حبّة إكيدنيا من عبّا على رصيف حرش بيروت
أول جزء من مرويات سكّان حرش بيروت خلال حرب 2026.

منذ عقود من الزمن، يقوم الاحتلال الإسرائيلي بتدمير المباني والمنازل والبنية التحتية، وحرق الأشجار، وتجريف التربة، ومحاولة السيطرة على الأرض. كما يسعى أيضًا إلى التحكم في الذاكرة والسرد والقدرة على تخيّل المستقبل.
ورغم قسوة واقع اليوم، فإن أهمية التوثيق والسرد واستعادة وكالتنا تبرز كأحد أشكال التحرر من المحتل والمقاومة ضده.
بين ٢٣ نيسان و١ حزيران عام ٢٠٢٦ أجرينا عشرات المقابلات مع المهجّرين قسرًا جرّاء العدوان الإسرائيلي على لبنان في محيط حرش بيروت وميدان سبق الخيل، نتج عنها سلسلة من المرويّات التي تتناول يوميات بعض المهجّرين وخصوصيات تهجيرهم. من هم؟ هل من شيء يجمعهم؟ من أين أتوا ولماذا توجهوا إلى الحرش؟ وكيف أصبح هذا المكان العام جزءاً أساسياً من حياتهم؟ من خلال هذه النصوص، نغطي محاور عدة تتعلق بالنزوح واهتمامات الناس خارج نزوحهم. ونروي من خلالها كيف تبدّلت المدينة من جهة لتلائم حاجاتهم، وكيف تبدّلوا بدورهم ليلائموا ضيقها.
من خلال خمسة نصوص، ننشر دردشات مع نازحين من عبّا، خربة سلم، ميس الجبل والضاحية الجنوبية، بالإضافة إلى مواضيع عديدة واجهها وعاشها سكّان أرصفة الحرش.
فعندما نكتب شهاداتنا عن كل غارة جوية هجومية، أو عندما نروي حقيقة نزوحنا بكلماتنا الخاصة، أو عندما نصف ما فقدناه، أو نعيد تصور مدننا وبلداتنا ومساحاتنا، نحن لا نوثّق الدمار فحسب، نحن نستعيد السردية: نحن موجودون، لسنا هامشيين، هذا هو مكاننا، هذا هو شكله، هذه هي حياتنا اليومية، وهذه هي ذاكرتنا.
كما أن هذه الشهادات، بكافة مستوياتها وأشكالها، هي الشاهد على تحوّل المكان العام، من مساحةً ميتة إلى فضاءٍ يجمع الناس، يأويهم ويمدّ جسراً بين الفقد والعودة.
يضيء آصف بيّات في هذا الإطار على ما أسماه “الاسترجاع الهادئ للناس العاديين”1Bayat, Asef. Life as politics: How ordinary people change the Middle East. Stanford University Press, 2013.
والذي يعرفّه بكونه “الطرق الخفية والمطوّلة التي يكافح بها الفقراء من أجل البقاء وتحسين حياتهم من خلال التأثير بهدوء على أصحاب الأملاك والنفوذ، وعلى المجتمع ككل.”
تجسّد هذه الممارسات التحرّك طويل الأمد، الصامت والبطيء، للأفراد والمجموعات التي تسعى لتحسين حياتها بشكل يفتقر إلى التنظيم السياسي، أو الهيكلية أو القيادة المحورية.
نرى الاسترجاع الهادئ (Quiet Encroachment) بشكل واضح وأساسي في وجود العائلات النازحة في المدينة، خاصة في أماكنها العامة، محقّقين تحويل كامل للمدينة، في سعيهم لتطويع المكان.
تهدف عملية التوثيق هذه إلى حلّ الفراغ الهائل في رسم المدينة المسترجَعة، المكان العام الذي، حين وضع السكان يدهم عليه، تغيّر وتبدّل وأظهر ما كان يخفي من إمكانيات جمّة: من قدرة على صقل العلاقات، وتأمين المأوى، والتحوّل استجابة لكل حاجة جديدة.
ومن هنا يبدأ مسار إعادة الإعمار —إعادة الإعمار التي لا تنتظر الإصلاح المادي أو إعادة البناء، بل تعيد إنتاج الحياة اليومية والذاكرة والقدرة على التصرف، كل منها من موقعه الخاص. وبالتالي، لا يتم تعريف إعادة الإعمار على أنها مجرد مستقبل؛ إنها معركة حالية حول المعنى، وحول العودة، وحول القدرة على خلق العالم الذي نرغب في العيش فيه.
وهذا مسعى يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتحدي صورة الدمار المفروضة علينا.
يهدف هذا الملف إلى تثبيت حق النازحين بممارسات مكانية في مدنهم وشوارعهم، والاعتراف بالممارسات المكانية للنازحين من خلال توثيقها وتسليط الضوء عليها ودعم وكالتهم الجماعية.
كما نسعى إلى وضع خطاب وممارسات يمكننا من خلالها التأكيد على حق العودة غير القابل للتصرف، والحق في إعادة بناء الأرواح والمنازل، والحق في أن نكون جزءاً لا يتجزأ من عملية صنع القرار.