراء المستلزمات بكميات كبيرة للمشروع ككل. ولكن كان من الأفضل انخراط هيئات منتخبة، كالمجلس البلدي، في تشكيل هذه الإدارة للتعامل مع الظروف المعقدة للناس والمجتمعات المحلية وضمان العدالة الاجتماعية.
إن عدم إشراك المجلس البلدي والوزارات المتخصصة خسَّر المشروع فرصة لتحسين النطاق العام والبيئة وإدخال تطورات على البنية التحتية في المنطقة، كفصل الصرف الصحي عن شبكة مياه الشتاء وبذلك ايجاد إمكانية لتجميع مياه الشتاء. كما أن عدم السماح بنقل عامل الاستثمار لخلق مساحات خضراء ضمن النسيج العمراني الكثيف أدى الى خسارة فرصة لتحسين بيئة الأحياء السكنية. وهنا نرى ضرورة خلق التوازن بين الحاجة إلى الاستجابة لاحتياجات الناس واستغلال فرصة إعادة البناء لتحسين جودة البيئة وسلامتها للمستقبل.
المراجع:
- 1المدير العام لمشروع وعد المهندس حسن جشي . محاضرة في الجامعة الأمريكية في بيروت 19 تشرين الثاني 2008
- 2Presidency of the Council of Ministers. “Report on the Work and Achievements of the Government Year 2, p. 77. July 2006 – September 2007, www.rebuildlebanon.gov.lb.
- 3Jishi, Mohamad, “Waad for rebuilding Dahyeh – New Vision of construction in Lebanon,” 2009, p. 52. A dissertation submitted to the University of Manchester for the degree of MSC Engineering Project Management.
- 4The reconstruction of the Beirut’s southern suburb after the Israeli war in 2006 between the reality and desire, November 2018. See discussions, stats, and author profiles for this publication at https://www.researchgate.net/publication/329184871, p. 8.