COVER-02-2

بيروت المدينة المُصادَرة: 

من خصخصة الواجهة البحرية إلى طرد النازحين منها

تم نشر المرسوم 5665 في الجريدة الرسمية بتاريخ 20/09/1994

باختصار، ما هو القانون المقترح؟

أجاز المرسوم رقم 5665 الصادر عام 1994 نقل ملكية نحو 291,800 متر مربع من الأراضي المستحدثة من ردم البحر في وسط بيروت إلى شركة “سوليدير”، مقابل تنفيذ أعمال الردم والبنية التحتية وإعادة إعمار وسط المدينة.

النوع

مرسوم

الفاعلون

مجلس الوزراء
مجلس الإنماء والإعمار
شركة سوليدير
بلدية بيروت
وزارة الأشغال العامة والنقل
وزارة الشؤون الاجتماعية
النازحون
المستثمرون العقاريون
مبادرات مجتمعية

المناطق المتأثرة

منطقة المرفأ العقارية
وسط بيروت
الواجهة البحرية لوسط بيروت
منطقة البيال
الأراضي المستحدثة من ردم البحر

لتحميل المرسوم

كتابة: يارا عبد الخالق

يوم الثلاثاء 30 حزيران من الشهر الفائت، قامت بلدية بيروت وقوى الأمن بإخلاء أكثر من 100 خيمة وعائلة ممن بقوا في واجهة بيروت البحرية (البيال)، غالبيتهم من الجنوب ومن القرى الحدودية. وأتى هذا الإخلاء بعد أن أبلغت دوريات الشرطة الأهالي بهذه المهلة النهائية،  مهددة إياهم: “اذا ما بدكم تتبهدلوا!”، وذلك من دون تأمين أي بدائل. وكانت عملية إزالة الخيم من الواجهة البحرية وغيرها من الأماكن العامة مثل محيط حرش بيروت وكورنيش الرملة البيضاء قد ترافقت مع بيانات تدّعي أن فوج حرس بيروت يزيل “خيماً عشوائية غير مأهولة في منطقة البيال ضمن خطة لإعادة تنظيم الأملاك البلدية والحفاظ على السلامة العامة وتحسين المشهد الحضري للعاصمة”. 

منذ اللحظة الأولى التي لجأ فيها النازحون الى البيال وأقاموا في خيمٍ، لم تعد هذه المساحة مجرد مكان إيواء مؤقت، بل جسدّت الصراع على المدينة ومساحاتها. حينها تصاعدت خطابات مفادها أنّ الأملاك العامة أو المفتوحة ليست مكاناً للنزوح، وأنّ النازحين يرفضون أن ينتقلوا إلى مراكز إيواء بهدف “السلبطة” على وسط بيروت، وأنّهم يعيقون الحركة السياحية في منطقة مليئة بالمطاعم والملاهي الليلية. 

في واقع الأمر، ليس النزاع على واجهة بيروت البحرية وليدة اليوم، بل منذ التسعينيات عندما قامت السلطة بخصخصة هذه الواجهة في أكبر عملية نهب لوسط البلد تحت حجة إعادة إعمار ما بعد الحرب الأهلية.

ينطلق هذا المقال من المرسوم رقم 5665 الصادر عام 1994، وكيف أعاد تعريف واجهة بيروت البحرية مكرساً أولوية الاستثمار على الحق العام. وتتزايد أهمية قراءة هذا المرسوم في ضوء التطورات الجارية اليوم، مع بحث الحكومة في تمديد مهلة شركة “سوليدير”، بما يعيد طرح أسئلة الملك العام وإعادة إنتاج وسط بيروت ضمن المنطق نفسه.

النزوح إلى البيال

في البداية، كيف وصل النازحون إلى واجهة بيروت البحرية؟ مع بدء التصعيد والتهجير القسري لآلاف الناس، وحتى صباح الخميس 5 آذار، كانت الحكومة قد فتحت 33 مركز إيواء فقط في بيروت، قبل أن يرتفع العدد إلى 88 مركزاً بعد التهديد الجماعي للضاحية في اليوم نفسه. لم تكن هذه المراكز كافية لاستيعاب الأعداد الهائلة من النازحين الباحثين عن مأوى في العاصمة التي بقيت المكان الأنسب لكثيرين منهم. فلجأت آلاف العائلات إلى المساحات العامة، من بينها محيط حرش بيروت، وكورنيش الرملة البيضاء، وكورنيش عين المريسة، وكورنيش الروشة، وساحة الشهداء.

وبمقاربة طبقية واضحة، جالت القوى الأمنية على العائلات، تحديداً تلك التي افترشت الكورنيش وساحة الشهداء، وطلبت منها الانتقال إلى البيال، “ليبقى الكورنيش للسواح” على حد تعبيرها، وذلك بحسب شهادات عشرات النازحين اللواتي والذين قمنا بمقابلتهم خلال الأسابيع الأولى للحرب. وقد امتثل كثيرون لهذا التوجيه، لا سيما بعد الاستهداف الاسرائيلي لكورنيش الرملة البيضاء، فدخلوا إلى البيال بصورة هادئة وعلنية ووفقاً لتوجيه مباشر من السلطة عبر أجهزتها الأمنية.

وصل عدد العائلات إلى 830 عائلة، ونظراً للأوضاع القاسية التي كانوا يعيشونها لا سيما البرد والشتاء، بادرت مجموعات وحملات إغاثة عدة بتزويدهم بالخيم، ثم بوضع ألواح خشب تحت الخيم لحمايتها من مياه الأمطار الغزيرة. 

إلا أن وجودهم في البيال تحوّل إلى نموذج لإدارة التهجير عبر الحصار والضبط فتم تقييد المساعدات ومنع إقامة الحمامات من قبل منظمات الإغاثة ومنع إقامة مستوصف متنقل ومنع مرور شاحنات جمع النفايات وإطفاء النور عن المساحة. أما بدءاً من 18 أيار، قررت السلطة متمثلة بالبلدية ووزارة الشؤون “إدارة” هذه المساحة، فنقلت القوى الأمنية العائلات إلى رقعة أصغر داخل عقار ضمن المنطقة. وقد صرّح ممثل بلدية بيروت وقتها بأن الهدف من ذلك هو “حصر النازحين في أراضي البلدية، وإخلاء الأراضي الخاصة” مع محاولة تأمين مستلزماتهم والسيطرة على الوضع لوجستياً.

مع هذه المبادرة، تصاعدت إجراءات التضييق بصورة ممنهجة، فحصرت العائلات في مساحة ضيقة، وخضعت المساعدات الإنسانية لرقابة البلدية، وهدمت حتى الخيم الدراسية التي أنشئت لتعويض الأطفال عن انقطاعهم عن التعليم، قبل أن تتوج هذه السياسة بتهديد أكثر من مئة عائلة بالإخلاء النهائي من البيال بحلول 30 حزيران من دون توفير أي بدائل. كما وجهت العائلات إلى مدارس ومراكز إيواء كان من المفترض أن تستقبلهم ليتبين أنها غير قادرة على استقبالهم وبحجج مختلفة، ليُتركوا مجدداً بلا مأوى وبلا خيارات.

باتت البيال مساحة تكشف كيفية إدارة السلطة لمساحات المدينة في لحظة الأزمة، من استقطاب النازحين إليه، إلى حصرهم داخله، ثم محاصرتهم، وأخيراً إقصائهم منه.

تاريخ ردم الواجهة البحرية

أبعد من مشهد الإقصاء هذا، من الضروري مراجعة تاريخ هذه المساحة وكيف سلبت من المجتمع ككل. فلم تكن الواجهة البحرية لوسط بيروت كما نعرفها اليوم ثابتة عبر الزمن، بل وٌلِدَت نتيجة تحوّلات متراكمة أعادت رسم خط الساحل بشكل تدريجي. فحتى بدايات القرن العشرين، كان البحر يتوغّل أبعد داخل المدينة عند هذه النقطة، وكانت عمليات الردم محدودة ومتصلة بتوسعة المرفأ وبعض مشاريع البنية التحتية خلال فترات الانتداب وما بعدها. إلا أن فكرة ردم أجزاء من الواجهة البحرية لم تكن وليدة مرحلة إعادة الإعمار، إذ تعود بعض المخططات لتوسعة الساحل، ولا سيما في منطقة النورماندي، إلى الستينيات ضمن تصورات عمرانية هدفت إلى توسيع اليابسة وإنشاء طريق ساحلي جديد1Éric Verdeil. Seafront Reclamations, Rubble, and Waste: A Metabolic Reading of Lebanese Urbanization. 2021, Reference Link 

 أما التحول الجذري في هذه المنطقة الساحلية فحصل خلال الحرب الأهلية (من 1975 حتى 1990)، حين كانت منطقة النورماندي من أكثر المناطق تضرراً بفعل موقعها على حدود خطوط التماس. بدأت كميات ضخمة من ركام الأبنية المهدمة والنفايات الصلبة ترمى بشكل مباشر في البحر منذ 1978. ومع الوقت، تراكمت هذه الردميات لتشكل ما عرف لاحقاً بـ«مكب النورماندي». في حين قد يظهر المكب كنتيجة مباشرة للحرب نفسها، ولانهيار أدوات تنظيم المدينة وإدارتها، غير أن البعض يرى أن اختيار هذا الموقع للردم لم يكن منفصلاً عن مخططات سابقة لاستصلاح الساحل، بحيث وفّرت الحرب والدمار الناتج عنها المواد اللازمة لتنفيذ تصورات عمرانية كانت مطروحة قبل اندلاعها2Éric Verdeil. Seafront Reclamations, Rubble, and Waste: A Metabolic Reading of Lebanese Urbanization. 2021, Reference Link.

بعد انتهاء الحرب، لم تتم إزالة هذا المكب ولم يعالج بوصفه مشكلة بيئية أو حضرية، بل جرى تثبيت وجوده كواقع وإعادة إدخاله في مشروع إعادة إعمار وسط بيروت. خلال التسعينيات، ومع تأسيس شركة “سوليدير”،  قامت الشركة بعمليات ردم إضافية وبناء حواجز بحرية، ما أدى إلى توسيع الواجهة البحرية وتثبيت مساحة جديدة لليابسة داخل البحر للبيع أو الاستثمار3المصدر نفسه. كما يشير الباحث إريك فرداي إلى أن الدولة، بدلاً من تحمل كلفة تثبيت الردميات وتأهيلها، قدّمت الأراضي المستصلحة لشركة «سوليدير» كمساهمة عينية4 المصدر نفسه، الأمر الذي حوّل الردميات من مخلفات حرب إلى أصل عقاري ذي قيمة اقتصادية عالية، ورسّخ استخدامها كأساس لمشاريع استثمارية على الواجهة البحرية (مثل المارينا ومركز “البيال” وغيرها من مشاريع الواجهة البحرية).

المرسوم 5665 وخصخصة الملك العام

ومن المهم هنا التذكير بأن مساحات الردم، وفق الإطار القانوني اللبناني، تُعدّ جزءًا من الأملاك العمومية البحرية. إلا أن مرحلة ما بعد الحرب أعادت طرح سؤال الملكية بشكل جذري، خصوصاً مع إدخال هذه الأراضي ضمن منطق الاستثمار وإعادة التنظيم العمراني. في هذا السياق، يأتي المرسوم رقم 5665 كمحطة مفصلية، وكامتداد لما أسّس له مرسوم إنشاء “سوليدير”، إذ شرعن نقل مساحات واسعة من الأراضي الناتجة عن ردم البحر في وسط بيروت إليها، ضمن إطار شراكة مع الدولة يفترض أنها تقابل تنفيذ أعمال البنية التحتية والردم وإعادة الإعمار في وسط المدينة. لكن عملياً، أدّى هذا الإطار إلى إعادة تعريف العلاقة بين البحر والمدينة، وبين الملك العام ومنطق الاستثمار الخاص، بحيث لم يعد البحر مجرد فضاء طبيعي للمدينة بل أصبح جزءاً من منظومة إنتاج عقاري.

بناءاً عليه، يصبح تاريخ الردم امتداداً مباشراً لمسار تحويل المكان من فضاء عام نشأ من ركام الحرب إلى مساحة مُنظمة ومُعاد إنتاجها ضمن مشروع تطوير عقاري واسع، أعاد توزيع العلاقة بين الأرض والقيمة والملكية.

ففي عام 1994 أبرم مجلس الإنماء والإعمار عقد شراكة «رضائي» مع شركة “سوليدير” (المرسوم رقم 5665)، قضى بتنازل الدولة عن 291,800 متر مربع من الأملاك العمومية المستحدثة من ردم البحر، مقابل تنفيذ الشركة لأعمال البنية التحتية في وسط المدينة التقليدي، وأعمال الردم، والبنية التحتية الناتجة عنها. يُظهر هذا العقد كيف تُستخدم أدوات الدولة نفسها ضمن ترتيبات تعاقدية تعيد إنتاج الملك العام ضمن منطق استثماري محدد، وليس بوصفه ملكاً عاماً بالمعنى التقليدي.

وعند النظر إلى قيمة الأشغال التي قُدّرت في حينه بنحو 475 مليون دولار، يظهر أن هذا التبادل لم يكن تقنياً أو متكافئاً بالمعنى الاقتصادي المباشر، إذ أن الشركة حصلت عملياً على الأرض المستحدثة بسعر يقارب 1627 دولاراً للمتر المربع، بينما ارتفعت قيمتها لاحقاً إلى ما يقارب 5500 – 7000 دولار، وهو ما يكشف فجوة واضحة بين كلفة الاستثمار والعائد العقاري، ويعكس طريقة إعادة توزيع القيمة الحضرية ضمن نموذج إعادة الإعمار نفسه.

وقد استمرّ هذا النهج من تخلّي الدولة عن أملاكها العامة وخصخصتها بحجة تشجيع الاستثمار طيلة العقود التي تلت إنشاء سوليدير. ففي عام 1995 تم تعديل نظام إشغال الأملاك العامة البحرية  بموجب المرسوم  7464 وإلغاء الفقرة التي كانت تحظر إشغال الأملاك العامة البحرية في المنطقة العاشرة في مدينة بيروت والتي تضم واجهة بيروت البحرية، فتوالت مراسيم الإشغال في هذه المنطقة لعدة شركات من بعد هذا التعديل. كما وُسِّعت صلاحيات “سوليدير” نفسها عام 2007 بموجب  المرسوم 207 فتم تعديل النظام الأساسي للشركة وزيادة صلاحيات القيام بالخدمات والأعمال الاستشارية والهندسية والتطويرية في كافة المجالات العقارية والتنظيم المديني ولكافة المشاريع العقارية والعمرانية بما فيها ترتيب المناطق والمدن وتطويرها في كافة المناطق والمدن داخل لبنان وخارجه، ما يوسّع نطاق أعمالها وماهيته من دون أي ضابط، وبغطاء رسمي من الدولة. كما أنّه لطالما كانت مدة عمل الشركة موضع نقاش وقد تم تعديلها بموجب المرسوم 15909 عام 2005 لتصبح المدة خمسة وثلاثون سنة تبدأ من تاريخ التأسيس النهائي أي من تاريخ 10/5/1994 تاريخ تسجيل الشركة في السجل التجاري، والتي تنتهي فعلياً في 2029. ويتمّ الحديث حالياً على طاولة مجلس الوزراء بتمديد هذه المدة التي شارفت على الانتهاء وقد طرح هذا البند  في جدول أعمال جلسة 25 حزيران الحالي بناءاً لطلب الشركة ومساهميها وقد تم تشكيل لجنة وزارية لهذه الغاية  واحالة طلب الشركة إليها لدراسته ورفع توصياتها خلال مهلة أسبوعين. ويأتي هذا الطلب بحجة أن المدة المتبقية أي أقل من 3 سنوات تعيق استثمار الشركات لأموالها، ما يوجب التمديد لها للحفاظ على أرباحها وامتيازاتها. 

مواجهة المرسوم

لم تمر قصة المرسوم من دون اعتراض، بل واجهت منذ التسعينيات أشكالاً متعددة من المواجهة التي أعادت طرح السؤال الأساسي: لمن تنتمي المدينة، ومن يحدّد وظائف فضاءاتها؟ 

فقد اعترضت في التسعينيات جهات نقابية، وهيئات المجتمع المدني، وبعض الخبراء المعماريين على المرسوم، ومن أبرز هذه الجهات نقابة المهندسين ولجان أصحاب الحقوق ونواب ووزراء ونواب سابقون مثل سليم الحص ونجاح واكيم، وآخرين، انتقدوا منح الشركة أراضي واسعة من الأملاك البحرية المستحدثة. 

وفي عام 2012، برزت مبادرة «مشاع»، للدفاع عن «المشاعات» أو الموارد المشتركة بداية من مواجهة التعديات على الشاطئ اللبناني وحرية الوصول إليه. وقد انطلقت من فكرة بسيطة تقول بأن المشكلة ليست في غياب القوانين، إذ أن التشريعات اللبنانية تحمي الأملاك العامة البحرية، بل في تعطيل هذه الحماية عبر الاستثناءات والمراسيم التي سمحت بتحويل أجزاء واسعة من الساحل إلى مشاريع خاصة. وسرعان ما توسّع عمل المبادرة ليشمل نقد نموذج إعادة إعمار وسط بيروت نفسه، باعتباره نموذجاً أعاد تعريف قلب المدينة والواجهة البحرية وفق منطق إنتاج القيمة العقارية والاستثمار، لا وفق وظيفة عامة مشتركة.

وفي هذا السياق، لم تكتف حركة «مشاع» بانتقاد المرسوم رقم 5665، بل طرحت تصوراً بديلاً لمستقبل المنطقة المردومة. فقد طالبت بإلغاء المرسوم والاتفاقية الموقعة بين مجلس الإنماء والإعمار وشركة «سوليدير»، وبإعادة النظر في آلية نقل نحو 291,800 متر مربع5الاخبار. (2012). سوليدير: هل حولت شاطئ البحر المتوسط الى عقار. سوليدير: هل حولت شاطئ البحر المتوسط الى عقار؟ | البوابة من الأملاك العامة المستحدثة من ردم البحر إلى الشركة، والتي جرت بحجة تسديد أكلاف أعمال الردم والبنية التحتية.

كما دعت الحركة إلى وضع مخطّط توجيهي شامل للمنطقة المردومة يحوّلها إلى متنزه وطني مفتوح لجميع اللبنانيين، وإلغاء الحقوق التي تسمح بإقامة مشاريع سياحية أو تجارية أو سكنية مغلقة أمام فئات السكان المختلفة. ويأتي هذا الطرح انطلاقاً من اعتبار أن الأراضي المستحدثة من البحر ليست مجرد عقارات جديدة، بل امتداد طبيعي للملك العام البحري.

ولم تقتصر مطالب «مشاع» على المنطقة المردومة، بل شملت رؤية أوسع لاستعادة الفضاءات العامة في بيروت الكبرى مثل إعادة فتح حرش بيروت أمام جميع السكان (الذي كان ما زال مغلقاً في وقتها)، حماية منطقة الدالية والرملة البيضاء، استرداد ميدان سباق الخيل ونادي الغولف للمنفعة العامة، إنشاء حدائق عامة على العقارات التي ما زالت تملكها الدولة، واستعادة الوظيفة العامة لساحتي الشهداء ورياض الصلح. كما طالبت بمنع إقامة أي منشآت تحجب البحر أو تفصل المدينة عنه، وإعادة الاعتبار للأسماء التاريخية للأماكن التي جرى تغييرها ضمن منطق تجاري، باعتبار أن السيطرة على المدينة لا تتم فقط عبر الملكية بل أيضاً عبر السيطرة على ذاكرتها ومعانيها.

ملكيات العقارات اليوم

وبالعودة إلى العقارات الواقعة ضمن منطقة الردم المستحدثة التي تضمّ اليوم منطقة “البيال”، يتّضح أن نقل الملكية إلى شركة “سوليدير” بموجب المرسوم 5665 كان مجرد البداية. فبعد أن نقلت ملكية القسم الأكبر من هذه الأراضي إلى الشركة، تحوّلت هذه العقارات تدريجياً إلى سلعة قابلة للتداول في السوق العقارية، لتدخل شركات استثمارية ومطوّرون عقاريون جدد إلى المنطقة عبر عمليات شراء متلاحقة. وبذلك، لم تقتصر استفادة “سوليدير” على الحصول على الأراضي العامة مقابل كلفة متدنّية مقارنة بقيمتها اللاحقة، بل حقّقت أيضاً أرباحاً إضافية من إعادة بيع أجزاء منها بعد ارتفاع أسعارها بصورة كبيرة.

ويكشف هذا المسار أن عملية الخصخصة لم تقتصر على لحظة نقل الملكية من الدولة إلى “سوليدير”، بل استمرت عبر الطريقة التي أديرت بها هذه الأراضي لاحقاً. فالقيمة لم تنتج فقط من خلال تطوير العقارات، بل أيضا من خلال الاحتفاظ بها وانتظار ارتفاع أسعارها وإعادة طرحها في السوق في اللحظة التي تحقق أعلى عائد ممكن، من خلال المضاربة العقارية. وبذلك تحولت الأرض من مورد مرتبط بوظيفة المدينة إلى أصل مالي يمكن تخزينه وتداوله وجني الأرباح الطائلة منه. 

ويظهر تحليل الإفادات العقارية6يستند هذا التحليل إلى أرقام العقارات المستخرجة من خريطة عقارية من ال 2004 غير محدثة. ونظرًا لعدم توفر جميع أرقام العقارات ضمن منطقة الدراسة، فقد اقتصر التحليل على الجزء المتاح من الإفادات العقارية، في حين أنه قد تكون طرأت تعديلات على الخريطة العقارية أو أرقام العقارات في السجلات الرسمية. أن “سوليدير” تملك اليوم ستة عقارات تبلغ مساحتها الإجمالية 49,703 أمتار مربعة، أي ما يزيد على 62% من مجموع المساحة. أما بقية العقارات، فتتوزّع بين 12 شركة عقارية تمتلك 11 عقاراً بمساحة إجمالية تبلغ 22,577 متراً مربعاً، إضافة إلى 3 عقارات يملكها 4 أفراد لبنانيون وأجانب بمساحة تبلغ 5,520 متراً مربعاً، وعقار واحد بمساحة 1,580 متراً مربعاً يملكه بنك لبنان والمهجر، كما يظهر في الرسوم البيانية أدناه.

ولا يعكس هذا التوزيع التنوّع في المالكين فقط، بل يكشف استمرار الطابع الاحتكاري للمنطقة. فرغم انتقال عدد من العقارات إلى شركات أخرى، بقيت الملكية محصورة بمجموعة صغيرة من الفاعلين العقاريين والماليين.

إن عمليات البيع لم تؤدِّ إلى فتح المجال أمام ملكية أوسع أو استخدام أكثر تنوعاً للواجهة البحرية، بل أدّت فعلياً إلى إعادة توزيع جزئي للملكية ضمن دائرة محدودة من المستثمرين القادرين على تحمل قيمة الشراء المرتفعة لهذه الأراضي. وهذا يعكس استمرار منطق الريع العقاري الذي سيطر على المنطقة منذ إنشائها، حيث بقيت الأرض مرتبطة بقدرتها على توليد القيمة المالية أكثر من ارتباطها بوظيفتها الاجتماعية المدينية.

وتظهر بيانات انتقال الملكيات7يستند هذا التحليل إلى أرقام العقارات المستخرجة من خريطة عقارية من ال 2004 غير محدثة. ونظرًا لعدم توفر جميع أرقام العقارات ضمن منطقة الدراسة، فقد اقتصر التحليل على الجزء المتاح من الإفادات العقارية، في حين أنه قد تكون طرأت تعديلات على الخريطة العقارية أو أرقام العقارات في السجلات الرسمية. أيضاً أن عمليات البيع لم تكن موزّعة بالتساوي على امتداد السنوات. فمنذ افتتاح “مركز بيروت للمعارض والترفيه” (البيال) عام 2001، بدأت بعض العقارات بالانتقال من “سوليدير” إلى مالكين آخرين اعتباراً  من عام 2004. إلا أن اللافت هو تسجيل عام 2020، أي بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي، أعلى عدد من عمليات البيع، إذ شهد أربع بيوعات شكّلت أكثر من 36% من مجمل المساحات المباعة منذ عام 2004. ويشير ذلك إلى أن الأزمة الاقتصادية لم تؤد إلى تجميد النشاط العقاري في هذه المنطقة، بل فتحت المجال أمام إعادة تموضع الرساميل وتبدّل المالكين في واحدة من أعلى الأراضي قيمة في لبنان.

وبالنظر إلى الارتفاع في عام 2020 وعند مقارنته بالمرحلة السابقة، ولا سيما عام 2012 يمكن تحليل دوافع مختلفة وراء ارتفاع عدد البيوعات ومساحاتها. ففي عام 2012، جاءت عمليات بيع الأراضي ضمن سياق مختلف، حيث كانت سوليدير لا تزال تعمل ضمن منطق تطوير منطقة وسط بيروت وتحويل جزء من مخزونها العقاري إلى عوائد مالية في فترة ارتفعت فيها أسعار العقارات بشكل ملحوظ. أما في عام 2020، فقد حدثت عمليات البيع في سياق الانهيار المالي اللبناني، حيث أصبحت السيولة أكثر أهمية من الاحتفاظ بالأصول غير المستثمرة، خاصة في ظل القيود المصرفية وتراجع القدرة على الوصول إلى الأموال.

وللمفارقة فإنه في الوقت الذي كانت فيه شرائح واسعة من السكان تفقد قدرتها على السكن أو حتى على البقاء داخل المدينة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، استمرّت الأراضي المستحدثة من البحر في التداول بين الشركات والمستثمرين. وبالتالي، لا تكشف خريطة الملكيات الحالية فقط نتائج المرسوم رقم 5665، بل تظهر أيضاً استمرارية النموذج الريعي الذي أسّسه. فالخصخصة لم تكن حدثاً وقع في التسعينيات وانتهى، وإنما عملية مستمرة حصرت دور الأرض،  وبالأخص وسط بيروت، بتراكم رأس المال. ونتيجة لذلك، تحولت أجزاء من وسط بيروت تدريجياً إلى مساحة منفصلة عن محيطها، تقاس قيمتها بقدرتها على جذب الاستثمارات ورفع قيمة الأرض.

أمّا اليوم ومع طرح موضوع التمديد ل”سوليدير” قبل ثلاث سنوات من انتهاء ولايتها وبحال تم إقرار ذلك، فإن سوليدير ستكتسب وقتاً إضافياً لإدارة وتسييل المخزون العقاري الذي ما زال بحوزتها في منطقة وسط بيروت ككل. وكانت الشركة قد قدّرت في تقريرها السنوي لعام 2012 حجم العقارات التي لا تزال تملكها بنحو 1.35 مليون متر مربع، بقيمة بلغت حينها نحو 2.5 مليار دولار.8عقيقي، فيفيان. (تموز 2026). الرسائل السلبية التي يرسلها تمديد عمر شركة «سوليدير» اللبناني.موقع صفر. رابط المصدر SOLIDERE Annual Report 2012. Reference link ولا يتعلق هذا التمديد بمستقبل الشركة القانوني فقط، بل باستمرار النموذج الذي قامت عليه منذ تأسيسها، حيث تتحوّل الأرض إلى أصل مالي يعتمد على ارتفاع قيمته أكثر من ارتباطه بوظيفته الحضرية. وبالتالي، فإن تمديد ولاية “سوليدير” يعزّز منطق المضاربة العقارية الذي حكم عمل الشركة لعقود، ويكرس استمرار الاقتصاد الريعي على حساب أي استخدام بديل للأرض يخدم وظيفة اجتماعية أو إنتاجية للمدينة بهدف فك عزلتها وإعادتها للمجتمع.

الخاتمة

تبقى منطقة البيال إحدى أكثر النقاط رمزية في هذا الصراع. فالموقع لا يمثل مجرد مركز للمعارض والمؤتمرات، بل يقوم على أراض مستحدثة من ردم البحر، كانت في أساس النقاش حول مصير الملك العام. وتعيد قضية إخلاء النازحين من البيال اليوم إحياء هذا النقاش، إذ أن المساحة التي كانت موضوعاً للصراع حول خصخصة الواجهة البحرية تحوّلت في لحظة الأزمة الإنسانية إلى مساحة يُقصى منها الناس باسم تنظيم الأملاك العامة وتحسين المشهد.

وبذلك تكشف قضية البيال استمرار المنطق نفسه الذي حكم الواجهة البحرية منذ التسعينيات، أي إعطاء الأولوية لقيمة المكان الاقتصادية وصورته العمرانية على حساب الحق في المدينة، سواء تعلّق الأمر بمنع السكان من الوصول إلى الساحل أو بإقصاء الفئات الأكثر هشاشة من استخدام فضاءاته.

ومع اقتراب لبنان من مراحل جديدة من إعادة الإعمار، لا يكمن السؤال فقط في كيفية إعادة بناء ما تهدّم، بل في بحثنا عن أي مدينة نريد بناءها ولمن ستكون هذه المدينة. فقد أظهرت تجربة وسط بيروت أن إعادة الإعمار قد تتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الإقصاء إذا لم تقترن بحماية المُلك العام وضمان الحق في الوصول والاستخدام.

لذلك، فإن استعادة دور الدولة لا تعني فتح المجال أمام موجة جديدة من المشاريع الاستثمارية، بل إعادة الاعتراف بأن بعض المساحات لا تقاس فقط بقيمتها المالية. فالواجهة البحرية، والساحات، والحدائق، والشواطئ، هي موارد مشتركة تشكّل ذاكرة المدينة وحياتها اليومية، وحمايتها هي جزء أساسي من بناء مدينة أكثر عدلاً وانفتاحاً، مدينة لجميع سكانها.

المراجع:

  • 1
    Éric Verdeil. Seafront Reclamations, Rubble, and Waste: A Metabolic Reading of Lebanese Urbanization. 2021, Reference Link 

  • 2
    Éric Verdeil. Seafront Reclamations, Rubble, and Waste: A Metabolic Reading of Lebanese Urbanization. 2021, Reference Link
  • 3
    المصدر نفسه
  • 4
     المصدر نفسه
  • 5
    الاخبار. (2012). سوليدير: هل حولت شاطئ البحر المتوسط الى عقار. سوليدير: هل حولت شاطئ البحر المتوسط الى عقار؟ | البوابة
  • 6
    يستند هذا التحليل إلى أرقام العقارات المستخرجة من خريطة عقارية من ال 2004 غير محدثة. ونظرًا لعدم توفر جميع أرقام العقارات ضمن منطقة الدراسة، فقد اقتصر التحليل على الجزء المتاح من الإفادات العقارية، في حين أنه قد تكون طرأت تعديلات على الخريطة العقارية أو أرقام العقارات في السجلات الرسمية.
  • 7
    يستند هذا التحليل إلى أرقام العقارات المستخرجة من خريطة عقارية من ال 2004 غير محدثة. ونظرًا لعدم توفر جميع أرقام العقارات ضمن منطقة الدراسة، فقد اقتصر التحليل على الجزء المتاح من الإفادات العقارية، في حين أنه قد تكون طرأت تعديلات على الخريطة العقارية أو أرقام العقارات في السجلات الرسمية.
  • 8
    عقيقي، فيفيان. (تموز 2026). الرسائل السلبية التي يرسلها تمديد عمر شركة «سوليدير» اللبناني.موقع صفر. رابط المصدر SOLIDERE Annual Report 2012. Reference link
الحوكمة الحضريةالموارد الطبيعيةقضاء بيروتمحافظة بيروت
 
 
 

رسالة مشتركة إلى الجهات المعنية بأزمة النزوح: السكن حقّ لا يُؤجَّل

إن مشهد العائلات المهجّرة التي تفترش المساحات العامة أو تلك التي تجد نفسها مُجبَرة على التفاوض من أجل فتح أبواب المدارس كي لا تنام في العراء، في ظل تفاقم كلفة السكن وارتفاع بدلات …

بلدية بيروت تزيل خيم النازحين في الرملة البيضاء باستخدام القوة ودون ضمان البدائل

أقدمت القوى الأمنية صباح الخميس 31 تشرين الأول على إزالة الخيم التي كان يسكنها أكثر من سبعين نازحاًً/ة في رملة البيضا، على أن يتم نقلهم إلى مركز إيواء جديد في منطقة الكرنتينا. ألّا ...

تسليع الأملاك العامة

تستمر الدولة بتشريع سلب المجال العام أو إهماله أو السماح لتحكّم القطاع الخاص فيه، وهذه المرة عبر إصدار مجلس الوزراء مرسوماً يسمح لشركة هبة العقارية بإشغال 446 متراً مربعاً من الأملاك العمومية، تحديداً …

خصخصة الأراضي العامة: الخطر قد يصبح حقيقة

تمّ تقديم اقتراح القانون في 13/02/2023، أحيل إلى الحكومة في 22/02/2023 وإلى لجنتي الادارة والعدل والمال والموازنة في 6/12/2023 وهو قيد الدرس في اللجان. وقد عقد إجتماع للجنة الادارة والعدل بتاريخ 6/03/2024 وكانت ...

إنتاج اللا مساواة في تنظيم الأراضي اللبنانية

كيف يجري التخطيط المُدني في لبنان؟ ما هو الدافع وراء إصدار التصاميم التوجيهية؟ وبأي طريقة تنتهك هذه التصاميم الحقوق الأساسية؟ حاولنا خلال عامي 2017 و2018 أن نجيب على هذه الأسئلة، من خلال مشروعنا …

من الدالية في 1995 حتى اليوم: تمديد جديد لقانون استثناء الفنادق

اقتراح قانون يرمي إلى «تمديد العمل بالقانون رقم 264 (تمديد العمل بالقانون المتعلّق باستثناء الفنادق من بعض أحكام قانون البناء)».

قُدّم الاقتراح في 20/03/2023 وأحيل على الحكومة في 22/03/2023 وعلى لجنتَي الإدارة والعدل والأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه في 15/11/2023، وقد عقدت لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه اجتماعَين حوله في تاريخ 11/01/2024 ...

التعدّي على الأملاك العامة في القليلة: تشريع المخالفات القانونية والبيئية

أثار المرسوم رقم 14620 (الصادر في 16 كانون الثاني 2025)، الذي منح شركة خاصة حقوق إشغال على مساحة كبيرة تبلغ 14,560 متراً مربعاً من الأملاك العامة البحرية في منطقة القليلة (قضاء صور)، استياءً ...