قمنا مؤخّراً برصد صدور قرار عن وزارة الثقافة غسان سلامة (القرار رقم 84 صادر بتاريخ 25/9/2025) يقضي بسحب العقار رقم 243 من منطقة عين المريسة العقارية (بيروت) من لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية، وهو قرار مُلفت نظراً إلى أن هذه السنة لحظت حركة من قبل الوزارة لإدراج عقارات جديدة على لائحة الجرد، في سابقة لم تحصل في السنوات الأخيرة. هذا التناقض يثير تساؤلات حول دوافع القرار. ولأن محتوى العقار لم يُذكر في نص القرار، قمنا ببحث عنه ليتبيّن أنه موقع “مسرح بيروت”.
في هذا النص، نستعرض تفاصيل العقار ومحاولات حمايته السابقة، ونكشف عن التزامن الخطير بين سحب المسرح من لائحة الجرد وتصاعد تهديدات الإخلاء الجماعي في المباني الملحقة به، ونحلّل تبعاتها.
بين حماية المسرح ومصالح المستثمر
في التفاصيل، يحتوي العقار 243 فعلياً على ثلاثة مبانٍ سكنية، أحدها مؤلف من أرضي و3 طوابق، والثاني من أرضي و7 طوابق ومرفق به صالة المسرح، أما البناء الثالث فهو مهجور ومؤلف من أرضي و5 طوابق.

العقار، الذي كان في الأساس ملكاً لمجموعة ورثة من عائلة سنّو البيروتية، شهد تحوّلاً في الملكية عام 2011 حين اشترى المستثمر “محمد غانم أحمد الشماع” -وهو رجل أعمال كبير من صيدا ومقرّب من عائلة الحريري- حصة أحد الورثة التي تقارب 49% من إجمالي الأسهم في العقار. ومع ظهور المستثمر الجديد على الساحة، تسلّمت جمعية “ديسيبل”، التي كانت تشغّل مسرح بيروت آنذاك، قراراً من المحكمة يطالب بإخلاء المكان تمهيداً لإغلاقه. وبالفعل، أُغلق المسرح في كانون الأول 2011.
للدفاع عن المسرح في حينه، تشكّلت حملة “ردّوا المسرح لبيروت” وبدأت بالتحرّك، وتوجّهت إلى وزير الثقافة آنذاك غابي ليون طالبةً منه التدخّل لإنقاذ المسرح ومعاودة النشاطات على خشبته. واستجابةً لذلك، أصدر ليّون القرار 133/ 2011 الذي قضى بإدخال مسرح بيروت على لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية، ممّا حمى المسرح حينها من الهدم. إلا أن الناشطين اعتبروا هذه الخطوة غير كافية وهشة ولا تتلائم مع جهودهم، نظراً لأن إدراج المسرح على لائحة الجرد تم بموجب نظام الآثار القديم الصادر في الثلاثينات، والذي لا يُلزم المالك بإعادة فتح المسرح ولا المحافظة على وجهة الاستخدام، ولا يتضمّن التدابير والآليات اللازمة لاستمرار النشاطات الثقافية والفنية فيه.
مسرح بيروت: ممتلك ثقافي غير منقول مهدّد أمام عدم اكتراث مجلس شورى الدولة
يُعدّ “مسرح بيروت” أول مسرح في العاصمة حافظ على حيويته لفترة غير منقطعة من عام 1965 حتى 2012. تحول المسرح من “سينما هيلتون” ليصبح مهد التجارب المسرحية الرائدة، حيث احتضن أول نص مسرحي باللغة المحكية بالإضافة إلى أعمال كبار الكاتبات والكتاب، وشكّل نقطة انطلاق لأولى حركات التمرّد على الفضاء المسرحي التقليدي عام 1969. ظل المسرح صامداً وقائداً للحركة الثقافية خلال الحرب الأهلية وبعدها، وشهد ولادة “فرقة الحكواتي” واستعاد دوره الريادي تحت إدارة “جمعية فنون” لتقديم العروض الطليعية التي أسّست للمسرح المعاصر، كما احتضن مهرجانات مؤثرة مثل “مهرجان أيلول” ومهرجان “شمس”.
انطلاقاُ من هذه الأهمية الثقافية للمسرح، اعتمدت مجموعة “ردّوا المسرح لبيروت” استراتيجية للضغط لتفعيل قانون الممتلكات الثقافية رقم 37/2008 الجديد الذي يتلاءم مع الالتزامات الدولية للبنان. ويؤكّد التحليل القانوني ومحتوى اتفاقيات الأونيسكو بشأن التراث الثقافي1 اتفاقية الأونيسكو بشأن حماية التراث الثقافي غير المادي (2003) واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي (1972). أن المسرح يستوفي شروط الحماية بموجب هذا القانون، حيث عرّف القانون الممتلكات الثقافية الواجب حمايتها بأنها المنقولة وغير المنقولة والتي يشكّل الحفاظ عليها “صالحاً عاماً لبنانياً”، وأوضح أنها تشمل “المباني أو أجزاء المباني ذات القيمة التراثية، أو الرمزية، سواء كانت دينية أو مدنية”. وعليه، فإن مسرح بيروت، بصفته ملكاً غير منقول وذا قيمة رمزية مدنية، يُعدّ ممتلكاً ثقافياً بامتياز يتخطّى حيازة المالك، مما يوجب على الدولة التدخّل لحمايته ويسمح لوزير الثقافة بوضع اليد عليه بصورة مؤقّتة إن تعرّض لأخطار (المادة 15 من القانون).
بناءً على هذا الأساس القانوني، بدأت جهود المجموعة في كانون الأول 2011 بتوجيه كتاب رسمي لوزير الثقافة غابي ليّون للمطالبة بتفعيل آليات القانون، وأعدّت دراسة حول وضعيته القانونية. أثمر هذا الضغط في نيسان 2012 عن إصدار ليّون القرار رقم 42 الذي كلّف اللجنة الاستشارية للأبنية إبداء الرأي في تفعيل آلية الحماية. وفي حزيران 2013، أوصت اللجنة رسمياً بحماية المسرح واستئناف النشاطات فيه، ممّا دفع الوزارة إلى إرسال طلب استشارة لهيئة التشريع والاستشارات بوزارة العدل حول الخطوات الإجرائية المناسبة لوضع اليد وتفعيل القانون الجديد. جاء رد هيئة التشريع والاستشارات بوزارة العدل مُخيّباً، حيث لم يُقدم توصيات إجرائية، بل طرح تساؤلات حول المعايير التي اعتمدتها الوزارة أصلاً لاعتبار مسرح بيروت ممتلكاً ثقافياً. أمام هذا التحدي، ارتأت مجموعة “ردّوا المسرح لبيروت” ضرورة تحصين ملف القضية بإضفاء مرجعية دولية؛ فعملت على الحصول على إفادة من اللجنة الوطنية للأونيسكو. كان الهدف من الإفادة توضيح ماهية القيمة الرمزية والثقافية والتراثية غير المادية التي يجسدّها المسرح بالنسبة لتاريخ المجتمع اللبناني وذاكرته، باعتبار الأونيسكو المرجع الريادي في هذا المجال.
ورغم جهود الحملة هذه ومواكبتها لوزارة الثقافة طوال عامين من أجل تصنيف المسرح كملك ثقافي، وعندما حان موعد المؤتمر الصحفي الذي كان من المُفترض أن يُعلن فيه هذا التصنيف الحاسم، فوجئ الجميع بتراجع الوزير. فقد اكتفى الوزير غابي ليّون حصراً بإصدار قرار وضع المسرح على لائحة الجرد (القرار 133/2011)، بدلاً من تفعيل آليات الحماية بموجب القانون الجديد 37/2008.
سارع الشمّاع حينها -المستثمر الجديد وصاحب الحصة الأكبر في العقار- إلى تقديم طعن لدى مجلس شورى الدولة ضد قرار الوزير فور اتّخاذه. وبالفعل، صدر قرار مجلس الشورى لمصلحة المالك (القرار رقم 638 بتاريخ 27/5/2014)2محتوي قرار مجلس الشورى: “إن الغاية من حماية الاثر غير المنقول عبر قيده على لائحة الجرد هي منع تحوير العقار أو تغيير منظره أو ميزته، أي المحافظة على هذا العقار بحد ذاته. أما طريقة استعماله في الماضي فهي قد تشكل السبب الدافع الى الحماية وليس الغاية من الحماية. أي أنه عندما يمارس نشاط في عقار معين ويكون لهذا النشاط أهمية تاريخية فان هذا العقار يمكن اعتباره اثراً بسبب النشاط التاريخي الذي مورس فيه وليس النشاط المذكور هو الأثر الواجب الحماية بحسب قانون الآثار.بما انه في ما يتعلق بالقرار المطعون فيه، فإن المسرح الذي يتعلق به قد تأسس سنة 1967 وتوقف عن العمل في العام 1975 بسبب الحرب وعاود عمله بعد ذلك في فترات متقطعة. وانه رغم ذلك اشارت المستدعى ضدها الى كون المسرح المذكور يشكل جزءاً من تاريخ مدينة بيروت وذاكرتها، إلا أنها لم تبين العناصر التي اعتمدتها في هذا التقييم كما أنها لم تذكر اسباباً أو احداثاً تاريخية أو ثقافية معينة من شأنها القول بأن للمسرح المذكور أهمية تتطلب المحافظة عليه كأثر تاريخي وفي حفظه صالح عمومي من الوجهة التاريخية أو الفنية. وبما أن القرار المطعون فيه يكون فاقداً السبب القانوني الذي يبرره وفق احكام المادة الاولى من قانون الآثار. وبما أن القرار المطعون فيه وفضلاً عن ذلك، قد منع إشغال مسرح بيروت أو بنائه لغير الغاية المعد لها ومنع القيام بأي عمل من شأنه تغيير وضعه الحالي. أي أن الغاية من اتخاذ القرار هي المحافظة على النشاط الذي كان يمارس في العقار والمحافظة على المسرح كمؤسسة، وليس المحافظة على العقار باعتباره اثراً غير منقول بالنظر إلى اهميته التاريخية أو الفنية بغض النظر عن استمرار ممارسة النشاط المسرحي فيه أم لا”.، معتبراً أن “حماية النشاط الثقافي” ليست سبباً قانونياً كافياً لإدراج المبنى على لائحة الجرد وفقاً لنظام الآثار القديم، ومتجاهلاً مفهوم الممتلك الثقافي وما يحمله للصالح العام بموجب القانون 37/2008، ولكامل البراهين التي قدّمها ملف وزارة الثقافة بهذا الخصوص، ومتحجّجاً بأن الوزارة المستدعى ضدها لم تُبين العناصر التي اعتمدتها في تقييمها لأهمية المسرح، ولم تذكر أسباباً أو أحداثاً تاريخية أو ثقافية محددة تبرر المحافظة عليه كممتلك ثقافي.
سحب الحماية بعد 11 عامًا وتصاعد التهديدات بالإخلاء
ولكن للمفارقة، وعلى الرغم من صدور قرار مجلس الشورى عام 2014، ظلّ المسرح مُدرَجاً على اللائحة لمدة 11 عاماً، إلى أن قام وزير الثقافة الحالي غسّان سلامة بسحبه بشكل مفاجئ خلال شهر أيلول الماضي، مستنداً إلى قرار مجلس الشورى القديم.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي دفع الوزير لاتخاذ هذا القرار بعد كل هذه السنين، خاصة وأن السحب عن لائحة الجرد يعني إزالة كاملة للحماية القانونية عن المسرح، ما يجعل أي تعديل أو هدم محتمل للمبنى والمسرح أمراً سهلاً لا يمرّ عبر رقابة وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار؟ يبدو أن تطبيق قرار مجلس شورى الدولة الآن أتى نتيجة ضغوط من المالك يهدّد فيها الوزارة بتغريمها مبلغ 500 دولاراً عن كل يوم تأخير في تطبيق قرار المجلس3بحسب مصدر في وزارة الثقافة تمّ التواصل معه بتاريخ 7 تشرين الأول 2025.. ويتزامن ذلك مع موجة تهديدات بإخلاء المستأجرين من المباني القديمة في المدينة مع اقتراب موعد انتهاء السنوات الـ9 التي حدّدها قانون الإيجارات الجديد الصادر عام 2017. في هذا الإطار، تبلّغ مرصد السكن في استديو أشغال عامة هذا الشهر بوجود تهديد إخلاء جماعي يطال أحد المباني السكنية الثلاثة الواقعة على العقار 243 (المبنى المؤلف من 7 طوابق).
تشير هذه الديناميكية الجديدة، المتمثّلة في التزامن الواضح بين سحب المسرح من لائحة الجرد وتصاعد وتيرة تهديدات الإخلاء، إلى أن المالك لديه خطط واضحة لاستغلال العقار، وغايتها الهدم على الأرجح، خاصة وأنه تمّ إصدار عقد تشييد بناء جديد منذ عدة سنوات على العقار. وبالتالي، لا يمكن قراءة قرار وزير الثقافة الأخير إلا كـ ‘ضوء أخضر رسمي’ يمهّد لتدمير معلم ثقافي بارز، وتهجير عشرات العائلات من منازلها، ليؤكد بذلك أن المصالح العقارية تستمر في الانتصار على ذاكرة بيروت الثقافية والحق في السكن بالمدينة. ولكن، هل أغلقت كل الأبواب بصدور قرار الشورى وتنفيذه؟ ألا يزال بالإمكان إعادة فتح ملف حماية المسرح على أساس قانوني مختلف عمّا استند إليه القرار، عبر تفعيل الضغط واستكمال الجهود السابقة باتجاه تصنيف المسرح كملك ثقافي بموجب قانون الممتلكات الثقافية (رقم 37/2008) الذي تجاهله قرار الشورى؟
ترقبن\وا مقالاً مفصلاً حول ديناميكيات الإخلاء ومقاومة السكان والتطوّرات المتعلقة بالمسرح قريباً.
المراجع:
- 1اتفاقية الأونيسكو بشأن حماية التراث الثقافي غير المادي (2003) واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي (1972).
- 2محتوي قرار مجلس الشورى: “إن الغاية من حماية الاثر غير المنقول عبر قيده على لائحة الجرد هي منع تحوير العقار أو تغيير منظره أو ميزته، أي المحافظة على هذا العقار بحد ذاته. أما طريقة استعماله في الماضي فهي قد تشكل السبب الدافع الى الحماية وليس الغاية من الحماية. أي أنه عندما يمارس نشاط في عقار معين ويكون لهذا النشاط أهمية تاريخية فان هذا العقار يمكن اعتباره اثراً بسبب النشاط التاريخي الذي مورس فيه وليس النشاط المذكور هو الأثر الواجب الحماية بحسب قانون الآثار.بما انه في ما يتعلق بالقرار المطعون فيه، فإن المسرح الذي يتعلق به قد تأسس سنة 1967 وتوقف عن العمل في العام 1975 بسبب الحرب وعاود عمله بعد ذلك في فترات متقطعة. وانه رغم ذلك اشارت المستدعى ضدها الى كون المسرح المذكور يشكل جزءاً من تاريخ مدينة بيروت وذاكرتها، إلا أنها لم تبين العناصر التي اعتمدتها في هذا التقييم كما أنها لم تذكر اسباباً أو احداثاً تاريخية أو ثقافية معينة من شأنها القول بأن للمسرح المذكور أهمية تتطلب المحافظة عليه كأثر تاريخي وفي حفظه صالح عمومي من الوجهة التاريخية أو الفنية. وبما أن القرار المطعون فيه يكون فاقداً السبب القانوني الذي يبرره وفق احكام المادة الاولى من قانون الآثار. وبما أن القرار المطعون فيه وفضلاً عن ذلك، قد منع إشغال مسرح بيروت أو بنائه لغير الغاية المعد لها ومنع القيام بأي عمل من شأنه تغيير وضعه الحالي. أي أن الغاية من اتخاذ القرار هي المحافظة على النشاط الذي كان يمارس في العقار والمحافظة على المسرح كمؤسسة، وليس المحافظة على العقار باعتباره اثراً غير منقول بالنظر إلى اهميته التاريخية أو الفنية بغض النظر عن استمرار ممارسة النشاط المسرحي فيه أم لا”.
- 3بحسب مصدر في وزارة الثقافة تمّ التواصل معه بتاريخ 7 تشرين الأول 2025.