لقاء سلوى :
سابين: رح اتأخر عليكي نص ساعة، آسفة. يلا حَ امشي.
أم حسن: ولا يهمك، انا بالحرش.
عام 2024 سمحت البلدية بدخول النازحين إلى الحرش والمبيت في داخله، وخلال الهدنة بدأت بلدية بيروت أعمال ترميمه بمنحة من الاتّحاد الأوروبي ضمن برنامج “Enable” الذي يهدف “إلى جعل حرش بيروت نموذجًا رائدًا لإعادة تأهيل المساحات العامة بطريقة شاملة، مستدامة وتشاركية، تعزز التماسك الاجتماعي، وتوفّر فرص عمل لائقة، وتدعم الوعي البيئي”، وليس إلى الاستجابة لحالات الطوارئ التي تستوجب تسخير المساحات المفتوحة لايواء المهجّرين جرّاء العدوان الاسرائيلي.
ومع عودة الحرب، بات الحرش المرمّم يلفظ النزوح، إذ اتخذ قرار بعدم السماح للناس نصب خيامهم بداخله، والتزم الجميع به.
كانت هذه خامس مهمة توثيقية لي في حرش بيروت. كنت قد حاورت حتى ذلك الحين تسعة أشخاص، فباتت مشيتي على الخط الشمالي الشرقي لحرش بيروت أكثر ثقة، وابتسامتي تنساب كلما رأيت من سبق لي التحدث معهم. التقيت بأم حسن داخل حرش بيروت، كما جرت العادة، نتحدث ونخطط لجولتنا، فتشاركني اقتراحاتها، أعرض عليها ما أنجزناه معًا، نراجع أسلوب عملنا، ونحسّن ما استطعنا. ترافقني أم حسن، وهي إحدى النازحات إلى محيط حرش بيروت، في جميع حواراتي. ستخصّها هذه السلسلة بنصّ يوفي دورها في هذا العمل وفي تعزيز صمود الناس حقّه. قالت لي في ذلك النهار إنها لم تفكر بأحد لنجري معه مقابلة، واقترحت أن نتجه نحو غرب الشارع باتجاه قصقص، على الرصيف الخارجي للحرش. وكنا قد بدأنا مسارنا من بوابة الحرش المقابلة للمستشفى العسكري، ولم نتجاوز المائتي متر يسارًا، فهنا، عند هذه النقطة، نُصبت أولى خيام الصبر.
سِرنا لمدّة دقيقتين، ثم بدا وكأننا دخلنا حيًا آخر، لا أعرف ناسه، وهم لا يعرفونني. أم حسن أيضًا لا تعرفهم كما تعرف من سبق أن قابلناهم، كما لو أن فاصلاً وهمياً يفصلهما عدد قليل من الخيام، متباعدة نوعا ما، لم نجد أحداً فيها. نزلنا عن الرصيف، لنحفظ خصوصيات النازحين، وأكملنا المسير. توقفنا عند عربة تبيع الكعك، قالت لي أم حسن: أطيب كعكة بدك؟ خليني شوف أهلو.. بركي هون. وجدتهم ونادتني، طلبت الكعكات، وتوجهت نحوها. هناك، خلف العربة، عرّفتني على سلوى وزوجها، فتبادلنا السلام، شرحت مهمتي، والأسباب التي دفعتنا للتوثيق فجلبت لنا كرسيان، وقالت: أهلا وسهلا.
تهجّرت سلوى من قرية عبّا قضاء النبطية في ٢ آذار ٢٠٢٦ إلى رصيف حرش بيروت، وعانت مثل الكثير من المهجّرين من عدم القدرة على إيجاد مأوى. فصارت المدينة والخيمة بالنسبة للمرأة الخمسينية مجرّد مكان مؤقت إلى حين العودة إلى قريتها التي لا تخرج من بالها.
في الثاني من أيار/مايو قرابة الساعة السادسة مساءً، وفيما كنت جالسة معها، اقتربت من سلوى وسألتها: من وين حضرتكم؟ أجابت مبتسمة: “من الجنوب، من عِبّا”. سكتُ برهةً، وتذكّرت أنّ جيش العدو كان قد أصدر تهديدًا بالإخلاء لقرية عِبّا عند الساعة ٨:٤٠ صباحًا من ذات اليوم، وشمل التهديد كلّ من قرى قعقعية الجسر، عدشيت، الشقيف، جبشيت، كفرجوز، حاروف، الدوير، دير الزهراني، وحبوش، تبعته سلسلة غارات طالت عبّا تحديدًا بشكل كبير، حزام ناري، من شأنه ان يطرد آخر الصامدين في أرضهم. أعادتني ابتسامة سلوى إلى الحديث، فسألتها: كيف وصلتوا لهون؟ حدثتني عن ابنها الذي يسكن في الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت وقالت: “ما بعرف شي بالشياح غير بيت ابني”، في إشارة إلى علاقتها غير الوثيقة مع المدينة. ورغم أنها عاشت طفولة وجيزة في منطقة المصيطبة في بيروت حيث كان يسكن والداها، إلّا أنها أمضت أغلب سنين عمرها في الجنوب.
عاشت سلوى تجربة التهجير المتكرّر، بعد أن رافقتها تهديدات الإخلاء مرّات عدّة إلى مكان نزوحها. هُجّرت أول مرة إلى منطقة الخندق الغميق في بيروت خلال عدوان عام ٢٠٢٤ حيث سكنت شقة استأجرتها مع عائلتها. وفي الثاني من آذار ٢٠٢٦ وبينما كانت وعائلتها تحاول الوصول إلى الشقة ذاتها، اشتعل محرك سيارتهم وتوقفوا عن إكمال مسيرهم، لتصلهم في الوقت نفسه رسالة مفادها أن الشقة لم تعد شاغرة، فاضطروا للتوجّه إلى الشياح حيث كان ابنها في انتظارهم. باتوا في الضاحية ليلتين ليصدر بعدها تهديدٌ بالإخلاء طال كافة أحياء الضاحية وهجّر سكانها جماعيًا في الخامس من آذار. اضطرت سلوى وعائلتها للنزوح مرة أخرى وتوجّهوا نحو شمال بيروت الجنوبية، أو شمال الحرب. في الطريق، وعند إحدى المداخل الجنوبية لبيروت الإدارية، خروجاً من الشياح، كان بعض النازحين قد تجمّعوا على الأرصفة في محيط الفاكهاني. تصف وصولهم ذلك اليوم قائلة: “كان في شوية ناس قعدنا حدن جابولنا أكل بس ما أكلنا. كان رمضان وكنا صايمين”.
إلى جانب عنف العدوان، اضطرّت سلوى العبّاوية أن تصطدم بعنف لم يخطر ببالها وهو عنف القوى الأمنية. خلال وجودهم على الرصيف مع عدد من المهجّرين الغرباء عنها، وصلتهم أنباء عن دخول البعض الى مدرسة على مقربة من منطقة البطركية، حمل النبأ في طياته طمأنة تدعوهم إلى الالتحاق بهم، فغادروا الرصيف واتّجهوا إلى المدرسة ظنّا منهم بأنهم وجدوا مكانا يأويهم ولكن ما لبثت أن حضرت القوى الأمنية بقوتها الضاربة وأخرجت الجميع من المدرسة بالقوة. تقول سلوى واصفةً الحادثة: “بنتي من قهرها صرّخت عليهم شوي، بس نحنا ما قربنا وفلينا وجينا لهون… ناموا الأولاد بالسيارة وأنا وزوجي على الأرض، البرد كان كتير قوي، إيديّ كانوا زرق لونن أزرق”.
قتل البرد والنوم في العراء امرأة نازحة كبيرة في السن توفيت في الليلتين الأولتين، بحسب ما أخبرتنا سلوى. وهذه لم تكن حادثة الوفاة الوحيدة التي كان يمكن تفاديها وعاشها النازحون في أولى لياليهم في الحرش. هبة الحلبية، نازحة سورية، أخبرتني عن اختها الشابة التي امتلأت رئتاها بالماء بعدما أصابها رشح قاس، وماتت بسبب عدم توفر سرير في المستشفى لديه المعدات اللازمة لإغاثتها كونها تحمل الجنسية السورية.
بعد حديث كاد يطول عن قسوة النزوح في أيامه الأولى، نظرت سلوى في عيني وقالت: “ليكي، انت بدك تخلقي الحياة”.وتابعت حديثها عن أثر الحرب على الأطفال: “انظلموا كتير الأطفال بهالحرب”، مشيرة الى حفيدها الذي وصل لتوه مع أبيه وراح يحوم حول جدّته لترحّب به وعاد مسرعا نحو أباه، “الأولاد بدك تقويهم والا كيف منصمد؟ في موجة حرب جاية علينا، متوقع.. بس ما بيقدروا يبيدونا، ما قدروا يبيدوا غزة”.
عِبّا حاضرة في يوميّات النزوح
تتحدث سلوى عن حاجياتها اليومية التي تشتريها من طريق الجديدة، وان سمح الوضع، من الشياح، تلتفت لأم حسن لتشرح لها أن أهل الضاحية بإمكانهم العودة لتفقد بيوتهم وقضاء جزء من حاجاتهم فيها أما أهل القرى فقد حرموا من قراهم بالكامل، وذلك يحتّم عليهم أن يسكنوا الخيمة ومحيطها الضيق والمباشر بطريقة تختلف عنها. وفيما تخبرني عن علاقتها بالوقت، وكيف يمضي، تضيف أم حسن فور انتهاء كلام سلوى: لا، نحن الوقت بيقطع كتير بسرعة عنا، لان على الباب”، فتجيبها سلوى: “لا نحن منفضل هون لان بعيد عن الناس، بس بالليل منحس حالنا بالمطار، سيارات سيارات”. انسجمتا بحديث من الأخذ والرد والضحك تقارنان فيه موقعي خيمهن، وإذ بسلوى تعيدني الى الحوار ضاحكة: “منقسم المعاناة على بعض بيقطع كل شي”.
تختلف تجربة النزوح بين أم حسن وسلوى، فأم حسن تعتبر الخيمة مكان للنوم وللمكوث بعيداً عن الخطر فور اقترابه خلال النهار الذي تقضيه في منزلها في الضاحية. فهي مكتفية بخيمة صناعية، تصلح للتخييم لبضعة ليالٍ كحدّ أقصى، أما سلوى فتبقى بعيدة كل البعد عن يومياتها المعتادة لأجل غير معروف، لذا تقضي وقت أطول في النزوح مع زوجها وأولادهما، ويحتاجان مثلا إلى مكان للجلوس فيه خلال النهار خارج الخيمة، حيث استقبلتنا، على الشرفة التي صنعتها أمام الخيمة. “وتقول انا بحب البلكون، قلتله لزوجي يعملي بلكون”.
ونحن نتحدّث سوياً، جاء الطفل مجدداً إلى أحضان جدّته، فأخبرتنا عن الغارة المباغتة التي أصابت المبنى الملاصق للعمارة التي تسكنها عائلة ابنها في الضاحية في إحدى ليالي حرب ال٢٠٢٤، وشرحت لنا كيف يكرّر الصبي صوت صفير الصاروخ عند سقوطه. كنت أدوّن ملاحظاتي بقلمٍ أوتوماتيكي، فيه ١٠ ألوان مختلفة من الحبر، وهو نسخة معدّلة عن ذاك القلم الذي يحوي أربعة ألوان والذي رافق طفولة معظمنا. ابتعته من إهدن، كانت اهدن الشمالية من بين المدن التي احتضنت المهجّرين، فقصدتها مرّة بغرض الاستجمام دون الانفصال عن الواقع. راح الطفل يحدّق به، وهو لا يتجاوز عمره ال٤ سنوات، فأعطيته القلم وورقة بيضاء، وطلبت منه أن يرسم لنا رسمة، فقالت له جدّته، “ارسم عبّا، ما اشتقتلها؟” فابتسم الطفل وراح يرسم لمدّة ١٠ دقائق. تحكم الألوان جرّة القلم، وكأن اللون هو ما يحدّد بدء الفكرة ونهايتها. لم أعد أذكر مَن مِن الحاضرين تدخّل لكتابة كلمة عِبّا. لم يترك الولد القلم الى أن ناداه أبوه، وكان قد حان وقت العودة الى منزلهم في الضاحية.

وقفت سلوى والتفتت نحو الحافة التي تفصلها عن حرش بيروت، كشفت الغطاء عن سلة مليئة بالأكيدنيا، واعطتني منها حبة قائلة: “هي من عنا، من عِبّا”، تقاسمتها مع أم حسن، كدت أدمع لمأكلها، رغم ان عِبّا كانت لا تزال بعيدة نوعا ما عن وطأة أقدام جنود الاحتلال الغازية، وتقدّمهم الذي يقتلع الأشجار المعمرة ويجرف الحاكورات والبيوت. نظرت أم حسن البيروتية الى ردة فعلي المتأثرة وحاولت أن توحي لي بأنها لا تفهم ماذا يحصل، لم تجد حبة الاكيدنيا لذيذة لدرجة التأثر، تاهت في هذه اللحظة الرومنسية المفرطة بنظرها، لم ترد مقاطعتها وفي الوقت نفسه لم تجد لنفسها مكاناً فيها. تركتنا لننتهي من هذه الحالة. تحدثنا عن هذه اللحظة في طريق عودتنا من خيمة سلوى، فهمت ما كان يجول بخاطرها ففي نهاية المطاف “كلها حبة اكيدنيا”. فسألتها إن كانت تعلم أن هناك ثلاثة أنواع من الإكيدنيا، فنظرت إلي لتشير إلى أنها انتهت من الحوار عن الإكيدنيا.
عودة وجيزة إلى البيت ومنه الى عبّا وشِعابها
“بيتي بالضيعة بتوصلي حدو وما بتعرفي إنه في بيت من كتر الشجر. وهو بيتي بوادي. على المدخل عندي شجر أفوكادو، حامض، تين، كل الشجر طالعة لحالها”. تصنّف سلوى عبّا كقرية زراعية، مليئة بالمشاتل وهي ما تشتهر به، قرية “تشتّل” لمحيطها، رغم أنها تمدّنت بعض الشيء، ففيها أطباء وصيادلة، يوجد فيها كل شيء، ولكنها حافظت على بساطتها، “بس كلها جنينات” تضيف. تشرح لي أنّها تقع على حدود جبشيت والمنافسة بين القريتين عالية، فضحكنا. تكمل عن موقع عبّا الجغرافي “وادي الضيع المجاورة” المعروف أيضا بوادي السيد أو وادي الزهور. وراحت تعرفنا على القرى المحاذية وتحصيها: بريّا وهي قرية قليلة السكان فاغلب أهلها من المغتربين، القصيبة، أنصار وتضيف “إلّي كان فيها المعتقل”، زرارية، عدشيت، جبشيت، الدوير. تحدّق في رسمتي وتقول “هون بين جبشيت وعِبّا، في السمّوقة، هي الصواريخ بتزل على تلال الضيع اللي حدنا”.

كان قد مضى حوالي الساعة على بدء المقابلة، وكنا قد قضينا وقتاً طويلاً في ضيافتها، فالتفتت إلينا وقالت: “هلأ اليوم بالتحديد ما بقى أعرف إذا انقصف البيت لأن ضربوا ضيعتنا 5 غارات، وقت شفت الفيديو عرفتو حد بيتي.” من الممكن ان تحزن سلوى على ذكرياتها، لكنها لا تحزن على الحجر، فليس هو المهم، ما يهمها هم الناس الذين يستشهدون، دمعت عيناها وهي تقول “وحدة بتعرفيها بتختفي” وكانت تشير إلى معارفها الذين استُشهدوا خلال الحرب. تتابع، “معظم الضيعة فلّت اليوم” جراء التهديد بالإخلاء الصباحي. عادت سلوى وعائلتها إلى عبّا فور دخول الهدنة الأولى في تشرين الثاني، 2024، حيّز التنفيذ، وبقيت فيها إلى أن نزحت منها للمرة الثانية فجر الثاني من آذار 2026، لكنها تعترف بعدم شعورها بالأمان خلال فترة مكوثها في القرية. تعتبر أن الهدنة “حتى إسرائيل ترتاح مش إلنا، وهياها عملت مجازر فيها”.
لعبّا جبلها المنفرد يحدّ غربها، حرقه جيش الإحتلال الإسرائيلي بالفسفور المحرّم دولياً. انضم زوجها إلى الحديث لأول مرة منذ جلوسنا، ليروي لنا ما حصل معه. كان يشرف على أراضي الزيتون، فهي مهنته الأساسية في القرية، حينما حلقت الMK فوق رأسه، وبقيت تحوم حوله وتراقب عمله، الى أن ألقت مواد حارقة على التلال، “حرقوا كل الجبل”. تتدخل سلوى لتخبرنا عن محمية الضيعة وتقول: ” بتجنن”، زرعتها البلدية أشجار الكينا. وتكمل “هلأ قتلوا رئيس البلدية” بتهمة تأمين الأكل للأهالي الصامدة في عبا. استشهد السيد محمد حسين قاسم ترحيني، مع شرطي البلدية محمد مصطفى ترحيني وثلة من رفاقهما من أبناء القرية في 5/4/2026 وهم على رأس عملهما صامدين في عبا الوادي.
الحرش
سألتها عن علاقتها بحرش بيروت، فهو مساحة خضراء قل نظيرها في المدينة نظراً للتوسع العمراني في بلد بات التطوير العقاري العمود الفقري لاقتصاده. فتجيني: “أول فترة كنت فوت كتير على الحرش، وكنت حب اقرأ فيه، بس هلأ صار يحسّسني بالاكتئاب ما بعرف ليش. عندي رفض إله (الحرش) … بدي إبعد”.
كانت تبتسم بحسرة وهي تحاول أن تصف علاقتها بالحرش، فهي ليست واضحة تماماً لها، ولكنه مصدر للاكتئاب. سألتها عمّا تريده اسرائيل، وجاء الجواب سريعاً: “ماذا تريد؟ من الفرات إلى النيل.”
كانت سلوى من أوّل العائدين إلى أرض الجنوب، لم يتسنّى لي ان أراها وأن اتمنّى لها عودة آمنة ودائمة قبل رحيلها.

