كفاحٌ من أجل الطلاب: زينب والتعليم

“… هاي معلّمة اللغة العربية اللي فتحت مدرسة بالحرش،”هكذا عرّفتني أم حسن على زينب. “أسّسنا المدرسة أنا ورفيقتي أم آدم وبنات أبو بسام الاتنين”، أضافت زينب، وأخبرتني أنهما كانتا تقيمان الصفوف بـ”ورقة وقلم” فقط. “ما كان في موارد، بس (عملنا) شي لحتى يحسّوا الأولاد إنّه بعدن بالتعليم”. تؤكّد زينب أن “إخراج الأطفال من الأطر التعليمية، في فترات الحرب، هو شيء يجب تفادي حصوله”، لما يراكم من تأخير لدى الطلاب، وصعوبة في إعادة انتظامهم في الدوام الدراسي، بحسب قولها.

مدرسة حرش بيروت

تأسّست مدرسة الحرش بناءً على طلب من الأطفال النازحين، تقول زينب: ” كانوا متمسكين بحقهم بالتعلَم، ونحن لبّينا الطلب.” وتكمل سردها :” بنات أبو بسام الاثنتين هني اللي بلشوا الصفوف، وكانت الكبرى”رشا” (١٣ سنة) بدأت تعلّم الأطفال انكليزي، والصغرى “نور” (١١ سنة) تساعدها.” أتت الطفلتان إلى زينب ذات يوم وطلبتا منها المساعدة: “إجوا لعندي قالولي شو رأيك تعطينا حصة لغة عربية ورياضيات؟” فأجبتهم: “طبعاً، كتير بفرح بالموضوع.” أما أم جاد فكانت مهندسة المشروع، وتروي زينب: ” طرحت علينا فكرة: شو رأيكم نجمع الأولاد على التلة بداخل الحديقة تحت الشجرة، ونعطيهم دروس، وتسلية كمان، مش بس دروس.” وهكذا يكون قد اكتمل فريق وبرنامج المدرسة المؤقتة بإدارة مؤسِساتها الأربع. 

كانت مدرسة الحرش بسيطة جداً، أرضها عشبية، سقفها من  ظلال أشجار السنديان ونوافذها من نسيم تضبط إيقاعه أوراق الأشجار. كانت الصفوف تُقام على إحدى التلال داخل الحرش، على مسافة غير بعيدة عن خيامهم، إلى يمين المدخل الرئيسي، حيث ينخفض انحناء التربة إلى حدّ كبير ويحافظ على التدرّج المرجوّ كي تبقى المدرّسة في نطاق نظر التلامذة المتربعين على الأرض. 

صورة تظهر المساحة التعليمية داخل حرش بيروت التي درس تحت ظلالها الأطفال خلال فترة نزوجهم.

وصل عدد طلبة مدرسة الحرش إلى ١٣ طالباً وطالبة تراوحت أعمارهم بين ٧  و ١١ سنة، وكانوا أيضاً من جنسيات مختلفة، ضمّت الجنسيات اللبنانية والسورية والعراقية. توجّب على المدرّسات أن يضعن منهاجاً شاملاً، وأن يأخذن بعين الاعتبار تنوّع الاعمار. وتشرح زينب: ” إجي أعطي حصة العربي، أعطي حرف، نقرأ جملة معينة، بس كلهم كانوا مع بعضن يقعدوا، الكبار نعطيهم شي مختلف يعني طبعاً، انو حرف وكذا، عرفتي؟ متل سطر قراءة، قاعدة، كذا، والانجليزي والرياضيات نفس الوضع.” تخبرني زينب عن رشا ابنة أبو بسام الكبرى، وكيف كان لها طريقتها الخاصة في التعليم، حيث كانت تسخّر الرسم لنقل المعرفة، وتطلب من الأطفال أن يرسموا الرسومات، كما كانت قد أدخلت أنشطة ترفيهية تعليمية في حصص الدراسة والواجبات الدراسية. بعدها، يذهب الطلاب إلى خيمهم ويكملوا فروضهم، ويعودوا في اليوم التالي لتلاوتها أمام زملائهم، فتتم عملية تصحيح الواجبات بشكل جماعي. كان انعدام وجود لوح للشرح إشكالي، لذا كان على زينب ابتكار طريقة مختلفة لإيصال المعلومة بالموارد المتاحة أي الورقة والقلم. تشرح زينب: ” نكتب على ورقة ونقوم بتمريرها بين الأطفال ليقوموا بنقل المعلومة على أوراقهم. وهكذا كانت تنقل الواجبات اليومية والمعلومات من ذهن المدرّسات إلى دفاتر الطلاب.” 

لم تكتفي المدرّسات بالمنهاج التعليمي. كان الأطفال يعيشون ظروفاً قاسية جداً وغير معتادة، لذا أُضيفت الأنشطة الترفيهية والتوعوية إلى البرنامج، ومنها طلعات التنظيف الجماعي لحرش بيروت، وإرشادات النظافة الشخصية ودروس التنشئة الاجتماعية  عن احترام الذات والآخر. وكان للعب واللهو حيّزا مهماً في الحصص اليومية التي كانت تدوم ٣ ساعات متواصلة، من الواحدة إلى الرابعة بعد الظهر. تلخّص لي زينب فحوى المدرسة وتقول: “وأحياناً نحن كنا نحطلهم عن طريق الموبايل مثل قصة صغيرة، متل معلومة بسيطة ينبسطوا، وأحيانا غنية، كنا نغني، ويغنوا معنا، فكانت بمثابة مش بس مدرسة، كانت أنشطة للطلاب في النزوح.”

سألتها مرّة: “هل تعلمين أن المعلّمة التي أنشأت مدرسة للأطفال خلال حرب ٢٠٢٦ على الواجهة البحرية لبيروت هي أيضاً سورية الجنسية؟” وضعت يدها اليمنى بيدها اليسرى تمهيداً للاجابة وهي تراجع ذاكرتها: “لا والله، ما كتير بعرف أخبار عنهم، بعاد عنا”، مشيرة إلى تجمّع النازحين على الواجهة البحرية، خاصة وأنّها لم تحظى بالوقت الكافي لاستكشاف مختلف مناطق بيروت. وسألتها: “هل ترين ترابطاً بين سعيكنّ للمحافظة على الحد الأدنى من مظاهر الدراسة المنتظمة وتجربة الحرب الطويلة الأمد التي عشتموها في سوريا؟” فأجابت “ايه، أكيد ممكن، وأنا أساساً مدرسة وأم لطالبين وأعي أهمية التعليم”. تابعنا الحوار وفي ركن شفتيها الكثير من الكلام: “شوفي دوافع إنشاء المدرسة كثيرة، أولاً لضمان سير عملية التعليم وتقليل فجوة تأخر أو توقّف العلم، ثانياً، يعمل التعليم لصالح صحة الأطفال النفسية من خلال غرس القليل من الأمل أن الحياة مستمرة.” وتتابع: ” والتنشئة الاجتماعية.” تُعتبَر مرحلة الطفولة مرحلة حساسة في حياة الفرد، يبني فيها شخصيته وتتبلور أولى علاقاته الاجتماعية المستقلة داخل حرم المدرسة. ويجب “ملء وقت الأطفال وربطهم بواجبات تعليمية، يضيع الأطفال بدون روتين يومي.” 

في مقابلة أخرى مع أبو بسّام، وهو أيضاً سوري الجنسية، أخبرني كيف أمضى وعائلته الليلتين الأولتين من الحرب على الرصيف بلا خيمة يلتحف وعائلته بها، إلى أن مدّه جار النزوح بخيمة متواضعة. وكان حديثه محصوراً بابنتيه الطالبتين وأهمية متابعة تعليمهنّ، وكيف تمثّل الدراسة محور حياة ابنتيه، فالاثنتين من الأوائل. كانت العائلة قبل اندلاع حرب ٢٠٢٦ تسكن في منطقة الغبيري، على مسافة قريبة من حرش بيروت، في حي فرحات، حيث كانتا تتطوّعان في  مركز يقدم خدمات تعليمية وترفيهية وفنية للأطفال، وتساهمان في تعليمهم وتنشئتهم. أغلق المركز أبوابه خلال الحرب ممّا أجبر الطفلتين على التخلّي عن هوايتهما لحين اتخذتا قرار تأسيس مدرسة الحرش التي بدورها أعادت إليهما شيء من الحياة، والشعور بأنهما تقومان بشيء يفيد محيطهما. انضمّت إلينا ابنة أبو بسّام الكبرى التي لا تزال تتابع دراستها في دمشق عبر الوسائل الافتراضية، وعمرها ١٣ عاماً. غادرت العائلة سوريا منذ بضعة أشهر، وكان اتجاهها العراق وليس بيروت، غير أن ظروف الحرب أرغمت أبو بسّام على تأجيل الرحلة، وباعتبارها مرحلة انتقالية، كان خيار متابعة الابنتين سنتهما الدراسية حيث بدأتاها، الأنسب بالنسبة للعائلة. أعطيتها قلمي لتدون تجربتها في مدرسة الحرش، فكتبت:

” كنا ندرّس الأولاد ونلعب معهم ونسلّيهن ونعمل إلهم اختبارات، ويكون معنا مدرّسة لغة عربية تدرّسهم معنا لغة عربية ولغة انجليزية والرياضيات.” من ثمّ تضع نقطتها على السطر، ” كانت حرب صعبة بس تعرفنا على كتير عالم مناح، متل الأهل وأكتر وأسوء شي لما كان يصير في ضربات كتير ورا بعض، بس الحلو بالموضوع انه تقريباً عملنا بيت على الشارع العام إطلالة طابق أول.” 

لم ألتقِ بأم آدم خلال فترة النزوح إلى حرش بيروت، لذا لم يتسنّى لي أن أحاورها، غير أني التقيت بها بأكثر من مناسبة بعد حين، وفي إحدى المرّات كانت ترافقها ابنتها البالغة من العمر ٧ سنوات التي أمضت اللقاء جالسة على طاولة ترسم ما تراه أمامها، وأهدت الحاضرين الرسمة فيما بعد. كان دور أم آدم في مدرسة الحرش إدارياً. فهي لم تختصّ في التعليم، بل راحت تُساعد زينب والطفلتين على إنجاز المهام وتنظيم مشاركة الطلاب. قالت لي ذات يوم خلال البحث بالمخاطر التي يواجهها القطاع التعليمي في لبنان وهو ما يطال الأطفال من كافة جنسياتهم وانتماءاتهم: “أنا جاهزة دائماً للتطوّع بأي عمل أو مشروع من شأنه أن يساند الطلاب في سعيهم للعلم”. وهكذا كانت أم آدم تتحرّك وتنخرط في الحياة التعليمية عن قناعة راسخة بأهمية متابعة الأطفال التعليم بغض النظر عن خلفياتهم. 

المدرِّسة زينب

التحقت زينب بنازحي الحرش عام ٢٠٢٦، بعدما سبقها إخوتها إليه عام ٢٠٢٤، فكانت على علم بوجوده كبديل لمن لا خيارات له. خرجت من شقتها في بئر العبد مسرعة فجر الثالث من آذار ٢٠٢٦، أو ما يُعرف بـ”ليلة الاثني عشر غارة” عندما باغتت قوات الاحتلال الإسرائيلي سكّان الضاحية بـ١٢ قذيفة أتتهم من عرض البحر. أمضت ليلتها برفقة عائلتها مع الجموع على دوّار الطيونة حيث تجمّع عدد من سكّان الضاحية لا سيّما من سقطت الصواريخ على مقربة من منازلهم. عادت لشقتها مع شروق الشمس لتعاود الخروج منها في الخامس من آذار، في موجة الإخلاء الشاملة للضاحية الجنوبية لبيروت. خلال حرب  ٢٠٢٦ تبدّلت أحوال الكثيرون ممن استطاعوا اجتياز نزوح حرب الـ٢٠٢٤ بظروف مقبولة. فمن ناحية، استنزف نزوحهم الأوّل مدّخراتهم بأكملها، ومن ناحية أخرى لم تكن دورة الحياة قد استعادت عافيتها بالكامل في الضاحية الجنوبية لبيروت. 

كانت زينب حديثة السكن في بئر العبد، وتصفه بـ”الحيّ الهادئ وسكّانه لطيفون”، لم تشعر فيه بالغربة، مشيرة إلى تبدّل الحال عند نزوحها إلى محيط حرش بيروت، حيث نال النازحون السوريون حصّتهم من التمييز الهوياتي والعنصري من بعض أصحاب المبادرات الذين امتنعوا عن مدّهم بالقوت والدواء، ما ساهم في تعميق أزمة نزوحهم. في بعض الأحيان، كان بعض رفاق النزوح من اللبنانيين الذين يعيشون الظروف نفسها، يمدّونهم بما أمكن من المساعدات التي يتلقّونها. تخبرني أم آدم في لقاء عفوي، وهي من ساعدت زينب على إدارة الصفوف في مدرسة الحرش، عن حادثة تعرّضت لها ابنتها البالغة من العمر ٧ سنوات خلال شهر رمضان، حيث جال متطوّعون الخيام لإعطاء الأطفال الهدايا والألعاب، وحين جاء دور ابنة أم آدم، قدّمت لها المتطوّعة هدية، لتسحبها منها بعد لحظات، بعدما علمت بأنها تحمل الجنسية السورية، فما كان للطفلة إلا أن تمضي النهار في البكاء وطرح أسئلة لم تستطع أم آدم الإجابة عنها. كانت زينب قد بنت علاقة مع حرش بيروت، حيث كانت تتنزّه (تسمّي التنزّه “سيراناً”، كما كان يسمّى في لبنان وسوريا) فيه من الخامسة إلى السابعة بعد الظهر في أيّام العطلة. لم يكن لها أن تتوقّع أن تتحوّل ساعتا سيران أسبوعياً إلى ثلاثة أشهر متواصلة. 

سعت زينب لخلق جوّ مريح وصحيّ لأطفالها وعائلتها، ورتّبت مساحتها بتأنّ. نصبت زينب خيمتين، الأولى لها ولجوزها، والثانية لأولادها، ووضعتهما الواحدة مقابل الأخرى، تلتقي مداخلها عند ممرّ وسطي يصبح بنفسه باب الدخول إلى الغرفتين، بينما تعطي جوانبها للمارة، وكان هذا النمط من تطويع المساحة شائعاً بين النازحين، على الواجهة البحرية كما في محيط حرش بيروت. أمّا الرصيف الواقع خارج الخيمة ومساحتها، فهو عنصر هندسي يعمل ضدّ قواعد السكن، من نظافة وتنظيم وراحة وأمان وخصوصية. يمكن لأي سيارة أن تعبر بسرعة عالية، وأن تحمل كل أوساخ الطريق إلى داخل خيمة زينب بل إلى المحيط الأوسع. ويعني ضيق الخيم مشاركة المساحة مع أغراض العائلة على أنواعها، وتقاربها يعني انعدام الخصوصية والسكينة والهدوء التي تفرضه الدراسة والحياة العائلية. 

صورة للمسكن المؤقّت لالمدرّسة زينب وعائلتها على رصيف حرش بيروت خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان عام ٢٠٢٦

بين الحربين وما بعدهما

 قبل أن تندلع الجولة الثانية من المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي ويتوسّع العدوان، كانت زينب تعمل  كمدرّسة للأطفال السوريين، في إحدى المدارس الخاصّة في الضاحية الجنوبية لبيروت. كانت هذه المدرسة جزءاً من مشروع تربوي أوسع، يمتدّ إلى ثلاث مدارس خاصّة بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم في لبنان. كان الطلّاب السوريون ومدرّسيهم ينتظرون انتهاء الصفوف اليومية المخصصة للمنهاج اللبناني في هذه المدارس اللبنانية الثلاث، لتبدأ عند العصر صفوفهم التي تتبع المنهاج السوريّ. عمليّة من شأنها أن تمكّن الطلاب السوريين من إجراء الامتحانات الرسمية السورية، إلى أن تنجلي الأزمة ويتمكّنوا من العودة لديارهم. تابعت زينب عملها بعد الحرب، وفي مكالمة حديثة بيننا، أخبرتني ما كان يؤرقها: “من المرجح الّا تفلح إدارة المدرسة في تأمين التمويل اللازم لاستمرار التعليم في السنة المقبلة”، ما حتّم عليها وعلى مدرّسات كادحات أخريات، رغم إدراكهنّ لخسارة وظائفهنّ، أن ينتقلن إلى تعليم المنهاج اللبناني بدلاً من السوري بظرف شهرين فقط، وإتمامه بأصعب الظروف، خوفاً من الاغلاق التام للمدارس الليلية، “ما سوف يدفع بالطلاب السوريين إلى محاولة الاندماج بالمدارس الحكومية اللبنانية في دوامها الصباحي”، ويجب تحضيرهم لهذا السيناريو الذي بات مُحتملاً. وتقول: ” تعليم ٦ آلاف تلميذ سوري مهدّد، في هذه المدارس الثلاث فقط، وهو أمر بمنتهى الخطورة”، وتشرح زينب بعض المخاوف التي تتشاركها مع الأهالي السوريين: “عليكي أن تعرفي أيضاً أن التلاميذ السوريين في المدارس اللبنانية يتعرّضون لأبشع أنواع العنصرية، تصل إلى التحريض على الأذى الجسدي والضرب، فقط لحملهم الجنسية السورية”، ممّا يؤثّر على انخراطهم في المدارس ومتابعة الصفوف. اليوم، وبعد إنشائها مدرسة شعبية للأطفال اللبنانيين والسوريين والعراقيين في الحرش، يبقى أطفالها خارج الأطر التعليمية، نظراً لضيق حالتهم المادية، فلكنّ أن تتخيّلن حجم القهر الذي يملأ قلب زينب، التي كافحت من أجل الطلاب وأمضت فترة النزوح في العمل من أجل مستقبلهم. لا يقتصر الأمر على أطفال زينب انّما يمتدّ إلى العديد من العائلات اللبنانية التي التقيتها، التي لا يزال أبناؤها بعيدون عن استعادة حياتهم الدراسية. تتعدّد الأسباب، ومنها احتلال القرى الحدودية وتدمير مدارسها، غلاء أقساط المدارس الخاصة وانعدام مسؤولية وزارة التربية تجاه طلابها وأساتذتها المتعاقدين في إدارة القطاع التعليمي الحكومي، وغيرها من المشاكل الاقتصادية المتراكمة التي لا يمكن حلّها إلا بجهود مسؤولة وجدّية وقرارات مركزيّة من المؤسسات الرسمية المعنية. فإن كانت أزمة التعليم قد تسرّبت إلى الأطفال التي لم تطالهم الحرب فما بالكم بمن هجرتهم آلة القتل الاسرائيلية، وما يعانونه من انعدام الاستقرار في نزوحهم. وآخره قرار نقل النازحين من المدارس الحكومية في صور إلى مناطق أخرى مع بداية العام الدراسي، ما يرتّب على ذويهم إخراجهم من الأطر التعليمية إلى أن تستقر أحوالهم في منطقة أخرى، غير معلومة.

التعلّم من ضمن الحقوق المهدورة

خلال توسّع عدوان ٢٠٢٦، تهجّر ما يزيد عن ٣٧٠ ألف طفل. واليوم لا يزال عشرات الآلاف من الأطفال النازحين من قراهم المحتلّة وبيوتهم المدمّرة عرضة للبقاء خارج الأطر التعليمية. وقد تفاقمت الأزمة مؤخراً، حينما أصدرت وزارة التربية في لبنان قراراً علّق عمل ٣٥٠٠ أستاذ\ة متعاقد في التعليم الأساسي الرسمي نتيجة إجراء الوزارة لدراسة حاجات الناس، ما أخرج عدداً كبيراً من طلاب المدارس الرسمية من صفوفهم. ووصلت مدة الساعات الدراسية لساعتين فقط يومياً في بعض المدارس نتيجة نقص عدد الأساتذة. تتساءل إحدى المعلمات المتعاقدات قائلةً: ” ٣ أشهر من فصل الصيف، لم تكن كافية للوزارة لتنجز دراستها؟ انتظرت عشية بدء العام الدراسيّ لضربه؟ّ!”

في كتاب مفتوح إلى وزارة التربية اللبنانية في ٢٠٢٥/٩/١٠، يشرح “تجمّع أبناء البلدات الحدودية”  ظروف الطلاب النازحين ويدعوها إلى إنقاذ القطاع التربوي والتعليمي كالآتي: ” فإنّ الضرر الأكبر كان على الطلاب الذين تهجّروا من أرضهم وبيوتهم ومدارسهم وفارقوا أصدقاءهم ومعلميهم الذين تعودوا عليهم وفقدوا كتبهم وبيوتهم ونالوا ما نالوا من الرعب والخوف وكل ذلك انعكس على أدائهم الدراسي، ناهيك عن تنقّلهم من مدرسة إلى أخرى في كل مرحلة من مراحل التهجير ، ومنهم من استشهد او جُرح ومنهم من فقد أباً او اخاً أو عزيزاً ومنهم من سكن في بيوت لا تصلح للسكن فما بالك للدراسة والتعلّم .. ومنهم من لم يستطع الالتحاق بمدرسة اصلاً نتيجة الضياع والظروف التي عاشها الأهل والتنقل من بيت الى بيت.”

 “الأطفال هم مستقبلنا” عبارة يردّدها الناس بأريحية وعفوية، لصواب منطقها، كما ردّدها الأديب غسان كنفاني، لكن أين نحن من هذه المسؤولية؟ 

الأملاك العامةلبنان