نظّمت عدد من المجموعات، من بينها “استديو أشغال عامة” و”تعاونية كبكوب”، اللقاء السابع عن التعافي وإعادة الإعمار بعنوان “بين التوجيهات الرسمية لإعادة الإعمار والحاجات الفعلية”، في “بيت عام” – فرن الشباك. يندرج اللقاء ضمن سلسلة شهرية مفتوحة وغير رسمية تهدف إلى تعزيز النقاش العام حول قضايا الإعمار والتعافي بعد العدوان الإسرائيلي المستمر، والتشديد على أهمية التلاقي وتبادل الرؤى في هذه القضية.
خلال اللقاء، قدّمت عبير سقسوق، من “استديو أشغال عامة”، عرضًا عن “الإطار المرجعي لتحديد منهجية وآليات التدخّل ضمن مسار إعادة الإعمار” الذي أقرّته الحكومة، معتبرةً أن الإيجابي، في الحد الأدنى، هو وجود إطار وآلية رسمية بات من الممكن مناقشتها ومساءلتها.
وأشارت إلى أنه، وبعد أكثر من عام على إعلان وقف إطلاق النار، اقتصر الجهد الرسمي لفترة طويلة على قانون يمنح إعفاءات للمتضرّرين، إضافة إلى مبادرات متفرّقة. ورغم صدور ملامح خطة تعافٍ عن اللجنة الوزارية أخيراً، فإنها لا تزال غير مكتملة، وتفتقر إلى الشمولية، وترتهن كلياً للتمويل الخارجي، ما يكرّس محدودية دور الدولة ويعيد إنتاج خطاب العجز.
كما أكدت أن الآلية التي أقرّتها الحكومة لا تمثّل نهاية المسار القانوني أو الإداري لإعادة الإعمار، بل تفتح الباب أمام إشكاليات جوهرية لا بدّ من معالجتها. ومن أبرز هذه الإشكاليات: مقاربة عملية البناء كوحدات سكنية منفردة، تغييب كامل لمسألة الضرر البيئي، إغفال قضية المناطق الحدودية ومحاولات تحويلها إلى مساحات عازلة، اختزال قضية النزوح المتعدّدة الأبعاد ببند عن تحديث بيانات النازحين في مراكز الإيواء، والعدالة المتأخرة للأحياء المتضرّرة من تفجير مرفأ بيروت.
عقب العرض، دار نقاش موسّع بين الحاضرين عن الثغرات الإضافية في الآلية المعتمدة، وملامح إطار بديل قادر على تلبية الحاجات الفعلية، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم وضوح المسارات المقبلة. وأجمع المشاركون على ضرورة أن تتجاوز آلية إعادة الإعمار مقاربة الضرر والتعويض، وأن تمنح دوراً وصلاحيات فعلية للسلطات المحلية، مع دعم مؤسسات التنظيم المدني في المناطق.
وفي هذا السياق، شدّد النقاش على جملة أولويات، أبرزها:
- إدراج معالجة الأضرار البيئية والزراعية ضمن الأولويات الحكومية، عبر إنشاء إطار وطني تقوده وزارة البيئة بمشاركة وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية والمؤسسات العامة المعنية، بهدف تنسيق التقييمات الميدانية وتوجيه الموارد ووضع استراتيجية تعافٍ شاملة.
- اعتبار معركة البلدات الحدودية معركة وجود، والعمل على توثيق منهجي ورسمي للأضرار والانتهاكات، بمشاركة وزارتي الثقافة والعدل، ضمن نهج متكامل يجمع بين المسارين القانوني والدبلوماسي، لمقاضاة إسرائيل وتأمين اعتراف دولي بجرائمها.
- مواجهة الطروحات الداعية إلى تحويل المناطق الحدودية إلى مناطق عازلة أو اقتصادية، من خلال إرساء رؤية وطنية تحمي هذه المناطق وتعزّز ميزاتها الطبيعية والسكنية، وتحافظ على مواردها البيئية والزراعية، مع التمسّك بالخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية.
- الإصرار على إعادة بناء البنى التحتية في المناطق الحدودية، ولاسيما تلك التي استُثنيت من قرض البنك الدولي.
- دعم العائدين عبر إنشاء باحات خدمات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى تدخلات متكاملة تضمن استعادة الإنتاج وحماية سبل العيش واستمرارية الزراعة.
- دعم صمود الناس، بمن فيهم النازحون الذين استنزفوا مدّخراتهم في الإيجار وانفصلوا عن أعمالهم وروابطهم الاجتماعية، من خلال إصلاح قوانين الإيجار وتأمين بدائل سكنية مستدامة.
- تمويل إعادة الإعمار بعيداً عن منطق القروض، عبر الموازنة العامة والمجتمع، وعدم ربط تلبية الحاجات الأساسية بتوفّر التمويل الخارجي.
وفي ختام اللقاء، أكد الحاضرون أن الاعتداءات لم تحل دون عودة الناس إلى قراها، فيما تتصرّف الدولة وكأنها جمعية توزّع المساعدات ولا تنطلق من تأمين الحد الأدنى من البنية التحتية لدعم العودة والصمود. كما شددوا على أن الدولة لا تبني سياساتها على قيمة موارد البلاد، من مياه وغابات وزراعة، رغم مسؤوليتها المباشرة عن إنعاش الحياة وتعديل نظامها الضريبي لتمويل ذلك. وتطرّق النقاش أيضاً إلى دور الإعلام، الذي يساهم أحياناً في تجريد الناس من إنسانيتهم، في ظل مشروع محوٍ متواصل.