WhatsApp Image 2024-02-12 at 2.48.47 PM

موازنة 2024:

مكافأة الملّاك والمضاربين

أقرّ المجلس النيابي في 26/1/2024 مشروع قانون موازنة 2024

باختصار، ما هو القانون:

قانون الموازنة هو النص المتضمن إقرار السلطة التشريعية لمشروع الموازنة. يحتوي هذا القانون على أحكام أساسية تقضي بتقدير النفقات والواردات وإجازة الجباية وفتح الاعتمادات للإنفاق وعلى أحكام خاصة تقتصر على ما له علاقة مباشرة بتنفيذ الموازنة. تضمن مشروع قانون الموازنة 2024 مائة وثلاثاً وثلاثين مادة موزعة على أربعة فصول: مواد الموازنة؛ تعديل قوانين البرامج؛ التعديلات الضريبية؛ مواد متفرقة. 

أي نواب اقترحوا القانون؟

تقدّم الحكومة مشروع قانون الموازنة إلى رئيس المجلس النيابي الذي يحيله إلى لجنة المال والموازنة لدراسته وتعديله ليحال بعدها للمجلس النيابي

النوع:

مشروع قانون موازنة

ما هو السياق العام للقانون؟

أقرّت الحكومة اللبنانية موازنة عام 2024 بعد الانتهاء من مناقشة كامل بنودها، ثمّ أحالتها إلى مجلس النواب، وذلك ضمن المهلة الدستورية، تنفيذاً لمطالب المؤسسات الدولية الداعية لتطبيق الإصلاحات المالية بغرض النهوض من الأزمة. وقد أقرّ المجلس النيابي في ظل فراغ دستوري لعدم انتخاب رئيس للجمهورية في 26/1/2024 مشروع قانون موازنة 2024، بعد يوميْن من المداخلات النيابية تخلّلها 41 مداخلة، و7 ساعات من النقاش في اليوم الثالث حول بنود ومواد الموازنة، بعد إدخال عدد من التعديلات على المشروع المعدّل من لجنة المال والموازنة، لجهة تعديل بعض المواد أو حذف البعض الآخر أو إضافة مواد حذفتها اللجنة. وقد شكّلت الحاجة إلى تأمين تغطية للإنفاق العام الدافع الأول لإقرار الموازنة في موعدها وإدخالها حيز التنفيذ، على اعتبار أنّ القاعدة الإثني عشرية، التي درج استخدامها لتسيير شؤون الدولة لسنوات، لم تعد صالحة من أجل الحصول على التغطية القانونية المنشودة للإنفاق العام، نتيجة الانهيار الكبير في قيمة العملة المحلّية مقارنة بالعام 2022.

فاعلون:

وزارة المالية، لجنة المال والموازنة

مناطق متأثرة:

كافة المناطق اللبنانية

تكتفي الموازنة العامة لعام 2024، كما سابقاتها، بتوفير الغطاء القانوني للنفقات التي تتكبّدها الدولة، من دون البحث في تغيير السياسات القائمة، لا سيّما تلك المتعلّقة بتسليع الأرض واستغلالها لجني الأرباح. تتّسم الموازنة بغياب الرؤية، فهي لا ترتكز على أي خطّة إصلاحية تتصدّى للأزمات التي يمرّ فيها لبنان، ويغيب عنها مفهوم العدالة الضريبية والأبعاد الاجتماعية، وهي تعكس استمرارية الضعف البنيوي للدولة.

إنّ مجمل الإيرادات التي ستجبيها الدولة من الضرائب المباشرة على الثروة والملكيّة والدخل، لا تمثّل سوى 9% فقط من إجمالي الإيرادات، في حين ستجبي الضرائب الباقية «من الأسر على حساب استهلاكهم الضروري والكمالي ومعاملاتهم الرسمية الإلزامية وتسجيل مساكنهم وتعرفات الخدمات العامّة». وتشكل الضريبة على الأملاك (من دون رسوم التسجيل) 0.34% من مجمل إيرادات الموازنة فقط، أي أن «أصحاب الأملاك لن يساهموا سوى بنحو 34 سنتاً من كل 100 دولار تنفقها الدولة».

يأتي ذلك، فيما جرى تخفيض معدّل ضريبة التفرّغ عن العقارات (الضريبة على الربح العقاري) من 15% الى 1%، ولم تشمل الموازنة الضريبة على الشغور العقاري، التي كانت قد تضمّنتها المسودة المسرّبة لموازنة العام 2022. وفي حين كان بإمكان الضريبة على العقارات المبنية الشاغرة أن تزيد إيرادات الدولة وأن تساهم في تمويل الإنفاق العام، أتى تغييبها ليثبت الانحياز التام لمصالح أصحاب الثروات والأملاك، ومكافأة المطوّرين العقاريين الذين لطالما استغلّوا الإعفاء الضريبي على الوحدات الشاغرة للمضاربة العقارية.

في السياق نفسه، لا تتجاوز غرامات وتسويات مخالفات البناء والأملاك البحرية نسبة 1.16% من مجمل إيرادات الموازنة. لطالما منحت الموازنات المُتتالية إعفاءات ضريبية وتسهيلات لمن يشغل أملاك الدولة العمومية، وهو ما يعدّ انحيازاً فاقعاً تجاه الفئات التي تُهيمن على أملاك الدولة العمومية. عدا أن العادة السائدة بإلغاء الغرامات وتسوية المخالفات تشجّع على التهرّب الضريبي وإعادة ارتكاب هذه المخالفات والتعدّيات، بما يتعارض مع مبادئ حماية البيئة الطبيعية والعمرانية السليمة.

اللافت في الموازنة هو إقرار المادة 46 التي تفرض غرامات على مخالفة مبدأ الولوج إلى الشواطئ ومخالفة المراسيم التنظيمية لهذا المبدأ. إذ يُعاقب بالغرامة من 10 إلى 35 ألف دولار1من غير المؤكد إذا كانت المادة 46 مدرجة ضمن الإيرادات الناتجة عن تسوية الأملاك البحرية، أي مشمولة بالنسبة المشار إليها في النصّ: «غرامات وتسويات مخالفات البناء والأملاك البحرية 1.16% من مجمل الإيرادات». أي جهة مرخّص لها بإشغال أملاك عامة بحرية، وكذلك أي شخص يخالف مبدأ ولوج الشاطئ عبر الطرق المؤدّية إلى الشاطئ البحري أو البحر عبر فرض تدبير مباشر أو غير مباشر أو عبر وضع أو إنشاء أي حاجز مادي. كما تُفرض هذه الغرامة على من يخالف المراسيم الصادرة التي تحدّد تأمين تواصل الشاطئ ضمن الأملاك العامة البحرية وحق الوصول إليها. ويتوجّب على المخالف بإزالة المخالفة فوراً، وفي حال تكرارها، يفرض على المخالف ضعفيْ الغرامة السابقة، ويوقف العمل بالترخيص أو الإشغال إلى حين إزالة المخالفة من دون أن يحقّ للمخالف أي تعويض أو عطل وضرر من أي نوع كان. وكل من يتخلّف عن تسديد الغرامة المتوجّبة في خلال شهرين من تاريخ تبليغه، تضاعف القيمة وتستكمل إجراءات التحصيل.
ومع ذلك، لا تزال موازنة 2024 بمجملها تكافىء أصحاب الملكيات والمستثمرين العقاريين من خلال المعاملة التفضيلية للثروة والإعفاءات أو التنزيلات علـى الضرائب العقارية2يمكن مراجعة تقرير الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين، كلنا إرادة، سياسات مبادرة الغد، المفكرة القانونية بعنوان: «موازنة 2024: الإضعاف المستمر للدولة وسط تجاهل الإصلاحات»، وكذلك المقال المنشور على موقع صفر بعنوان: «9% فقط من إيرادات الموازنة اللبنانية يُسدَّدها الأثرياء والملّاك والورثة»..

نستعرض فيما يلي، شرحاً للمادة 88 من الموازنة التي خفّضت الضريبة من 15 إلى 1% على الأرباح الناتجة عن التفرّغات العقارية، والمادة 59 التي مدّدت تأجير أملاك الدولة الخصوصية من 4 إلى 9 سنوات من دون تحديد الحدّ الأدنى لبدلات الإيجار؛ ومن ثمّ نقدّم إحاطة لموازنة 2024 في سياق السياسة الضريبية على الأراضي في لبنان حالياً وتاريخياً.
على مرّ العقود، كان للقطاع العقاري حصة وافرة من الحماية، بحيث اعتمدت السلطات تدخّلات تُيسر تجارة الأراضي والمضاربات العقارية من خلال تقليل الضرائب بأشكالها المختلفة، ما أسفر عن تراكم رأس المال الذي كان يمكن توجيهه نحو قطاعات أخرى.

تخفيض ضريبة أرباح التفرّغات العقارية من 15% إلى 1%

خفّضت المادة 88 من الموازنة بشكل ملحوظ معدّل الضريبة (من 15% إلى 1%) على الأرباح الناجمة عـن المبيعات العقارية من قبل الأفراد حتى نهاية 2026. فما هي أرباح التفرّغات العقارية ومتى استُحدثت الضريبة على أرباحها؟
ربح التفرّغ هو فرق السعر بين تاريخ حيازة العقار وتاريخ بيعه. أدخلت هذه الضريبة بموجب القانون رقم 64 الصادر في 2017، واعتُبرت من الإصلاحات الضريبية المهمّة في حينها، كونها تعزّز العدالة الضريبية وتحارب مخطّطات التهرّب الضريبي الـذي يحـرم الخزينة من موارد هامّة.3طالت هذه الضريبة الأشخاص الذين يقومون بمبيعات عقارية ويحقّقون الأرباح من دون أن تكون مهنتهم الأساسية، أي خارج نطاق الشركات العقارية والمطوّرين العقاريين المسجّلين الذين يسدّدون ضرائبهم، أو حتّى بعض المطوّرين الذين يقومون بمبيعات عقارية لصالح أفراد من عائلتهم بهدف التهرب الضريبي.

ووفقاً للمادة 13 من القانون رقم 64/2017، تخضع أرباح التفرّغ للضريبة على الدخل بمعدل 15%، عن العقارات التي تعود لأشخاص طبيعيين ومعنويين خاضعين للضريبة على الدخل على أساس الربح المقطوع أو المقدّر، والتي تعود لأشخاص طبيعيين معنويين غير خاضعين للضريبة على الدخل، أو كانوا يتمتّعون بإعفاءات دائمة أو خاصّة أو استثنائية من تلك الضريبة، أو كانوا خاضعين للضريبة على الدخل ولا تشكل هذه العقارات أصلاً من أصول ممارسة المهنة.

ومن أجل احتساب ربح التفرّغ الخاضع للضريبة، «تنزل عن كل سنة كاملة تفصل بين تاريخ تملك العقار وتاريخ التفرغ عنه، نسبة 8% من قيمة ربح التفرغ»، وهو ما يعني عملياً إجراء تخفيض على المعدل الأساسي للضريبة. كما «يعفى من الضريبة ربح التفرغ عن العقار إذا كان المتفرغ قد استمر في حيازته لمدة تزيد عن 12 سنة كاملة وما فوق على أن يدفع الفرق في السنة التي يحصل في خلالها التفرّغ»، وفي حين أن العديد من المطوّرين والمالكين لا يبيعون عقاراتهم فوراً عند شرائها بل ينتظرون الصفقة الأنسب لهم، فإن الإعفاء من الضريبة بعد 12 عاماً ليس إلا مكافأة لهم. ويستنتج من ذلك أن ضريبة التفرّغ أقرت وإنّما بصيغة تجعلها هزيلة أو غير موجودة بالأساس، علماً أن المسكن الأول الرئيسي والمسكن الثاني الثانوي معفيان من هذه الضريبة.

لم يكن الهدف الفعليّ من فرض هذه الضريبة زيادة واردات الدولة وتغذية خزينتها، ولا الحدّ من المضاربات العقارية، فهذه الضرائب تفرض بطريقة عشوائية وتمعن بطريقةٍ أو بأخرى بتسليع الأرض أو العقار. حتى انهيار سعر الليرة الثابت في العام 2019، كان منحى الفروقات (الربح) في سعر العقار بين تاريخ حيازته وتاريخ بيعه يتجه صعوداً على الدوام، حتى ترسّخت الفكرة المضاربية الخاطئة التي تقول إن سعر العقار في لبنان لا ينخفض ويرتفع باستمرار. وفي الوقت نفسه، أنه الثروة الوحيدة المتبقية، التي تشدّ اللبنانيين ولا سيما المهاجرين منهم إلى مسقط رأسهم، وبالتالي لا يجوز فرض الضرائب على هذا النشاط. حتى العام 2017، بقيت الأرباح الفاحشة المتحقّقة من المتاجرة بالأراضي والمساكن والمكاتب والمتاجر معفية من أي ضريبة، وجاءت الضريبة في العام 2017 مثقلة بالإعفاءات والتنزيلات والالتباسات المقصودة من أجل الإفساح في المجال لأوسع هامش ممكن للتهرّب منها والتحايل على أحكامها.
أمّا اليوم، تأتي موازنة 2024 لخفض هذه الضريبة إلى حدّ إلغائها عملياً (من 15 إلى 1%)، وبالتالي زيادة الأرباح المحقّقة في القطاع العقاري نتيجة تخفيف الأعباء على ملّاك العقارات والمطوّرين والمضاربين العقاريين الذين يتاجرون بالعقارات بطريقة غير رسمية ضمن الاقتصاد النقدي،4أشار الخبير في الشؤون الضريبية المحامي كريم ضاهر إلي أن هذا التخفيض سيعزز عمليات تبييض الأموال وسيدعم الأفراد الذين يسعون إلى تبييض أموالهم من خلال شراء العقار نقداً وإعادة بيعه لاحقاً وإيداع تلك الأموال في المصارف. ويأتي ذلك بعد الركود الذي ضرب السوق العقارية منذ العام 20225أشار تقرير للدوائر العقارية إلى أن نسبة التراجع في المبيعات العقارية بلغ 84% لغاية تشرين الثاني/نوفمبر 2023 مقارنة بالفترة نفسها من العام 2022، لكن نظراً لإقفال الدوائر العقارية في جبل لبنان، من المرجّح أن تكون النسبة عند 50%. بعد تسعير المبيعات العقارية بشكل كامل بالدولار النقدي، وتوقّف البائعين عن قبول الشيكات المصرفية كوسيلة للدفع.

يترافق كلّ ذلك مع تداعيات ملموسة على مدننا ومناطقنا، فخفض المعدّلات الضريبية يشجّع المضاربين على زيادة استثماراتهم في السوق العقارية، ويؤدّي إلى تقليل العرض المُتاح للمشترين الآخرين، ورفع أسعار العقارات بشكل مفرط، وزيادة المضاربات العقارية، وتغيير في ديناميات السوق العقارية. وفي النهاية، تتأثّر قدرة الأفراد على الشراء أو الاستئجار والوصول إلى السكن. كما قد يؤدّي تحريك السوق العقارية بعد فترة من الركود إلى إعادة تكثيف عمليات البناء، بعد أن شهد هذا القطاع تراجعاً في السنوات الأخيرة مع بدء الأزمة الاقتصادية، خصوصاً مع وجود قوانين مثل قانون يسمح بإضافة طابقٍ جديدٍ على الأبنية الموجودة أو المُستحدثة في كلّ المناطق اللبنانية من دون احتسابه ضمن معدّلات الاستثمار والارتفاع الأقصى. كما أنّ العمل على قانون تحرير الإيجارات غير السكنية القديمة، الذي لم يتمّ إقراره بعد، يساهم في تحرير عدد من العقارات التي قد تدخل أيضاً ضمن سوق المضاربة العقارية، ويؤثّر بدوره على بعض المناطق، وأحيائها وطابعها الاقتصادي والاجتماعي والعمراني والتراث الثقافي والتوازن الاجتماعي.

تمديد تأجير أملاك الدولة من 4 إلى 9 سنوات

عدّلت المادة 59 من الموازنة المادة 60 من قانون «إدارة وبيع أملاك الدولة الخصوصية»، الذي يُعنى بتأجير العقارات الداخلة ضمن أملاك الدولة الخصوصية لمدة أقصاها 4 سنوات. تنّص المادة 60 على أنّ العقارات الداخلة في أملاك الدولة الخصوصية في المدن تؤجّر بعد الإعلان عنها لمدّة أربع سنوات على الأكثر، وبناءً على تعيين سعر افتتاح المزايدة على إثر كشف إداري.
زاد التعديل المُستحدث مدة التأجير إلى 9 سنوات، من دون تحديد الحدّ الأدنى لبدلات الإيجار. يحمل هذا التعديل طابعاً خطيراً، فهو يعزّز مفهوم تخلّي الدولة عن إدارة أملاكها و«تلزيمها» للقطاع الخاص. وأيّ استثمار خاص في أملاك الدولة يعني حتماً حصر المستفيدين منها بما يتناسب مع مصلحة الطرف المستأجر. وقد أثبتت العقود المنصرمة أن إدراج القطاع الخاص في إدارة موارد المجتمع يضرّ بالفئات المهمّشة وعموم الناس، ويمهّد لإمكانية رفع الاستثمار في المساحات المفتوحة على سبيل المثال عبر إتاحة الوقت اللازم لتغيير تصنيف الأرض المُؤجَّرة لصالح الطرف المستأجر.

وإذا كانت الغاية من تمديد المدّة هو تحفيز القطاع الخاص على استثمار الملك العام لإدخال إيرادات إلى الدولة، فكان لا بدّ أن يشمل حدّ أدنى لبدلات الإيجار، خصوصاً في ظل غياب ضوابط واضحة في المادة لجهة عوامل التضخّم أو الرقابة.
إضافة إلى أنّ التعديل لا يستند إلى معلومات عن كمية أملاك الدولة الخصوصية وأنواعها. وبحسب مجريات الجلسة التي نوقشت فيها هذه المادة، اعتبر النائب وضّاح الصادق أنّ «هذه المادة مهمّة بالنسبة للمنشآت الرياضية المُهملة التي دفع لبنان مئات ملايين الدولارات لإنشائها، وهي لا تصلح الآن لأي نشاط رياضي نتيجة الإهمال الذي أصابها، وقدّم مثالاً عن المدينة الرياضية في بيروت بأنّها تحتاج إلى 5 ملايين دولارات لصيانتها، وأنّه إذا كان الإيجار لمدّة 4 سنوات فقط فلن يستثمر أحد فيها».

في هذا السياق، لا بدّ من أن يستند أيّ تعديل لقانون «إدارة وبيع أملاك الدولة الخصوصية» إلى فهم أنواع أراضي الدولة وتوّزعها الجغرافي واستخدامات الأرض فيها (مبنية أو غير مبنية، زراعية أو رياضية أو غيرها) وقيمتها الاجتماعية، وليس شملها في التشريع كأنها فئة واحدة. وهناك ضرورة لأن تدير الدولة أملاكها الخاصّة بما يعزّز دورها الاجتماعي والاقتصادي، وأن لا تقتصر المقاربة على اعتبار هذه الأملاك مجرّد سلعة مدرّة للإيرادات. في هذا السياق، من المُمكن أن تعّدل المدة التأجيرية عندما تؤجَّر لإدارة عمومية أو لمصلحة المنفعة العمومية أو لإحدى البلديات.

واقع النظام الضريبي للأراضي في لبنان

بشكلٍ عام، يبيِّن تقييم النظام الضريبي في لبنان عن تناقُضَ فاضح بين نظام سياسي مهيمن ودولة ضعيفة. تبرز رغبة عارمة لدى السياسيين لتوزيع الريع على أتباعهم حفاظاً على نفوذهم، بالتوازي مع انخفاض نسبي لإيرادات الدولة بسبب الضرائب المنخفضة المفروضة على المداخيل العالية ورؤوس الأموال والثروات. لطالما اعتبر النظام الضريبي غيرَ فعّال لدرجة أنه يمكن تصميم الأدوات الضريبية لتحصيل مزيد من الأموال من دون تحجيم الحوافز الدافعة لإنتاج الثروة

أما اعتماد موازنة 2024 على الضرائب غير المباشرة في تحصيل الإيرادات، فهو يُعتبر استكمالاً للنظام نفسه6شكلت الضريبة على القيمة المضافة وضريبة الاستهلاك ورسوم الجمارك ما يصل إلى 56% من إجمالي الإيرادات في العام 2015، ونحو 68.8% في العام 2021.، الذي يفرض ضرائب بشكل غير متكافئ على أفقر الناس، الذين يستنزفون الحصّة الأكبر من دخلهم على الاستهلاك.
ويترتّب عن تجزؤ النظام الضريبي من خلال فرض ضريبة منفصلة على كلّ مصدر من مصادر الدخل، نسبة إيرادات ضريبية منخفضة7شكلت الإيرادات الضريبية نحو 13.8% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2015، 15% في عامي 2018 و2019، ونحو 5.7% في العام 2021..
والأمر الآخر البارز في تركيبة النظام الضريبي هو الحصّة المنخفضة للإيرادات المحصّلة عبر النظام الضريبي التصاعدي8تقدّر هذه النسبة بنحو 11% فقط.، ويعود ذلك إلى فرض ضرائب تصاعدية على الأجور وعلى الدخل المتأتي من الأملاك المبنية والإرث (3% إلى 45%) على وجه الحصر، مع الإشارة إلى أنّ معدّلات هذه الضرائب لا تزال غير تصاعدية بما فيه الكفاية. في الواقع، إن معدلات الضرائب على إيرادات الأملاك المبنية (لاسيّما الإيجارات) تصاعدية (من 4% إلى 14%)، ولكنها دون المعدلات الضريبية المطبّقة على الرواتب والأجور التي تُدفع من دخل الأجراء وتصل إلى 25% كحد أقصى، وهو ما يساهم في التقليل من قيمة العمل الجاد مقارنةً بإيرادات الإيجار. في المقابل، تُفرض ضرائب بمعدّلات ثابتة على أرباح الشركات وعائدات الفوائد والأرباح الرأسمالية وتوزيعات الأرباح ودخل الشركات، وبمعدّلات منخفضة نسبياً بالمقارنة مع المعايير الدولية والتاريخية. وينبغي الإشارة إلى أنه لا توجد راهناً ضرائب تخدم المنفعة العامة، مثل ضرائب للحدّ من التلوث أو تحسين البيئة أو بغرض اجتذاب الفرص التنموية نحو المناطق الأكثر فقراً كما هو شائع في العديد من البلدان.

المصدر: تقرير ما هي السياسات الضريبية التي ينبغي اعتمادها في لبنان؟ دروس من الماضي لمواجهة تحديات المستقبل، مبادرة الإصلاح العربي.

أمّا بالنسبة للضرائب العقارية، فقد كانت العائدات الضريبية المتأتية منها محدودة جدّاً على مدى العقود الثلاثة الماضية على الرغم من الأرباح الهائلة المحقّقة في القطاع العقاري. لم تمثّل الضرائب على الأراضي سوى مصدراً محدوداً من العائدات العامّة على الرغم من كونها مصدراً لتراكم الثروات.

تتسّم السياسة العقارية بضرائب منخفضة على الأملاك العقارية، فهي تقتصر على بعض الرسوم والضرائب التي تفرض على انتقال العقار من خلال البيع أو الميراث (رسوم حصر الإرث وإجراءات تسجيل الأملاك)، أو على الأرباح الناتجة عن إشغال شقّة سكنية و/أو أرض (ضريبة البلدية وضريبة الأملاك المبنية)، وحين يزيد مشروع عام قيمة الأراضي بشكلٍ كبير (ضريبة التحسين)9حوارات حول سياسات الأرض في لبنان، التقرير النهائي: توسيع مفهوم ضريبة التحسين في لبنان، (13 أيار/مايو 2022)، مختبر المدن في بيروت، معهد لينكن لسياسة الأرض..
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ ضريبة الملكية (ضريبة البلدية، ضريبة الأملاك المبنية) تُدفع على أساس «القيمة التأجيرية»، وهي آلية قديمة لا تُقدّر بشكلٍ مناسب ومنصف10إنّ الاعتماد على القيمة التأجيرية التي نادراً ما يُعاد النظر فيها، أسّست لنموذج تقييم ملتوي، فهو لا يراجع التقييم بشكلٍ دوري ليكعس تغيرات اتجاهات السوق، ما يؤدّي إلى فرض ضرائب بشكلٍ غير عادل. كما يجدر الإشارة إلى أنّ تثمين الأراضي ليس موحّداً في كل الإدارات العامة.. كما يقوم المبدأ الأساسي وراء فرض ضريبة الأملاك المبنية على جباية نسبة من الأرباح الناتجة عن استثمار المالك لأملاكه إمّا من خلال التأجير أو إشغال المالك لها والاستفادة من توفير كلفة الإيجار. لذلك، تعفى الوحدات السكنية الشاغرة والأراضي غير المستعملة من الضريبة.11المرجع السابق، حوارات حول سياسات الأرض في لبنان.

فيما خصّ ضريبة الأملاك على المعاملات العقارية، إن أهم الضرائب والرسوم التي يدفعها جميع المطوّرين هي رسوم النقل والتسجيل، يليها رسوم رخص البناء، ثمّ رسوم الإفراز. يتفاوت تطبيق ضريبة الأرباح بناءً على أساليب عمل المطوّرين (شركات أو أفراد). ففي حين كان بإمكانهم التنصّل من معظم الضرائب من خلال استخدام أسماء غير مصرّح عنها كأفراد لا شركات أعمال، أدخلت الضريبة التي فرضت في العام 2017 على دخل رؤوس الأموال قيوداً على هذه الآلية، وأجبرت المطوّرين على دفع الضرائب على الأرباح التي يحقّقونها من أعمالهم وإن كانوا يعملون كأفراد. لكن، تنطوي هذه الضريبة على بعض الإعفاءات12تُخفض رسوم التسجيل من نسبة 5% إلى 2%، عندما يسجّل المطوّرون الملك كشركة مساهمة. وإذا نقل أحد مالكي الشركة الملكية من خلال تحويل أسهم، تعفى عملية النقل من أي ضرائب. إنّما يفرض على تثمين أصول تلك الشركة ضريبة ضمن إطار الضريبة على دخل رؤوس الأموال.. كما تجدر الإشارة إلى أنّه، واعتباراً من العام 2001، عدّلت قوانين الأملاك للحدّ من ضريبة الأملاك، خصوصاً تلك المفروضة على الأجانب.13حوارات حول سياسات الأرض في لبنان، التقرير النهائي: توسيع مفهوم ضريبة التحسين في لبنان، (13 أيار 2022)، مختبر المدن في بيروت، معهد لينكن لسياسة الأرض.

المصدر: حوارات حول سياسات الأرض في لبنان، التقرير النهائي: توسيع مفهوم ضريبة التحسين في لبنان، مختبر المدن في بيروت، معهد لينكن لسياسة الأرض.

من جهةٍ أخرى، يُعتبر النظام الضريبي العقاري في لبنان شديد المركزية، فإدخال الضرائب إلى خزينة الدولة ثم إعادة توزيعها يحدّ من إمكانية تخصيصها لغايات مُحدّدة وواضحة14المرجع نفسه.. كما تتم عملية الجباية بشكل بطيء بسبب العمليات البيروقراطية، وبشكل جزئي يسهّل التنصل منها في ظلّ غياب البيانات المتعلّقة بالأراضي والأسعار وانعدام الشفافية والوضوح في المعاملات وغياب الدقة في عملية تخمين الأراضي.

يبدو واضحاً من كلّ ما سبق، أنّ النظام الضريبي في لبنان، ومن ضمنه الضرائب العقارية، غير عادل وغير فعّال. ومن الواضح أن معدّلات الضريبة على الأملاك العقارية المنخفضة، ساهمت في زيادة المضاربات العقارية وحالة دون القدرة على الوصول إلى السكن الميّسر. لذا، تبرز حاجة ملّحة لجعل العبء الضريبي أكثر تصاعدية وتعزيز الامتثال الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية لتحقيق العدالة الاجتماعية.

خاتمة

تبيّن موازنة 2024 غياب مفهوم العدالة الضريبية في لبنان والأبعاد الاجتماعية في سياسات الدولة، ما يمثّل انحيازٍاً واضحاً لصالح مُكدِّسي الثروات والأملاك، خدمةً لمصالح فئة محدودة من البشر. وتظهر السياسات الضريبية العقارية، تمتع القطاع العقاري بحمايةٍ مطلقةٍ باعتباره أحد القطاعات «الناجحة» في الاقتصاد الوطني القائم على الريع في ظلّ النهج السائد لتسليع الأرض. اعتمدت السلطات على تدخلاتٍ تسهّل تجارة الأراضي والمضاربات العقارية عن طريق الحدّ من الضرائب بأشكالها كافة، بما فيها خفض رسوم التسجيل ورسوم نقل الملكية، وإلغاء الضريبة على الأرباح الرأسمالية، ومنح إعفاءات من الضريبة على القيمة المضافة، ما كدّس رأس المال الذي كان من الممكن أن يُوجّه إلى قطاعات أكثر إنتاجية واستدامة. وما زالت هذه السياسات معتمدة حتى اليوم على الرغم من الحاجة إلى تغييرات جذرية لإعادة بناء الاقتصاد المنهار.

  • 1
    من غير المؤكد إذا كانت المادة 46 مدرجة ضمن الإيرادات الناتجة عن تسوية الأملاك البحرية، أي مشمولة بالنسبة المشار إليها في النصّ: «غرامات وتسويات مخالفات البناء والأملاك البحرية 1.16% من مجمل الإيرادات».
  • 2
    يمكن مراجعة تقرير الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين، كلنا إرادة، سياسات مبادرة الغد، المفكرة القانونية بعنوان: «موازنة 2024: الإضعاف المستمر للدولة وسط تجاهل الإصلاحات»، وكذلك المقال المنشور على موقع صفر بعنوان: «9% فقط من إيرادات الموازنة اللبنانية يُسدَّدها الأثرياء والملّاك والورثة».
  • 3
    طالت هذه الضريبة الأشخاص الذين يقومون بمبيعات عقارية ويحقّقون الأرباح من دون أن تكون مهنتهم الأساسية، أي خارج نطاق الشركات العقارية والمطوّرين العقاريين المسجّلين الذين يسدّدون ضرائبهم، أو حتّى بعض المطوّرين الذين يقومون بمبيعات عقارية لصالح أفراد من عائلتهم بهدف التهرب الضريبي.
  • 4
    أشار الخبير في الشؤون الضريبية المحامي كريم ضاهر إلي أن هذا التخفيض سيعزز عمليات تبييض الأموال وسيدعم الأفراد الذين يسعون إلى تبييض أموالهم من خلال شراء العقار نقداً وإعادة بيعه لاحقاً وإيداع تلك الأموال في المصارف.
  • 5
    أشار تقرير للدوائر العقارية إلى أن نسبة التراجع في المبيعات العقارية بلغ 84% لغاية تشرين الثاني/نوفمبر 2023 مقارنة بالفترة نفسها من العام 2022، لكن نظراً لإقفال الدوائر العقارية في جبل لبنان، من المرجّح أن تكون النسبة عند 50%.
  • 6
    شكلت الضريبة على القيمة المضافة وضريبة الاستهلاك ورسوم الجمارك ما يصل إلى 56% من إجمالي الإيرادات في العام 2015، ونحو 68.8% في العام 2021.
  • 7
    شكلت الإيرادات الضريبية نحو 13.8% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2015، 15% في عامي 2018 و2019، ونحو 5.7% في العام 2021.
  • 8
    تقدّر هذه النسبة بنحو 11% فقط.
  • 9
    حوارات حول سياسات الأرض في لبنان، التقرير النهائي: توسيع مفهوم ضريبة التحسين في لبنان، (13 أيار/مايو 2022)، مختبر المدن في بيروت، معهد لينكن لسياسة الأرض.
  • 10
    إنّ الاعتماد على القيمة التأجيرية التي نادراً ما يُعاد النظر فيها، أسّست لنموذج تقييم ملتوي، فهو لا يراجع التقييم بشكلٍ دوري ليكعس تغيرات اتجاهات السوق، ما يؤدّي إلى فرض ضرائب بشكلٍ غير عادل. كما يجدر الإشارة إلى أنّ تثمين الأراضي ليس موحّداً في كل الإدارات العامة.
  • 11
    المرجع السابق، حوارات حول سياسات الأرض في لبنان.
  • 12
    تُخفض رسوم التسجيل من نسبة 5% إلى 2%، عندما يسجّل المطوّرون الملك كشركة مساهمة. وإذا نقل أحد مالكي الشركة الملكية من خلال تحويل أسهم، تعفى عملية النقل من أي ضرائب. إنّما يفرض على تثمين أصول تلك الشركة ضريبة ضمن إطار الضريبة على دخل رؤوس الأموال.
  • 13
    حوارات حول سياسات الأرض في لبنان، التقرير النهائي: توسيع مفهوم ضريبة التحسين في لبنان، (13 أيار 2022)، مختبر المدن في بيروت، معهد لينكن لسياسة الأرض.
  • 14
    المرجع نفسه.
الأملاك العامة البنى التحتية لبنان
 
 
 

نحو نظام ضريبي عادل لمواجهة تسليع الأرض

سلسة حوارية: القيمة الإجتماعية للأرض

يتمتع القطاع العقاري في لبنان بحمايةٍ مطلقةٍ باعتباره أحد القطاعات “المنتجة” والناجحة القليلة في الاقتصاد الوطني، حيث الضرائب العقارية منخفضة، والمضاربات العقارية متفشّية. وفي هذا السياق، اعتمدت السلطات سياساتٍ وتدخلاتٍ تسهّل تجارة الأراضي …

طابق المرّ مجدّدًا: لا حلّ لأزمة السكن ومزيدٌ من المضاربة على أسعار الأراضي

إقتراح تعديل المادة 66 من القانون رقم 144 (قانون الموازنة)

مطروح على جدول أعمال مجلس النواب بتاريخ 07/12/2021.

اقتراح قانون الضربة القاضية، نحو تدمير ما تبقى من مصالح الناس ومن النسيج العمراني

اقتراح قانون يهدف إلى تحرير الإيجارات القديمة غير السكنية.

أنهت اللجان (لجنة الإدارة والعدل في 5/7/2022 ولجنة المال والموازنة في 21/7/2022) دراسة اقتراح قانون الإيجارات للأماكن غير السكنيّة، وبات من المنتظر وضعه، بصيغته المعدلة من قبل لجنة الإدارة والعدل، على جدول أعمال ...