بين 18 و27 حزيران 2026، أصدرت خمس عشرة بلدية واتحادان بلديان في محافظتَي النبطية والجنوب1واحدة من البلديات فقط تقع خارج نطاق هاتين المحافظتين، تحديداً في نطاق محافظة البقاع (قضاء البقاع الغربي) وهي بلدية سحمر. بيانات نشرتها عبر صفحاتها الرسمية تتضمّن إجراءات للحدّ من ارتفاع بدلات الإيجار ومنع الاستغلال بحق العائدين إلى بلداتهم بعد نزوحهم القسري بسبب العدوان الإسرائيلي. تأتي هذه البيانات في ظلّ ارتفاعٍ كبير في أسعار الإيجارات في مناطق العودة وتصاعد الطلب عليها، في خطوةٍ تُعدّ لافتة، بل تقدّمية، على صعيد حماية الحقوق السكنية للنازحين والعائدين.
وكانت محافِظة النبطية، هويدا الترك، أوّل من بادر إلى إصدار تعميم من هذا النوع، وذلك منذ بدايات الحرب، وتحديداً في 20 تشرين الأول 2023، في سياق موجة النزوح الأولى. طلبت فيه من القائمقامين والبلديات مكافحة استغلال أصحاب الوحدات السكنية، واعتماد سعر عادل للتأجير المؤقت للنازحين والنازحات، وتفعيل شرطة البلدية لتطبيق ذلك. حينها، أعطى التعميم توجيهات لبلديات المحافظة بأكملها لتفعيل مبدأ الإيجار العادل ضمن نطاقها، ليشكّل بذلك ضبطاً للإيجار على مستوى المحافظة بأكملها. لكن يبقى من غير الواضح كيف طُبّق هذا التعميم فعلياً على أرض الواقع، وما الذي تلاه من محاولات لتنظيم سوق الإيجارات على المستوى البلدي، وهو سؤال يطرح نفسه بالقدر نفسه على رزمة البيانات الجديدة. فما أغفل عنه النواب على المستوى التشريعي في تنظيم سوق الإيجارات، بالرغم من وجود ضرورة ملحّة لضبط ممارسات الاستغلال، حاولت السلطات المحليّة سدّه باجتهادات ضمن هامش صلاحياتها المحدودة، سعياً لفرض نوع من ضبط الإيجار داخل نطاقها الجغرافي.
بناءً على تحليل هذه البيانات، وعلى اتصالٍ أُجريَ مع أحد رؤساء البلديات، نقدّم في هذا النص قراءةً مختصرة في مضمون البيانات وخلفياتها وأساسها القانوني، ومقارنةً في مستويات حزمها والأدوات الإجرائية التي اعتمدتها، بالإضافة إلى تأثيراتها المحتملة على الأرض.
في مضمون البيانات وتدابير تنظيم الإيجار المقترحة
تحديد بدلات الإيجار العادلة
صدرت البيانات عن بلديات ميفدون، زفتا، صور، دير الزهراني، حاروف، برعشيت، برج الشمالي، الكفور وتول، العباسية، البازورية، طيردبا، قانا، الدوير، السلطانية، وسحمر(البقاع الغربي)، إضافة إلى اتحادَي بلديات الشقيف وبلديات قضاء بنت جبيل. ورغم اشتراكها في الهدف، إذ تُقارب كلٌّ منها مبدأ الحاجة إلى إيجار عادل، تفاوتت البيانات بشكل لافت في الصياغة واللهجة والأدوات المعتمدة.
اتّخذ بعضها شكل نداء أخلاقي، كبيان بلدية ميفدون الذي دعا إلى “التضامن والتكاتف” والابتعاد عن طلب بدلات إيجار لا تتناسب مع “الواقع الاقتصادي والاجتماعي”، فيما “وصّت” بلديات دير الزهراني وصور أصحاب الشقق السكنية والسماسرة “بالابتعاد عن الممارسات التي تؤدي إلى استغلال حاجة المواطنين للسكن” في هذه الأوضاع الصعبة.
في المقابل، اعتمدت بلديات أخرى، كحاروف وبرعشيت والكفور وتول وبرج الشمالي وغيرها لهجة أكثر حزماً، وطرحت أدوات عملية، فنشرت ضمن بياناتها لوائح أسعار مفصّلة بحسب مساحة الشقق وعدد الغرف وحالة الفرش؛ وقد تقاربت تسعيرات هذه البلديات بشكل كبير، لتتراوح عموماً بين 200 و350 دولاراً للشقق غير المفروشة، و350 إلى 500 دولاراً للمفروشة. بدورها، نشرت بلدية زفتا لائحة أسعار خاصة بها، واشتركت جميع هذه البلديات في منع السمسرة غير المرخّصة، وحظر قبض بدلات مسبقة لأشهر عدة، تحت طائلة الملاحقة القانونية والإدارية للمخالفين.
وذهبت بلدية الكفور وتول أبعد من ذلك في فيديو مرافق لبيانها، حيث أوردت أن المخالفين سيلاحَقون من قبل أمن الدولة. بخلاف هذا المنحى الإلزامي، آثرت بلدية البازورية نشر سقوفٍ إرشادية للأسعار، مع تأكيدٍ بأن بيانها مجرد دعوة وتوصية مرتبطة بـ”الظروف الاستثنائية” وليس إلزاماً قانونياً.
تنظيم العرض والطلب
وإلى جانب تحديد سقوف للإيجارات، اعتمدت عدة بلديات أدوات إجرائية عملية لحماية المستأجرين ومتابعة تطبيق السقوف المعلنة. على سبيل المثال، أطلقت بلديات برج الشمالي والكفور وتول خطوطاً ساخنة لتلقّي شكاوى المستأجرين ومتابعتها. فيما استحدثت بلدية برعشيت سجلاً خاصاً بالمنازل والشقق المتاحة للإيجار في نطاقها، يسجّل فيه المالكون الراغبون بالتأجير أسماءهم ومواصفات عقاراتهم، ليراجعه الراغبون بالاستئجار ويتواصلوا مباشرة مع أصحابها. أمّا بلدية البرج الشمالي فعمّمت استمارة يعبّئها المالكون عن شققهم المعروضة.
كما شدّدت معظم البلديات في بياناتها على وجوب تسجيل عقود الإيجار الجديدة والتعديلات عليها، تحت طائلة الملاحقة الإدارية و القانونية بحق المخالفين وعدم الإعترف بأي عقد غير مسجَّل أصولاً.

شكل التنظيم على المستوى المحلي
في اتصال أجريناه معه، أوضح رئيس بلدية البازورية أن هذه البيانات الصادرة لم تكن نتاج تنسيق بين بلديات الجنوب، بل جاءت كردّة فعل متشابهة على تصاعد الممارسات الاستغلالية في تأجير المنازل؛ إذ ما إن بادرت إحدى البلديات حتى ‘كرّت سُبحة’ البيانات الأخرى لحقاً بالمنحى نفسه، وذلك بهدف منع أصحاب العقارات من فرض بدلات إيجار مرتفعة، والالتزام بضوابط تحفظ حقوق جميع الأطراف، وتراعي ظروف المواطنين المهجَّرين والنازحين الذين خسروا منازلهم. كما شرح أن لائحة الأسعار التي وضعتها البلدية استندت إلى دراسة تقديرية أجرتها بالاستناد إلى القيم التأجيرية المعتمدة في العام السابق في المنطقة. وعلى نحو مشابه، إعتمدت بلدية طيردبا بدلات الإيجار المعتمدة قبل اندلاع الحرب، فألزمت أن تتراوح القيمة السنوية للعقد بين 2500 و4000 دولار أميركي وفق مساحة المنزل.
يتّضح لنا أن السلطات المحلية تستخدم ما تملكه من صلاحيات عامة بالإضافة إلى علاقاتها المباشرة مع السكان لتأمين المصلحة العامة كالسكن، فتفعّل ما بمقدورها من أدوات في محاولة لتنظيم سوق الإيجارات المتفلّت.
ففي حال ورود شكوى، تكتفي البلدية باستدعاء المالك إليها والتوسّط لإقناعه باعتماد سعر أكثر إنصافاً وتقاسم أعباء الحرب مع المستأجر. في المقابل، لجأت بلديات أخرى إلى أدوات ضغطٍ مختلفة، حيث لجأت إلى إعادة احتساب الرسوم البلدية وفق القيمة التأجيرية الجديدة، بما في ذلك مستحقات السنوات السابقة وفق الأنظمة المعتمدة.
إلا أن ذلك لا يغني عن الحاجة إلى تدخل السلطة التشريعية لإنشاء سياسة تحمي السكن الذي بات أولوية.
فإن كان يمكن، من حيث المبدأ، الإستناد إلى المادة 47 من قانون البلديات2المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977 التي تمنح المجلس البلدي صلاحية “كل عمل ذو طابع أو مصلحة عامة” ضمن حدود البلدية الجغرافية، باعتبار أن تفلّت أسعار الإيجارات وأزمة السكن يشكّلان تهديداً كافياً للنظام العام يبرّر تدخلاً محلياً، خاصةً في غياب إطار وطني طارئ ينظّم النزوح وعودة السكان إلى بلداتهم الأصلية. إلا أن التدخّل، على أهميته وجرأته وضرورة دعمه والبناء عليه، يبقى قاصراً عن معالجة المشكلة حين يصدر بشكل منفرد عن كل بلدية على حدة، خارج إطار خطة إسكان وطنية شاملة تعالج أزمة العودة بعد النزوح .
الحاجة لتنظيم قطاع الإيجار: من مبادرات محلية إلى سياسة سكنية شاملة
تحرّكت السلطات المحليّة لتنظيم سوق إيجارات متفلّت ويتسّم بالاستغلال الفظيع نتيجة وجود حاجة ميدانية ومشكلة سكن حقيقية وملحّة خلّفتها الحرب وتراكم عقود قبلها، مقابل غياب استجابة من الدولة المركزية تجاهها. لذا، يُحسب للبلديات تفاعلها الإيجابي ولجوأها إلى استخدام ما هو متاح لها من أدوات؛ وهي أدوات قادرة فعلياً على حماية العائلات العائدة على المدى القصير، بل يستحق بعضها – كالخط الساخن، والسجل الشقق المعروضة للايجار- أن يعمَّم على باقي المناطق وأن يُبنى عليها.
وما تكشفه هذه التجربة في جوهرها، تأكيداً على أن البلديات بصفتها الجهة الأقرب إلى واقع كل منطقة وتفاصيل أزمتها تحتاج إلى أن يُناط بها تشريعياً دورٌ فعلي وواضح في تنظيم قطاع الإيجار وقت الأزمات، بدلاً من أن تبقى مضطرة للاجتهاد كلما غابت الدولة عن التدخّل. فمنح البلديات هذه الصلاحيات ضمن إطار قانوني يحدد شروط التدخل وحدوده وآليات مساءلته، هو ما يمكن أن يحوّل هذه الاستجابات المطلوبة والشجاعة التي نحتاجها اليوم، من ارتجال ضعيف إلى أداة فعلية ومستدامة لحماية سكان هذه المناطق.
ويبقى أن تأتي هذه الإجراءات الضرورية ضمن رؤية شاملة للحق في السكن. فالإيجار هو أحد أبرز الوسائل المستخدمة للوصول إلى السكن، ما يحتّم وجود حاجة إلى سياسة ترعى مبدأ الإيجار العادل وتربط تدخّل الدولة في تنظيم سوق الإيجارات بسياسة سكنية شاملة قوامها ردع الإخلاء والتشرّد، توفير السكن الميسّر، إعادة تأهيل الأحياء السكنية المتدهورة، الحد من المضاربة العقارية والشغور، تعزيز الأنماط الجماعية للوصول إلى السكن، وتفعيل إدارة الأراضي والتنظيم المديني لتطوير السكن الميسّر.
المراجع:
- 1واحدة من البلديات فقط تقع خارج نطاق هاتين المحافظتين، تحديداً في نطاق محافظة البقاع (قضاء البقاع الغربي) وهي بلدية سحمر.
- 2المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977

