خلال الجلسة الأخيرة لمجلس النواب في عام 2025، أقرّ المجلس قرض البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لتنفيذ مشروع المساعدة الطارئة للبنان (Lebanon Emergency Assistance Project – LEAP)، والذي يهدف إلى المساهمة في تمويل إعادة إعمار البنية التحتية المتضرّرة جرّاء العدوان الإسرائيلي على لبنان، بشكلٍ طارئ، واستعادة الخدمات الحيوية، إضافةً إلى تعزيز الإدارة المستدامة للركام والأنقاض في المناطق المتضرّرة. وقد تأخّر إقرار القرض نتيجة تجميده منذ أيلول 2025، ما أثار استياء إدارة البنك الدولي آنذاك، ودفعها إلى التلويح بإمكانية إلغائه في حال عدم إقراره في وقتٍ قريب.
عن مشروع المساعدة الطارئة للبنان – LEAP
صُمِّم مشروع LEAP ليشكّل إطارًا قابلاً للتوسّع، بقيمة إجمالية تصل إلى مليار دولار أميركي، مع مساهمة أولية تتمثّل بالقرض الذي أقرّه مجلس النواب مؤخرًا. يتيح هذا الإطار استيعاب تمويلات إضافية، على شكل هبات أو قروض، ضمن هيكلٍ تنفيذي موحّد تديره الحكومة، ويرتكز، بحسب البنك الدولي، على مبادئ الشفافية والمساءلة.
ويُعدّ مجلس الإنماء والإعمار الجهة المسؤولة عن إدارة تنفيذ المشروع، ما دفع الحكومة اللبنانية سابقًا إلى إنشاء مجلس إدارة متكامل وفعّال، بالإضافة إلى تبسيط الإجراءات الإدارية وآليات اتخاذ القرار، باعتبارها إصلاحات أساسية تتماشى مع الممارسات الدولية المعتمدة في تنفيذ المشاريع الطارئة والمطلوبة من البنك الدولي، وتضمن الجاهزية التشغيلية والكفاءة وسرعة التنفيذ. كما يخضع المشروع للإشراف الاستراتيجي لمكتب رئيس مجلس الوزراء، بالتنسيق مع الوزارات المعنية على مستوى مجلس الوزراء، على أن تتولّى وزارة الأشغال العامة والنقل قيادة المشروع والمسؤولية العامة عن تنفيذه، فيما تشرف وزارة البيئة على الجوانب البيئية والاجتماعية، بما في ذلك إدارة الركام والأنقاض.
ويقسم إطار عمل LEAP إلى الأنشطة التالية:
- الاستجابة الفورية: وتشمل إزالة الركام بطرقٍ آمنة، واعتماد ممارسات الاقتصاد الدائري، وتأمين حماية المواقع التراثية المتضرّرة، وتجهيز المباني العامة لإعادة إشغالها. وقد خُصِّص لها 30 مليون دولار من خلال القرض الحالي من أصل 60 مليون دولار.
- التعافي السريع للخدمات والبنى التحتية الحيوية: ويشمل إصلاح شبكات الطاقة والمياه والنقل والتعليم والصحة، إضافةً إلى ترميم المساكن بقيادة أصحابها ضمن برنامج “دعم (DAEM)” واستهداف الفئات الأكثر عرضة للهشاشة. وقد خُصِّص له من خلال القرض الحالي 195 مليون دولار من أصل 645 مليون دولار.
- إعادة الإعمار المستدام للبنى التحتية الأساسية: ويرتكز على إعداد وتنفيذ مشاريع بنى تحتية مرتبطة بالمناخ والكوارث (النقل، شبكات الصرف الصحي، والمباني العامة)، ومشاركة القطاع الخاص. وقد خُصِّص له من خلال القرض الحالي 15 مليون دولار من أصل 70 مليون دولار.
- إدارة المشروع: وتشمل جميع أوجه الدعم التنفيذي، بما في ذلك إنشاء وحدة لإدارة المشروع داخل مجلس الإنماء والإعمار، والرقابة من طرف ثالث، وإشراك المواطنين، وآليات معالجة الشكاوى، وحملات التواصل. وقد خُصِّص لها من خلال القرض الحالي 10 ملايين دولار من أصل 25 مليون دولار.
بالتالي، يُسهم التمويل الحالي، من خلال المساهمة الأولية للبنك الدولي التي تشكّل 25% من قيمة الإطار، في تنفيذ بعض أنشطة المشروع، ومن ضمنها أنشطة الاستجابة الفورية اللازمة لتسريع وتيرة التعافي وتهيئة الظروف الملائمة للعودة إلى الحياة الطبيعية، وذلك عبر الإدارة الآمنة والتخطيط السليم للركام والأنقاض. كما يدعم التمويل جهود الإصلاح والتعافي السريع في الخدمات الأساسية، مثل المياه والطاقة والنقل والصحة العامة والتعليم والخدمات البلدية. إضافةً إلى ذلك، يدعم المشروع عملية إعادة إعمار البنية التحتية المتضرّرة بشدّة، بدءًا من إعداد التصاميم وإجراء التقييمات البيئية والاجتماعية.
قرض LEAP: تجلّيات استراتيجية حكومية قائمة على التمويل الخارجي
يشكّل مشروع LEAP، القائم حاليًا بشكلٍ أساسي على قرض البنك الدولي1بالإضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية و30 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، ومساعدات أخرى من العراق الذي سيقدّم 20 مليون دولار، واستعداد صندوق التنمية العربية للمساهمة بمبلغ يصل إلى 120 مليون دولار أميركي.، أحد المسارات المتوازية التي تعتمدها الحكومة ضمن استراتيجية التعافي وإعادة الإعمار التي طوّرتها اللجنة الوزارية لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. ويُعالج هذا المشروع، كما سبق وذكرنا، على المدى القصير، الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية وإزالة الركام، في حين تتناول الاستراتيجية الحكومية مساراتٍ موازية أخرى، من ضمنها النزوح والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية. وتستند هذه الاستراتيجية، في أحد محاورها، إلى قرضٍ إضافي من البنك الدولي لتمويل مشروع التحوّل الأخضر في قطاع الأغذية الزراعية من أجل التعافي الاقتصادي (GATE) بقيمة 200 مليون دولار.
بالرغم من أهمية هذا القرض في إطلاق عجلة إعادة الإعمار المؤجَّلة، إلّا أنّه لا يشكّل سوى نسبةٍ ضئيلة من الاحتياجات الفعلية لإعادة الإعمار، كما حدّدها البنك الدولي والمقدَّرة بنحو 11 مليار دولار أميركي، وذلك في ظلّ غياب مقاربة شاملة لإعادة الإعمار. وهو يقوم على معالجة البنى التحتية والفوقية في الأملاك العامة وفق مقاربةٍ تدريجية ذات طابع جغرافي، تبدأ بالمناطق المأهولة الأكثر كثافةً سكانية، ما يؤدّي عمليًا إلى استثناء القرى والبلدات الجنوبية عمومًا، ولا سيّما المناطق الحدودية، حيث يشكّل غياب البنى التحتية أحد أبرز العوائق أمام العودة. كما يتّضح أنّ التمويل الخارجي المتاح، سواء على المدى القريب أو المتوسط، لن يطال على نحوٍ خاص إعادة بناء المباني المهدّمة، في حين تُقدَّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار لهذا القطاع بنحو 6,3 مليارات دولار أميركي بحسب البنك الدولي، الأمر الذي يؤخّر بدوره عودة السكان، في ظلّ استمرار وجود نحو 64,417 نازحًا/ة حتى تشرين الأوّل 2025.
من جهة أخرى، يُلاحظ استمرار اعتماد الاستراتيجية الحكومية لإعادة الإعمار، من ضمنها إعادة إعمار البنى التحتية وإزالة الركام ومعالجتها، بشكلٍ شبه كامل على القروض والمنح الخارجية، مقابل التمويل الداخلي المحدود للغاية. وهو ما ينعكس بوضوح في مشروع موازنة عام 2026، الذي خلا من أي مقاربة جدّية لمعالجة آثار الحرب، ولم يخصّص سوى نحو 0،5% من إجمالي الموازنة لإعادة الإعمار ورفع الردم وتعويض المتضرّرين، وهي نسبة لا تتناسب مع حجم الدمار ولا مع متطلّبات التعافي الشامل.
يؤكّد هذا الواقع استمرار تخلّي السلطة السياسية في لبنان عن مسؤوليتها المباشرة في إعادة الإعمار، عبر إحالة هذا الملف إلى التمويل الخارجي وشروطه السياسية، ووضعه تحت رحمة الجهات المانحة وأجنداتها بغض النظر عن أولويات المتضرّرين الملحّة. كما أنّ الاعتماد شبه الحصري على القروض من جهات دولية غربية، وما يرافقه من شروط، قد يتحوّل إلى أداة ابتزاز سياسي، ما يستدعي البحث الجدي عن بدائل، سواء عبر تنويع مصادر التمويل باتجاه ما يُعرف بـ”التمويل الشرقي”، أو عبر تفعيل التمويل السيادي الداخلي. في النهاية، يبقى هذا القرض خطوة مجتزءة في ظلّ التأجيل المستمرّ لإعادة الإعمار الشامل.
المراجع:
- 1بالإضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية و30 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، ومساعدات أخرى من العراق الذي سيقدّم 20 مليون دولار، واستعداد صندوق التنمية العربية للمساهمة بمبلغ يصل إلى 120 مليون دولار أميركي.
قانون الإعفاءات وإعادة إعمار المباني: لا بديل عن خطة وطنية شاملة
بعد مرور أكثر من 7 أشهر على وقف إطلاق النار في لبنان، أقرّ مجلس النواب في جلسته في 30/6/2025 أوّل تشريع متعلّق بإعادة الإعمار على إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان. رغم التطوّر الذي ...