نظّمت عدد من المجموعات، من بينها “استديو أشغال عامة”، “تعاونية كبكوب”، “المفكرة القانونية” و”أضف”، اللقاء السادس عن التعافي وإعادة الإعمار بعنوان “أسواق الضاحية الجنوبية”، في “بيت عام” – فرن الشباك. يندرج اللقاء ضمن سلسلة شهرية مفتوحة وغير رسمية تهدف إلى تعزيز النقاش العام حول قضايا الإعمار والتعافي بعد العدوان الإسرائيلي المستمر، والتشديد على أهمية التلاقي وتبادل الرؤى في هذه القضية.
طرح اللقاء إعادة تعريف الضاحية الجنوبية بوصفها مركزاً عمرانياً واقتصادياً لبيروت الكبرى، باعتبارها عقدة تربط العاصمة بالشمال والبقاع والجنوب وتشكّل ثقلاً سكانياً وتجارياً على المستوى الوطني. وتم التشديد على ضرورة إخراج ملف الحرب وإعادة الإعمار من الاستقطاب المحصور بثنائية التمويل ونزع السلاح، وإعادة النقاش العام إلى جوهره: الحديث عن سبل التعافي وإعادة بناء مقومات الحياة والعمل والإنتاج كأولوية وطنية والتطرّق إلى المناطق المتضررة، كضاحية بيروت الجنوبية، باعتبارها مراكز أساسية لا هامشية.
افتتحت الباحثة في “استديو أشغال عامة” يارا عبد الخالق اللقاء بعرض دوري لمستجدات إعادة الإعمار، مشيرةً إلى أن الضاحية الجنوبية تعرّضت خلال الأسابيع الأولى من الحرب لأوسع موجة استهداف عمراني – اقتصادي منذ سنوات. وقد رصد “استديو أشغال عامة” أكثر من 500 غارة على بيروت والضاحية قبل وقف إطلاق النار، استهدفت بشكل مباشر الأبنية السكنية والأسواق والمساحات العامة، ما أدى إلى نزوح جماعي من أحياء حارة حريك والمريجة والشياح وبئر العبد إلى مختلف مناطق العاصمة. وركزت عبد الخالق على واقع الأسواق التي تُعدّ شريان الحياة اليومية في الضاحية، مثل سوق معوّض وسوق حارة حريك الرئيسي وسوق الجملة/السوق الصيني وسوق بئر العبد، والتي شهدت تدميراً واسعاً.
من جهته، قدّم الباحث في مبادرة “سياسات الغد” سامي زغيب مقاربة شاملة لاقتصاد الضاحية، مشيراً إلى أنها تضم ما بين 1.2 و1.4 مليون نسمة وتشكّل قاعدة استهلاك وخدمات وإنتاج موصولة ببيروت والشمال والبقاع والجنوب، ما يجعل تأثير أسواقها ونشاطها الإنتاجي يتجاوز بكثير حدودها الإدارية. ولفت إلى وجود نحو 37 ألف مؤسسة تجارية مصرّح عنها، إضافةً إلى اقتصاد غير رسمي ضخم يشكّل جزءاً أساسياً من الحركة الاقتصادية. واعتبر زغيب أن أي ضربة اقتصادية للضاحية تُعدّ ضربة للاقتصاد الوطني، نظراً إلى دورها اللوجستي الرابط بين العاصمة والمطار والجنوب، واحتضانها مئات المستودعات والمصانع. ولفت إلى أن إعادة إحياء الاقتصاد بعد الحرب الحالية أكثر تعقيداً مما كان عليه الوضع عام 2006، معتبراً أن الخطر يكمن في التطبيع مع استمرار الاستهدافات وعزل ضاحية بيروت الجنوبية. فارتباط المنطقة بالاقتصاد الوطني من خلال الاستثمارات والمصانع والمستودعات والنقل يجعل لاستهداف المنطقة تبعات على الاقتصاد اللبناني برمته.
بعدها، قُدّمت شهادات من تجار الأسواق. فقد روى يوسف، وهو أحد تجار سوق معوّض، تاريخ السوق الذي نجا من موجات متتالية من التدمير منذ الثمانينيات، وتمكّن مراراً من النهوض بفضل التضامن بين التجار، خاصةً خلال حرب 2006 حين أعيد افتتاح السوق خلال أسابيع قليلة، مشيراً إلى أن السوق الذي يضم 140 مؤسسة تجارية أدى دوراً مركزياً في الحركة الاقتصادية لبيروت الكبرى. كما ألقى الضوء على غياب التمثيل البلدي للتجار الذين يدفعون الضرائب لبلدية لا ينتخبون أعضاءها. وبدورها، قدّمت ابتسام، وهي تاجرة من سوق الجمال، شهادة عن هذا السوق الشعبي الذي نشأ بجهود عائلية منذ السبعينيات، واستمر بالعمل حتى خلال الحرب الأخيرة حيث كان بعض التجار من الذين نزحوا إلى أماكن قريبة يفتحون لساعات محدودة لخدمة السكان الذين ظلوا يترددون إلى المنطقة، موضحةً أن السوق أدى دوراً أساسياً في تلبية الحاجات اليومية.
من جهتها، قدّمت الصحافية إيناس شري قراءة ميدانية لحركة الأسواق خلال الحرب وبعدها، مشيرةً إلى إصرار الأهالي والتجار على الاستمرار رغم الدمار والخسائر. واعتبرت أن الضاحية ليست مكاناً منهكاً، بل كتلة بشرية واجتماعية واقتصادية لا تزال تملك مقومات النهوض. فقد لجأ عدد من التجار إلى إعادة التموضع السريع في مناطق مثل برج حمود والحمرا وبربور للحفاظ على أعمالهم، فيما انتعشت بعض الأسواق الشعبية بفعل حركة السكان العائدين أو النازحين داخلياً.
بدورها، شددت الصحافية فاطمة بسام على أن الحيوية الاجتماعية والاقتصادية في الضاحية تظهر بوضوح في سرعة استعادة بعض الشوارع لحركتها، مثل أوتوستراد السيد هادي، حيث أعادت مؤسسات عديدة فتح أبوابها خلال أيام. لكنها لفتت إلى أن ارتفاع الأسعار، خصوصاً في مواد البناء كالألومينيوم، وتراجع عدد الورش بنسبة 50% بسبب الضربات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار، أديا إلى انتشار “الترقيع” في أعمال الترميم بما يحمله من مخاطر على السلامة العامة.
وأثار المشاركون قضايا تتعلّق بالتنظيم المدني، مثل صعوبة التنقل بين أحياء الضاحية نتيجة البنية الحالية للطرقات، إذ أشار أحدهم إلى وجود سبعة مخارج لسوق معوّض مقابل مدخل واحد فقط، ما يعكس غياب رؤية تخطيطية تتيح حركة سلسة بين أحياء يفترض أن تكون مترابطة. كما طُرحت مسألة عدم اقتراع الناس في أماكن سكنهم، ما يحدّ من قدرتهم على التأثير في القرارات المتعلّقة بتنظيم أحيائهم وأسواقهم، ويضعف المشاركة المحلية في تحديد أولويات إعادة الإعمار.
واختُتم اللقاء بتأكيد أهمية استمرار النقاش العام حول معنى “التعافي” وارتباطه بحقوق السكان، ودعوة الحضور للمشاركة في الاجتماع المفتوح المقبل في شهر شباط 2023، لاستكمال هذا المسار الجماعي نحو رؤية عادلة ومستقلة لإعادة الإعمار.