في 24 آب 2023، استفاق سكان بلدة الكفور في النبطية، وقد خرجت رياح سوداء من معامل تذويب الإطارات في بلدتهم وغطّت أراضيهم وبيوتهم باللون الأسود. إلى جانب هذه المعامل الثلاث، تنتشر في وادي الكفور المعامل والمصانع المرخصة وغير المرخصة، منها ما يقع قرب المناطق السكنية، يُضاف إليها عشرات مكبّات النفايات العشوائية. وقد كان لانتشار القطاع الصناعي غير المنظّم في الكفور تأثيراتٍ جمّة، خصوصاً كون المصانع تعمل دون الامتثال إلى الشروط البيئية مسببةً أنواعاً عديدة من التلوث، فضلاً عن الأضرار الصحية والمادية الجسيمة التي تلحق بأهالي الكفور وجوارها. لكن قضية الكفور أبعد من قضية ثلاثة معامل ملوثة، وهي مرتبطة بتعديلات متلاحقة في التصميم التوجيهي للمنطقة ابتداءً من العام 2016 أدّت إلى تآكل المساحات الزراعية لصالح توسع المنطقة الصناعية في السنوات الأخيرة.
في هذه السلسلة، نسلط الضوء على كارثة الكفور البيئية، مبينين كيف تنتج أدوات التنظيم المديني، التي عادةً ما تستخدم لخدمة مصالح شخصية، لأفراد أو أحزاب، كارثة بيئية، مع ما يرافق ذلك من زيادة في عدم المساواة، وتشويه عمرانيّ وبيئيّ، والاختفاء التدريجيّ للمساحات العامة والمساحات الطبيعية، وحرمان المواطنات\ين من المشاركة في صناعة مستقبلهم.
المدرسة في منطقة الصناعية
منذ الانتخابات البلدية في العام 2016، توالت التعديلات على تصنيف الأراضي في منطقتي الكفور وتول. وفي كل مرة تم فيها تعديل التصنيفات، كانت تتوسع المناطق الصناعية بشكل اعتباطي وتتآكل المساحات الزراعية.
كانت مدرسة الكفور الرسمية تقع ضمن منطقة امتداد سكني مستقبلي، في حين أصبحت تقع، بموجب تعديل العام 2022، ضمن المنطقة الصناعية الجديدة. وقد تم ذلك من دون الأخذ في الاعتبار التداعيات الصحية على رواد المدرسة وسكان المناطق المجاورة.
يخالف هذا التعديل العبثي الصادر بقرار من المجلس الأعلى للتنظيم المدني بشكل فاضح الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة بمرسوم في العام 2009، والتي يجدر الالتزام بالإجراءات التخطيطية والتنظيمية التي تضعها الخطة عند إعداد تصميم توجيهي جديد أو تعديله، حيث تم تصنيف مناطق تقع ضمن مناطق زراعية وطبيعية رئيسية وذات أهمية وطنية بحسب الخطة الشاملة كمناطق صناعية.
مكب نفايات في أراضي عامة مصنّفة زراعية وطبيعية
في سياق خطير بيئياً، تُستخدَم أراضٍ شاسعة تعود ملكيتها للدولة في منطقة الكفور مكباً للنفايات، إذ تضم المنطقة عشرات مكبّات النفايات العشوائية، ويُعدّ الوادي مكبّ نفايات لـ85% من قرى اتحاد بلديات الشقيف. كما تقع هذه الأراضي ضمن مناطق حُوّلت من زراعية إلى صناعية منذ العام 2020 وأخرى زراعية، لكنها جميعها واقعة ضمن مناطق زراعية وطبيعية رئيسية بحسب الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية. بهذه الطريقة، يجري خرق الخطة الشاملة، إذ إن المناطق المصنفة في هذه الفئة تضم أفضل الأراضي الزراعية في لبنان وتقضي المصلحة الوطنية العليا استخدام هذه الأراضي في سبيل الإنتاج الزراعي وعدم تبديدها بفعل استخدامات مغايرة، خصوصاً تلك الملّوثة للبيئة.
وقد عُدّلت تصنيفات الأراضي في الكفور منذ العام 2016 لتتوسّع المناطق الصناعية على حساب مناطق زراعية وطبيعية رئيسية، وآخرها في العام 2022 حيث صدر مخطط توجيهي بقرار من المجلس الأعلى للتنظيم المدني يخالف بشكلٍ فاضح الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة بمرسوم في العام 2009.
حفرة القمامة المربحة
تنتشر في وادي الكفور، ضمن أربعة كيلومترات مربّعة، المعامل والمصانع على اختلاف أنواعها، تُضاف إليها عشرات مكبات النفايات العشوائية، حيث يُعدّ الوادي مكبّ نفايات لخمسة وثمانين بالمئة من قرى اتحاد بلديات الشقيف.
من هذه المكبات مكب للنفايات يقع على أرض ملك الدولة، كان كسّارة خلّفت وراءها حفرة كبيرة أصبحت تُستَخدم لرمي النفايات في العقار رقم 1083. تدرّ مكبات النفايات أموالاً طائلة يتقاسمها نافذو المنطقة، ورغم استخدام أراضيها فالدولة لا تستوفي من هذه الإيرادات.
تتكاثر الشكاوى ضد الذين يحرقون النفايات في الوادي لكن بدون نتيجة. فإضافةً إلى أن هذه الممارسات تشكّل كارثة بيئية، هي تُعدّ غير قانونية إذ تحصل على أراض مصنّفة قانونياً كأراض زراعية وثروة طبيعية.
قصة النفايات مع المحمية
بدأت مشكلة الكفور مع النفايات منذ العام 1998 حين استُخدمت أرض عامة كمكب، ما لبثت القرى المحيطة أن بدأت ترمي نفاياتها فيه. ثم تم إغلاقه ليُستبدَل بمكب آخر قريب هو ملك للدولة أيضاً وكان يُستخدَم ككسارة.
في 2016، أعيد افتتاح المكب القديم مع بدء تشغيل معمل فرز النفايات الواقع بقربه، كما افتُتح أول معمل لحرق الدواليب. لكن تم إقفال المعمل والمكب بسبب رفض سكان الكفور الاستمرار في رمي نفايات 34 بلدة في الاتحاد، إضافةً إلى نفايات جزين، في بلدتهم، أي أكثر من القدرة الاستيعابية للمعمل، ما أدى إلى تراكم النفايات في محيطه ونقل نفايات طبية من مستشفيات إليه، وقد أُقفل المكب بقرار من وزارة البيئة والنيابة العامة البيئية.
معلومات بلدية وأهلية تقاطعت حول «تعمّد جهات حزبية وبلدية ومتعهدين باستمرار أزمة النفايات وإقفال معمل الكفور للاستفادة من الأموال التي يجنيها البعض لقاء رمي النفايات في مكبات عشوائية، من دون صرف تكاليف على فرزها ومعالجتها».
استجابةً للأهالي، جرت مسرحية، إذ افتتحت، في 2018، رئيسة الجمعية النسائية للحفاظ على آثار وتراث الجنوب اللبناني ورئيس اتحاد بلديات الشقيف – النبطية ورئيس بلدية الكفور محمية الشقيف الثالثة في الكفور على موقع مكب نفايات القديم الذي لا يزال يُصدر انبعاثات سامة ظاهرة للعيان، ولم يتم تأهيله بل زُرعت أشجار ما لبثت أن ماتت جراء التربة المشبعة بالسموم.
الجدير بالذكر أن التصميم التوجيهي للكفور في 2016 يلحظ أرض المحمية كأرض زراعية، إلا أن المخطط التوجيهي الأخير الصادر في 2022 بقرار من المجلس الأعلى للتنظيم المدني، الذي يخالف بشكل فاضح الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة بمرسوم في 2009، حوّل المحمية إلى تصنيف صناعي.
شهادات من سكان الكفور: تحويل التلّة الحلوة وجبل ضهر البياض إلى مناطق صناعية

يعتبر سكان الكفور أن تحويل جزء من أراضي قريتهم إلى أراض صناعية جريمة جسيمة بحقهم، سلبت منهم أراضي تتصف بطبيعة مميزة وتشكلّ جزءاً من الثروة البيئية الطبيعية في المنطقة.
منذ الانتخابات البلدية في العام 2016، توالت التعديلات على تصنيف الأراضي في منطقتي الكفور وتول. وفي كل مرة عُدّلت فيها التصنيفات، كانت تتوسع المناطق الصناعية بشكل اعتباطي فيما تتآكل المساحات الزراعية. ففي العام 2022، استُحدثت مناطق صناعية على أقسام واسعة من مناطق الامتداد السكني لجهة منطقة النميرية العقارية والمناطق الزراعية. بالتالي، حُوّل نحو 830 دونم (830 ألف متر مربع) من المناطق السكنية والزراعية إلى مناطق صناعية، ومن ضمنها “التلّة الحلوة” المذكورة، والتي تبلغ مساحتها قرابة 400 دونم.
من جهةٍ أخرى، تخالف هذه التعديلات العبثية الصادرة بقرارات من المجلس الأعلى للتنظيم المدني بشكل فاضح الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة بمرسوم في العام 2009، والتي يجدر الالتزام بالإجراءات التخطيطية والتنظيمية التي تضعها عند إعداد تصميم توجيهي جديد أو تعديله. فقد صُنّفت مناطق تقع ضمن مناطق زراعية وطبيعية رئيسية وذات أهمية وطنية بحسب الخطة الشاملة كمناطق صناعية.

في العام 2022، استُحدثت مناطق صناعية على أقسام واسعة من مناطق الامتداد السكني في الكفور، من ضمنها جبل «ضهر البياض». وقد استُحدث في المنطقة مشروع إفراز للأراضي وبدأت أعمال شقّ وتجهيز الطرقات في محيطها تسهيلاً لعملية بناء المصانع الجديدة، وتنفيذاً للتصميم التوجيهي الجديد ليصبح أمراً واقعاً، كما يتخوّف أهل المنطقة.
تكمن الكارثة في التسويق للمشروع على أنه أهم مشاريع الإفراز العقاري في الجنوب، بسبب موقع العقارات الاستراتيجي وتسهيل الوصول إليها من خلال تجهيز الطرقات الواسعة لمرور الشاحنات الثقيلة، إضافةً إلى تأمين البنى التحتية اللازمة لإنشاء المصانع (بئر مياه إرتوازي للمشروع، كهرباء وصرف صحي، إلخ).
لقد سبّب انتشار معامل إحراق الإطارات وتوسّع المناطق الصناعية أنواعاً عديدة من التلوث، وأضراراً صحية ومادية جسيمة تلحق بأهالي الكفور وجوارها.
مع ذلك، لا تقتصر الجريمة الحاصلة على أضرارها البيئية والصحية والمادية، بل تستهدف أيضاً مساحات تشكّل جزءاً أساسياً من ذاكرة سكان الكفور.