الحكومة تُشَرعِن المخالفات وتصبح شريكاً في الضرر البيئي والسكني:

إصدار مرسوم يثبّت التدمير الصناعي في الكفور على الرغم من الطعون القضائية

بشكل مريب، اختارت الحكومة اليوم أن تنحاز إلى مصالح النافذين والمطورين والمستثمرين على حساب صحة الناس وبيئتها الطبيعية ومواردها الزراعية وسكنها. ففي 23 تشرين الأول 2025، أقرّ مجلس الوزراء مرسوماً متعلّقاً بتصديق التصميم التوجيهي لمنطقتَي الكفور وتول العقارية (قضاء النبطية)، ليصبح المرسوم رقم 1962 نافذاً بعد نشره في الجريدة الرسمية في 4 كانون الأول 2025. 

بين هذين التاريخين، حذّرنا وزراء عدة بضرورة ألّا يتم شرعنة هذه المخالفة، بالتزامن مع مناشدة منصات إعلامية عديدة، وذلك في سياق تقدّم استديو أشغال عامة وعدد من الأهالي بالتعاون مع المفكّرة القانونية في شباط الماضي، بدعوى قضائية لإبطال هذا التصميم التوجيهي الصادر عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني، كونه يوسّع المنطقة الصناعية على حساب صحّة الناس وبيئتهم في بلدة الكفور في جنوب لبنان، مرتكباً مخالفات جسيمة للخطة الشاملة لترتيب الأراضي ولقوانين البيئة.

القصة ليست جديدة. فمنذ عام 2016، تتوالى التعديلات على التصميم التوجيهي لمنطقتي الكفور وتول بقرارات صادرة عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني وبناءً على طلب من بلدية الكفور. وقد رصدنا هذه التعديلات بالشراكة مع مبادرة غربال، وتبيّن أن كل تعديل كان ينطلق من منطق واحد: توسيع المناطق الصناعية بشكل اعتباطي وغير مبرر على حساب الأراضي الزراعية والطبيعية. خلال هذه السنوات، تمّ تحويل نحو 830 دونماً من المناطق الزراعية والسكنية إلى مناطق صناعية، ليرتفع إجمالي المساحات الصناعية إلى 1.810 كلم²، أي ما نسبته 26.8% من مساحة البلدة. لا تقتصر مشكلة هذا التوسّع على مخالفته للخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية والتي تصنّف هذه المنطقة ضمن “المناطق الزراعية والطبيعية الرئيسية ذات أهمية وطنية”، بل يشكّل أيضاً تعدياً مباشراً على طبيعة البلدة وديموغرافيتها ومواردها.

في تفاصيل المخالفات

في 2 تشرين الثاني 2022، أصدر المجلس الأعلى للتنظيم المدني القرار رقم 18، الذي أعاد تصنيف مساحات شاسعة من الكفور من “زراعية وطبيعية” إلى “صناعية”، في تغيير جارف لا يستند إلى أي دراسة علمية أو مبرّر تخطيطي. وكانت هذه الخطوة الشرارة الأولى لردة فعل السكان، الذين لاحظوا أن قرى وبلدات كاملة في لبنان تُحوَّل تدريجياً إلى مناطق صناعية بفعل الضغوط السياسية والاستثمارية، فيما يغيب أي تخطيط وطني حقيقي. لتخفيف الاعتراضات، أصدر المجلس لاحقاً القرار رقم 17 بتاريخ 16 حزيران 2024، الذي أعاد جزءاً محدوداً جداً من المنطقة الصناعية إلى سكنية، ليصبح إجمالي المساحة الصناعية 1.745 كلم²، أي ما يعادل 25.5% من البلدة. إلا أن هذا التراجع بقي شكلياً وهامشياً.

يقع التوسّع الصناعي المقترح على تماس مباشر مع المناطق السكنية والمدرسة الرسمية، في منطقة تعاني أصلاً من مكبّات نفايات عشوائية، معامل حرق إطارات، ورش ومنشآت صناعية غير مرخّصة وتلوّث هوائي وروائح كريهة تهدّد السكان يومياً.

وبدلاً من وضع حدّ لهذه الكوارث المتراكمة، قررت الحكومة شرعنتها وتوسيع مساحتها، لتصبح الدولة التي يفترض أن تحمي الصحة العامة، شريكاً في تهديدها. في المقابل، استند الطعن بصورة أساسية إلى مخالفة المجلس الأعلى للتنظيم المدني للخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، وهي تُعدّ وثيقة تخطيطية وطنية تشكّل الإطار التوجيهي الملزِم لاستعمالات الأراضي في لبنان. كما أنّ القرارات التي جرى تثبيتها بالمرسوم 1962 تنتهك مبادئ أساسية ينص عليها قانون البيئة وقانون التنظيم المدني، لا سيما مبادئ الاحتراس، حماية الموارد الطبيعية ومنع تدهورها  والمشاركة العامة. بالإضافة إلى  أنّ هذه القرارات صدرت من دون أي تقييم للأثر البيئي، رغم أن القانون يفرض تقييماً مبدئياً واستراتيجياً لكل السياسات والخطط والبرامج العامة التي قد تؤثر على البيئة. أي أن الحكومة شرّعت مشروعاً ضخماً من دون أي فهم لآثاره أو مخاطره.

تجاهل الدعوى القضائية

ويحصل ذلك في إطار تجاهل متعمد للطعون والقضاء. ففي 6 شباط 2025، قدّم “استديو أشغال عامة”، بالتعاون مع “المفكرة القانونية” وسكان من الكفور، طعناً أمام مجلس شورى الدولة بالقرار 18/2022، مرفقاً بطلب لوقف التنفيذ. أصدر المجلس لاحقاً قراراً إعدادياً بإدخال بلدية الكفور في الدعوى وبردّ طلب وقف التنفيذ وطلب جواباً من المجلس الأعلى للتنظيم المدني، الذي لم يرد حتى اليوم. بلدية الكفور قدّمت لائحتها الجوابية في 21 أيار 2025 مستندة إلى القرار 17/2024، فيما ردّ استديو أشغال عامّة بلائحة مفصلة مع طلب إضافي لإبطال القرار الجديد أيضاً.

كان يفترض بالحكومة انتظار البتّ القضائي، لكنها فضّلت أن تتجاوز القضاء وأن تفرض أمراً واقعاً عبر المرسوم 1962، في خطوة تشكّل تدخّلاً غير مباشر في مسار العدالة.

لقد حاولنا بالفعل عند اتخاذ الحكومة لهذا القرار وقبل صدوره في الجريدة الرسمية أن نناشد عدداً من الوزراء لإعلامهم بالطعن علّه يلقى آذاناً صاغية قد تعمل على الرجوع عن هذا الخطأ الفادح ولكنّ استكمال نشر المرسوم في الجريدة الرسمية يُظهر بوضوح أنّ في أداء هؤلاء الوزراء وهذه الحكومة استخفافاً فادحاً بالقضاء وبحياة الناس وصحتهم وبيئتهم وسبل عيشهم ومستقبلهم.

ما يحصل اليوم في الكفور ليس حادثة معزولة. إنه نموذج لما قد يتكرّر في أي بلدة أو قضاء في لبنان إذا تُركت السلطة تستعمل التخطيط كأداة لصالح مستثمرين ونافذين. 

لذلك، انطلاقًا من حق سكّان الكفور بالتمتّع ببيئة آمنة وصحّة سليمة، نطالب الحكومة بالرجوع عن هذه المخالفة، وذلك عبر إلغاء المرسوم 1962، الذي يبقى قابلًا للطعن أمام مجلس شورى الدولة لنفس أسباب البطلان التي طالت القرار الذي بُني عليه.

إدارة الأراضي والتنظيم المدني الموارد الطبيعية لبنان محافظة النبطية