هل بقي شيء يُقال عن حيّ التنك؟

عمل ميداني وكتابة: رياض الأيّوبي

على واجهة ميناء طرابلس البحريّة التي يُعاد تقديمها كلّ مرة بوصفها بوابة المستقبل، يقوم حي التنك منذ خمسة عقود، في موضعٍ لا هو داخل المدينة ولا خارجها. ليس السكن فيه فعلًا مكتملًا؛ هو حالة مؤقّتة طويلة الأمد. الدولة فيه لا تحضر، ولكنّها لا تغيب. هو حالةٌ لا اسم لها؛ هل هو «حيّ» فعلًا؟ السؤال سياسيٌّ بامتياز. وهو سؤال قديم قِدم المكان نفسه، غير أنّ الدولة تتصرّف كلّ مرة كأنها تُفاجأ به، وكأنها تسمع عنه للمرة الأولى، حين تُدفَع إلى مواجهته.

لا يُسمَح للمقيمين هناك أن يعيشوا، وهذه ليست مبالغة بل توصيف دقيق لبنية العلاقة التي تحكم المكان. هذا هو الأساس الذي تحاول اللغة الرسميّة الالتفاف عليه: يُسمَح لهم أن يبنوا ما يمكن هدمه. البيوت غير معترف بها، السكن ليس حقًّا بل تسامحًا، والزمن الذي يقضيه الناس هناك ليس إلّا انتظارًا طويلًا لإخلاءٍ يعرف الجميع أنه آتٍ.

في أواخر العام الماضي، حين دخلت المدينة فصلها البارد، وقع ما لا يستدعي الدهشة، وما لا يمكن وصفه بالمفاجأة: دخل الحيّ فصلاً جديدًا من الاقتلاع، عندما وجدت خمس عشرة عائلة نفسها خارج مساكنها.

الذين تمّ إخلاؤهم لم يكونوا طارئين على المكان أو متسلّلين إليه في غفلة من أحد، بل عمّالٌ وعوائلهم، عاشوا هناك سنوات طويلة في منازلهم التي لم تُبنَ دفعةً واحدة، على أرضٍ منسيّةٍ حوّلوها الى حيٍّ بمعناه الاجتماعيّ. ولكن، لمّا حان الوقت، لم يُنظر إلى ما بُني إلّا كعائقٍ يجب إزالته، كأنّ ما شُيّد هناك لم يكن إلّا اعتداءٌ على مستقبل للمدينة.

لا يمكن قراءة ما جرى إلّا بوصفه تكثيفاً فجّاً لمنطق المدينة حين تنظر إلى سكّانها من علٍ، كما تُعاين خريطةً على طاولة باردة. مدينةٌ تسمح للناس أن يسكنوا التنك، شرط أن يبقى وجودهم بلا أفق، وأن يعيشوا من دون أن يُسمَح لحياتهم بأن تتقدّم خطوة واحدة. من هنا، يرى هذا المقال في حيّ التنك لا مثالًا أو دليلًا على العشوائيّة أو الافتقار للتنظيم، بل سؤالًا عن معنى الحيّ؛ فالحيّ ليس وليد الصدفة أو خطيئةً معماريّةً. بل هو الشاهد على هندسة الإقصاء.

اليوم الذي صار فيه السكن امتحاناً لا حقّاً

يبدأ تاريخ حيّ التنك من تلك اللحظة التي أعادت فيها الحرب توزيع البشر فيما كانت الدولة تُعيد توزيع الأرض. في السبعينيات، حين كانت طرابلس تستقبل موجات من العائلات المقتَلَعة من بيوتها، كانت أطراف الميناء تتحوّل بهدوء إلى مساحةٍ بلا تعريف. بساتين كانت مزروعةً بالحمضيات، أُعيد رسمها بمرسوم إداريٍّ، فغدت قطعًا متناثرة على ورق: بعضها حُجز باسم المنفعة العامة لمشروع لم يولد، وبعضها سُجّل ملكًا خاصًّا لسوق المضاربات الماليّة.

هكذا دخل الناس كمن تدفعه الضرورة إلى حافّة الخريطة حيث لا بوّابة ولا لافتة ترحيب. وفي أواخر السبعينيات، بدأت أولى المساكن بالظهور، لا على دفعة واحدة، ولا وفق مخطّط، بل كما تُبنى الحياة في فضاءٍ لا يعترف بها.  

لكنّ تلك اللحظة التأسيسيّة لم تكن مجرد لقاءٍ عابر بين الحرب والسلطة. كانت افتتاحاً لمسارٍ طويل من تفريغ الأرض من معناها الاجتماعي، وإدخالها في منطق الاستثمار. فمنذ أواخر الأربعينيات، ومع أولى التصاميم التوجيهية لطرابلس، بدأت السلطة ترسم مدينةً أخرى فوق المدينة القائمة، مدينةً تُرى من شرفة المستثمر والمخطِّط، لا من مستوى الصيّاد\ة والعامل\ة والمزارع\ة. واجهةٌ بحرية تغوي عيناً لا تعرف المكان، وريعٌ ينمو حيث تُقتلع الأشجار، ومطاعم وفنادق وطرقٌ تنظّم حركة الزوّار لا السكّان. هذا الخيال الرسمي، الذي صاغته أساطير المعرض الدولي، وأوهام الواجهة البحرية، وأداة «الضمّ والفرز» لم يكن يرى في بساتين المدينة سوى مخزونٍ عقاريّ قابل لإعادة القولبة.هكذا، لم يهبط مرسوم «الضمّ والفرز» لعام 1979 كخبرٍ إداريّ في نشرةٍ رسميّة، ولا كإجراءٍ محايد في دفتر الخرائط، بل كإعلان سيادةٍ لخيالٍ أراد أن يُعيد ترتيب الفضاء كما يُعاد ترتيب غنيمة بعد معركة. كان خلاصة مسارٍ مارست فيه السلطة فنّ القصّ واللصق، تقطيع الأرض إلى مربّعات مطواعة، تُخلَط وتُوزَّع كما تُخلَط أوراق القمار على طاولة مقامرٍ واثق بأنّ الربح له مهما تبدّلت الأيدي. وعلى الهامش، تُرِكت التجمّعات التي كانت تنمو عند الميناء، المساكن الشعبيّة والحارة الجديدة وحيّ التنك، كزوائد غير مرغوب بها، كأنّها شوائب تُفسَد على الخرائط ادّعاءها الاكتمال.

وفي هذا السياق، لم يكن اقتسام أرض حيّ التنك بين البلديّة ورؤوس الأموال، مسألةً عقاريّة تُحلّ في المحاكم أو تُضبط في الدفاتر، بل صيغة حصارٍ بطيء يستنزف الحياة كما تستنزف مدينةٌ ماءها من خزّان مثقوب. فالسكن قائم على الأرض كحقيقةٍ بلا سند، كمن يعيش بلا أوراقٍ ثبوتيّة. والبلديّة حاضرة حضور الختم على المرسوم، غائبة غياب الماء والكهرباء والطرق. أمّا الملّاك فيقيمون في طبقة أعلى من المكان، يتداولون الأرض كما تُتداول أسهم صامتة في بورصة. يملكونها في السجلّ لا في الزمن، في القيمة لا في الاستعمال، ويصونونها كرصيدٍ مؤجَّل، ينتظر لحظة الارتفاع، لحظة الانفجار السعري، لحظة «القطاف» التي تتحوّل فيها الأحياء إلى أرقام، والبيوت إلى فرص، والناس إلى عائق.

هكذا صار حيّ التنك صالة انتظار بلا مقاعد. يُمنع الاستقرار فيه كما يُمنع المريض من الدواء، وتُلوَّح دعاوى الإخلاء كسيوف مؤجَّلة. بين خريطة ترى في الأرض «واجهة استثماريّة»، وواقعٌ يراها آخر ملجأ لآلاف العمّال والنازحين.

هنا، ليس تاريخ حيّ التنك مشهدًا يتكرّر بتفاوت لكنّه يُعيد نفس الحبكة. بل فصلٌ طويلٌ من حكاية مدينةٍ، وهي تعيد رسم نفسها فوق الورق، تمحو سكّانها في الواقع، وتستبدل أسماءهم بمربّعات، وأحلامهم بخطوط، وأعمارهم بتواريخ تنفيذ مؤجَّلة. السكن فيها تحوّل إلى معبرٍ قلق، إلى امتحانٍ بلا نهاية، تُعاد أسئلته كلّ يوم، ولا يُسمح لأحد بأن ينجح فيه نهائيًّا. وهكذا انقلب الحقّ سؤالًا يُطرح على السكّان كلّ صباح: لماذا أنتم هنا؟ وبأيّ إذن؟

حين اعتذر المال من البيوت ثم ابتلعها:

أواخر العام الماضي، لم ينهَر شيء فجأة. ببساطة، انتهت الهدنة المؤقّتة مع الإخلاء. كانت المسألة مسألة وقت لا أكثر. وحين حان الموعد، قرّر مالك العقار الواقع عند الطرف الغربيّ الأقصى من حيّ التنك، على مسافة مئة مترٍ من الكورنيش تقريبًا، أبو سعيد عوض، أن يوقظ العقار من سباته الورقيّ. لم يأتِ بنفسه، بل أرسل وسطاء محلّيّين بلا صفة رسميّة يتكلّمون من موقع أنّ “الاعتراض بلا جدوى”، وتصرّفوا بوصفهم كَتَبة لدى صاحب الأرض.

نحو ١٥ عائلة أُبلِغت بأنّ وقتها على هذه البقعة انتهى. لم تُلوَّح أوامر إخلاء مكتوبة، بل طُرح على الطاولة ما معدّله عشرة آلاف دولار لكلّ عائلة، يزيد أو ينقص بحسب حجم البيت، ويُقتطَع ما بين ٢٠٠ أو ٥٠٠ دولار، لقاء «خدمات» الوسطاء. قيل للناس إنّ المبلغ «جيّد» قياسًا بأسعار البيوت في الحيّ، وإنّ من يتردّد اليوم قد يُواجِه غدًا دعوى قضائية من دون ضمانات. لم يُذكَر التهديد صراحةً، لكنّه ظلّ يحوم كإيحاءٍ ثقيل فوق مسار التفاوض، ما جعل من حاول التمسّك بالبقاء يشعر بأنّه يعاند التيّار. حتّى الشائعة التي سرت لاحقًا عن مالكٍ آخر عرَض ٢٠ ألف دولار على عائلاتٍ في عقارٍ مجاور، ثم سقط عرضه أمام رفضٍ جماعيّ، بقيت مجرّد همسٍ مرتبك احتار الجميع في تصديقه أو نفيه.

وبعد انتهاء «التفاوض»، أُعطيت العائلات مهلة ١٥ يومًا للإخلاء، مع توقيع إيصالٍ يُثبِت أنّ الصفقة تمّت «بالتراضي»، ثمّ أُغلِقَت الأرض بجدارٍ، فيما انتقل معظم سكّانها إلى مساكن صفيح جديدة داخل الحيّ أو بجواره، واضطرّوا إلى إضافة المدّخرات فوق «التعويض» لتأمين «بديل»، قبل اكتشاف أنّ كلفة التجهيز وتأمين الأساسيّات تلتهم ما تبقّى وتزيد. 

قال أحد السكّان إنّ ما جرى يشبه أن تتسلّمي أجراً كي تمحي بيدك ما راكمتيه حجرًا فوق حجر. جملة عابرة في ظاهرها، لكنّها تختصر المشهد بقساوته. فالعشرة آلاف دولار لم تكن إلّا اختزالًا قاسيًا لسنواتٍ كانت الأسقف فيها تُرقَّع كل شتاء كما تُرقَّع رئةٌ مثقوبة كي تستمرّ في التنفّس، وخزّانات الماء وأنابيبها امتدّت كأطرافٍ في جسدٍ يقاوم الجفاف.

هنا يتبيّن أنّ ما يبدو «صفقةً» هو سياسة مكتملة الأركان. فالتدقيق، لا في الهدم وحده، بل في كلّ ما سبقه، يبيّن أنّ ما جرى هو استحواذٌ على عناصر حياة الحيّ نفسها. في حيّ التنّك، لم تكن الغرفُ رصّ حجارةٍ فوق عقارٍ يتيم، بل كانت، كما لو أنّها تقرأ آصف بيات، فضاءات شكّلها «بسطاء الناس»، الذين دخلوا المدينة خلسةً من أطرافها، وجعلوا الأرض، التي يراها السجلّ العقاريّ فراغًا، تكتظّ بالأصوات والأسماء، وأسلاك الكهرباء الممتدّة فوق الأزقّة كخطوط لخرائط لا تعترف بها الدولة. شوارعه لم تكن حدًّا بين ملكيّات، بل فضاءً من بيوت ودكاكين متجاورة ووجوه تعرف بعضها بالاسم واللقب والنظرة؛ هي «الشبكة الساكنة» التي يتحدّث عنها بيات: ليست حزبًا ولا جمعيّة، بل تواطؤ بين الجيران على توسيع هوامش العيش، ظاهرة في اختبار الحياة اليومية في السعي المتواصل إلى هامشٍ من الاستقلال عن سلطة الدولة ومؤسّساتها، التي لا تعترف بهم إلّا لتُعيد ضبطهم أو معاقبتهم على محاولة تحصيل بعضٍ من الثروات الاجتماعيّة، كالأرض والسكن والماء والكهرباء، بالتحايل على قوانين المخافر والدوائر العقاريّة، عبر تحسينات صغيرة في شروط العيش، إلى أن يأتي يوم تُهدَّد فيه هذه المكاسب المتواضعة فتتحوّل إلى موضوع صراعٍ.

من هذه الزاوية، لم يكن عرض العشرة آلاف دولار «تعويضًا»، بل سخريةً من تاريخ الحيّ، كأنّ الأيدي التي أسّست فضاءً للحياة خارج المنطق الطاغي، يُفترَض بها الآن أن تُصفِّق وهو يعيد ابتلاع المكان، كما يُعاد طيّ هامشٍ مزعج في كتابٍ يريد أن يبقى مرتَّب الصفحات. لذا، حين حانت اللحظة التي قرّر فيها منطق الريع أنّ الفرصة أصبحت “جاهزة” للاستثمار، فاستردّ الأرض كما لو أنّها سلعة أُسيء استعمالها. فالأرض، في الخيال الاستثماري، لا “تستعيد قيمتها” إلا حين يُفرَّغ المكان من سكّانه ليُعاد ملؤه بالأرقام. هكذا يتوضّح الإخلاء بوصفه منطقًا كاملًا، لا واقعةً معزولة.

حيٌّ يُقيم في الانتظار

في حيّ التنك، يتقاطع منطق التخطيط مع منطق الريع، ويجدان صيغة مثاليّة لا يُطرَد فيها الناس دفعةً واحدة، بل يبقون في وضعٍ لا يسمح لهم بالاستقرار، بل بأن يعيشوا في الزمن الحاضر، شرط أن يُحرموا من المستقبل؛ أن يبنوا بيوتهم، شرط أن تبقى قابلة للهدم في أيّ لحظة؛ أن يصنعوا حيّاً، شرط ألّا يُسمّى حيّ. هكذا تتحوّل المدينة إلى امتحان: كلّ بيت يُسأل عن شرعيّته وكلّ عائلة عن سبب وجودها في مكان يُراد له أن يكون، يومًا ما، شيئاً آخر.

على امتداد عقود، كانت تأتي الإنذارات إلى حيّ التنّك ومحاولات الإخلاء كموجاتٍ عالية تصطدم دائمًا بصخرةٍ واحدة: سياسة الرفض الجماعيّ. لكنّ الإخلاء الأخير تعلّم من الفشل السابق فنَّ الالتفاف: بدل الجرافة، بوصفها فزّاعةً حديديّةً، استُحضِر الوسيط؛ قيل لكلّ عائلةٍ على حدة: «لا جدوى من الاعتراض، الكلّ يتسابق إلى الطابور سرًّا». وبما أنّ الليرة كالحجر في بئرٍ بلا قعر، بدا مبلغ العشرة آلاف دولار كحبلٍ يُرمى لمن يغرق، مع أنّه في الحقيقة خيطٌ يجرّ الغريق إلى الضفّة التي اختارها «صاحب الأرض». التضييق والحرمان تحالفا مع المال حتى صار البقاء معركةً تستنزف ما تبقّى من الأنفاس، وصار الإخلاء، للمفارقة، يُسوَّق كخلاصٍ من حياةٍ حوصرت حتّى الاختناق.

هكذا نجحت هذه الجولة لأنّها حوّلت سياسة الشارع إلى سياسة غرفٍ مغلقة، واستعملت اليأس والإنهاك والانهيار الاقتصادي. لم يكن الانتصار انتصار قانونٍ ما، بل انتصار سلطةٍ متمرّسة على اختزال الإخلاء في «تعويض لائق».

وإذا كان السؤال الذي يطارد سكّان الحيّ هو: «إلى متى؟»، فإنّ السؤال الذي يطرحه حيّ التنك على المدينة كلّها هو: أيّ مدينة هذه التي لا تحتمل سكّانها إلا بوصفهم عائقًا مؤقّتًا في طريق مشاريعها؟ وأيّ مستقبل يُبنى على فكرة أنّ البشر يمكن أن يُعامَلوا كمرحلة عابرة في دورة الأرض، كأنّهم لا ينتمون إلى المكان إلّا ريثما ترتفع قيمته؟

هنا، يتبدّى أنّ المسألة ليست مساكن من تنك. المسألة هي هذا الترتيب الخفيّ الذي يجعل من الحقّ في السكن سؤالاً، ومن الاستقرار تهمة، ومن البقاء فعلاً يحتاج إلى تبرير يوميّ. حيّ التنك يفضح هذا الترتيب، بوجوده الذي يذكّر المدينة بأنّها، كلّما حاولت أن تُعيد رسم نفسها من دون سكّانها، إنّما تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ إقصائها، وتؤجّل مرّةً أخرى الإجابة عن السؤال الأوّل: لمن هذه المدينة؟ ولمن يُسمَح أن يكون فيها أكثر من مجرّد ضيفٍ مؤقّت؟

إدارة الأراضي والتنظيم المدني الحوكمة الحضرية طرابلس