في الحرب الإسرائيلية الأخيرة والمستمرّة على لبنان، أصبحت المدن فضاءات مفتوحة للجوء، والقصف والقتال، تتغيّر خريطة الأمان فيها كلّ حين، بحسب أهواء المحتلّ.
في بيروت، لم يستهدف المحتل البنية العسكرية كما ادّعى، بل طال البُنى التحتية، والمؤسسات المدنية، والأحياء السكنية والحيّز العمراني نفسه، في محاولة لتفكيك النسيج المجتمعي وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والاجتماعية. ما حصل هو «قتل للمدينة»، بكل ما تمثّله من وجود مادي ورمزي، من مبانٍ وشعور بالأمان، من خدمات ومساحة للجوء. وقتل المدينة هو ترجمة لـUrbicide، كلمة تعود جذورها إلى الكلمتين اللاتينيتين urbs التي تعني المدينة وoccido التي تعني الإبادة، وتشير إلى الشكل المتعمّد والمنهجي من العنف الذي يستهدف المدن ككيان عضوي حيّ، لا باعتبارها مجرد مساحة جغرافية أو بنية مادية، بل بوصفها حاضنة لذاكرة جماعية، وعلاقات اجتماعية، وأنماط عيش متجذّرة ومساحة سياسية1Martin Coward, The Politics of Urban Destruction, 2009 Fernando Mena, Urbicide, or the City’s Liturgical Death, 2018. بالتالي، لا يُقاس هذا القتل فقط بحجم الدمار العمراني، بل يتعدّاه إلى محو المكان المُعاش، وتفكيك الانتماء، وتدمير البنى التي تحفظ الذاكرة الحضرية، ليصبح بذلك أداة مركزية في الحرب، تتجاوز استهداف السكان لتطال البيئة التي تشكل إطار حياتهم، وامتدادًا لهوياتهم الفردية والجماعية.
ضمن هذا السياق، تبرز الضاحية الجنوبية لبيروت كمثال حادّ على ممارسة قتل المدينة، ليس فقط بسبب كثافتها العمرانية العالية، بل أيضًا لما تحمله من دلالة سياسية واضحة، إذ يُنظر إليها كمساحة مرتبطة بالمقاومة، ما يجعلها هدفًا ذي طابع رمزي واستراتيجي في آنٍ معًا. ولهذا، فإن استهدافها في الحرب الأخيرة لا يمكن فهمه ضمن منطق عسكري، بل ينبغي تفكيكه كبنية هجوم شاملة تهدف إلى تحطيم المدينة من الداخل، عبر تعطيل مقوّمات العيش فيها، وفرض هندسة قسرية جديدة على سكانها، وبالتالي تخريب دورها المكاني-السياسي-الاجتماعي، بتر علاقة سكّانها فيها، وتهديم القدرة على إعادتها إلى ما كانت عليه قبل الحرب. هذا الاستهداف لم يكن عشوائيًا أو عرضيًا، بل تم وفق خرائط مُعلنة وتهديدات سبقت القصف بلحظات، في محاولة لترهيب السكان، وتفريغ الأحياء، وإحداث صدمة عمرانية واجتماعية متكاملة الأبعاد قادرة على تهشيم النسيج العمراني-الاجتماعي بشكل كامل ودون رجعة.
في ظل هذا المشهد، يبرز غياب التوثيق الرسمي للدمار بوصفه فجوة معرفية خطيرة. فحتى الآن، لم تُنشر تقارير شاملة عن حجم الأضرار أو طبيعتها في الضاحية، كما لم تُقدَّم قراءات معمَّقة تربط بين العنف العسكري ومفاعيله العمرانية، السياسية والاجتماعية. في المقابل، حاولت بعض المبادرات البحثية والمجتمعية، ومن ضمنها استديو أشغال عامة، سدّ هذا الفراغ من خلال رسم خرائط للضربات، وتحليل أنماطها، وكثافتها، وتموضعها ضمن النسيج الحضري للضاحية. هذا النص يُبنى على هذه الجهود، ويقدّم قراءة أولية لتوثيق التدمير العمراني في الضاحية الجنوبية لبيروت، من خلال تحليل الهجمات التي طالتها منذ أيلول عام 2024، مع التركيز على كثافة الضربات، تأثيرها على المؤسسات الحيوية والمجمعات السكنية والأسواق الرسمية وغير الرسمية.
إن قراءة الضاحية الجنوبية في هذا السياق لا تعني حصرها في مشهد الدمار العمراني فحسب، بل تفكيك ما جرى بوصفه سياسة ممنهجة. وعليه، فإن هذا المقال لا يسعى فقط إلى عرض الأرقام، بل إلى مساءلة ما تعنيه هذه الأرقام، وكيف تُترجم كفعل عنف مستمر، يتجاوز لحظة الضربة، ليتحول إلى هجوم ممنهج على الحق في المدينة.
المسار العمراني للضاحية الجنوبية
لم يكن ما يُعرف اليوم بالضاحية الجنوبية لبيروت سوى مجموعة من القرى الزراعية المحاذية للعاصمة، تمتدّ من جهة فرن الشباك وحرج الصنوبر شمالاً، ومن سفح الجبل شرقاً إلى كثبان الرمول المُمتدّة من حدود الغبيري الشمالية حتّى نهر الغدير جنوباً. وقد نشأت النوى العمرانية الأولى في هذه المنطقة ضمن بيوت متفرّقة موزّعة بين البساتين وأشجار النخيل2محمد كزما، الضاحية أيام زمان، نتيجة حركة هجرات متتالية من القرى الجبليّة باتجاه السواحل والسهول بحثًا عن العمل والاستقرار، وذلك منذ القرن السادس عشر. وكانت الضاحية الجنوبية، لقربها من العاصمة، تُصرّف إنتاجها بسهولة في بيروت وفي بعض المناطق القريبة منها3المصدر السابق نفسه.
وابتداءً من أواخر خمسينيات القرن العشرين، بدأت موجات النزوح تتدفّق نحو هذه المناطق من الجنوب والبقاع، بفعل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهميش المناطق الطرفية، خصوصًا بعد تأسيس ما سمّي بـ”دولة إسرائيل” وتراجع النشاط التجاري في المناطق الحدودية نتيجة الفصل الذي حصل مع فلسطين بسبب الاحتلال، إذ كانت اقتصادات هذه القرى مترابطة مع الاقتصاد الفلسطيني. أدّى ذلك إلى توسّع القرى المتاخمة لبيروت تدريجيًا بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، لتتحوّل من قرى متناثرة إلى ضواحٍ حضرية ملتحقة بالعاصمة4بحسب ما ذُكر عن منى فواز في مقال لماري-جوزيه القزي تحت عنوان «الضاحية الجنوبية: بيوت “المحرومين” التي بنيت في بساتين الليمون»، بي بي سي نيوز عربي.
لم تكن المنطقة تُعرف حينها بـ”الضاحية الجنوبية”، بل بـ”ساحل المتن الجنوبي”، وكانت تضمّ عددًا من البلدات الأساسية، أبرزها: الشياح، الغبيري، برج البراجنة، حارة حريك، بئر العبد، حيّ السلّم، الليلكي، الأوزاعي، المريجة، وتحويطة الغدير. لم تشهد الضاحية توسعًا عمرانيًا كبيرًا حتى اندلاع الحرب الأهلية (1975–1990)5المصدر السابق نفسه، التي شكّلت لحظة مفصلية في تاريخها، إذ أدّت إلى تسارع وتيرة النزوح والسكن في المنطقة. فقد لجأت عائلات كثيرة من النبعة وتل الزعتر والدكوانة إلى الضاحية، بالتزامن مع حركة نزوح معاكسة لسكانها المسيحيين6Yassin, Nasser (2010) : Violent urbanization and homogenization of space and place: Reconstructing the story of sectarian violence in Beirut, WIDER Working Paper, No. 2010/18, ISBN 978-92-9230-253-5, The United Nations University World Institute for Development Economics Research (UNU-WIDER), Helsinki. وفي عام 1982، ومع بداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان، شهدت الضاحية موجة نزوح جديدة من الجنوب، ما ساهم في إعادة تشكيلها ديموغرافيًا ومكانيًا. توّسعت حينها أيضاً بعض الأحياء غير الرسمية، لا سيّما حرش القتيل وحيّ السلم.

عندما أصبحت الضاحية المدينة
ومع مرور الوقت، تغيّرت طبيعة ما كان يُنظر إليه كضواحٍ لتصبح تلك الأخيرة بمثابة المدينة في حد ذاتها. فباتت الضاحية الجنوبية إحدى الوجهات الأساسية للسكن بأسعار معقولة لذوي الدخل المنخفض والمتوسط، وأصبحت أيضاً مكاناً للعمل والترفيه في المدينة7عبير سقسوق، من هي بيروت؟ ، مجلة أشغال عامة. اليوم، لا تشغل الضاحية الجنوبية لبيروت حيّزاً جغرافيًا محددًا، لكنها تحتضن بشكل عام ما بين 1.2 و1.4 مليون نسمة8بحسب الاقتصادي سامي زغيب في مداخلة خلال الاجتماع السادس من اللقاءات الدورية المفتوحة التي ينظمها استوديو أشغال عامة عن التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب والذي كان عنوانها “استعادة أسواق بيروت الجنوبية”، أي ما يقارب ربع سكان لبنان، ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق كثافةً وحيويةً، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. ولم تعُد الامتداد السكني للعاصمة، بل أصبحت تحوي اليوم تنوعاً كبيراً من الأحياء والمناطق التي تختلف بشكل كبير من حيث الكثافة العمرانية، وعمر المباني، وحالتها. إذ نجد في برج البراجنة والمريجة نسيجاً عمرانياً قديماً، مكتظاً ومتلاصقاً، في حين تتميّز أحياء أخرى مثل حارة حريك أو السانت تيريز ببنية عمرانية أقل كثافة وأكثر انتظاماً على المستوى العمراني. أما الشياح، فهي تجمع بين النسيجين التقليدي المتلاصق والحديث المنظّم. وتضمّ الضاحية اثنتا عشرة منطقة غير رسمية9حيّ الزهراء، شواطئ الجناح، الأوزاعي، حرش القتيل، حرش تابت، رمل العالي، برج البراجنة، مخيّم برج البراجنة، حيّ السلم-العمروسية، الليلكي، حيّ عرسال، والحيّ الغربي، ظهرت نتيجة عوامل اجتماعية وسياسية متداخلة، وتتّسم بشوارعها الضيقة، وبنيتها العمرانية المتشابكة.
تُشكّل الضاحية أيضاً مركزاً أساسياً للاستهلاك والخدمات، وقاعدة واسعة للزبائن في مختلف القطاعات ومن مختلف المناطق، وتمتدّ تأثيراتها الاقتصاديّة لتشمل بيروت والجنوب والبقاع والشمال. ورغم الصورة النمطية التي تختزل الضاحية كمنطقة استهلاكية فقط، فإنها تُعدّ أيضًا قاعدة إنتاج وقطاعًا تجاريًا ضخمًا: أكثر من 37 ألف مؤسسة تجارية مصرّح عنها رسميًا، عدا الاقتصاد غير الرسمي الذي يُعدّ الأكبر في لبنان، إضافة إلى نحو 500 مصنع يعمل عدد كبير منها داخلها أو على أطرافها10بحسب الاقتصادي سامي زغيب في مداخلة خلال الاجتماع السادس من اللقاءات الدورية المفتوحة التي ينظمها استوديو أشغال عامة عن التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب والذي كان عنوانها “استعادة أسواق بيروت الجنوبية”. وتلعب الضاحية دورًا لوجستيًا محوريًا، فهي نقطة الربط بين العاصمة والمطار والجنوب، ما جعلها عقدة أساسية لحركة البضائع. يتجلّى ذلك بوضوح في وجود آلاف المستودعات التي تُقدّر بنحو 300 ألف مستودع11 المصدر السابق نفسه بمساحات وسعات مختلفة، تُستخدم لتخزين منتجات لمصانع تقع خارج الضاحية نظرًا لمركزيّتها وسهولة نقل البضائع منها وإليها. هذا كله جعل منها ركيزة اقتصادية على مستوى الوطن لا على مستوى المنطقة فقط.
ضمن هذا الإطار، يصبح استهداف الضاحية في الحرب استهدافًا لبنية اقتصادية واجتماعية معقدة ومتشعبة، وليس مجرد ضربات على مبانٍ أو ما سمّاه الاحتلال بالضربات المحددة. فمن خلال رصد الغارات الإسرائيلية على ضاحية بيروت وتوثيق التدمير الممنهج لمناطقها، بدا واضحاً من طبيعة الأماكن المستهدفة وأنماط القصف أن الغاية لم تكن تدمير منشآت عسكرية كما يروّج الاحتلال، بل محو أمكنة ورمزيّاتها ورواياتها المكانية، وقطع الروابط التي تشكّل الحياة اليومية لسكانها، وتدمير مدينة أصبحت مستقلّة لا بل أساسية لما حولها.
الضاحية الجنوبية لبيروت تحت النار: كثافة الضربات وتوزّع الأضرار
مع تصاعد وتيرة القصف على بيروت وضاحيتها والاستهداف الممنهج للبنية المبنية، اعتمد استديو أشغال عامّة منهجية توثيق لرصد الضربات الجوية وجمع البيانات المرتبطة بها12 شمل ذلك متابعة يومية لوسائل الإعلام المحلية، سواء عبر نشراتها الإخبارية أو منصّاتها الرقمية، إلى جانب المعلومات التي قدّمها المراسلون الميدانيون وغيرهم من الشهود. كما تم تتبّع حساب المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي على منصة “إكس”، لرصد أي تهديدات بالإخلاء أو إنذارات مسبقة، ومن ثم متابعة ما إذا كانت المباني المُشار إليها قد تعرّضت فعلاً للقصف. تمّ تسجيل معطيات دقيقة لكل ضربة، منها الموقع الجغرافي، نوع استخدام المبنى ، مدى الضرر، وجود إنذار مسبق، حالة إشغال المبنى لحظة القصف، وعدد الضحايا إن وُجد. وقد خضعت جميع المعلومات لعملية تحقّق من مصادر متعدّدة بهدف ضمان الدقة والموثوقية في عملية التوثيق.. أدّى هذا الرصد اليومي المنهجي إلى بناء خريطة13 بالتعاون مع مختبر المدن بيروت تضمّنت جميع المواقع التي استُهدفت بالقصف. ساعدتنا هذه الخريطة على تحليل التوزيع الجغرافي للهجمات وكثافتها، ما أتاح استخلاص قراءات أوّلية حول أنماط الاستهداف، مثل تكرار القصف في مناطق محدّدة، أو تركّزه حول محاور مدنية ذات طبيعة سكنية أو خدمية.
تعرّضت ضاحية بيروت الجنوبية لأوّل قصف خلال الحرب الحالية148 تشرين الأول 2023 حتّى اليوم بتاريخ 2 كانون الثاني 2024، وقد طال القصف حينها شقة في مبنى سكني تضم مكتباً لحركة حماس. في لحظة الغارة، كان المبنى مأهولاً بالكامل من قبل مدنيين، وكان الهدف من القصف اغتيال قياديين15صالح العاروري واثنين من قادة كتائب القسام كانوا يجتمعون داخل المكتب. وشهدت الأشهر اللاحقة هدوءاً نسبياً، ليعود استهداف الضاحية في نهاية شهر تموز 2024 باغتيالٍ ثانٍ16اغتيال فؤاد شكر، لحقه ثلاثة آخرون17 إغتيال إبراهيم عقيل، علي كركي، وإبراهيم قبيسي في 20، 23 و24 أيلول. ومنذ 27 أيلول 2024، اعتمد الجيش الإسرائيلي سياسة “خرائط التهديد” في الضاحية الجنوبية، حيث بدأ بنشر إنذارات قبل دقائق من القصف، وغالبًا بعد منتصف الليل، ممّا حال دون الإخلاء الآمن للعائلات والمرضى، ذلك بغض النظر عن أن الإخلاء ليس تبريراً لترهيب الناس وتدمير مساكنهم وأحيائهم وقراهم. وقد اعتبرت «المفكرة القانونية» هذه الإنذارات أداة للتهجير والترهيب وستراً لجرائم الحرب لا وسيلة حماية. وتزامن ذلك مع عمليات اغتيال لقادة بارزين استُخدِمت فيها كميات هائلة من المتفجرات الخارقة للتحصينات، ممّا حول أحياء سكنية مكتظة إلى ركام وأفرغها من سكانها.
حتّى تاريخ إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، استُهدفت العاصمة بيروت وضاحيتها بحوالي الـ500 غارة18بحسب تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية تحت عنوان «العدوان الإسرائيلي على لبنان 2023-2024، تقرير موجز حول الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار القطاعية»، 279 منها غارات إسرائيلية مُعلنة، إضافة إلى ثلاثة عشر غارة بعد هذا التاريخ19 في 28 آذار 2025 وفي 1 و27 نيسان 2025، و 5 حزيران 2025، و23 تشرين الثاني 2025. نُشرت أوّل خريطة في 27 أيلول 2024 واستمرّ نشر الخرائط بشكل شبه يومي على مدى شهرين، كان معدّل الغارات فيها حوالي الـ4.5 غارات يومياً20 المعدّل هو بحسب مختبر المدن بيروت. وكانت النتيجة، في الأيام الأولى، نزوحًا جماعيًا لآلاف الأشخاص، العديد منهم فروا سيرًا على الأقدام، بحثًا عن مأوى في أماكن عامة مثل رملة البيضاء، المنارة، حرش بيروت، وساحة الشهداء في بيروت. شكّلت هذه الخرائط تركيباً بصرياً ورمزياً لقتل المدينة، حيث عكست نهجاً واضحاً لتدمير المساحات المدنية، تدميراً يتجاوز الأضرار المباشرة، ليصبح اعتداءاً على النسيج الأساسي للحياة المجتمعية. فالمباني المستهدفة كانت في الغالب سكنية أو متعددة الاستخدام (تجمع بين السكن والتجارة). واستهدافها لم يؤد فقط إلى تدميرها كليًا أو جزئيًا، بل ألحق الضرر أيضًا بالمباني والمساحات المحيطة، ممّا سبب درجات مختلفة من الدمار طالت 9000 وحدة سكنية21 بحسب إحصاءات غير نهائية لمؤسسة «جهاد البناء».

(مصدر الأرقام: تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية «العدوان الإسرائيلي على لبنان 2023-2024، تقرير موجز حول الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار القطاعية»)
وتشير تقديرات المركز الوطني إلى أن الحجم الإجمالي للركام الناتج عن المباني التي دُمّرت كلياً في ضاحية بيروت الجنوبية يتراوح ما بين 1.2 و1.7 مليون متر مكعّب، وذلك بحسب منهجيتين مختلفتين باعتماد متوسط عدد طوابق يبلغ ثمانية لكل مبنى. وبناءً على هذه المعطيات، قُدّر الوزن الكلي للركام بما يتراوح بين 2 و3.9 مليون طن، وذلك باستخدام معدلات وزن تتراوح بين 1.6 و2.25 طن لكل متر مكعب من الركام. ما يسلّط الضوء على حجم الدمار الهائل والتحديات التي تواجه عمليات الإزالة وإعادة الإعمار.
توفّر هذه التقديرات، التي تستند إلى صور الأقمار الصناعية، تصورًا أوليًا عن حجم الأضرار. ومن خلال الخريطة التي تُظهر الغارات التي رصدناها في استوديو أشغال عامة (الخريطة أدناه)، يتبيّن أن الكثافة الأساسية للضربات تركّزت في محلّات حارة حريك وبرج البراجنة، تليها الشياح والمريجة / الليلكي.
علاوة على ذلك، تم استهداف بعض المناطق غير الرسمية في الضاحية الجنوبية خلال هذه الحرب، بخلاف حرب 2006. فمن خلال رصدنا للهجمات الإسرائيلية، ظهر تعرُّض مخيم برج البراجنة، حي السلّم، العمروسيّة، والليلكي لهجمات شديدة الكثافة، بالإضافة إلى الرمّل العالي والأوزاعي ولكن بكثافة أقل.
من خلال الخريطة، يمكننا أيضًا تحليل الضربات المُعلَن عنها مقابل الضربات غير المُعلَن عنها. هذا التمييز يساعد في فهم الفجوة بين الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الرسمي من جهة، وما يحدث فعليًا على الأرض من جهة أخرى. فالضربات المُعلَن عنها غالبًا ما تُبرَّر بأنها تستهدف مواقع محددة أو “أهداف عسكرية”، بينما تُظهر الخريطة أن عددًا كبيرًا من الضربات غير المُعلَن عنها وحتّى المُعلن عنها استهدفت مناطق مدنية معظمها ذات طابع سكني كثيف.

بحثاً عن مرويات المكان بين الركام
بالإضافة إلى رسم خرائط الغارات وتوزيعها، كان لا بدّ من تحليل الضربات والبحث عن الحكايات والمرويّات المكانية. ولتحقيق ذلك، تعمّقنا في تحليل الإنذارات، وأجرينا بحوثاً إضافية حول الأحياء المستهدفة وشوارعها، كما أجرينا مقابلات مع سكّانها في محاولة لفهم ما خسرناه وما يجب الحفاظ عليه. وجدنا أن الغارات دمّرت أو سبّبت ضرراً للعديد من العناصر المكانية الأساسية: الأسواق، مساحات اللقاء، المجمعات السكنية، المرافق الصحيّة والتعليمية، المقابر، الحواجز، المتاجر، وغيرها. وتمكّنا من رسم خرائط اجتماعية لخمس مناطق: الشياح، برج البراجنة، حارة حريك، الليلكي، والسانت تيريز. ورغم أن هذه الخرائط مبنية على شهادات فردية، فإنها تكشف لقطات حميمة للعلاقة بين السكّان وأمكنتهم، لتعيد رسم المدينة المدمرة بشكل حي، ناطق، ومتحرّك.

أ – تداعيات القصف على المرافق التعليمية والصحية
أفضى الاستهداف شبه اليومي والمُتكرّر للضاحية الجنوبية إلى تدمير جزئي أو كلي للمؤسسات التعليمية والصحية، أو إلحاق أضرار بالغة ببنيتها التحتية ضمن نسيج عمراني متداخل وكثيف. وإن أردنا تحليل خرائط الإنذارات التي كان ينشرها الجيش الإسرائيلي قبل القصف في الضاحية، كانت المرافق التعليمية تُعتبر “معالم مركزية” تُستخدم من قبل المحتل لتحديد مواقع المباني القريبة منها والتي سيتم استهدافها. هذا يكشف عن وعي مُسبق بطبيعة هذه المواقع ودورها المدني، وعن قبول ضمني لتعريضها للخطر، حتى دون أن تكون أهدافًا مباشرة. يظهر هذا النمط غياب احترام مبدأ التمييز في القانون الدولي الإنساني عند العدو الإسرائيلي، ويُعزّز فرضية الاستهداف المتعمّد للبنية التحتية المدنية. وبحسب دراسة قام بها مختبر المدن في الجامعة الأميركية في بيروت، قد أصابت 91% من الضربات المعلنة في الضاحية 101 من أصل 128 مرفقًا تعليميًا رسميًا وخاصًا داخلها، ما عطّل الدراسة بشكل كلّي في كافّة أحيائها، وأدّى إلى انقطاع قسري لجميع طلاب المنطقة عن التعليم بسبب المخاوف الأمنية المباشرة والاضطرابات النفسية والاجتماعية الناجمة عن العمليات العسكرية التي أحدثت دمارًا واسع النطاق في المنطقة. تجاوزت هذه التداعيات المباشرة الأضرار المادية، لتمتد إلى تعميق التحديات البنيوية التي يواجهها القطاع التعليمي في لبنان. واجهت المدارس تحديات كبيرة في محاولة تعويض الفاقد التعليمي: فبالإضافة إلى نقص الموارد، وضعف التمويل، والقصور الإداري المزمن الذي يعاني منه القطاع التعليمي اللبناني عموماً والرسمي خصوصاً، فرض القصف عبئًا إضافيًا تمثّل في تضرّر المدارس والتهجير القسري للأسر والطلاب من منازلهم في المنطقة. لم يؤثر ذلك على مدارس الضاحية فقط ضمن حدود بيروت الكبرى، بل جرى تحويل بعض مدارس العاصمة إلى المناطق التي اعتُبرت آمنة إلى مراكز إيواء طارئة. ورغم أن معظم مدارس الضاحية أعادت فتح أبوابها بعد انتهاء القصف، إلا أن التجربة كشفت حجم الهشاشة التي يرزح تحتها النظام التعليمي، ومدى سهولة تعطيله في اللحظة التي يُصاغ الفضاء المدني كأرض محتملة للعمليات العسكرية. بهذا المعنى، لا يُقاس استهداف التعليم فقط بعدد المدارس المتضررة، بل بقدرته على زعزعة الدور البنيوي الذي تؤديه المؤسسات التربوية كركائز يومية للاستقرار، وكمساحات لإعادة إنتاج الحدّ الأدنى من الحياة الطبيعية للأطفال والمجتمع ككل.
أما من ناحية المرافق الصحية، زادت الاستهدافات الإسرائيلية في الضاحية من ضعف النظام الصحي المُرهق أصلاً بسبب الأزمات المتعددة، إذ أصابت الغارات الجوية المعلنة من قبل الاحتلال الإسرائيلي22 142 ضربة من أصل 279 ضربة معلنة حتّى تاريخ وقف إطلاق النار أي 27 تشرين الثاني 2024 حوالي 27 مرفقاً صحياً من أصل 35 مرفقاً موجوداً فيها23بحسب مختبر المدن بيروت. ولم يكن استهداف المرافق الصحية مجرّد ضرر جانبي للحرب، بل كان جزءاً من نمط أوسع من العنف المباشر، الذي هدف إلى خلق بيئة مستمرة من الخوف والاضطراب حول مؤسسات يُفترض أن تظلّ آمنة ومحايدة، وإلى تدمير البنى القادرة على الإسعاف وإنقاذ من تمّت إصابتهم خلال القصف، ممّا ساهم بجعل أي إصابة في الحرب، قاتلة. فالخطر لم يكمن فقط في الضربات المباشرة التي ألحقت الضرر بالمباني والمعدات، بل أيضاً في التهديد الدائم الذي جعل من تقديم الرعاية الصحية مهمة محفوفة بالمخاطر، سواء على الطواقم الطبية أو المرضى. ومع الوقت، تحوّلت هذه المؤسسات من أماكن للحماية والعلاج إلى نقاط توتر فقدت دورها الحيوي في المجتمع من جهة، ونقاط مقاومة وصمود لدعم الأهالي والمصابين. وقد كان هذا الواقع جلياً في قرار وزارة الصحة اللبنانية الصادر في 28 أيلول 2024، أي بعد يوم واحد فقط من بدء القصف المكثّف على الضاحية الجنوبية، حيث أعلنت الوزارة نيتها إخلاء مستشفيات المنطقة نتيجة تصاعد الغارات الجوية التي بلغت مستويات غير مسبوقة منذ حرب تموز 2006. ودعت الوزارة في بيان رسمي المستشفيات الواقعة في بيروت وجبل لبنان والمناطق الأقل تضرراً إلى وقف استقبال الحالات غير الطارئة، بهدف تأمين القدرة الاستيعابية للمرضى الذين سيتم نقلهم من مستشفيات الضاحية. يعكس هذا القرار كيف يمكن للتهديد المستمر، حتى دون استهداف مباشر، أن يعطّل النظام الصحي ويدفعه إلى اتخاذ إجراءات طارئة تمسّ قدرة السكان على الحصول على الرعاية في لحظة حرجة.
ب- تأثير الحرب على أسواق بيروت الجنوبية
تضمّ الضاحية عددًا كبيرًا من الأسواق المتنوّعة التي تنتشر داخل الأحياء، حتى تتقاطع الشوارع التجارية مع الأحياء السكنية. وتُعدّ هذه الأسواق شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي، ومقصدًا رئيسيًا للسكان من داخل الضاحية وخارجها، إذ توفّر حاجات أساسية وكماليات بأسعار تراعي التفاوت في القدرة الشرائية، وتُعدّ فضاءات للتفاعل اليومي وتعزيز الترابط الاجتماعي. ومع القصف المتواصل من 27 أيلول حتى 27 تشرين الثاني 2024 ، كانت هذه الشرايين الحيوية في قلب الاستهدافات، إذ أصاب القصف عددًا كبيرًا من الأسواق ، فدمّر محالًا، وأغلق أخرى، وحوّل مناطق تجارية مكتظة بالحيوية إلى ركام. هذا الإغلاق القسري والانقطاع شبه الكامل للنشاط التجاري الذي استمرّ لشهرين، أدى إلى شلل اقتصادي واجتماعي واسع، لم تنحصر خسارته في البضائع ورأس مال التجار فقط. وعلى الرغم من عدم وجود أرقام رسميّة عن عدد المحال التي تضرّرت في الضاحية، يُشير سليم ضيا نقيب أصحاب المحلات والمؤسّسات التجارية في الضاحية وجبل لبنان إلى أنّ هناك أضرارًا كبيرة أصابت الأسواق الرئيسيّة ولاسيّما الأسواق التابعة لحارة حريك حيث تضرّر، بحسبه، 80% من المحال جزئيًّا وأكثر من 30% كليًّا24أسواق الضاحية تعيد تشكيل نفسها وسط الدمار: عن اقتصاد يساند بعضه.
في قراءة الخريطة الاجتماعية التي أنتجناها للشياح، تبيّن تضرّر ثلاثة من أبرز الأسواق الشعبية – سوق الجمّال، وسوق الشياح الشعبي، وسوق البالة – جرّاء غارات في 14 و16 و22 تشرين الثاني 2024. هذه الأسواق التي تشكّلت عبر عقود كوجهات منخفضة الكلفة ومساحات للتفاعل الاجتماعي – الاقتصادي، لم يكن تدمير أجزاء منها خسارة مادية فقط، بل تفكّكًا لشبكات العلاقات اليومية. فسوق الجمّال، أحد أشهر الأسواق الشعبية في لبنان، تتداخل فيه محالّ الثياب والمجوهرات والعطور والملابس الداخلية؛ وسوق الخضار الشعبي المسقوف بالتنك، الذي يُعدّ الأرخص في المنطقة ويُباع فيه كل شيء من الخضار إلى الدجاج والأسماك؛ وسوق البالة الذي يضمّ أكثر من عشرين محلًا للملابس والأحذية المستعملة ويُعدّ مقصدًا لذوي الدخل المحدود؛ جميعها توقّف نبضها التجاري والاجتماعي بشكل مفاجئ. أما سوق معوّض، أو “فردان الضاحية” الذي يضم أكثر من 140 محلًا يمتدّ على ٣٦٥ متر، فقد كان قد تدمّر وتعرّص للاستهداف لأكثر من مرّة تاريخياً25تعرض لانفجار ضخم في العام 1980 أدى الى تدمير قسم كبير منه، وفي العام 1984 تعرض مرة اخرى لتدمير مبرمج أدى إلى توقف الحركة التجارية بشكل كامل، وفي حرب 2006، استهدف المربع الاقتصادي في ضاحية بيروت الجنوبية وأدّى إلى تدمير السوق بشكل شبه كامل، وتعرّض في الحرب الأخيرة لأكثر من خمس ضربات متفاوتة التأثير. ورغم غياب التعويضات، بدأ تجّاره فور وقف إطلاق النار بإزالة الركام وإعادة فتح محالهم.
في حارة حريك، تعرّض سوق الجملة أو “السوق الصيني”26هو سوق الجملة الوحيد في الضاحية وهو سوق أساسي يقصده التجّار من الضاحية وخارجها لأكثر من 16 ضربة دمّرته بالكامل. اختفت مكتبة شنغهاي27مكتبة مشهورة في المنطقة، يتجاوز عمرها 20 عاماً، ويقصدها طلاب الأحياء المجاورة لطباعة الأوراق وشراء القرطاسية والكتب المدرسية. ومحلات البضائع الصينية، وتحوّل الحي إلى ركام حتّى أصبح بالكاد يُعرف. تضرّر أيضًا سوق بئر العبد بأقسامه الثلاثة: الذهب، الملابس، والخضار؛ بأكثر من 13 ضربة استهدفت مباني على الشارع العام أو الشوارع الفرعية وأدّت إلى تدمير بنى كاملة كانت تشكّل مركزًا اقتصاديًا داخليًا لسكان الحيّ. أمّا شارع حارة حريك الرئيسي، والذي يُعدّ شارعًا تجاريًا بامتياز، يعجّ بالمحال التجارية، فقد تعرّضت حوالي سبع مبانٍ فيه لقصف عنيف، وتوزّع الاستهداف على عدّة أيام: 10، 19، و21 تشرين الأول، بالإضافة إلى 1 و12 تشرين الثاني 2024. وقد شملت أماكن القصف محالًا متنوعة، بينها مستودعات غذائية وموتورات ومحلات صرافة وعيادات إلخ.
وفي برج البراجنة، بقي سوق عين السكة – وهو السوق الرئيسي في المنطقة وأحد أرخص أسواق الضاحية وأكثرها امتدادًا – أقلّ تضررًا رغم غارتين استهدفتا مبنيين عند أطرافه في 20 تشرين الأول و26 تشرين الثاني. يمتدّ السوق على نحو كيلومترين ويضمّ حوالي 300 محل تجاري، ويعود تاريخه إلى مرحلة اللجوء الفلسطيني عام 1948 حين تحوّل الشارع إلى مركز تجاري يخدم المخيّم والمحيط. ورغم القصف، بقي القسم الشمالي الذي يضم سوق الخضار مفتوحًا جزئيًا لتأمين احتياجات السكان، فيما أُغلقت غالبية المحال نحو شهرين. ومع وقف إطلاق النار، أُصلحت الأضرار البسيطة سريعًا، وعاد السوق ليفتح أبوابه فورًا، فشهد ازدحامًا كثيفًا نتيجة اعتماده من عشرات الآلاف من سكّان البرج والمخيّم والنازحين من الجنوب.
ج – تأثير الحرب على المجمّعات السكنية في الضاحية
إلى جانب المرافق الصحية والتعليمية والأسواق، كانت المجمعات السكنية الكبيرة والمباني المتجاورة هدفًا واضحًا للغارات. فقد طال القصف أكثر من 16 مجمّعًا سكنيًا في مختلف أحياء الضاحية، ما أسفر عن دمار واسع وتضرّر عدد كبير من الشقق والمنازل. بالنتيجة لم تفقد الأسر فقط مساكنها، بل تعطّلت الروابط الاجتماعية والجوار اليومي، إذ انفصل الجيران وتهجّر كلّ منهم إلى منطقة أو حيّ أو مبنى مختلف.
من بين هذه المجمّعات، كان مجمّع السلام في السانت تيريز أول المجمعات المستهدفة بعد تهديد من الاحتلال سبق استهدافه بفترة قصيرة في 27 أيلول 2024. كان المجمّع يتألف من أربعة مبانٍ متلاصقة، تضمّ طوابقها الأرضية عددًا من المحال التجارية، وأسفر القصف عن تدميره بالكامل. كما طالت الضربات المباني المجاورة، حيث استمر احتراق أحدها لأيام قبل انهياره، ما أدى إلى نشوب حريق في مبنى آخر مجاور أصبح بدوره غير صالح للسكن.
بعده، قصف الاحتلال أبراج الشياح، المجمّع السكني الحديث بين الشياح وحارة حريك في المنطقة المعروفة بغاليري سمعان، في الشارع الخلفي لكادو غملوش. استهدفت ثلاثة من مبانيه في 2 تشرين الأول 2024، ما أدّى إلى تدميرها بالكامل، دون أي إنذار مسبق من المتحدث باسم جيش الاحتلال.
وفي حارة حريك، ولهدف اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، شملت الضربات كتلة سكنية من ستة مبانٍ تقع بين حارة حريك والغبيري، تعرّضت في 27 أيلول 2024 لعشر ضربات متتالية. تدمّرت المباني بالكامل، وتصدّعت الأبنية المجاورة، ما منع سكانها من العودة إليها. كما أصابت الغارات الشوارع المحيطة، حيث انفجرت أنابيب المياه، وتقطّعت خطوط الكهرباء والهاتف، وتطاير الإسفلت. أطلقت القوات الإسرائيلية على العملية اسم “النظام الجديد”، واستخدمت فيها قنابل شديدة التدمير يزيد وزنها عن 80 ألف طن.
كما استهدفت الضربات كتلة سكنية أخرى تضمّ خمسة مبانٍ قديمة ومتوسطة الارتفاع في حارة حريك، تقع على شارع واحد من الموقع الذي تعرّض فيه السيد حسن نصر الله للاغتيال. وقد أدّت الغارات إلى تدمير المباني جزئيًا أو كليًا، مع أضرار في البنى المجاورة، ما جعل العودة للسكن فيها مستحيلة.
إن الأمثلة المذكورة للمجمّعات السكنية تمثّل نموذجًا مصغّرًا للمشهد الأوسع في الضاحية الجنوبية، التي دمّر الاحتلال الإسرائيلي أو ضرّر فيها مبانٍ ومجمّعات سكنية كبيرة كانت تستوعب آلاف الأسر والسكان، بشققها المنفردة وأقسامها المشتركة وبنيتها التحتية وروابطها الاجتماعية. وقد أدّى هذا الاستهداف إلى تهجير السكان وتشتيتهم في مناطق مختلفة، ضمن ظروف إيواء مؤقتة غالباً ما لا تلبّي احتياجاتهم الأساسية، وسط غياب أي وضوح حول موعد أو إمكانية عودتهم إلى منازلهم وبيئاتهم العمرانية والاجتماعية الأصلية.
نحو عدالة عمرانية في مواجهة “قتل المدينة”
إن قراءة ما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت يكشف تجاوز العدوان الإسرائيلي الخسائر المادية الناتجة عن القصف، إلى عنف يستهدف البنية الاجتماعية والعمرانية للمدينة بشكل مباشر. إن تدمير المدارس والمستشفيات وأماكن اللقاء العام لم يكن مجرد أثراً جانبياً للعمليات العسكرية، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تفكيك النسيج الحضري وتهجير السكان، بما يتجاوز الهدف العسكري المادي المباشر إلى تدمير الروابط المجتمعية. ما وثّقناه من استهداف لمراكز الحياة اليومية، من الأسواق والمجمعات السكنية إلى المرافق الصحية والتعليمية، يؤكد أن «قتل المدينة» ليس مجرد مفهوم نظري، بل هو سياسة حرب تُمارَس على الأرض.
في مواجهة هذا الواقع، تبرز أهمية المبادرات البحثية والمجتمعية التي حاولت سد الفجوة المعرفية من خلال التوثيق ورسم الخرائط، ليس فقط لتعداد الأضرار، بل لسرد حكايا الأمكنة. فمن خلال اللقاءات مع السكان وقصصهم وغيرها، تمكنّا من رؤية أن الأماكن التي دُمّرت ليست مجرد مبانٍ، بل هي حاضنة لذاكرة جماعية، وعلاقات اجتماعية، وأنماط عيش تُشكّل هوية هذه الأحياء. إن توثيق هذه الروايات وإبرازها هو شكل من أشكال المقاومة التي تمنع محو الذاكرة، وتؤكّد على الحق في المدينة، حتى في ظلّ الدمار.
وهو ما يضعنا أمام سؤال جوهري: هل ستُختزل عملية إعادة البناء بترميم الحجر والبنى التحتية، أم سيتحوّل الدمار إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة مفهوم الحق في المدينة، ليصبح واقعاً ملموساً يُبنى على أسس العدالة المكانية؟
المراجع:
- 1Martin Coward, The Politics of Urban Destruction, 2009 Fernando Mena, Urbicide, or the City’s Liturgical Death, 2018
- 2محمد كزما، الضاحية أيام زمان
- 3المصدر السابق نفسه
- 4بحسب ما ذُكر عن منى فواز في مقال لماري-جوزيه القزي تحت عنوان «الضاحية الجنوبية: بيوت “المحرومين” التي بنيت في بساتين الليمون»، بي بي سي نيوز عربي
- 5المصدر السابق نفسه
- 6Yassin, Nasser (2010) : Violent urbanization and homogenization of space and place: Reconstructing the story of sectarian violence in Beirut, WIDER Working Paper, No. 2010/18, ISBN 978-92-9230-253-5, The United Nations University World Institute for Development Economics Research (UNU-WIDER), Helsinki
- 7عبير سقسوق، من هي بيروت؟ ، مجلة أشغال عامة
- 8بحسب الاقتصادي سامي زغيب في مداخلة خلال الاجتماع السادس من اللقاءات الدورية المفتوحة التي ينظمها استوديو أشغال عامة عن التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب والذي كان عنوانها “استعادة أسواق بيروت الجنوبية”
- 9حيّ الزهراء، شواطئ الجناح، الأوزاعي، حرش القتيل، حرش تابت، رمل العالي، برج البراجنة، مخيّم برج البراجنة، حيّ السلم-العمروسية، الليلكي، حيّ عرسال، والحيّ الغربي
- 10بحسب الاقتصادي سامي زغيب في مداخلة خلال الاجتماع السادس من اللقاءات الدورية المفتوحة التي ينظمها استوديو أشغال عامة عن التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب والذي كان عنوانها “استعادة أسواق بيروت الجنوبية”
- 11المصدر السابق نفسه
- 12شمل ذلك متابعة يومية لوسائل الإعلام المحلية، سواء عبر نشراتها الإخبارية أو منصّاتها الرقمية، إلى جانب المعلومات التي قدّمها المراسلون الميدانيون وغيرهم من الشهود. كما تم تتبّع حساب المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي على منصة “إكس”، لرصد أي تهديدات بالإخلاء أو إنذارات مسبقة، ومن ثم متابعة ما إذا كانت المباني المُشار إليها قد تعرّضت فعلاً للقصف. تمّ تسجيل معطيات دقيقة لكل ضربة، منها الموقع الجغرافي، نوع استخدام المبنى ، مدى الضرر، وجود إنذار مسبق، حالة إشغال المبنى لحظة القصف، وعدد الضحايا إن وُجد. وقد خضعت جميع المعلومات لعملية تحقّق من مصادر متعدّدة بهدف ضمان الدقة والموثوقية في عملية التوثيق.
- 13بالتعاون مع مختبر المدن بيروت
- 148 تشرين الأول 2023 حتّى اليوم
- 15صالح العاروري واثنين من قادة كتائب القسام
- 16اغتيال فؤاد شكر
- 17إغتيال إبراهيم عقيل، علي كركي، وإبراهيم قبيسي
- 18بحسب تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية تحت عنوان «العدوان الإسرائيلي على لبنان 2023-2024، تقرير موجز حول الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار القطاعية»
- 19في 28 آذار 2025 وفي 1 و27 نيسان 2025، و 5 حزيران 2025، و23 تشرين الثاني 2025
- 20المعدّل هو بحسب مختبر المدن بيروت
- 21بحسب إحصاءات غير نهائية لمؤسسة «جهاد البناء»
- 22142 ضربة من أصل 279 ضربة معلنة حتّى تاريخ وقف إطلاق النار أي 27 تشرين الثاني 2024
- 23بحسب مختبر المدن بيروت
- 24
- 25تعرض لانفجار ضخم في العام 1980 أدى الى تدمير قسم كبير منه، وفي العام 1984 تعرض مرة اخرى لتدمير مبرمج أدى إلى توقف الحركة التجارية بشكل كامل، وفي حرب 2006، استهدف المربع الاقتصادي في ضاحية بيروت الجنوبية وأدّى إلى تدمير السوق بشكل شبه كامل
- 26هو سوق الجملة الوحيد في الضاحية وهو سوق أساسي يقصده التجّار من الضاحية وخارجها
- 27مكتبة مشهورة في المنطقة، يتجاوز عمرها 20 عاماً، ويقصدها طلاب الأحياء المجاورة لطباعة الأوراق وشراء القرطاسية والكتب المدرسية.