في ظلّ النزوح الواسع الذي شهده لبنان ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي في آذار 2026، بدأت العديد من البلديات بإصدار تعاميم وإجراءات بشأن استضافة النازحين وتأجيرهم للمساكن داخل نطاقها البلدي. إلا أنّ هذه التدخلات لم تقتصر على تنظيم مرتبط بإدارة الطوارئ، بل أخذت تتوسّع نحو أشكال مختلفة من الرقابة والضبط، بما يشمل فرض الإبلاغ المسبق بشأن استضافة النازحين أو تأجيرهم، طلب الموافقات، فرض العقوبات، وحتى تقييد الدخول والخروج في بعض المناطق.
بين آذار ونيسان 2026، قام استديو أشغال عامة بتوثيق 68 تعميمًا وإجراءً بلديًا ضمن جهود رصد قرارات وممارسات السلطات الوطنية والمحلية بشأن النزوح. شمل البحث تعاميم صادرة عن البلديات نفسها، إضافة إلى تغطيات صحافية ومنشورات إعلامية ورقمية توثّق كيفية تطبيق هذه الإجراءات على الأرض، بما يسمح بقراءة ليس فقط مضمون التعاميم، بل أيضًا توزعها الجغرافي وأنماط تنفيذها وآثارها على الاستجابة للنزوح.
يكشف هذا التقرير عن تحوّل أداء السلطات المحلية من إدارة محلية إلى ممارسة رقابة وضبط لحياة النازحين ووجودهم السكاني داخل نطاقها. وتشير هذه التدابير إشكاليات حقوقية وقانونية ودستورية حول حدود صلاحيات البلديات، خصوصاً عندما تفرض شروطاً أو موافقات مسبقة على السكن والاستضافة من دون سند تشريعي واضح.
وفي المقابل، يتناول التقرير عددًا من البيانات والتعاميم البلدية الصادرة بعد الإعلان الأخير عن وقف إطلاق النار، والتي تسعى إلى الحد من الاستغلال السكني وتشجيع التضامن المجتمعي في مرحلة العودة، بما يسمح بقراءة أكثر شمولاً لتطور دور السلطات المحلية خلال الأزمات.
تصنيف التعاميم ورسم خريطة توزّعها الجغرافي
قمنا بتحليل مضمون التعاميم البلدية المرصودة التي وصل عددها إلى 68 تعميماً، وعلى ضوئها استخرجنا الاجراءات المتكرّرة وصنّفناها ضمن خمس فئات أساسية تعكس أنماط التدخّل البلدي في إدارة النزوح والسكن خلال فترة الحرب:
- الفئة الأولى: الإبلاغ والتصريح لدى البلدية عن استضافة/تأجير نازحين، التي تشمل أربع ممارسات أساسية مثل إبلاغ البلدية عن استضافة أو تأجير نازحين، طلب معلومات عن المقيمين من المالكين والمؤجرين، إلزام النازحين أو المقيمين بتسجيل بياناتهم لدى البلدية، إلزام تسجيل عقود الإيجار
- الفئة الثانية: موافقة البلدية المسبق وتقييد فئات الاستضافة، وتشمل: اشتراط موافقة البلدية قبل الاستضافة أو التأجير، تقييد فئات الاستضافة ضمن أقارب درجة أولى، الامتناع عن الاستضافة
- الفئة الثالثة: فرض العقوبات بحق المخالفين الذين لم يلتزموا بالإجراءات أعلاه، وذلك كممارسة مرافقة لإلزامية التسجيل أو التصريح أو الموافقة المسبقة
- الفئة الرابعة: التقييد والأمننة المكانية، وتشمل دعوة السكان للإبلاغ عما أسمته البلديات الحالات غير الاعتيادية، تشكيل لجان طوارئ أو أمنية، تقييد ميداني بإغلاق مداخل البلدة وتنظيم الدخول والخروج منها
- الفئة الخامسة: تشجيع استقبال النازحين والحد من الاستغلال، من خلال الدعوة إلى استقبال النازحين والحد من ارتفاع بدلات الإيجار والإبلاغ عن المغالاة.
تمثل هذه الفئات إطاراً تحليلياً يهدف إلى فهم طبيعة التدخلات البلدية واتجاهاتها، ورصد كيفية انتقال بعض البلديات من العمل من خلال إجراءات تنظيمية وإدارية إلى ممارسات أكثر ارتباطًا بالرقابة والتقييد والأمننة.
وقد وضعنا هذه التعاميم على خريطة للإجراءات المتعلقة بالتسجيل والرقابة والعقوبات والتقييد الميداني. فأظهرت، بنظرة أولية، أنّها لم تتوزّع بشكل متساوٍ بين الأقضية، بل تركّزت بصورة أكبر في عدد محدد من المناطق، ولا سيما في أقضية المتن وكسروان وبعبدا والكورة. فيما يلي، نقدّم قراءة لكل فئة في تقاطعها مع التوزّع الجغرافي والدلالات المكانية والحقوقية.


الإبلاغ والتصريح لدى البلدية عن استضافة/ تأجير نازحين: من التنظيم إلى الرقابة
تُعد فئة الإبلاغ والتصريح لدى البلدية الأكثر تكرارًا ضمن التعاميم المرصودة، إذ ظهرت في 46 حالة موزعة على عدد كبير من الأقضية، أبرزها المتن وكسروان والكورة وبعبدا والبترون. وتتمحور هذه الإجراءات حول جمع المعلومات المتعلقة بالسكان وأماكن إقامتهم والعلاقات التأجيرية القائمة، من خلال مطالبة السكان أو المالكين بالإبلاغ عن المقيمين أو المستأجرين. كما تشمل التشدّد في تطبيق متطلبات تسجيل عقود الإيجار لدى البلدية، بعد أن كان هذا الإجراء يُطبَّق في كثير من الأحيان بقدر من التساهل أو التغاضي. وفي هذا السياق، لا تكتفي البلديات بالتذكير بموجب قانوني قائم، بل توظّفه كأداة لتعزيز متابعتها للواقع السكني على المستوى المحلي. ومن خلال ربط الإقامة والعلاقات السكنية بإجراءات التصريح والتسجيل، يتحول السكن إلى مساحة خاضعة للمراقبة الإدارية المستمرة.
تثير هذه الإجراءات إشكاليات حقوقية تتّصل بالحق في الخصوصية، المكفول بموجب الدستور اللبناني والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان، إذ يؤدي إلزام السكان أو المالكين بتقديم معلومات مفصلة عن المقيمين إلى توسيع نطاق جمع البيانات الشخصية والسكنية خارج أي إطار قانوني واضح أو ضمانات كافية1يُكفل الحق في الخصوصية بموجب المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه لبنان بموجب القانون رقم 185 تاريخ 24 أيار 1972.. كذلك، تسهم هذه التدابير في تحويل المالك أو المستضيف إلى وسيط رقابي لصالح السلطة المحلية، بما يعيد تشكيل العلاقة السكنية ضمن منطق المراقبة والمتابعة. كما تثير هذه الإجراءات إشكالية تتصل بالحق في السكن، لا سيما أن بعض التعاميم صيغت بلغة تربط الاستضافة أو التأجير بالمساءلة، كما في بيان بلدية عفصديق الذي طلب من المواطنين الإبلاغ مسبقًا عن أي حالة استقبال أو تأجير قبل إتمام العقد، واعتبر أن “الالتزام بهذا الإجراء مسؤولية مشتركة، وأي مخالفة تُعرّض صاحبها للمساءلة وفق الأصول”. وتُسهم مثل هذه الصياغات في جعل الاستضافة أو التأجير أكثر ارتباطًا بالرقابة الإدارية، بما قد يدفع بعض المالكين أو المستضيفين إلى الحد من التأجير أو التشدد في اختيار المستأجرين، كما قد تثني بعض الأفراد عن استئجار مساكن خشية ممّا يرافق ذلك من إجراءات رقابية. وبذلك يصبح السكن، بدلًا من أن يكون فضاءً للحماية والاستقرار، موضعًا للمراقبة والانكشاف، بما يضيّق عمليًا فرص الوصول إلى سكن آمن ومستقر، خصوصًا بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة.
هذا لا ينفي مشروعية جمع البلديات للبيانات السكانية في أوقات الأزمات لغايات الاستجابة، إلا أن الإشكالية تكمن في الهدف؛ فقراءة هذه التعاميم تبين أن التسجيل لا يهدف إلى تقديم الإغاثة أو تنظيم الخدمات، بل يندرج ضمن منطق الرصد والضبط.

الموافقة المسبقة وتقييد فئات الاستضافة: معايير انتقائية للسكن
سجّلت التعاميم التي تفرض موافقة البلدية المسبقة وتقييد فئات الاستضافة في عشر حالات تركّزت في المتن وعاليه وبعبدا، وهي من المناطق التي تكررت أيضًا ضمن فئات أخرى، بما يشير إلى اعتماد البلديات فيها على مجموعة واسعة من التدابير لتنظيم الإقامة والاستضافة، بالإضافة إلى تسجيلها في كل من صيدا والكورة.
تكشف هذه الممارسات عن انتقال البلديات من تنظيم الواقع السكني إلى التدخل المباشر في شروط الوصول إلى السكن والإقامة. فاشتراط الموافقة المسبقة على الاستضافة أو التأجير يمنح السلطات المحلية دورًا فعليًا في تقرير مشروعية بعض أشكال السكن والإقامة ضمن نطاقها. ويكتسب هذا التدخل أهمية خاصة في ظل غياب نصوص قانونية واضحة تخوّل البلديات ممارسة مثل هذه الصلاحيات.
ويظهر ذلك بشكل أكثر وضوحًا في بعض التعاميم التي لا تكتفي باشتراط موافقة مسبقة، بل تدفع باتجاه الامتناع عن الاستضافة أو حصرها بأقارب من الدرجة الأولى. فعلى سبيل المثال، نصّ بيان بلدية الكحالة على أنه “يُحصر استقبال الوافدين، في حال الموافقة، فقط من الأقارب من الدرجة الأولى حصرًا (الأب، الأم، الأخ، الأخت)، وذلك وفقًا للضوابط التي تحددها البلدية”. وبهذا المعنى، لا تقتصر هذه التدابير على تنظيم الاستضافة، بل تتدخّل في تحديد الفئات المقبولة وغير المقبولة للإقامة داخل المجال المحلي. وتثير هذه الممارسات إشكاليات تتصل بالحق في السكن، إذ تجعل الوصول إلى السكن أو الاستضافة خاضعًا لمعايير انتقائية وتمييزية تمسّ بحرية الإقامة وبمبدأ المساواة. كما لا يقتصر أثرها على الأفراد المستهدفين مباشرة، بل يمتد إلى تكريس أنماط من الفرز الاجتماعي والمناطقي، بحيث تصبح بعض المناطق أكثر انغلاقًا في وجه فئات سكانية مقارنة بغيرها.
وتُظهر هذه الفئة، عند قراءتها إلى جانب إجراءات الإبلاغ والتسجيل السابقة، الوظيفة التي يمكن أن تؤديها قواعد البيانات السكنية التي تسعى البلديات إلى تكوينها. فالمعرفة التفصيلية بالسكان والمقيمين والعلاقات السكنية لا تبقى هنا مجرد أداة للتنظيم أو التخطيط المحلي، بل تتحول إلى شرط يمكّن البلديات من التدخل في الإقامة والاستضافة، ومنح الموافقة أو حجبها، وفرض معايير محلية على الوصول إلى السكن. وبذلك تكشف هذه التدابير أن الإبلاغ والتسجيل يشكلان جزءًا من مسار أوسع ينتقل من جمع المعلومات إلى تقييد إمكانيات الإقامة والاستضافة والتحكم بها.

فرض العقوبات بحق المخالفين: تخطي الصلاحيات
تَظهر ممارسة فرض العقوبات بحق المخالفين، كتنظيم محضر ضبط بقيمة مليون ليرة بحق مالك أجر منزله لعائلة نازحة من دون إبلاغ البلدية في مجدل عنجر، كممارسة مرافقة لإلزامية التسجيل أو التصريح في تعاميم 13 بلدية، ما يعكس انتقال بعض البلديات إلى فرض الامتثال عبر أدوات ردعية. وقد رصدنا هذه الفئة بشكل خاص في المتن والكورة وبعبدا وعاليه وطرابلس.
تثير هذه الممارسات إشكاليات تتعلّق بحدود الصلاحيات الإدارية للبلديات. فالمسألة لا تكمن في مبدأ تنظيم السكن أو تدخل السلطات العامة في العلاقات السكنية، إذ إن سياسات السكن العادلة تفترض أصلًا أشكالًا من التنظيم والحماية والمحاسبة. إنما تكمن الإشكالية في طبيعة هذا التدخل وغاياته، وفي ما إذا كان يستند إلى إطار قانوني واضح يمرّ، نظريًا على الأقل، عبر عملية سياسية وتشريعية تجعله منسجمًا مع الدستور.
وفي هذا السياق، تؤكّد المفكرة القانونية أنّ البلديات لا تملك صلاحية فرض عقوبات أو غرامات مالية في غياب نص قانوني صريح يجيز ذلك، وأن استقبال شخص في المنزل، ولو لغايات الإيواء، لا يمكن أن يتحول بقرار بلدي إلى مخالفة تستوجب العقاب2البلديات تنظّم استضافة النازحين: مخاطر من المسّ بالحقوق الدستورية | Legal Agenda. لذلك، لا تتعلق المشكلة بمجرد خضوع العلاقة السكنية لتنظيم عام، بل بتحويل الاستضافة والسكن إلى موضوع للمراقبة والعقاب المحليين خارج إطار قانوني واضح. أما على المستوى الحقوقي، فقد تؤدي هذه الإجراءات إلى أثر معاكس لأي سياسة سكنية حمائية، إذ تدفع المالكين إلى الامتناع عن التأجير أو الاستضافة خوفًا من الغرامات أو الملاحقة، بما يضيّق فعليًا فرص الوصول إلى السكن.

التقييد والأمننة المكانية: ضبط الفضاء العام خلافاً للدستور
في عدد من البلديات، تتخطى إدارة النزوح حدود المراقبة والتدخل في العلاقات السكنية لتصل إلى الفضاء العام والحركة اليومية داخل المناطق. وتشمل إجراءات مثل دعوة السكان إلى الإبلاغ عن الحالات التي تُعدّ غير اعتيادية، وتشكيل لجان أمنية، وتنظيم الدخول والخروج من البلدات، أو فرض قيود ميدانية على الحركة. وقد رُصدت هذه الممارسات في 13 بلدية، تركّزت بصورة خاصة في أقضية المتن وكسروان والكورة والشوف وبعبدا.
وتعكس هذه الإجراءات ذروة أمننة النزوح، حيث يتحول السكان أنفسهم إلى جزء من منظومة الرقابة من خلال تشجيعهم على الإبلاغ عن الحالات أو السلوكيات التي تُعتبر مخالفة أو مثيرة للريبة. وقد برز ذلك على سبيل المثال، في تعميم بلدية برمانا الذي دعا إلى “التعاون والتنسيق مع شرطة البلدية والحرس الليلي، عبر الإبلاغ عن أي إشغال غير مصرّح به”. ولا تقتصر أهمية هذه التدابير على ما تنتجه من معلومات، بل في كونها تنقل الرقابة من المؤسسات الرسمية إلى النسيج الاجتماعي نفسه، بحيث تتحول العلاقات اليومية داخل الأحياء إلى جزء من منظومة أوسع للرصد والمتابعة.
كما يظهر هذا المنطق في إجراءات أخرى، كتقييد الدخول والخروج من البلدات، كما في تعميم بلدية وادي شحرور العليا الذي أعلن عن إقفال الطريق الواقع عند مدخل البلدة من جهة حارة التين “يوميًا أمام حركة مرور الآليات، وذلك اعتبارًا من الساعة العاشرة مساءً ولغاية الساعة السادسة صباحًا”، ودعا جميع السائقين وقاطني البلدة إلى “الالتزام باستخدام المدخل الرئيسي للبلدة للدخول والخروج خلال الفترة المذكورة”. وتكشف هذه التدابير عن انتقال التدخل البلدي من إدارة الشؤون المحلية والخدمات إلى تنظيم الحركة داخل المجال المحلي وضبطها، بما يمنح السلطات المحلية دوراً ذي طابع أمني تتجاوز في كثير من الأحيان وظائفها الإدارية التقليدية.
وتثير هذه الممارسات إشكاليات قانونية ودستورية تتصل بحدود صلاحيات البلديات، لا سيما عندما تتناول مسائل ترتبط بحرية التنقل أو بتنظيم استخدام الفضاء العام. كما تنعكس مباشرة على عدد من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في التنقل والحق في الخصوصية3انضم لبنان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب القانون رقم 185 تاريخ 24/5/1972، ويكفل العهد حرية التنقل (المادة 12) والحق في الخصوصية (المادة 17).. فالتقييد الميداني أو إخضاع الحركة لإجراءات استثنائية قد يحدّ من حرية الأفراد في التنقل والوصول إلى أماكن السكن والعمل والخدمات. فيما يمسّ إشراك السكان في الإبلاغ والرصد بالحق في الخصوصية لأنه ينزع عن الحياة اليومية طابعها العادي والخاص، ويدمّر العلاقات الاجتماعية إذ يحيطها بالشك والرقابة الاجتماعية، ويحوّل الحركة داخل الحي، والزيارات، وأنماط الإقامة إلى موضوع مراقبة وتبليغ واشتباه.
ولا تقتصر آثار هذه التدابير على الأفراد المستهدفين مباشرة، بل تمتد إلى إعادة رسم حدود الانتماء للمجال المحلي نفسه. فمن خلال التعامل مع بعض الفئات بوصفها موضوعًا للمراقبة أو مصدرًا محتملاً للخطر، تُنتج هذه الإجراءات أنماطًا من الإقصاء والفرز الاجتماعي، وتُضعف إمكانيات الاندماج والمشاركة المتساوية في الحياة المحلية. ويظهر البعد الجغرافي لهذه المقاربات بوضوح من خلال تركزها في أقضية شهدت أيضًا مستويات مرتفعة من التدخل البلدي في إدارة النزوح. ويشير ذلك إلى أن التدابير الأكثر تشددًا لا تظهر بمعزل عن غيرها، بل تشكل امتدادًا لمسار متدرج يبدأ بالرصد وجمع المعلومات، ثم ينتقل إلى التدخل في العلاقات السكنية، قبل أن يبلغ مستوى فرض قيود على الحركة وإشراك المجتمع المحلي في عمليات المراقبة والضبط. ومن ثمّ، فإن خطورة هذه التدابير لا تكمن فقط في كل إجراء على حدة، بل في تراكمها داخل مناطق محددة، بما ينتج نمطًا محليًا متكاملاً من إدارة النزوح بوصفه مسألة أمنية لا مسألة حماية أو حقوق.

تشجيع استقبال النازحين والحد من الاستغلال: نماذج تعزّز الحماية والتضامن
رغم أنّ أكثر من 90% من التعاميم البلدية المرصودة ارتكزت على مقاربات قائمة على الرصد والضبط والتقييد، ووصلت في بعض الحالات إلى ممارسات تنطوي على أمننة مكانية للنزوح، برزت في المقابل ست حالات فقط تبنّت مقاربة مختلفة تنظر إلى النزوح بوصفه مسؤولية اجتماعية تستدعي الحماية والتضامن، لا قضية أمنية تتطلب المنع والرقابة. وقد اتخذ هذا التدخل شكلين أساسيين: الدعوة إلى استقبال النازحين وتقديم العون لهم، من جهة، ومحاولة الحد من استغلال الأزمة عبر ضبط بدلات الإيجار أو الإبلاغ عن المغالاة، من جهة أخرى.
تظهر المقاربة الأولى في تعاميم دعت الأهالي مباشرة إلى استقبال الأسر النازحة والتعاون معها، كما في بلدة البرجين، أو شددت على التكافل الاجتماعي وتقديم الدعم للوافدين إلى البلدة، كما في راشيا الوادي. هنا، لا تُقدَّم الاستضافة بوصفها مصدر خطر أو كعبءٍ ينبغي ضبطه، بل كجزء من الاستجابة المجتمعية للأزمة، بما يعيد وضع البلدية في موقع تنظيم التضامن المحلي لا مراقبة الوافدين أو تقييد حضورهم.
أما المقاربة الثانية، فتبرز في تعاميم ركزت على البعد السكني للأزمة، ولا سيما مخاطر ارتفاع بدلات الإيجار أو استغلال حاجة النازحين إلى مأوى. ففي عاليه وكيفون، نبّهت البلديات إلى مخاطر رفع بدلات الإيجار بصورة غير مبررة ودعت إلى الإبلاغ عن حالات المغالاة.
تشير هذه المقاربات إلى إمكانية استخدام الدور البلدي لحماية الوصول إلى السكن، لا فقط لتنظيم من يسكن وأين. ورغم أن هذه التدابير بقيت محدودة وغير مصحوبة، في الغالب، بآليات واضحة للإنفاذ أو الدعم، فإن أهميتها تكمن في أنها تكشف بديلًا ممكنًا عن المقاربة الأمنية: تدخل بلدي يركّز على منع الاستغلال وتوسيع إمكانات الاستضافة بدل تقليصها.
ورغم أهمية هذه المبادرات، فإنها تبقى محدودة مقارنة بحجم التدخّلات ذات الطابع الرقابي والتقييدي التي وثّقها البحث. ويكشف ذلك مفارقة لافتة في الممارسة البلدية، فالبلديات حضرت بكثافة حين تعلّق الأمر بجمع المعلومات، وفرض شروط على السكن، وتنظيم الحركة، لكنها بدت أقل حضورًا في المجالات التي تنسجم أكثر مع وظائف الاستجابة المحلية المشروعة، كتعبئة التضامن المجتمعي وتنظيمه والحد من الاستغلال السكني ودعم الوصول إلى السكن. ومن هنا، تكمن أهمية هذه التعاميم في ما تتيحه من مقارنة: فهي تُظهر أن إدارة النزوح على المستوى المحلي لم تكن مضطرة بالضرورة إلى اتخاذ شكل رقابي أو تقييدي، بل كان بالإمكان توجيهها نحو الحماية والتكافل وتنظيم السوق السكنية بما يصون الحقوق بدل التضييق عليها، وخاصةً في حالات الطوارئ.
التعاميم البلدية كسياسة إقصاء تتكرّر في كل أزمة
ويُذكّر هذا النوع من التدخّل بمقاربات مشابهة استُخدمت في التعامل مع النزوح السوري، ولا سيما المبادرات التي شجّعت السكان على مراقبة اللاجئين السوريين والتبليغ عنهم، ومن أبرزها مبادرة “كل مواطن خفير” التي أُطلقت في بيروت مطلع عام 2024.
تبرز مجموعة من السمات المشتركة في المقاربات البلدية للتعامل مع النزوح، ولا سيما لجهة التوسع في أدوار البلديات واعتماد أدوات متنوعة لتنظيم الوجود السكاني وضبطه. وتعيد هذه الأنماط إلى الواجهة ممارسات سبق توثيقها في تجارب سابقة للتعامل مع النزوح.
وفي هذا السياق، نعود بالرجوع إلى تحليل سابق لاستديو أشغال عامة حول التعاميم البلدية المرتبطة بالسوريين بعنوان السلطات المحلية تُعمّم اللاشرعية ، إذ يُظهر وجود استمرارية واضحة في المقاربات المحلية المعتمدة للتعامل مع النزوح، رغم اختلاف السياقات والفئات المستهدفة. فقد بيّن التحليل السابق كيف اعتمدت البلديات واتحادات البلديات والمحافظون مجموعة واسعة من الإجراءات شملت الإبلاغ عن السكان، وتسجيل البيانات، وفرض الموافقات المسبقة، وتقييد الحركة، والتدخّل في السكن، وتشجيع السكان على لعب أدوار رقابية وأمنية داخل الأحياء. وتُظهر التعاميم الحالية إعادة إنتاج عدد كبير من هذه الأدوات نفسها، وإن جاءت هذه المرة في سياق الاستجابة للنزوح الناتج عن العدوان الإسرائيلي.
ولا يقتصر التشابه على طبيعة الإجراءات، بل يمتد أيضًا إلى التوزّع الجغرافي لها. فعدد من الأقضية التي برزت فيها التعاميم الأكثر تشددًا خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما المتن وبعبدا والكورة وعاليه، هي نفسها مناطق شهدت خلال السنوات الماضية مستويات مرتفعة من التدخل البلدي في تنظيم إقامة السوريين وحركتهم ووصولهم إلى السكن. ويشير ذلك إلى أن ما نشهده اليوم لا يرتبط فقط بظرف استثنائي فرضته الحرب، بل يعكس أنماطًا محلية متكررة في إدارة النزوح، تظهر عند كل أزمة وإن اختلفت الفئات المستهدفة.
| البلدية | تعاميم مرتبطة بالنزوح السوري | تعاميم مرتبطة بالنزوح الحالي |
| بلدية كفرحزير | ✓ | ✓ |
| بلدية عمشيت | ✓ | ✓ |
| بلدية جبيل | ✓ | ✓ |
| بلدية أنفه | ✓ | ✓ |
| بلدية فتري | ✓ | ✓ |
| بلدية نهر إبراهيم | ✓ | ✓ |
| بلدية لحفد | ✓ | ✓ |
| بلدية جونية | ✓ | ✓ |
| بلدية العقيبة | ✓ | ✓ |
| بلدية عاليه | ✓ | ✓ |
كما تكشف المقارنة بين المرحلتين عن استمرار منطق الإقصاء نفسه، القائم على التعامل مع فئات معينة من السكان بوصفها مصدرًا للضغط أو الخطر أو التهديد المحتمل. ففي التعاميم المرتبطة بالسوريين، جرى تبرير العديد من الإجراءات من خلال خطاب أمني يربط وجود اللاجئين بمخاطر أمنية أو ديموغرافية. وقد تجلّى ذلك مثلاً في حملة “كل مواطن خفير” التي ذكرنا سابقاً، ربطاً بالتقييد والأمننة المكانية. ويعود هذا الخطاب للظهور بأشكال مختلفة في عدد من التعاميم الحالية، من خلال دعوات السكان للإبلاغ عن “أي أمر غير اعتيادي” كما ورد في بيان بلدية شكا، بما يعكس استمرار مقاربة تتعامل مع النزوح بوصفه مسألة أمنية تستوجب الرقابة والضبط أكثر مما تستوجب الحماية.
وترتبط هذه المقاربات، في بعدها السياسي الأعمق، بالبنية الطائفية والمناطقية للنظام اللبناني، حيث يُعاد تقديم النزوح مراراً ضمن خطاب يحيل السبب إلى “قدرة المنطقة على الاستيعاب” أو “الحفاظ على التوازنات المحلية”. وفي هذا الإطار، لا تظهر التعاميم البلدية كإجراءات معزولة، بل كجزء من منطق أوسع يحوّل البلدة إلى وحدة مغلقة تضع شروطها الخاصة للوجود السكاني. وفي هذا السياق، وصفت التحليلات هذه الإجراءات بأنها تؤدي إلى “خلق حدود بين المناطق والقرى” وكأنها كيانات مستقلة تدير تركيبتها السكانية بصورة منفصلة4مقال إستديو أشغال عامة : السلطات المحليّة تعمّم اللاشرعية • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio.
ومن هنا، فإن التصدي لهذه الممارسات لا يندرج فقط في إطار حماية الحقوق أو ضبط الصلاحيات، بل في صلب سؤال بناء الدولة في لبنان: أي دولة يمكن أن تقوم إذا كانت كل بلدية أو منطقة تتصرف كأن لها حقًا خاصًا في تحديد من يقيم فيها ومن يُستبعد منها؟ بهذا المعنى، يصبح الدفاع عن حرية السكن والتنقل والمساواة في الوصول إلى المجال المحلي جزءًا من مواجهة التفكيك الطائفي والمناطقي للسلطة، ومن إعادة بناء المجال العام بوصفه مساحة مشتركة لا مجموعة حدود داخلية متنازعة.
في مرحلة العودة، بلديات تسعى للحدّ من الاستغلال
برزت بعد الإعلان الأخير عن انتهاء الحرب مجموعة من المبادرات البلدية التي تسعى للتعامل مع أزمة السكن التي رافقت عودة السكان إلى المناطق المتضررة. وقد وثّقنا صدور 18 بيانًا وتعميمًا خلال شهر حزيران 2026 عن بلديات واتحادات بلديات في محافظتَي الجنوب والنبطية، عكست أولويات البلديات بتسهيل العودة، وحماية إمكانية السكان بالوصول إلى السكن.
وتتجلّى أهمية هذه المبادرات في أنها انطلقت من الاعتراف بأن أزمة السكن بعد الحرب لا تقتصر على إعادة إعمار المساكن، بل تشمل أيضًا ضمان قدرة الأسر العائدة على الوصول إلى مسكن ملائم دون التعرّض للاستغلال. ولذلك، اعتمدت هذه البيانات على التوعية والإرشاد، من خلال دعوة المالكين إلى مراعاة الظروف الاستثنائية، وتشجيع الامتناع عن استغلال حاجة العائدين، وإطلاق حملات تدعو إلى التضامن، مثل حملة اتحاد بلديات قضاء بنت جبيل تحت شعار “المنزل للعيش وليس للاستغلال”. كما دعت عدّة بلديات إلى تسجيل عقود الإيجار وتوفير آليات لتلقي شكاوى المواطنين، بما يعزّز الشفافية ويوفر وسيلة لمعالجة النزاعات وحماية حقوق طرفَي العلاقة الإيجارية. ويمكن فهم هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من اجتهاد البلديات، استنادًا إلى الصلاحيات العامة المنصوص عليها في المادة 47 من قانون البلديات، بما يسهم في الحد من الممارسات الاستغلالية ودعم الوصول إلى السكن خلال مرحلة العودة5المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977.
بهذا، ربطت هذه التعاميم بين نجاح العودة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، معتبرةً أن توفير السكن بأسعار عادلة يشكّل جزءًا من عملية التعافي وإعادة بناء المجتمعات المحلية. ويتّضح ذلك، على سبيل المثال، في بيان بلدية العباسية الذي شدّد على أن «إعادة بناء العباسية لا تكون بإعمار الحجر وحده، بل بإحياء قيم المحبة والتراحم والتعاون بين أبنائها»، داعيًا أصحاب المنازل إلى اعتماد بدلات إيجار عادلة وعدم استغلال حاجة العائلات المتضررة.
إلا أن هذه المبادرات لم تخلُ من بعض التدابير التي تثير إشكاليات قانونية، إذ تضمّن عدد منها تحديد سقوف لبدلات الإيجار أو التهديد باتخاذ إجراءات بحق المخالفين، وهي مسائل تبقى خارج الاختصاص القانوني للمجالس البلدية6لقراءة المزيد: حين تحلّ البلديات الجنوبية شغور الدولة: قراءة في بيانات ضبط الإيجار في مناطق العودة • استوديو أشغال عامّة. لذلك، فإن القيمة الأساسية لهذه التجربة لا تكمن في محاولات تنظيم الأسعار بحد ذاتها، وإنما في تسليط الضوء على الأزمة السكنية وضرورة تدخل الدولة في تعزيز التضامن، والحد من الاستغلال، ودعم الوصول إلى السكن.

الدور البلدي والاستجابة في حالات الطوارئ
لا تكمن أهمية التعاميم البلدية المرصودة خلال الحرب في مضمون كل إجراء على حدة، بل فيما تكشفه مجتمعة عن التحولات التي يشهدها الدور البلدي في لبنان. ففي ظل غياب سياسات وطنية واضحة للاستجابة للنزوح أو لضمان الحق في السكن، برزت البلديات كجهات فاعلة في إدارة جوانب متعددة من الحياة اليومية، من السكن والاستضافة إلى الحركة والوجود داخل المجال المحلي.
وتُظهر التعاميم أنّ هذه الأدوار يمكن أن تتخذ اتجاهات مختلفة. ففي حين اعتمدت الغالبية أدوات تقوم على الرصد والتسجيل والرقابة والتقييد، برزت مبادرات محدودة سعت إلى حماية الحق في السكن وتعزيز التضامن الاجتماعي والحد من الممارسات الاستغلالية. ويعكس هذا التباين أنّ الدور البلدي ليس ثابتًا، بل يتشكل تبعًا للخيارات السياسية والاجتماعية التي تعتمدها السلطات المحلية في التعامل مع الأزمات.
كما تُظهر المقارنة مع التعاميم البلدية المرتبطة بالنزوح السوري أنّ العديد من الممارسات الحالية لا تمثل استجابة استثنائية لظروف الحرب، بل تندرج ضمن مسار أوسع من التدخل البلدي في إدارة النزوح وتنظيم الوجود السكاني. ومن هنا، لا تقتصر الأسئلة التي تطرحها هذه التعاميم على مدى فعاليتها في إدارة الأزمات، بل تمتد إلى طبيعة الدور الذي تؤديه البلديات وحدود صلاحياتها، وإلى العلاقة بين الإدارة المحلية والحقوق الأساسية.
كما تمسّ هذه النتائج السؤال السياسي الأوسع حول بناء الدولة في لبنان. فحين تتصرف البلديات أو السلطة المحلية في المناطق كما لو أنّ لها حقًا ضمنيًا في تحديد من يقيم داخل نطاقها ومن يُنظر إلى وجوده كعبء أو تهديد، يتحوّل النزوح إلى مناسبة لإعادة إنتاج حدود داخلية غير معلنة بين المناطق. ومن هنا، فإن مواجهة هذه الممارسات لا تعني فقط ضبط التجاوزات البلدية أو حماية الحقوق الفردية، بل تعني أيضًا مواجهة منطق التفكيك الطائفي والمناطقي الذي يحوّل السكن والتنقل وغيرها من حقوق عامة إلى مسائل خاضعة لموازين القوى المحلية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في أدوار البلديات خلال الأزمات، بما يضمن ألا تتحول الاستجابة للطوارئ إلى مدخل لتوسيع دور أدوات الرقابة والتقييد، بل إلى فرصة لتطوير سياسات محلية أكثر عدالة، ترتكز على حماية الحق في السكن وتعزيز التضامن الاجتماعي وتوفير استجابات تحترم الحقوق والحريات الأساسية.
المراجع:
- 1يُكفل الحق في الخصوصية بموجب المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه لبنان بموجب القانون رقم 185 تاريخ 24 أيار 1972.
- 2
- 3انضم لبنان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب القانون رقم 185 تاريخ 24/5/1972، ويكفل العهد حرية التنقل (المادة 12) والحق في الخصوصية (المادة 17).
- 4مقال إستديو أشغال عامة : السلطات المحليّة تعمّم اللاشرعية • استوديو أشغال عامّة · Public Works Studio
- 5المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977
- 6لقراءة المزيد: حين تحلّ البلديات الجنوبية شغور الدولة: قراءة في بيانات ضبط الإيجار في مناطق العودة • استوديو أشغال عامّة

