في أربعين استشهاد الصحافية آمال خليل: مقابلة معها عن الجنوب وأرضه

في منزلها في البيسارية، استقبلتنا آمال في 28 شباط 2019. كانت هي المتحدّثة، وكنّا نحن من يسأل، عن الجنوب، عن أهله وعن مشاكله. 

في 22 نيسان 2026، وهي تقوم بالشيء نفسه، تخبر الناس عن الجنوب وتقف في وجه محو الذاكرة والأرض، استشهدت آمال بقصف اسرائيلي استهدفها عدّة مرّات. 

ضمن مشروع بحثي حول السهل الزراعي في منطقة الزهراني، كنّا قد رصدنا تغييرات على مستوى الملكية في السهل، وأردنا فهم واقع الملكيات وتغييرها خاصة فيما يتعلّق بمستقبل السهل، وواقع الزراعة فيه تاريخياً، خاصة بعد أن اكتشفنا أنّ أطر التنظيم المدني القائمة لا تحميه.

خلال الجلسة التي كانت مفتوحةً أكثر منها مقابلةً منظّمة، استطعنا أن نفهم تفاصيل حول الإشكاليات العمرانية والتنظيمية الموجودة في منطقة الزهراني. لكنّها، لم تكتفي بالمشاركة في هذه المقابلة، بل كانت جزءاً أساسياً من ورشة النقاش التي نظّمناها مع سكان من المنطقة حول السهل.

ننشر اليوم جزء من هذه المقابلة الذي نسلط الضوء من خلاله على ساحل الزهراني الذي أحبته، عربون شكر لآمال، لما قدّمته لهذه المنطقة بتشكيلها مرجعاً لتاريخها وللمعرفة حولها وحول موروثها الثقافي البيئي الحضَري والاجتماعي، وأخيراً بوقوفها أمام ماكينة الحرب والقتل الإسرائيلية.

أشغال عامة: يمتدّ سهل الزهراني من نهر الزهراني حيث جسر الزهراني إلى نهر الليطاني/ مصب القاسمية. هذه المنطقة زراعية، تتميّز بمساحات كبيرة، من حيث  وجود عقارات زراعية كبيرة وأنواع زراعات مختلفة وعمال. كيف تشكّلت هذه المنطقة؟ 

آمال: ليس الناس العاديون من مزارعين وفلاحين من أوجَد هذا الواقع إنّما وُجِد بسبب الإقطاع في المنطقة: فقد كان هناك جزء كبير من الزهراني خاضع لإقطاع بيت الأسعد (وهم في الأساس من بلدة تبنين، وهم أحفاد ناصيف النصار. في القرن الثامن عشر تمّت مهاجمتهم في قلعة تبنين تفرّعوا إلى عدة مناطق، أتى جزء منهم إلى بلدتَي الزرارية والعاقبية في الزهراني. تملّكوا أراضٍ كثيرة، ويتفرّع منهم حالياً رياض الأسعد وشبيب الأسعد).

عمل الأهالي كعمّال في أراضي بيت الأسعد الشاسعة، ومن هنا نشأ نظام أراضٍ منظمة مع حدود معينة وتحديد لأنواع الزراعات.

سابقاً كان التركيز الأكبر على الحبوب والخضار. خلال الثلاثينيات والأربعينيات، امتدّت زراعة الحمضيات من صيدا إلى الزهراني. حينها، جاء ملّاكون كبار من صيدا، كعائلات البساط والزعتري وعسيران واشتروا أراضٍ في الزهراني بموازاة ما يُعرَف ب”الخط الساحلي”، من عائلة الأسعد ومن عائلات أخرى، وغيّروا بطبيعة الوجهة الزراعية للمنطقة. ولليوم لا زال جزء كبير من الصيداويين يملك أراضٍ في الزهراني.

أشغال عامة: إنّما اليوم عندما نمرّ بأوتوستراد الجنوب، نجد أن الحمضيات تقريباً اختفت وطغت زراعة الموز. كيف حصل ذلك؟ 

آمال: بعدما اشتهرت المنطقة بالحمضيات، وبسبب التنافس والمضاربات، قام الكثير من ملاكي الأراضي باقتلاع أشجار الحمضيات واستبدالها بالموز، لأنهم اعتبروا في فترة ما أن الموز مربح أكثر. فشجرة الحمضيات تحتاج على الأقل إلى 15 سنة لتعطي كامل إنتاجها، أما الموز فيبدأ بالإنتاج بعد سنتين من زراعته.

لاحقاً، بدأ المغتربون من أولاد المنطقة بتغيير الزراعة أيضاً، فأتوا بأنواع أفريقية مثل الأفوكادو والقشطة. والناس كانت للأسف تتأثّر بنجاح هذه الزراعات مع مزارع أو آخر، فتعمد إلى تقليده باقتلاع ما لديها من أشجار حمضيات.

 من الزراعات الأخرى الموجودة في المنطقة زراعة الورد التي بدأت في العدوسية وهي البلدة الصغيرة المسيحية في المحيط، أولادها المغتربون والمهجرون ساهموا في جلب هذه الزراعة إلى بلدتهم. توجّهت القرية برمّتها نحو زراعة الورد في الخيم البلاستيكية، بالإضافة إلى زراعة الخضار، وهم يصدّرون الورد إلى الخارج ويوزّعونه أيضاً على مختلف المناطق اللبنانية. تغلب هذه الزراعة على الأراضي الصغيرة في فوق الأوتوستراد، أما الأراضي المحاذية للبحر، فوضعها كما في بلدات الزهراني الأخرى، مملوكة، وهناك بيت الحريري، الزعتري، ومحمود غدار الذي إشترى حديثاً وبنى فيلا تتعدّى على الملك البحري أيضاً.

وقد حاولت ضيعة قعقعية الصنوبر تقليد العدوسية بهذه الزراعة في خيم ولكن على نطاق صغير.

أشغال عامة: ما التحديات بنظرك التي تواجه الزراعة في سهل الزهراني اليوم؟

آمال: بالنسبة للزراعة في الزهراني، ليس هناك إرشاد زراعي ولا خطة للتصريف على الرغم من وجود الكثير من التعاونيات الزراعية، وهذا أحد أسباب تبديل الزراعات. 

تعاون الحريري في التسعينيات مع الUSAID، فأنشأوا في أرضه في العدوسية “البراك”، وهو مختبر زراعي لإنتاج شتول جديدة للورد، وجاءوا بخبراء أجانب لتعليم المزارعين. ما زال المختبر موجوداً، وللحريري بساتين كثيرة في منطقة اسمها “البراك” حيث بنى فيلا، في تعدّ واضح على الشاطئ. وفي فترة ما نشأت مشاكل مرتبطة بغلاء الشتول المنتجة عبر المختبر. 

نشهد كثيراً في الفترة الاخيرة عمليات اقتلاع الأشجار في الحقول والبساتين (في المنطقة غير الملاصقة للشاطئ، أي داخلياً فوق الاوتوستراد)، ليس لتبديل الزراعات إنما لإعادة ضم وفرز الأراضي، على مثال مشاريع في بلدة النجّارية. وهذه مشكلة كبيرة، خاصة أن ضم وفرز الأراضي يحتاج في أغلب الأحيان إلى تغيير تصنيفات.

أشغال عامة: ترتبط مشاريع الضم والفرز أو تغيير تصنيف الأراضي بشكل مباشر مع مصالح المستثمرين، كما نوّثّق في كافة المناطق اللبنانية. ألديك أمثلة على ذلك في الزهراني؟ نسألك لنستطيع الكتابة بشكل معمّق عن كيفية استخدام أدوات التنظيم المدني في لبنان لخدمة المصالح الخاصة، على حساب الثروات الطبيعية. 

آمال: في النجّارية مثلاً، هناك بساتين حمضيات بآلاف الدونمات اشتراها مستثمر صيداوي وشركاء له، فتم اقتلاع كامل الأشجار وفتحت طرقات مع إمدادات كهرباء. حينها دفع مليونَي دولار لبلدية النجّارية كي تغيّر التصنيف، معتبراً أن هذه رسوم للبلدية. حاول رئيس البلدية حينها الإعتراض، لكنّ اعتراضه لم ينجح وقَبِل بطرح تغيير التصنيف. حتى الآن، لم يظهر شيء إنشائي في الأرض، إنما يقال أنهم سيبيعون قطع الأرض الصغيرة الناتجة عن الفرز لأن ذلك يدرّ عليهم ربحاً أكبر. ويتمّ اتّباع هذا النظام في الزهراني إلى حدود النبطية.

ومقابل مرفأ عدلون، بين الطريق البحرية والأوتوستراد، هناك جلول كانت مزروعة موزاً، اشتراها هو أيضا. تم اقتلاع الأشجار فيها وتنفيذ مشروع ضم وفرز، ويقال أيضاً أن بيعها سيتم مفروزة.   

وهناك أيضاً مشروع الجية مارينا المتعدي على الملك العام. صاحبه هو رئيس غرفة الصناعة والتجارة في الجنوب، متموّل كبير أصله من قعقعية الصنوبر، شريك لسياسيين وهو من الأشخاص في قضاء الزهراني الذين يشترون أراضٍ لضمها وفرزها. وقد إشترى مثلاً، للهدف نفسه، حرج صنوبر كبير في المروانية حيث مستشفى الفنار. كما كان مع شركائه هؤلاء جزءاً من تحويل منطقة تِبنا الواقعة بين الزهراني والنبطية من تصنيف زراعي إلى صناعي، حيث أقيم مشروع ضم وفرز هائل أيضاً.

أشغال عامة: قضية عدلون اليوم تشكّل مثالاً على كيفية تحويل منطقة ذات قيمة زراعية وإيكولوجية وسياحة محلية، إلى مشروع عقاري يدمّر تلك القيمة ويراهن مستقبلاً على الاستثمار في الأرض وتسليعها. ما رأيك في هذه القضية؟

آمال: في عدلون، كان الخليج الصغير، حيث يبنى حالياً مرفأ نبيه بري، الشاطئ الرملي الوحيد المفتوح أمام الناس، ومع أن لعدلون واجهة بحرية طويلة بحدود 8 كلم، إلا أن وجود البساتين المسورة على الخط الساحلي شكّل عائقاً أمام وصول الأهالي إلى البحر. 

واليوم، لا يمكن عزل مشروع إنشاء هذا المرفأ عن شبكة المصالح والمضاربات العقارية. فردم هذا الخليج وتطويقه يتزامن مع حركة واسعة للاستحواذ على الأراضي المتاخمة وتطويع أدوات التنظيم المدني لخدمة كبار المالكين والنافذين. وظهر هذا مثلاً بوضوح في الضغوط الكبيرة التي تمّ ممارستها على ابن أحد المغتربين من عائلات المنطقة لبيع قطعة أرض استراتيجية (حوالي دونم ونيّف) تقع ضمن حرم المرفأ الحالي، والتي شهدت نزاعاً وسعياً للشراء بين أقطاب من النافذين للاستفادة منها مستقبلاً كمنشأة سياحية أو مركز خدمات لشركات النفط والغاز المحتملة. 

تكامل هذا مع تلاعب ممنهج بتصنيفات الأراضي. جرى سابقاً، بالتواطؤ مع رئاسة البلدية السابقة، تغيير تصنيف المساحات الزراعية الواقعة فوق الأوتوستراد وتحويلها إلى مناطق سكنية مخصصة للفلل لرفع قيمتها السوقية، بينما جرى تعمّد تجميد تصنيف الأراضي الزراعية القريبة من البحر لقطع الطريق أمام أي ارتفاع للأسعار حتى ينتهي النافذون من شرائها بأسعار رخيصة قبل تعديلها لاحقاً.

في المقابل، يرزح محيط الخليج على جهتيه الشمالية والجنوبية تحت وطأة تهجير معلن يهدّد العائلات الفقيرة التي بنت بيوتاً ومحالاً صغيرة داخل البساتين المحيطة أو فوق خط سكة الحديد—والتي أنشئ جزء منها خلال سنوات الحرب والجزء الآخر خلال أزمة المشاعات عام 2010—حيث يُتركون اليوم بمواجهة الإقصاء المكاني والإزالة بذريعة المخالفات القانونية لتفريغ محيط المرفأ وصياغته بما يتلاءم مع مصالح المالكين الجدد.

وقد اعترض البعض من سكان عدلون على بناء هذا المرفأ.

لكن لفهم تاريخ هذا المشروع وسياق تحوله، يمكن العودة إلى عهد رئيس البلدية الأسبق، الذي كان قد قدّم إلى وزارة الأشغال العامة والنقل—أيام الوزير غازي العريضي—مقترحاً يهدف إلى إنشاء ميناء صيادين بيئي صغير يتناسب مع حجم عدلون وإمكانياتها؛ يقتصر على جسر ترسو عنده الزوارق وأماكن لربط “الفلايك”، دون أي إنشاءات خرسانية أو ردم. ورغم أن المدير العام للنقل البري والبحري حينها، عبد الحفيظ القيسي، أبدى حماسة أولية للمقترح، إلا أن البلدية تلقت لاحقاً اتصالاً من الوزارة يفيد بنيتها “تفخيم” المشروع وتطويره على مستوى مساحات وإنشاءات أضخم بكثير.

حالياً لا بلدية في عدلون لأنهم اختلفوا فيما بينهم عام ٢٠١٦.

في نقلِنا لكلمات الشهيدة آمال خليل هذه، محاولة لاستكمال عملها في الحفاظ على ذاكرة الجنوب، منطقة الزهراني خاصة، في حلوها ومرّها، في مشاكلها وأحلام سكّانها، علّنا نستطيع يوماً أن نبني مناطقنا كما يريد أهلها، كما كانت تريد آمال، حرّة من الاحتلال ومن الاستغلال.

إدارة الأراضي والتنظيم المدنيالموارد الطبيعيةلبنان