موجز الطرح
1- أزمة السكن في لبنان
لطالما شكّلت قضايا السكن والإسكان محوراً دائماً للحديث في لبنان، لكنها تفاقمت في العقود الأخيرة لثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، مضاربات السوق التي تعمل في ظلّ افتقار تام إلى سياسات سكنية عادلة، وثانياً، الاعتماد على الأرض كأصلٍ لرأس المال، وثالثاً، إطارٍ سياسيّ يحتفي بسيطرة المصالح الخاصة على عملية تنظيم قطاع الإسكان. وقد بات واضحاً أنّ الخيارات التي لطالما اتّخذتها الدولة كانت باتجاه تجاهل القيمة الاجتماعية للسكن واعتباره مسؤولية الأفراد، واضعةً إياه تحت سيطرة قوانين السوق، ليحقّق الأرباح للشركات الكبرى.
وقد ازدادت التحديّات السكنية في السنوات الأخيرة مع دخول مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى لبنان ابتداءً من 2011، وبدء أزمة تحرير الإيجارات القديمة في 2014، وفرملة القروض السكنية المدعومة لاعتبارات تتصل بالأزمة المالية وحماية النقد الوطنيّ. وأخيراً، مع الحرب الإسرائيلية الشرسة المستمرة منذ تشرين الأول 2023، دخلت أزمة السكن مرحلةً جديدة، تتجاوز الأضرار المادية وتتقاطع مع تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة وأزمة نزوح هائلة، مما يجعل إيجاد حلول مستدامة ضرورة ملحّة.
نتيجة لكل ذلك، تزايدت نسبة الاخلاءات التعسفية، بالتزامن مع بروز صعوبة العثور على سكن معقول الكلفة، بالإضافة الى تدهور مضطرد في صلاحية المساكن والبيئة العمرانية عموماً، لا سيّما في الأحياء غير الرسمية التي تتضاعف الكثافة السكانية فيها.
تتقلّص يومياً حجم شريحة الناس التي تسمح لها مداخيلها بالسكن بشكل لائق، فتتراكم المعاناة، ومعها تشتدّ أزمة لبنان السكنية.
الأسباب الرئيسية لأزمة السكن وأبرز التحديات التي نتجت عنها
إنّ الدوافع الرئيسية لأزمة السكن مرتبطة بإطار السياسات التاريخي والحالي، والذي أدى بطبيعته إلى تعزيز المضاربة العقارية وإلى اختلال وتجزئة بنية قطاع الإسكان في لبنان، والتي يمكن تلخيصها بثلاث عناوين:
منذ استقلال لبنان عام 1943، لم تضع الدولة اللبنانية أي سياسة عامة تتعلق بتأمين السكن الميّسر واللائق. تمثّلتْ التشريعات التي تمّ اتخاذها، بقوانين متفرقة لضبط الإيجارات، أو كردة فعل على كوارث من زلازل أو فيضانات.
أمّا خلال “المرحلة الشهابيّة”، فقد قامت الدولة بإنشاء مؤسّسات إسكانية الواحدة تلو الأخرى، لكن في غياب رؤية شاملة ومتكاملة لتحقيق الوصول إلى سكن لائق للجميع.
وأخيراً، منذ نهاية الحرب اللبنانية، استقالت الدولة من مسؤوليتها في رعاية حقّ السكن، وقامت سياسة قوامها التسليف من أجل التملّك في خدمة مصالح رأس المال.
بالتالي، برزت تحديات مرتبطة بتأمين السكن اللائق تبدو الأكثر إلحاحاً في السياق اللبناني، أبرزها:
-عدم القدرة على تحمل التكاليف المرتبطة بالسكن؛
-عدم صلاحية مخزون السكن المتوفّر؛
-تعطيل العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية المرتبطة بالموقع بسبب التلوث البيئي والهدم المستمر للنسيج العمراني؛
-التمييز تجاه غير اللبنانيين، وذوي الاحتياجات الخاصة، والنساء، وغيرها من الفئات المهمشة.
2- الحق في السكن
بذا، تبرز اليوم، وأكثر من أيّ وقت مضى، أولويّة تعزيز الحق في السكن وضرورة وضع خطة طارئة ضمن سياسة شاملة لإحقاق هذا الحقّ؛ سياسة تأخذ بعين الاعتبار شرائح المجتمع كافةً من عائلاتٍ، وعمّال، ومسنّين، ونساء، وأشخاصٍ معوّقين، وطلابٍ ولاجئات\ين وغيرهم.
وبما أنّ الدولة اللبنانية قد انضمت إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عام 1972، ملزمة، وبما أنّ “توفير المسكن للمواطن هدف ذو قيمة دستورية، ينبغي على السلطتين الاشتراعية والإجرائية رسم السياسات ووضع القوانين الآيلة إلى تحقيقه” – كما صرّح المجلس الدستوري اللبناني في أحد قراراته الصادرة عام 2014، بعد إقراره أنّ الحق في السكن “هو من الحقوق الدستوريّة الأساسيّة استناداً إلى الشرعات الدولية” – نرى ضرورة العمل نحو إرساء الحق في السكن، انطلاقاً من المبادئ التالية (التي تم تطويرها جماعياً في سياق العمل ضمن “ائتلاف الحق في السكن” في العام 2020) المتجذرة بمفهومي القيمة الاجتماعية للأرض والعدالة المكانية:
- نرفض النموذج الاقتصادي القائم على الريع العقاري الذي يرفع أسعار الأراضي ويعيق التنمية الحقيقية. المضاربات العقارية تزيد التضخم وتشجع على الكسب السريع بدلاً من الاستثمار المنتج.
- نستند إلى تعريف الأمم المتحدة للحق في السكن كحق في العيش بأمان وسلام وكرامة، لا مجرد مأوى أو سلعة. (المادة 7 من التعليق العام رقم 4) “أن الحق في السكن ينبغي ألا يفسر تفسيراً ضيقاً أو تقييدياً يجعله مساوياً، على سبيل المثال للمأوى الموفر للمرء بمجرد وجود سقف فوق رأسه، أو يعتبر المأوى على وجه الحصر سلعة. بل ينبغي النظر إلى هذا الحق باعتباره حق المرء في أن يعيش في مكان ما في أمن وسلام وكرامة.”
- نُشيد بالإنتاج الاجتماعي للسكن في المدن، الذي يأخذ بعين الإعتبار تاريخ المدينة، النواة الإقتصادية للأحياء التقليدية، وحقوق السكان في مساحات مشتركة وبيئة ملائمة للعيش لجميع أطياف المجتمع.
- نؤمن أنّ الحق في السكن أوسع من الحق في الملكية، ويشمل الخصوصية، والمساحة الكافية، والأمان، والإنارة والتهوية، والبنية التحتية المناسبة، والموقع الملائم بتكلفة معقولة، حتى لغير المالكين.
- نرى أن التركيز المفرط على الملكية الفردية يعيق تأمين الحق في السكن للغالبية غير القادرة على التملك، ويقلل من إمكانيات الحلول الاجتماعية المشتركة.
- نعتبر أنّ إقرار قانون موّحد للحق في السكن (لا قوانين مُجتزأة) هو السبيل نحو السياسة الاسكانية المراد إرسائها لضمان حق السكن للناس في مختلف فئاتهم.
- نحذّر من التمييز السكاني بين الأغنياء والفقراء وبين الطوائف، ونعتبر المخيمات والمناطق غير الرسمية جزءاً من المدن يجب الاعتراف بها وتحسينها.
- نرفض الحلول غير المدروسة التي لا تأخذ بعين الاعتبار الفئات الهشة مثل كبار السن وذوي الدخل المنخفض والأشخاص ذوي الإعاقة وحاملي الجنسيات الأخرى.
- نسلّط الضوء على مسؤولية الدولة في تأمين سكن لائق، وذلك استناداً لقانون الإسكان 58/1965. كما أنّ القانون 118/1977 يحدّد أن مسؤولية تأمين السكن اللائق تقع أيضاً على السلطات البلدية.
- في المنهجيّات وفي مقاربة إنتاج السياسات والتشريع، نؤكّد على ضرورة العمل بشكلٍ تشاركيٍّ ومنهجيٍّ ومتعدّد الاختصاصات تعزيزاً للمعرفة والتفاعل والتخاطب الاجتماعيين في هذا الشأن.
3- نحو قانون شامل للحق في السكن
ونظراً لوجود تشريعات مجتزأة ومتفرقة كان لها آثار وخيمة على الحقّ في السكن والوصول إلى الأرض، فقد كانت هناك حاجة متزايدة إلى نهج شامل قائم على الحقوق يتعاطى مع قضية السكن من منظور العدالة الاجتماعية والمدينية، بما يتماشى مع الحق في السكن الملائم على النحو المنصوص عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان. إن تحقيق هذا النهج يتطلب تغييراً جذرياً في استراتيجية توفير السكن في لبنان التي من المفترض أن تأخذ في الاعتبار تحديات السكن الأساسية التي تواجه الفئات الاجتماعية المختلفة، وتستخلص الدروس من أوجه القصور الحالية في السياسات السكنية، وتشكلّ أساساً لتطوير التوجهات والأولويات لسياسة الإسكان شاملة.
انطلاقاً من كل ذلك، يطرح استوديو أشغال عامة مشروع قانون شامل نحو الحق في السكن كمقاربة جذرية لمعالجة الأزمة السكنية وتراكماتها على العقود السابقة.
يعترف القانون الشامل للحق في السكن بضرورة تأمين الاحتياجات المختلفة لمجموعة متنوعة من الفئات الاجتماعية (كبار السن، الأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة، الطلاب، العمال، الأسر، إلخ)، وقدرتها على تحمل تكاليف السكن، إضافةً إلى التركيز على مبدأ العدالة المكانية. مثل هذا القانون ضروري في عملية رسم مدننا وتشكيله المستقبلي. لهذا السبب، يعمل الاستديو على إعداد هذا القانون وفق نهج تشاركي، بحيث يكون لجميع الأطراف المعنية مساهمة في صياغته وأيضاً القدرة على المبادرة في الدفاع عنه.
بعد مرحلة بحثية معمّقة وتنظيم ورشة عمل للتعلّم من التجارب السابقة في مناصرة قوانين تقدّمية، انطلقت في أيار 2025 ورش عمل لصياغة مسودة القانون بالتعاون مع الشريك القانوني الأساسي “المفكرة القانونية”، وباستشارة عدد من الخبراء والإختصاصيين وممثلين عن السكان وصانعي قرار.
تتوزع بنية القانون الشامل تحت أربعة فصول رئيسية هي:
- دور الدولة في تنظيم وضبط السكن
- دور الدولة في توفير السكن الميسّر
- تدابير حمائية من الإخلاء والتشرّد
- الأحياء غير الرسمية
وتتبع مرحلة الصياغة منهجية تقضي بعقد ثلاث جلسات لكل فصل، يتم فيها مناقشة توجهات المقترحات القانونية، ثمّ مراجعة وتأكيد الصيغة النهائية للطرح القانوني.
خلال جلسات المشاورة الأولى للفصل الأوّل المتعلق بـ «دور الدولة في تنظيم وضبط السكن»، برزت حاجة ملحّة لمعالجة ملف الإيجارات، القديمة والجديدة منها، لسببين رئيسيين: أولاً، وقوع عشرات آلاف المستأجرين القدامى تحت خطر الإخلاء بسبب القانون الذي يلغي مفاعيل حماية الإيجار القديم في شباط 2026. وثانياً، سوق الإيجارات غير المنظّم الذي لا يؤمّن ديمومة في السكن ويسمح بالاستغلال، وهو ما تفاقم بشكل حاد بعد التصعيد الإسرائيلي في أيلول 2024 ويستمر مع استمرار الحرب. نتيجةً لذلك، اتّجه العمل خلال عام 2025 نحو إعداد قانونين بصفة “المعجّل المكرر” يتناولان تعديل القوانين ذات الصلة، وهما: تعديل قانون الإيجارات القديمة، وتعديل بنود قانون الموجبات والعقود المتعلّقة بالإيجارات السكنية والتجارية. وقد تُوّج هذا المسار بتقديم اقتراحي القانونين أمام المجلس النيابي بتاريخ 25 شباط .
وهنا يهمّ التأكيد على أن هذين المقترحين لا يختصران قانون الحق في السكن الشامل ولا يستبدلانه، بل يشكّلان جزءاً لا يتجزأ منه، وتحديداً من فصله الأول، كاستجابة تشريعية طارئة تفرضها الأزمة. وعليه، يستكمل العمل بدءاً من عام 2026، على محور دور الدولة في تنظيم السكن وضبطه، حيث ينصبّ التركيز على ثلاثة ملفات أساسية: سياسة الإيجار العادل، تأهيل البيئة المبنية، والضرائب التي تفرضها الدولة لتنظيم سوق السكن ومنع الاستغلال.
4- أهداف القانون وأولوياته
أ- الإيجار العادل
يعتبر ضبط الإيجارات أداة تقييدية هدفها حماية المستأجرين من زيادات الإيجار. فالإيجار يشكّل أحد أكبر نفقات الأُسر، والزيادات في الإيجار تؤثر بشكل كبير على قدرتها الشرائية.
لضبط الإيجار اليوم أهمية قصوى في ظل الحرب القائمة؛ فمع تدمير عدد هائل من المباني والتهجير الواسع للعديد من القرى والبلدات، لجأت الغالبية العظمى من النازحين قسراً إلى خيار الإيجار لتأمين مأوى، ممّا خلق إشكالية حادة تمثلت في رفع بدلات الإيجار بشكل جنوني مع ارتفاع الطلب واستغلال حاجة الأسر السكنية.
يتم تنفيذ سياسات التحكّم بالإيجارات لمجموعة متنوعة من الأسباب، منها توفير السكن الميسور التكلفة وتأمين استدامته، الحماية من الإحلال الطبقي العمراني، حماية المستهلك، تعزيز ممارسات الإسكان العادل، الحدّ من التشرد، الاستقرار الاقتصادي، جذب اليد العاملة، المساواة الاجتماعية، والصحة العامة. لجعل هذه السياسة عادلة وشاملة وفعالة، يجب أن تكون مقرونة بعدد من التدابير، منها إتباع معايير واضحة وشفافة، اعتماد توجّه شامل، القيام بمراجعات وتعديلات منتظمة، والتحكّم في الإيجار على أساس الدخل.
ب- ردع الإخلاء والمضايقات والتهديدات
إنّ التزام الدول بالامتناع عن الإخلاء القسري وتقديم الحماية اللازمة منه هو التزام نشأ عن عدّة صكوك قانونية دولية تصون حق الإنسان بالسكن اللائق. فقد حدد القانون الدولي إطار واضح لكيفية إقرار وتطبيق الاخلاءات التي يجيزها القانون المحلّي، حيث اعتبر أنه حتى في الحالات التي يُبرر فيها الإخلاء، يتحتم على السلطات المعنية أن تكفل إجراء الإخلاء على النحو الذي يتوافق مع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن تكون جميع سبل الانتصاف والتعويضات القانونية متاحة للمتضررين.
وفي الواقع الراهن، تساهم ظروف الحرب في مضاعفة معدلات الإخلاءات والتهديدات السكنية بشكل ملحوظ؛ إذ تفرض الحرب ضغوطاً اقتصادية ومعيشية إضافية تجعل الكثير من العائلات (سواء من المهجّرين أو غير المهجّرين) عاجزة عن سداد بدلات الإيجار بانتظام. ويترافق هذا التعثر مع استغلال بعض المالكين للظروف والضغط على السكان وإخلائهم، إما لاستبدالهم بمستأجرين آخرين أو لرفع الأسعار بشكل اعتباطي.
بذا، يجب أن يكون الإخلاء مطابق لأحكام التشريعات المحليّة، ويجب وضع مسارات ليتم التأكد من إتاحة التشاور الجدّي والبنّاء بين الأطراف المعنية، والتأكد من مشاركة الأطراف المتضررة في عملية اتخاذ القرار، وتبليغ وإشعار المتضررين كافة بشكل واف ومناسب يتيح لهم إجراء ترتيبات سكنية أخرى قبل الموعد المقرر للإخلاء، كما يجدر منع الإخلاء الذي يؤدي إلى تشّرد الأفراد، أو فقدانهم لإحدى حقوقهم الأساسية.
ج- ردع التشرد
يمثل التشرد انتهاكاً جسيماً للحقّ في السكن ويُعتبر الأشخاص المشردون من أكثر الفئات هشاشةً من بين الذين يُنتهك حقّهم في السكن. تشترك التعريفات العالمية أنه لا يمكن اختزال التشرد على أنّه الحرمان من المأوى بشكله المادي، دون الأخذ في الاعتبار فقدان العلاقات الاجتماعية والشعور “بالانتماء إلى أي مكان”، بالإضافة إلى الإقصاء الاجتماعي الذي يعاني منه الأشخاص الذين يعيشون في حالة من التشرد. بالتالي، إنّ التشرد يتضمن أيضاً الأشخاص الذين يعيشون في أماكن إقامة مؤقتة كالمخيمات والأشخاص الذين يعيشون في مساكن غير ملائمة وغير آمنة.
وفي ظل الحرب الحالية، يتفاقم خطر التشرد حيث يجد مئات المهجّرين أنفسهم بلا مأوى نتيجة عدم قدرتهم المادية على استئجار مساكن، أو بسبب امتلاء مراكز الإيواء الرسمية وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة، مما يضطر الكثير منهم لافتراش الطرقات والساحات العامة والعيش في خيم مستحدثة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. وتتضاعف هذه المعاناة لدى الفئات الأكثر هشاشة من المهجّرين غير اللبنانيين (كاللاجئين والعمال الأجانب). والأمر لا يقتصر على التشرد الظاهر؛ بل يمتد لينتج أنماطاً من “التشرد المقنّع”، المتمثل في سكن العائلات داخل مساكن مكتظة أو غير صالحة أو غير مخصصة للسكن أصلاً، أو بقائهم في مراكز إيواء مؤقتة تفتقر للخصوصية والأمان وأدنى مقومات العيش الكريم.
في السياق اللبناني، لا يوجد تعريف رسمي للتشرّد، وغالباً ما يختلط مفهوم التشرّد مع التسوّل. يتم تجريم التشرّد في قانون العقوبات اللبناني، كما ينص قانون حماية الأحداث المعرضين للخطر على تعريف سطحي للحدث المشرد، وتخول قوانين البلديات صلاحيات واسعة لرؤساء البلديات في مكافحة التسوّل وإخلاء المشردين من الأماكن العامة.
يجب أولاً اعتماد تعريف واضح للتشرد يتناسب مع الظروف المحلية يعترف بأنماط مختلفة وواسعة من التشرّد. وبهدف الحدّ وإنهاء التشرّد، يجب وضع وتنفيذ استراتيجيات شاملة مدعومة بالتزام سياسي ومؤسسي قوي، قائمة على الحقوق، يتم تنسيقها بين القطاعات لمعالجة الأسباب الهيكلية وإيجاد حلول طويلة الأجل، بالتشاور مع المشردين ومشاركتهم. كما يجب ضمان أن يتسق كل قرار وسياسة اخرى مع هدف القضاء على التشرد والوقف الفوري لأية عمليات إخلاء قد تؤدي إلى التشرد.
د- الحدّ من المضاربة العقارية عبر الضرائب
تبيّن عدم تكافؤ النظام الضريبي المجزأ في لبنان غياب مفهوم العدالة الضريبية وأي بعد إجتماعي عن سياسات الدولة بانحيازٍ واضح لمُكدِّسي الثروات والأملاك. قد تمظهر ذلك من خلال السياسات الضريبية العقارية، بحيث تمتع القطاع العقاري بحمايةٍ مطلقةٍ باعتباره أحد القطاعات “الناجحة” في الاقتصاد الوطني القائم على الريع. فالسياسات الضريبية العقارية في لبنان تقوم على فرض ضرائب منخفضة، وفرض ضرائب على استعمال العقار – إلّا في حالة ضريبة التحسين – وليس على شغوره أو عدم استعماله.
وفي ظل الحرب الحالية، يتكشّف هذا الخلل الضريبي كأحد أبرز عوائق الاستجابة لحاجات السكن والنزوح؛ فبينما يفترش مئات النازحين المساحات العامة، تعجّ المدن الكبرى كبيروت بمئات الشقق والمباني الشاغرة التي يحتفظ بها أصحابها كأصول للمضاربة العقارية وتكديس الثروات، دون وجود أي رادع ضريبي يفرض تشغيلها أو إتاحتها للسكن.
يبقى إطار الضرائب العقارية في لبنان محدود جداً، كما أنّه شديد المركزية، فإدخال الضرائب إلى خزينة الدولة ثم إعادة توزيعها يحدّ من إمكانية تخصيصها لغايات محددة وواضحة مثل الإسكان. من جهة أخرى، تتم عملية الجباية بشكل بطيء ويسهل التنصل منها. وتعتبر عملية تخمين الأراضي غير دقيقة.
للوصول إلى نظامٍ ضريبي عقاري عادل ومواجهة تسليع الأرض، ينبغي التركيز على إمكانية الحدّ من ممارسات المضاربة العقارية عبر فرض أنظمةٍ ضريبيةٍ عادلة على الممتلكات، والأرباح الناتجة عن المضاربة العقارية، إضافةً إلى ضرائب صارمةٍ على الشقق والأراضي الخالية، وغيرها من الإجراءات.
ه- تعزيز الحيازة غير الفردية
تعتبر حيازة الأراضي على أنّها العلاقة، المحكومة بالقانون أو العرف، بين الناس سواء كانوا أفرداً أو مجموعات، فيما يتعلق بالأراضي وطريقة امتلاكها واستخدامها. وبالتالي، فإن الحيازة تتعلق بشكل أساسي بالوسائل التي يتم بها الوصول إلى الأرض وتتعلق بالحقوق العينيّة بمن يمكنه الوصول إلى الأرض وكيف يستطيع استخدامها. ويعتبر وجود أنواع بديلة عن الحيازة الفردية أمرًا حيويًا لتحقيق الحق في السكن، حيث تلعب الأنظمة الجماعية لحيازة الأراضي دورًا أساسيًا في تحقيق الحق في المدينة والعدالة المكانية انطلاقاً من الوظيفة الاجتماعية للأرض. تتنوّع أشكال الحيازة الجماعية والعرفية والتعاونية – أيّ غير الفردية – وثبتت فعاليتها في الوصول إلى السكن داخل المدن وضواحيها في أجزاء مختلفة من العالم.
أولاً يجب حماية أنماط الحيازة غير الفردية القائمة في لبنان، بدلاً من محاربتها، وهي تشمل أراضي الدولة ذات النوع الأميري والأراضي ذات ملكية مشتركة التي تصعّب قوانين البناء عمليات السكن فيها. كما يجب تعزيز الأنماط الجماعية للوصول الى السكن مثل التعاونيات السكنية، واستحداث أنماط جديدة استناداً إلى تجارب عالمية وإقليمية. خاصةً أن هذه الأنماط تبرز اليوم كحاجة مصيرية أثناء مراحل إعادة الإعمار والتعافي من الحرب القائمة؛ إذ إنّ الاعتماد الحصري على نموذج الملكية الفردية الصرفة في المناطق المدمرة قد يؤدي إلى تشتيت النسيج الاجتماعي وفقدان العائلات الأكثر هشاشة لحقوقها المكانية، لصالح الاستثمار العقاري الريعي.
و- إعادة تأهيل الأحياء المتدهورة في المدن الكبرى
أدت عوامل عدة تاريخياً، منها مرتبط بالإطار القانوني للسلامة العامة والترميم، ومنها مرتبط بالظروف الطبيعية والحروب، الى تدهور أحياء بأكملها – لا سيّما في المدن الكبرى – وسوء إدارة المباني وعدم صيانتها. وفي الوقت الراهن، لا تقتصر آثار الحرب القائمة على الدمار الكلي أو الجزئي المباشر للمباني المستهدفة، بل تمتد لتشمل آلاف الوحدات السكنية والمباني التي تعرضت لأضرار متفاوتة وتصدعات إنشائية بشكل غير مباشر جراء عصف الضربات والارتجاجات الناتجة عن القصف المستمر، مما يهدد سلامتها وصلاحيتها للسكن. إنّ اعتماد سياسة إعادة تأهيل الأحياء المتكاملة التي تركز على الناس أمر بالغ الأهمية لتنشيط هذه المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. يجب إيلاء اهتمام دقيق للحفاظ على المخزون الحالي للإيجار بأسعار معقولة للمقيمين الحاليين.
بذا، يجب اعتماد برامج متكاملة لإعادة تأهيل الأحياء، تشمل كل أبعاد التنمية العمرانية، مثل التنمية الاقتصادية المحلية، النقل، حماية التراث، إعادة تأهيل الأماكن العامة، تطوير البنية التحتية، والمساحات الخضراء، والوقاية من تبعات التغير المناخي. ويجدر التركيز على السلامة العامة من خلال تأمين السلامة من الناحية الإنشائية للمباني الموجودة، ودمج هذا العنصر في استراتيجية التجديد، مع الأخذ في الاعتبار الخلل القانوني الحالي المتعلق بهذه القضية. كما ينبغي أن تكون سبل العدالة لحل النزاعات المتعلقة بالسكن والأراضي والممتلكات وضمان أمن الحيازة جزء لا يتجزأ من استراتيجية إعادة تأهيل الأحياء المتدهورة. مما يحتّم إنشاء إطار تنسيقي لتنظيم الجهات الفاعلة في مجال السياسات والأدوات والتدخلات في تأهيل المناطق العمرانية التاريخية المتدهورة.
ز_ مشاريع الإسكان العام
لدى الدولة اللبنانية أملاك مخصّصة لمشاريع السكن العام، ونجد أن الدولة قد لجأت في فترة ما – بين عامي 1962 و1974 – إلى إقامة المساكن الاجتماعية على أراضٍ تملكها أو استملكتها – وذلك استناداً إلى قانون الإسكان الصادر عام 1962 الذي هدف إلى “تسهيل إسكان المعوزين وذوي الدخل الوضيع والدخل المحدود”. وأوكل تنفيذ ما جاء في قانون الإسكان الى وزارة الإسكان والتعاونيات التي استحدثت لاحقاً في العام 1973، وتم إلغائها في العام 2000.
إنّ البدء في استخدام مخزون الدولة من الأراضي والمباني العامة كبنية تحتية لمشاريع الإسكان العام مستقبلاً هو أمر ضروري في ظل الحرب القائمة؛ فمع الدمار الكبير في مختلف المناطق وتجريف العديد من البلدات، أصبح من الواضح أن النزوح الحالي ليس مجرد حالة مؤقتة، بل يتطلب حلولاً بعيدة المدى لإيواء آلاف العائلات التي فقدت مساكنها بالكامل، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة العاجزة عن تحمل تكاليف الإيجارات المرتفعة، لا سيما مع عدم ديمومة مراكز الإيواء الحالية؛ فالمدارس الرسمية ليست مجهزة أصلاً للسكن طويل الأمد، فضلاً عن وجود حاجة لإخلائها مستقبلاً لضمان استمرارية التعليم.
اليوم، تبرز أهمية بناء السكن العام، والحفاظ عليه، والعمل على زيادة مخزونه، لتفعيل الحق في السكن اللائق. فلا بدّ من وضع مشاريع السكن العام بهدف توفير السكن للفئات التي تحتاج الدعم من المهجّرين وغيرهم، وتوفير ظروف معيشية صحية وملائمة للسكان، انطلاقاً من الأمور التي تم تسليط الضوء عليها في الوثيقة المرفقة.
ح- التعرف على المناطق غير الرسمية والبدء في تأهيلها
قُدّرت نسبة سكان الأحياء غير الرسمية في العام 2018 بـ61.1% من النسبة الإجمالية لسكان المدن في لبنان، التي تتكوّن من مزيجاً متنوّعاً لشروط الملكية والحيازة. إلى جانب تدهور البيئة العمرانية والبنى التحتية في هذه المناطق، يتمثل التحدي الأكبر اليوم لهذه المناطق في تجنّب مسؤولية الدولة اتجاهها، في حين لا بدّ أن تستفيد المناطق غير الرسمية من برامج التطوير المتكاملة، تماشيًا مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية الاجتماعية لعام 2011 (وزارة الشؤون الاجتماعية).
في ظل الحرب الراهنة، تحوّلت هذه المناطق إلى وجهات أساسية لمئات المهجّرين؛ وقد برز ذلك مثلاً مع لجوء الكثير من نازحي أحياء الضاحية الجنوبية المختلفة إلى أحيائها غير الرسمية بعد عجزهم عن إيجاد بدائل ميسرة خارجها، واختيارها كملجأ لكونها أقل تعرضاً للاستهداف حتى الساعة، وإن لم تسلم كلياً من القصف. ونتيجة لهذا، تشهد المناطق غير الرسمية اليوم توسعاً، لا سيما من حيث الكثافة السكانية داخل النسيج العمراني القائم وليس بالضرورة عبر التوسع الجغرافي، مما يضاعف الضغط على بنيتها التحتية المتهالكة أصلاً.
لذلك، ينبغي على السلطات اللبنانية – عبر اتباع نهج مناطقي متعدد القطاعات، أن تضع تدخلات بهدف تحسين ظروف السكن بشكل تدريجي من حيث الصلاحية، وأمن الحيازة، التنوع، وتحسين البيئة المبنية التي تضمّ المساحات العامة بشتى أنواعها، وتعزيز التنمية الاقتصادية وتوليد فرص العمل، وتسهيل الوصول إلى البنية التحتية الملائمة والمرافق والخدمات.
بذا، إنّ التوصيات للتعامل مع المناطق غير الرسمية يجب أن تبدأ بتعريف الدولة لهذه المناطق وإجراء الدراسات والإحصاءات لها. ثم وضع خطة تأهيل البيئة المبنية وأمن الحيازة، التي يمكن تحقيقها من خلال إنشاء المساكن الإضافية، تأمين التمويل الصغير، توسيع وتحديث البنية التحتية والمرافق والخدمات الأساسية. كما ينبغي أن تقترن برامج التطوير هذه بحملات توعية وإعلام السكان والمالكين والسلطات المحلية بالحقوق والواجبات المتعلقة بتوفير السكن. لإحداث تغيير حقيقي، سيكون من الأساسي أن تترافق هذه التدخلات مع تحولات على الصعيد القانوني من شأنها أن تساهم في تأمين الاستقرار حيث أن العديد من سكان المناطق غير الرسمية هم من العمال والعاملات الأجانب واللاجئات/ين ذوي حقوق محدودة فيما خصّ الإقامة والعمل.
ط- تعزيز إدارة الأراضي والتنظيم المدني
في لبنان، يشكل الوصول إلى السكن الملائم والميّسر في المقام الأول تحدياً مدينياً: تؤوي المدن حوالي 88.5% من سكان لبنان، وتتفاقم ندرة السكن اللائق بشكل خاص في بيروت الكبرى والمدن الرئيسية الأخرى (مثل طرابلس وصيدا وصور وزحلة)، والتي تضم مجتمعة 64% من سكان البلاد. وبحسب دراسة الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة عام 2005، سيزيد التوّسع العمراني بين الأعوام 2000 و 2030 بنسبة ما بين 42% و50% بالنسبة للمساحات المبنية القائمة. وترسم الخطة الشاملة – التي صدرت بمرسوم عام 2009 – المناطق المدينية التي ينبغي اعتمادها في عملية التوّسع العمراني.
وفي الوقت الراهن، يتعدى التوسع العمراني شكله التقليدي؛ فقد أسفر العدوان المستمر عن تعرض أكثر من 457 منطقة لبنانية لدمار متفرق، وبعضها لمحو وتجريف واسع النطاق طال نسيجها العمراني والسكني بالكامل، خصوصاً البلدات الحدودية. هذا الواقع يفرض حاجة استثنائية واقعية للتوسع العمراني خارج هذه البلدات وفي المدن لاستيعاب الضغط السكاني الحالي، والتفكير بشكل العمران والتوسع ضمن هذه البلدات نفسها كجزء أساسي من خطط العودة وإعادة البناء
بهدف التحقق أن هذا التوّسع العمراني المذكور لا يؤذي الأرض، ويتكيّف مع الطبيعة وميّزاتها، ولا يفاقم تبعات التغيّر المناخي، ويأخذ بالحسبان الوقائع الموروثة والميّزات المحلية الاجتماعية والطبيعية والحاجات السكنية المستقبلية في آن معاً، إنّ تفعيل إدارة الأراضي والتنظيم المدني يصبح أولوية، وذلك عبر تطبيق الخطة الشاملة، ووضع مخططات توجيهية جديدة للمدن الكبرى متممة لبعضها البعض، آخذة بعين الاعتبار التراث الأثري والتاريخي المطلوب حمايته، الفرص التي تقدّمها كل مدينة على حدى، والامتدادات التي يجب تأمين تماسكها من خلال تصميم شامل للشبكات الأساسية القادرة على إنتاج حركة عمرانية لا تكون باهظة على المجتمع، كما والتطرق للتغيّر المناخي. في هذا الصدد، على السلطات المحلية، من بلديات واتحادات بلديات، أن تطبق وتستخدم الأطر القانونية للتنظيم المدني في المصلحة العامة وخلق فرص للتطوير السكني الميّسر.

