عيتا الشعب: كيف نعيد بناء قرية؟
قد تبدو تجربة عيتا الشعب، وهي قرية لبنانية حدودية تمّ استهدافها بشكل كبير خلال الحرب الإسرائيلية عام 2006، كتجربة خاصة ومحدودة، لكنّها قادرة على تمثيل ما جرى في العديد من القرى والبلدات الجنوبية ...
يختبر لبنان اليوم، وخاصة الجنوب وبيروت والبقاع، دماراً هائلاً على مستوى البنى التحتية والمباني والمساحات والنسيج الاجتماعي والحَضَري، نتيجة الحرب الإسرائيلية الأخيرة. وهو ما أثّر بشكل مباشر على حق الناس بالسكن وأجّل عودتهن\م إلى قراهن\م وأحيائهن\م وجعل من عودة الحياة إلى المناطق المدمّرة أمراً مستحيلاً.
اليوم، بينما تُكمِل باقي المناطق حياتها العادية، تتوقّف الحياة في أغلب القرى والمناطق والأحياء التي استهدفها العدو الإسرائيلي في حربه الأخيرة، قاصداً تدميرها إلى أجل غير مسمّى، ومخطّطاً لبتر العلاقات الاجتماعية فيها وتهشيم النسيج العمراني فيها وإضعاف سبل عيش سكّانها.
لذا، فإن ما يحصل بعد الحرب الأخيرة، يدفعنا للعمل على مستويين: الأول هو الدفع باتّجاه بدء عملية إعادة الإعمار، وعدم استخدامها كأداة سياسية للانتقام من مجموعة سياسية أو طائفة وسكّان منطقة، والثاني هو فتح نقاش عام جدي حول إعادة الإعمار وإشراك أكبر شريحة من السكان فيه، ليتمّ التفكير بحاجات الجميع في إطار جامع ومستدام.
وكي لا تكون هذه عملية إعمار أخرى، تلحق بمثيلاتها التي أثّرت بشكل سلبي على المنطقة المُعاد إعمارها وما حولها، من إعادة إعمار وسط بيروت، إلى إعادة إعمار الضاحية الجنوبية (وعد)، إلى نهر البارد، وعيتا الشعب، تجارب يجب أن نقرأها بتفاصيلها ونتعلّم منها.
في إطار سلسلة ندوات “حوار-مدينة-ناس” التي أطلقناها عام 2022 بالشراكة مع المعهد الفرنسي للشرق الأدنى – IFPO، أطلقنا هذه السنة النسخة الرابعة بعنوان ” إعادة إعمار بلاد الشام”، وبدأناها بندوة “إعادة الإعمار في لبنان: التجارب والدروس”. نقدّم هذا الملف نتيجة الأوراق والنقاشات التي قدّمت خلال هذه الندوة.
يشارك في الملف كل من الباحثات\ين والناشطات\ين في مجال التخطيط الحَضَري منى خشن، وهناء علم الدين، وعبير سقسوس ساسو، نادين بكداش، اسماعيل الشيخ حسن، ورنا حسن. بدايةً من أربع تجارب، تمثّل كل واحدة منها تخلّي الدولة عن مسؤوليتها وانسحابها من الصورة: إعادة إعمار وسط بيروت وتلزيمه لشركة خاصة، إدارة إعادة إعمار الضاحية الجنوبية بعد عدوان 2006 من قبل حزب سياسي، هيمنة الجهات المموّلة الخارجية على عملية إعادة إعمار القرى الجنوبية (2006)، وأخيراً إعادة إعمار مخيم نهر البارد ضمن إطار محلي بالشراكة مع الأونروا.
على الرغم من غياب الدولة في كلٍّ من هذه التجارب، إلّا أنّ كل تجربة تعكس التوجّه الاقتصادي والسياسي للدولة. فلكلّ نموذج سياقه الخاص وحقبته وتوجّهاته الأيديولوجية والسياسية.
تركّز الأوراق الأربع على أهمية مسح الأضرار بطرق شفافة، نتيجةً لأهمية المسح وقدرته على توجيه القرارات إمّا باستكمال عملية الهدم أو بالحفاظ على النسيج العمراني والاجتماعي. تطرح منى خشن في ورقتها استخدام عملية إعادة الإعمار في وسط بيروت بعد الحرب الأهلية كأداة استكمال لتهجير الناس والقضاء على العلاقات الاقتصادية في وسط بيروت، خاصة وأن الأضرار لم تكن بحجم ما تمّ هدمه وبأن الوسط لم يكن فارغاً من السكان كما أُشيع.
كما تطرح الورقة التي كتبتها عبير سقسوق ساسو، نادين بكداش وإسماعيل الشيخ حسن عن إعادة الإعمار في عيتا الشعب على الحدود الجنوبية للبنان، وما تضمّنه ذلك من تحدّيات في ظل غياب الدولة وعدم وضوح شكل الإعمار والتعويضات.
وتركّز هنا علم الدين على تجربة وعد وقضية العودة السريعة في إعادة الإعمار والتحدّيات التي نتجت في عدم إمكانية تحسين الحيّز المشترك ضمن الإطار الذي وضعه الحزب المشرف على العملية.
أمّا من جهتها، فتفنّد رنا حسن تجربة إعادة إعمار مخيم نهر البارد من منطلق التشاركية في التخطيط واستشارة أكبر عدد ممكن من مستخدمي المكان لتعبّر عملية إعادة الإعمار عن نشاطاتهم وحاجاتهم، التي عادةً ما تُطمَس ليحلّ مكانها مصالح الأقوى. فحين سُئل الأولاد مثلاً عن استخدامهم للمكان خلال النقاشات التشاركية، تبيّن كيف أن مساحات اللعب لم تكن في حسابات من يتمّ سؤالهم عادة، وهم الرجال الذين غالباً ما يوجّهون النقاش حول إيجاد مكان لركن السيارات فقط. كما تفتح رنا حسن النقاش عن أداة التخطيط المديني كأداة للتفاوض بين مصالح السكّان المختلفة.
في حين عاد سكان الضاحية والجنوب بعد إعادة الإعمار على رغم إشكالياتها، لم يعد سكان وعمّال وسط بيروت إلى البلد، كما لم يعد حتى الآن 20% من سكان مخيم نهر البارد. وتثير منى خشن موضوع العودة كقضية مركزية تنتج من هذه الحرب. فتسأل كيف يسكن الناس إلى حين انتهاء إعادة الإعمار؟ وهل أصبحت الحاجة إلى إنتاج سياسة سكنية شاملة ملحّة أكثر من أي وقت مضى وضرورة وطنية وفعل مقاوم؟ فـ ٨٠٪ من العائدين اليوم غير قادرين على تحمّل كلفة الإيجار التي ارتفعت بشكل غير مسبوق في المناطق المتضررة ومحيطها.
وبالتالي، تأتي هذه الأسئلة نتيجة الأوراق المختلفة التي يقدّمها الملف: أي دور للدولة نحتاج في هذه المرحلة؟ هل نحتاج إلى إطار تشريعي شامل وهو في الوقت ذاته يتفاعل مع الواقع وتغييراته، فيأخذ بعين الاعتبار حجم الدمار وأنواعه المختلفة وما ينتج عنها من تحدّيات عديدة، حسب الجغرافيا وخصائص المكان وطبيعة الملكية وشرعية البناء؟ وهل تحتاج عملية إعادة الإعمار إلى إطار جامع لمؤسسات الدولة بدل المشاريع المتفرّقة التي تكرّر الجهود وتقسّم العمل ضمن حدود بلديات تُناقض الامتداد الطبيعي، الجغرافي والاجتماعي للمدن والقرى؟
من الضروري أن تقوم الدولة بدورها كرأس حربة في هذه العملية، لأنّها الجسم الوحيد القادر على إعادة إعمار هذا الدمار وإرساء مسار للتعافي الشامل، ولأنّها الوحيدة القادرة على لعب دور سياسي في إعادة تموضع السكان كمواطنات\ين، وفي تكريس الصمود والمقاومة كجزء لا يتجزّأ من أدوات الحفاظ على السيادة، من خلال إعمار المناطق المدمّرة وتنميتها.
وعلى عكس ما يتمّ الحديث عنه اليوم من استرجاع مجد غابر خلال مشاريع إعمار سابقة، سنقوم من خلال هذا الملف بعرض بعض هذه التجارب التي مرّ بها لبنان وتأثيرها على الناس والأراضي والنسيج الاجتماعي والحضري، علّنا نستنتج دروساً لعملية الإعمار القادمة، في مواجهة مشاريع التهجير والنهب والإقصاء. وعلى ضوء ما تقدّم، نأمل أنه يساهم الملف بنقاش شكل الإعمار الذي يحتاجه لبنان اليوم. فلبنان أمام استحقاق يعكف الجميع على الهروب منه، وهو الحاجة إلى إعادة إعمار شاملة تكون معالجة دمار الحرب جزءاً منها، وتشمل شكل الدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية. في النهاية، لن تكون عملية الإعمار إلا تعبير عن الخيارات السياسية والاقتصادية لهذه المرحلة التي لا يعرف أحد شكلها بعد.