محدودية دور الدولة في إعادة الإعمار واستسلامها لخطاب العجز

بحث وكتابة: كريستينا أبوروفايل

في ظلّ الأزمة المتفاقمة التي يعيشها لبنان فيما يتعلّق بملف إعادة الإعمار، شاع خطاب يُبرّر حالة الشلل العام بحجج تتعلّق بعجز الخزينة وترهّل مؤسسات الدولة وعدم قدرة القطاع المصرفي على مجاراة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، داعياً إلى التعامل بواقعية مع حجم الأزمات الراهنة. غير أن هذا المنطق، القائم على التسليم بعجز الدولة، يشكّل في جوهره تخلّياً عن المسؤولية العامة وتكريساً لسياسة الانسحاب من الدور المطلوب. في المقابل، تفرض المرحلة الراهنة مقاربة مختلفة، تؤكّد أن تحمّل الدولة لمسؤوليتها لا يرتبط دائماً بتوافر الموارد المالية، بل بقدرتها على المبادرة والتوجيه واتخاذ الموقف. ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة تبنّي مواقف رسمية وعسكرية واضحة إزاء قضية إعادة الإعمار بشكلٍ عام وتعزيز الحضور الرسمي على الأرض في المناطق الجنوبية والحدودية بشكلٍ خاص.

في هذا السياق، واستكمالاً لرصد ومراقبة جهود التعافي بعد الحرب الإسرائيليّة على لبنان، والذي بدأ به “استديو أشغال عامة” مع إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، نقدّم في هذا المقال أبرز التطوّرات الحاصلة على صعيد سياسات إعادة الإعمار من تاريخ 15 تموز لغاية 5 تشرين الثاني 2025. فبعد جمودٍ دام أشهر في ملف إعادة الإعمار وبطءٍ شديد في الانطلاق الفعلي للعملية، ومع بدء تدفّق الأموال المخصّصة لهذه الغاية على شكل قروض ولو بشكلٍ ضئيل لا يُغطي سوى كلفة محدودة من الحاجات الفعلية، شهدنا في الفترة الأخيرة تحركاً بسيطاً في الملف. بعد نحو عام على وقف إطلاق النار، اقتصر التحرك الرسمي على إصدار قانون جزئي في حزيران 2025 لإعفاء المتضررين، دون أن يشكّل إطاراً شاملاً للتعافي. ورغم بروز مبادرات متفرّقة من وزارات ومؤسسات حكومية، لم تتبلور إلا مؤخراً ملامح استراتيجية وطنية للتعافي والإعمار وضعتها اللجنة الوزارية المختصة، تركّز على ثلاثة مسارات: النزوح والسكن، إعادة الإعمار، والتنمية الاجتماعية–الاقتصادية، مع رصد نصف مليار دولار كمرحلة أولى. إلا أنّ الاستراتيجية تبقى محدودة وقصيرة الأمد، تعتمد بشكلٍ أساسي على القروض والمنح الخارجية، ولا تشمل معالجة الأضرار البيئية أو إعادة إعمار القرى الحدودية الأكثر تضرراً، كما تفتقر لمشاركة المتضرّرات\ين في صنع القرار. وفي ظل غياب التنسيق بين المبادرات الحكومية، وضعف التمويل المحلي، تبقى جهود الدولة مجزّأة ومتأخرة، ما يعكس غياب رؤية وطنية شاملة ومستدامة لإعادة الإعمار. وهو ما سنعرضه بشكلٍ مفصل فيما يلي.

ما تحقّق في ملف إعادة الإعمار خلال العام الماضي

منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 وحتى اليوم، أي بعد مرور قرابة عام، لم تتحرك السلطات المعنية بالشكل الكافي ولم تنطلق فعلياً عملية إعادة الإعمار. وكان كل ما شهدناه هو صدور قانون في 30 حزيران، بعد مرور أكثر من 7 أشهر على وقف إطلاق النار، يرمي إلى إعفاء المتضرّرين الذي يضمّ مادة حول إعادة بناء المباني المدمرّة. ويُذكر أنّ هذا القانون يبقى قانوناً مجتزءاً إذ إنّه لم يُقدّم مقاربة شاملة لإعادة الإعمار والتعافي، ويبيّن عن قصور رسمي وتأخر في معالجة آثار الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

وفي وقتٍ سابق، بدأنا نشهد بعض التدخلات المتفرّقة على صعيد الحكومة أو الوزارات، على مثال التوجّهات الاستراتيجية لوزارة الزراعة التي تضع ضمن أولوياتها الإغاثة الطارئة للمزارعين المتضرّرين، وتقديم وزارة الشؤون الاجتماعية الدعم للعائلات المتضررة من الحرب انطلاقاً من اتفاق مع البنك الدولي على مساعدة بقيمة 200 مليون دولار لدعم برنامج أمان للأسر الأكثر فقراً بهدف توسعة التغطية لتشمل هذه العائلات. كما والحديث المستمرّ بين الحكومة والبنك الدولي حول قرض بقيمة 250 مليون دولار لرفع الأنقاض، وإعادة تأهيل البنى التحتية المتضرّرة (LEAP)، الذي لم يقرّ بعد في مجلس النواب، وقرض لتمويل مشروع التحوّل الأخضر في قطاع الأغذية الزراعية من أجل التعافي الاقتصادي بقيمة 200 مليون دولار (GATE) الذي تمّ إقراره بقانون والذي يستهدف بجزء منه المناطق المتضرّرة من الحرب. 

المستجدات في خطة الحكومة

لكن التطور الأساسي بهذا الصدد، هو انطلاق العمل على استراتيجية التعافي والإعمار التي طال انتظارها والتي بدأت حالياً تظهر بعض ملامحها والتي تعمل على تطويرها اللجنة الوزارية لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. تمّ تأسيس هذه اللجنة في آذار الماضي ولم تجتمع اللجنة سوى 3 مرات، آخرها في 25 آب 20251برئاسة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، وحضور وزراء: المالية ياسين جابر، الطاقة والمياه جوزيف الصدي، الشؤون الاجتماعية حنين السيد، الاتصالات شارل الحاج، الأشغال العامة والنقل فايز رسامني والبيئة تمارا الزين، الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي، رئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد قباني ورئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر.. وقد تبيّن خلال الاجتماع الأخير، أنّ الاستراتيجية التي تعتمدها للتعافي والإعمار تركّز على ثلاثة مسارات متوازية وهي النزوح، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتنمية الاجتماعية – الاقتصادية. وقد تمّ رصد حوالي نصف مليار دولار للمرحلة الأولى من إعادة الإعمار

فيما خصّ النزوح، تهدف الاستراتيجية إلى تعزيز صمود العائدين والنازحين اللبنانيين عبر مساعدات مالية تهدف لدعم سبل العيش وتأمين المأوى المؤقت، من خلال برنامج “النقد مقابل الإيجار”(cash for rent2 برنامج “النقد مقابل الإيجار” هو برنامج موّجه للعائلات الأكثر هشاشة وبالتالي ليس موّجه لكلّ العائلات النازحة. قيمة هذا البرنامج قيمته 10 مليون دولار لـ 10 ألاف عائلة لمدة 3 أشهر مع السعي إلى تأمين المبالغ إضافية.) الذي تطلقه وزارة الشؤون الاجتماعية في تشرين الأول 2025، ومن خلال ما خُصص من الموازنة العامة لصالح مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة لتدعيم المباني السكنية المتضررة3في هذا الصدد رصدنا 4 مراسيم نقل اعتماد من احتياطي الموازنة العامة إلى: ١)الهيئة العليا للإغاثة لتغطية تدابير خطة الطوارئ وأمور الإغاثة والأشغال المستعجلة وتأمين السلامة العامة بقيمة 200 مليار ليرة لبنانية. ٢)مجلس الجنوب لاستكمال ترميم المباني الرسمية والبنية التحتية المتضررة بعد تاريخ 8/10/2023 بقيمة 600 مليار ليرة لبنانية. ٣)مجلس الجنوب لاستكمال إعادة بناء وترميم البنية التحتية المتضررة وغيرها من الأشغال الملحة بقيمة ألف مليار ليرة لبنانية. ٤)مجلس الجنوب لزوم استكمال تنفيذ مشروع أشغال سراي النبطية الحكومي بقيمة 268 ملياراً و500 مليون ليرة لبنانية.، ومن خلال مواصلة وزارة الشؤون الاجتماعية تنفيذ برنامج “التحويلات النقدية4 يستهدف البرنامج 265 ألف فرد من اللبنانيين النازحين داخلياً والذي انطلق في تموز 2025 لفترة ستة أشهر، ريثما يتم دمجهم تدريجياً في برنامج “أمان”.” الذي سبق وذكرناه.

فيما خصّ إعادة الإعمار، تقوم الاستراتيجية على إطلاق إجراءات عاجلة لترميم البنى التحتية الأساسية، من خلال قرض LEAP5 يعتبر هذا القرض مبلغ تأسيسيّ لإنشاء صندوق لإعادة إعمار (صندوق تعافي لبنان (LRA)). الذي يشرف عليه مجلس الإنماء والإعمار والمنتظر إقراره من قبل مجلس النواب، وهو مخصّص لإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، واستعادة الخدمات الأساسية في المناطق المأهولة حصراً. كما ناقشت الحكومة خلال جلستها في 13 تشرين الثاني طلب مجلس الإنماء والإعمار تحويل اعتماد بقيمة 21 مليار ليرة لبنانية إلى موازنة لتمويل عقد الدراسة العائد لمشروع الدعم الطارئ للبنان (LEAP).

أمّا فيما خصّ التنمية الاجتماعية – الاقتصادية للمناطق المتضررة التي يتمّ إعدادها كمرحلة أولى من استراتيجية وطنية أشمل، فما تشمله حتى الآن هو عدداً من المشاريع الإنمائية تنفذها وكالات الأمم المتحدة بالتنسيق مع الوزارات المعنية ومجلس الإنماء والإعمار الذي يشرف على قرض GATE الذي ذكرناه سابقاً.

بالرغم من بدء تبلور خطة شاملة نسبياً لإعادة الإعمار والتي من المفترض أن تصدر لاحقاً من خلال مرسوم، فمن الواضح حتى الآن أنّ بعض بنودها مازال آنياً ولا يعتمد على مقاربة مستدامة وطويلة المدى كما هو الحال بالنسبة للمساعدات الاجتماعية المؤقتة (على 3 أو 6 أشهر). كما من الواضح أنّها لا تتعاطى مع معالجة الأضرار البيئية للحرب، وإعادة بناء الجزء الأكبر من المساكن المهدمة، كما أنّها لا تتناول مقاربة للبلدات الحدودية التي تعرّضت للإبادة بالأخصّ أنّ قرض ترميم البنى التحتية لا يشملها وغياب البنى التحتية الرئيسية للحياة هي ضمن العوامل الأساسية التي تمنع العودة. كما لا تتضمن اللجنة أي تمثيل لأصحاب الحقوق والمتضررين، ممّا كان ليعزّز الشفافية والمشاركة، بالتالي ونتيجةً لذلك ما زال الناس مبعدين ومغيّبين عن دوائر أخذ القرارات حيث يتم تحديد مصائرهم.

تمويل هذه الاستراتيجية

كما من الواضح أنّ تمويل هذه الاستراتيجية يعتمد على المنح والقروض بشكلٍ أساسي وليس على التمويل الداخلي إلّا بشكلٍ خجول وهو ما يظهر من خلال مشروع موازنة 2026،6يأتي مشروع موازنة 2026 خالياً من أيّ ذكر لمعالجة نتائج الحرب، ولم يرصد سوى 0.5% من الموازنة لإعادة الإعمار، ورفع الردم، والتعويض عن المتضررين من الحرب. وقد خصص 31 مليون دولار لإعادة الإعمار، 25 مليون منها لمجلس الجنوب و6 ملايين الهيئة العليا للإغاثة. مع العلم أنّه فيما عدا القروض المتّفق عليها حتى الآن7 حصلت الحكومة على 250 مليون دولار (LEAP) من أصل إطار سقفه مليار دولار من البنك الدولي مخصص حصراً للبنى التحتية والفوقية في الأملاك العامة وبشكل متدرج جغرافياً (بدءاً بالمناطق ذات التواجد السكاني الأكبر)، بالإضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية  و30 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، ومساعدات أخرى من العراق الذي سيقدم 20 مليون دولار. مع التأكيد على أنه لم يُصرف أي مبلغ حتى تاريخه، كونها لم تُصدق كقوانين في مجلس النواب، مازال التمويل الخارجي مشروطاً بتنفيذ خطوات مهمة بحصر السلاح.8 لهذا السبب تمّ تأجيل مؤتمر إعادة الإعمار التي تسعى الدولة إلى عقده منذ شهر نيسان الماضي، ويُفترض أن يُعقد في أواخر سنة 2025. وهو ما يعيد ويؤكد أنّ السلطة السياسية في لبنان، تتخلّى عن مسؤوليتها في إعادة الإعمار مع الاعتماد شبه الكامل على القروض والمنح لإطلاق أي مبادرة، وتضع الملف تحت رحمة الجهات المانحة الخارجية وأجنداتها والشروط السياسية التي ترافقها.

ففي ظلّ ما يصفه البعض بحصار مالي، أمني، واقتصادي على لبنان، هناك أيضا تخوّف من أن يؤدي الإدراج على “اللائحة السوداء” إلى زيادة صعوبة الحصول على التمويل الخارجي. كما أن لبنان يقع حالياً في موقع يجعله أقل جاذبية لهذا التمويل مقارنة بجيرانه (أي سوريا وغزة). فالاعتماد الحصري على القروض من الجهات الدولية الغربية المرتبطة بشروط قد يشكّل ابتزازاً يجب تخطّيه، إما بالبحث عن تمويل “شرقي” (مثل الصين أو إيران أو غيرها)، أو بالتوجه نحو التمويل السيادي الداخلي. وفي هذا الصدد، لبنان دولة “غنية” كونها تمتلك مصادر ضرائب غير مستغلة (كالشقق الشاغرة وأملاك الأوقاف والأملاك العامة البحرية)، وبالتالي هناك ضرورة لمراجعة النظام الضريبي ومعالجة التهرب الضريبي، مع الإقرار بأن هذا المسار ليس حلاً فورياً لعدم توفّر “رفاهية الوقت”.

إجراءات متفرقة أخرى

بشكلٍ منفصل عن هذه الاستراتيجية، اقترح مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة آلية الكشف على الأضرار وتحديد التعويضات. تضمّ المسودة 10 فقرات تبدأ بالكشف على الأضرار، مروراً بتحديد هوامش الاستفادة من الوحدة سواء كانت مؤجّرة أو مشغولة من صاحبها، وصولاً إلى تفسير طريقة الدفع للترميم وإعادة الإعمار9تقرّر تقسيم المساعدات إلى عدّة أجزاء: ١)للترميم يُدفع مبلغ بحدّ أدنى 112 دولاراً، يصل إلى حدّ أقصى قيمته 28 ألف دولار. تُصرف على شكل دفعة واحدة، بالإضافة إلى مساعدة عن أضرار الأثاث بقيمة 20% من قيمة مساعدة الترميم، تدفع لصاحب الأثاث. ٢) للهدم الكلّي تصل قيمة المساعدة إلى 67 ألف دولار لكلّ وحدة سكنية مدمّرة، وتُصرف على دفعتين متساويتين. وتحتسب قيمة المساعدة عن الوحدات غير السكنية بالأمتار بنحو 224 دولاراً للمتر المربع، على أن يكون الحدّ الأقصى للمساعدة هو 56 ألف دولار. ٣)للهدم الجزئي تُحتسب كلفة الجزء المهدوم للوحدة السكنية بقيمة 448 دولار للمتر المربع، و224 دولار للوحدة غير السكنية، ثمّ تحتسب كلفة الترميم للجزء المتبّقي من الوحدة، بحد أقصى يصل إلى 50 ألف دولار. ٤)للترميم الإنشائي للمباني التي يزيد ارتفاعها عن 3 طبقات، يُلّزم العمل إلى شركات متخصّصة بإشراف مكتب استشاري، وتُدفع كلفة التنفيذ من قبل مجلس الجنوب أو الهيئة العليا للإغاثة. ٥)لترميم الأقسام المشتركة (الدرج، بيت الدرج، المصعد والخزانات)، تًصرف المساعدة لجمعية المالكين بقيمة 168 دولار للمتر المربع، على ألّا تتعدّى قيمة المساعدة الإجمالية 56 ألف دولار ويطبّق ذلك أيضاً بالنسبة لترميم الأعمدة، والطوابق المهدّمة، والطوابق السفلية المتضرّرة.. لكن الحكومة لم تقرّها بعد ولم ترصد لها الأموال، ولم تضمّها حتى الآن لاستراتيجيتها لإعادة الإعمار، بالرغم من كونها جزءاً لا يتجزّأ منها. وقد عاد مجلس الوزراء خلال جلسته في 29 تشرين الأوّل وكلّف اللجنة الوزارية المختصة لإعادة النظر بآلية التعويض عن الأضرار التي تسبّب بها العدوان الإسرائيلي كما وتلك التي نتجت عن تفجير مرفأ بيروت، خلال مهلة أقصاها أسبوعين.

وبشكلٍ منفصل أيضاً عن استراتيجية الحكومة، أصدرت وزارة البيئة دليلاً تنفيذياً للتخطيط المستدام لاستخدام الأراضي بعد الحرب.10 أعدّ الدليل سرج يازجي وروان حيدر (Yazigi Atelier)، بتمويلٍ من مرفق البيئة العالمي Global Environment Facility GEF وتنفيذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وقد أُطلق في 3 أيلول بتنظيم وزارة البيئة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمديرية العامة للتنظيم المدني (DGU). يقترح الدليل اعتماد المخططات التوجيهية العامّة، كأداة محورية لتوحيد الجهود المبعثرة أثناء إعادة الإعمار، ضمن مبادئ أساسيّة توجيهيّة11وهي: 1. تجنّب الإعمار المجزّأ قصير الأجل؛ 2. حماية التراث والموارد الطبيعية من الاستغلال والتدهور؛ 3. تعزيز صمود المجتمعات والحوكمة التشاركية؛ 4. تقليل المخاطر المستقبلية (مثل الكوارث والنزاعات)؛ 5. وضمان الإنصاف في الوصول إلى الأرض والمسكن والخدمات بما يحقّق العدالة المكانية.. يتوجّه الدليل بالدرجة الأولى إلى السلطات المحلية، وقد جرى اختباره في مشروعين تجريبيين في جنوب لبنان في بلدتي الخيام والعديسة. على الرغم من أهمية هذا التقرير فهو يبقى حتى الآن في الإطار النظري، وليس من الواضح الارتباط بين الإطار المحلي المقترح في هذا التقرير، وبين استراتيجية إعادة الإعمار المعتمدة من الحكومة على الصعيد الوطني، أو بين قانون إعادة الإعمار الذي، وبشكلٍ إجمالي، يعيد بناء المباني المدمرة كما كانت.

وأخيراً لا بدّ من ذكر بعض المراسيم، القوانين أو الاقتراحات المتفرقة المتعلّقة بإعادة الإعمار والتعافي، وغير المتّصلة أيضاً بالاستراتيجية المقترحة من مجلس الوزراء أو برؤية شاملة لإعادة الإعمار، ومن ضمنها منح عينية من منظمات دولية12منظمة العمل ضد الجوع واللجنة الدولية للصليب الأحمر لصالح مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، جمعية Medair ومنظمة Solidarites Internationales-SI ومنظمة Solidarity لصالح مؤسسة مياه البقاع لصيانة13 وهي عبارة عن تقديم مولدات، صيانة كهربائية، استبدال خط نقل مياه، صيانة مولدات، إعادة تأهيل البنى التحتية والكهربائية، قديم قطع ولوازم. البنى التحتية المتضررة الخاصة بمصلحة مياه البقاع ولبنان الجنوبي. 

كما نذكر اقتراح قانون قدّمه النائب قاسم هاشم لتعديل قانون الإعمار14(المادة 12 من القانون رقم 22 تاريخ 11/7/2025 منح المتضررين من الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان بعض الإعفاءات من الضرائب والرسوم وتعليق المهل المتعلّقة بالحقوق والواجبات الضريبية ومعالجة أوضاع وحدات العقارات أو أقسامها المهدمة) مضيفاً ضرورة أن تراعي التراخيص في إعادة البناء المعايير الدامجة المتعلقة باحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد عُدّل القانون أيضاً ليشمل أقضية محدّدة فقط (بنت جبيل، صور، مرجعيون، وحاصبيا). وفي سياق تنفيذه، تمّ تمديده بشكلٍ غير رسمي إلى قضاء جزّين الأقل تضرّراً، فيما استُثنيت مناطق أكثر تضرراً مثل النبطية. وقد أدّى هذا التمييز إلى اضطرار كثير من المتضرّرين جزئياً إلى دفع الرسوم، ما زاد من شعور الأهالي بالظلم وعمّق أعباءهم الاقتصادية. ورغم أن القانون ينص على إعفاء المتضررين من فواتير الكهرباء، لا يزال أصحاب البيوت المدمرة في الجنوب يتلقون الفواتير بسبب غياب مرسوم تنفيذي. كذلك، بالنسبة لإعفاء الأشخاص اللواتي والذين تضرّرت سياراتهم من رسوم السير عن عامي 2023 و2024، وإعفاء الذين يريدون شراء سيارة جديدة، من رسم الجمارك والتسجيل، حيث لا تزال الوزارات المعنية رافضة لتطبيق الإعفاءات. وهو ما يبيّن الاشكاليات العديدة في تنفيذ هذا القانون فيما يتعلّق بالإعفاء، مع العلم أنّ إشكاليته بشأن إعادة بناء المباني لم تظهر بعد، كون عملية البناء لم تبدأ. 

وفي سياقٍ موازنٍ لعمل الحكومة وخططها، عقد رئيس مجلس النواب لقاءً في الرادار في المصيلح بتاريخ 4 تشرين الثاني بحضور عدد من الوزراء والنواب ورؤساء اتحادات بلديات المنطقة والمحافظين وممثلين عن منسقية الأمم المتحدة والجيش اللبناني، وغيرهم من الجهات الرسمية15 حضر اللقاء وزراء المال، الصحة، والبيئة، نواب من كتلتي التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة، محافظ صيدا، محافظ النبطية، نائب قائد قوات اليونيفيل، ممثل قائد الجيش، رئيس مجلس الجنوب، نائب رئيس الإنماء والإعمار، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون إعادة الإعمار، مستشار رئيس مجلس النواب، عضو هيئة الرئاسة في حركة أمل، مسؤول البلديات المركزي في حركة أمل، مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان، نقيب المهندسين، مدير عام التنظيم المدني، ممثل مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، رئيس اتحاد بلديات الشقيف، رئيس اتحاد بلديات ساحل الزهراني، رئيس اتحاد بلديات إقليم التفاح، رئيس اتحاد بلديات جبل الريحان، رئيس اتحاد بلديات السهل، رئيس اتحاد بلديات قلعة الاستقلال، رئيس اتحاد بلديات جبل الشيخ، رئيس اتحاد بلديات الحاصباني، رئيس اتحاد بلديات جبل عامل، رئيس اتحاد بلديات صيدا، نائب رئيس اتحاد بلديات صور، رئيس اتحاد بلديات القلعة، رئيس اتحاد بلديات بنت جبيل، رئيس اتحاد بلديات جزين ورئيس اتحاد بلديات العرقوب.. هدف اللقاء إلى جعل ملف إعادة الإعمار في مقدمة اهتمامات الدولة اللبنانية خلال المرحلة المقبلة. وقد نتج عنه عدد من التوصيات.

خاتمة

أخيراً، على الرغم تكرار خطاب التزام الحكومة بإعادة الإعمار والتعافي بعد العدوان الإسرائيلي، وبالرغم من ظهور ملامح لخطة شاملة، تظل جهودها متأخرة، محدودة ومجتزأة ومبعثرة، تعتمد بشكل شبه كامل على القروض والمنح الخارجية، فيما التمويل المحلي غير كافٍ. وهو ما يبيّن محدودية السياسات الرسمية وغياب رؤية شاملة وفعّالة وطويلة المدى لعملية التعافي، في استسلام كامل لسردية عجز الدولة عن القيام بدورها. 

المراجع:

  • 1
    برئاسة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، وحضور وزراء: المالية ياسين جابر، الطاقة والمياه جوزيف الصدي، الشؤون الاجتماعية حنين السيد، الاتصالات شارل الحاج، الأشغال العامة والنقل فايز رسامني والبيئة تمارا الزين، الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي، رئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد قباني ورئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر.
  • 2
     برنامج “النقد مقابل الإيجار” هو برنامج موّجه للعائلات الأكثر هشاشة وبالتالي ليس موّجه لكلّ العائلات النازحة. قيمة هذا البرنامج قيمته 10 مليون دولار لـ 10 ألاف عائلة لمدة 3 أشهر مع السعي إلى تأمين المبالغ إضافية.
  • 3
    في هذا الصدد رصدنا 4 مراسيم نقل اعتماد من احتياطي الموازنة العامة إلى: ١)الهيئة العليا للإغاثة لتغطية تدابير خطة الطوارئ وأمور الإغاثة والأشغال المستعجلة وتأمين السلامة العامة بقيمة 200 مليار ليرة لبنانية. ٢)مجلس الجنوب لاستكمال ترميم المباني الرسمية والبنية التحتية المتضررة بعد تاريخ 8/10/2023 بقيمة 600 مليار ليرة لبنانية. ٣)مجلس الجنوب لاستكمال إعادة بناء وترميم البنية التحتية المتضررة وغيرها من الأشغال الملحة بقيمة ألف مليار ليرة لبنانية. ٤)مجلس الجنوب لزوم استكمال تنفيذ مشروع أشغال سراي النبطية الحكومي بقيمة 268 ملياراً و500 مليون ليرة لبنانية.
  • 4
     يستهدف البرنامج 265 ألف فرد من اللبنانيين النازحين داخلياً والذي انطلق في تموز 2025 لفترة ستة أشهر، ريثما يتم دمجهم تدريجياً في برنامج “أمان”.
  • 5
  • 6
    يأتي مشروع موازنة 2026 خالياً من أيّ ذكر لمعالجة نتائج الحرب، ولم يرصد سوى 0.5% من الموازنة لإعادة الإعمار، ورفع الردم، والتعويض عن المتضررين من الحرب. وقد خصص 31 مليون دولار لإعادة الإعمار، 25 مليون منها لمجلس الجنوب و6 ملايين الهيئة العليا للإغاثة.
  • 7
     حصلت الحكومة على 250 مليون دولار (LEAP) من أصل إطار سقفه مليار دولار من البنك الدولي مخصص حصراً للبنى التحتية والفوقية في الأملاك العامة وبشكل متدرج جغرافياً (بدءاً بالمناطق ذات التواجد السكاني الأكبر)، بالإضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية  و30 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، ومساعدات أخرى من العراق الذي سيقدم 20 مليون دولار. مع التأكيد على أنه لم يُصرف أي مبلغ حتى تاريخه، كونها لم تُصدق كقوانين في مجلس النواب
  • 8
     لهذا السبب تمّ تأجيل مؤتمر إعادة الإعمار التي تسعى الدولة إلى عقده منذ شهر نيسان الماضي، ويُفترض أن يُعقد في أواخر سنة 2025.
  • 9
    تقرّر تقسيم المساعدات إلى عدّة أجزاء: ١)للترميم يُدفع مبلغ بحدّ أدنى 112 دولاراً، يصل إلى حدّ أقصى قيمته 28 ألف دولار. تُصرف على شكل دفعة واحدة، بالإضافة إلى مساعدة عن أضرار الأثاث بقيمة 20% من قيمة مساعدة الترميم، تدفع لصاحب الأثاث. ٢) للهدم الكلّي تصل قيمة المساعدة إلى 67 ألف دولار لكلّ وحدة سكنية مدمّرة، وتُصرف على دفعتين متساويتين. وتحتسب قيمة المساعدة عن الوحدات غير السكنية بالأمتار بنحو 224 دولاراً للمتر المربع، على أن يكون الحدّ الأقصى للمساعدة هو 56 ألف دولار. ٣)للهدم الجزئي تُحتسب كلفة الجزء المهدوم للوحدة السكنية بقيمة 448 دولار للمتر المربع، و224 دولار للوحدة غير السكنية، ثمّ تحتسب كلفة الترميم للجزء المتبّقي من الوحدة، بحد أقصى يصل إلى 50 ألف دولار. ٤)للترميم الإنشائي للمباني التي يزيد ارتفاعها عن 3 طبقات، يُلّزم العمل إلى شركات متخصّصة بإشراف مكتب استشاري، وتُدفع كلفة التنفيذ من قبل مجلس الجنوب أو الهيئة العليا للإغاثة. ٥)لترميم الأقسام المشتركة (الدرج، بيت الدرج، المصعد والخزانات)، تًصرف المساعدة لجمعية المالكين بقيمة 168 دولار للمتر المربع، على ألّا تتعدّى قيمة المساعدة الإجمالية 56 ألف دولار ويطبّق ذلك أيضاً بالنسبة لترميم الأعمدة، والطوابق المهدّمة، والطوابق السفلية المتضرّرة.
  • 10
     أعدّ الدليل سرج يازجي وروان حيدر (Yazigi Atelier)، بتمويلٍ من مرفق البيئة العالمي Global Environment Facility GEF وتنفيذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وقد أُطلق في 3 أيلول بتنظيم وزارة البيئة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمديرية العامة للتنظيم المدني (DGU).
  • 11
    وهي: 1. تجنّب الإعمار المجزّأ قصير الأجل؛ 2. حماية التراث والموارد الطبيعية من الاستغلال والتدهور؛ 3. تعزيز صمود المجتمعات والحوكمة التشاركية؛ 4. تقليل المخاطر المستقبلية (مثل الكوارث والنزاعات)؛ 5. وضمان الإنصاف في الوصول إلى الأرض والمسكن والخدمات بما يحقّق العدالة المكانية.
  • 12
    منظمة العمل ضد الجوع واللجنة الدولية للصليب الأحمر لصالح مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، جمعية Medair ومنظمة Solidarites Internationales-SI ومنظمة Solidarity لصالح مؤسسة مياه البقاع
  • 13
     وهي عبارة عن تقديم مولدات، صيانة كهربائية، استبدال خط نقل مياه، صيانة مولدات، إعادة تأهيل البنى التحتية والكهربائية، قديم قطع ولوازم.
  • 14
    (المادة 12 من القانون رقم 22 تاريخ 11/7/2025 منح المتضررين من الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان بعض الإعفاءات من الضرائب والرسوم وتعليق المهل المتعلّقة بالحقوق والواجبات الضريبية ومعالجة أوضاع وحدات العقارات أو أقسامها المهدمة)
  • 15
     حضر اللقاء وزراء المال، الصحة، والبيئة، نواب من كتلتي التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة، محافظ صيدا، محافظ النبطية، نائب قائد قوات اليونيفيل، ممثل قائد الجيش، رئيس مجلس الجنوب، نائب رئيس الإنماء والإعمار، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون إعادة الإعمار، مستشار رئيس مجلس النواب، عضو هيئة الرئاسة في حركة أمل، مسؤول البلديات المركزي في حركة أمل، مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان، نقيب المهندسين، مدير عام التنظيم المدني، ممثل مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، رئيس اتحاد بلديات الشقيف، رئيس اتحاد بلديات ساحل الزهراني، رئيس اتحاد بلديات إقليم التفاح، رئيس اتحاد بلديات جبل الريحان، رئيس اتحاد بلديات السهل، رئيس اتحاد بلديات قلعة الاستقلال، رئيس اتحاد بلديات جبل الشيخ، رئيس اتحاد بلديات الحاصباني، رئيس اتحاد بلديات جبل عامل، رئيس اتحاد بلديات صيدا، نائب رئيس اتحاد بلديات صور، رئيس اتحاد بلديات القلعة، رئيس اتحاد بلديات بنت جبيل، رئيس اتحاد بلديات جزين ورئيس اتحاد بلديات العرقوب.
إدارة الأراضي والتنظيم المدني الحوكمة الحضرية لبنان
 
 
 

قانون الإعفاءات وإعادة إعمار المباني: لا بديل عن خطة وطنية شاملة

بعد مرور أكثر من 7 أشهر على وقف إطلاق النار في لبنان، أقرّ مجلس النواب في جلسته في 30/6/2025 أوّل تشريع متعلّق بإعادة الإعمار على إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان. رغم التطوّر الذي ...

النائب قاسم هاشم يطرح تعديلاً لقانون الإعمار لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة:

خطوة إيجابية بحاجة للمتابعة والاستكمال

في أعقاب حملة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً، قدم النائب قاسم هاشم مقترحاً لتعديل القانون رقم 22 لإدماج حق الأشخاص ذوي الإعاقة. في الوقت الحالي، من المهم الضغط بشكل جماعي من أجل الموافقة ...

بين إزالة الركام وأسمنت إعادة الإعمار: 

هل تُستَكمل الابادة البيئية الإسرائيلية في لبنان؟

في أعقاب الاعتداءات الإسرائيلية، يعاني لبنان من دمارٍ مادي وبيئي واسع النطاق. يركّز هذا التقرير على جهود الدولة وسياساتها بالنسبة لإدارة عملية إزالة الأنقاض، مسلطاً الضوء على الفجوات الرئيسية والتوجهات الضرورية من أجل ...