“للحياة قواعد”، أبو حسن

كتابة: سابين سابا

الخيمة: خيار له حساباته الدقيقة

وجد أبو أحمد نفسه على رصيف حرش بيروت برفقة عائلته، فالإيجارات التي وقعوا عليها كانت ستستنزف ما حملوه معهم من مدّخرات لدى خروجهم المُستعجل من قريتهم. كان سُلّم الأولويات لدى عائلة أبو أحمد واضحاً، الحفاظ على صحة أفراد العائلة لمدّة قد تطول، ما يتطلب تأمين تكلفة الغذاء والأدوية وأدوات النظافة، لذا لا يمكن التبذير بالمدّخرات لصالح بدل ايجار متضخّم. كان على أبو أحمد أن يتحسّب لكل طارئ لأن مجلس النواب اللبناني لم يصدر أي قانون معجّل ، خلال فترات العدوان المتصاعد والتهجير القسري بين عامَي ٢٠٢٤ و ٢٠٢٦، يضع من خلاله سقفاً للايجارات منعاً لاستغلال النازحين ودعماً لقدرتهم على تحمّل النزوح واستقلاليتهم في إدارة حياتهم.  

أن يتّخذ النازح\ة من الأملاك العامة المفتوحة مكاناً للإيواء ليس بالخيار السهل، فهذا مكوثٌ مكشوف يضع الفرد والعائلة تحت خطر التعديات الجسدية منها وتلك المتعلّقة بالخصوصية. يلتمّ حولهم الصحفيون والمارّة والباحثون، من غير باب أو مدخل يردعهم، يجمعهم رصيف عام لا يتنكّر أحد لشروطه كمساحة مشتركة. 

حاول أبو أحمد العودة إلى قريته خربة سلم، في قضاء بنت جبيل، فور إعلان الهدنة في ١٦ نيسان ٢٠٢٦. تتدخّل أسماء، ابنته العشرينية، لتصف واقع الميدان خلال عودتهم الوجيزة: “طلعنا على الجنوب وقت الهدنة. ما قدرنا ننام. ٣ بيوت حدنا نزلوهم، حملنا حالنا ونزلنا.” ترتفع خربة سلم حوالي الـ٦٥٠ متر عن سطح البحر، الحركة منها وإليها تحدّدها العلاقة بالساحل، حيث تمرّ بها الطريق الدولية اللبنانية الآتية من الساحل، والتي تربط المحافظات ببعضها البعض. لم تأتِ أسماء على ذكر قذائف المدفعية التي كانت تطال خِراج بلدتهم الشرقية والجنوبية آنذاك بشكل شبه يومي. فالقذائف وحدها لا تُخرج الجنوبيون من ديارهم، ولا تعتبر في لائحة مسببات التهجير، ذلك لأن تأثيرها مُتوقّع، بعكس الطائرات الحربية. حملوا أغراضهم وعادوا بها إلى محيط حرش بيروت.

صناعة الملتقى الرَّؤوف، بانتظار العودة.

استقبلتني العائلة مراراً في تخشيبة الجلوس الملاصقة لخيمتهم. في وسط التخشيبة  طاولة منزلية صغيرة تلمّ كراسٍ متنوّعة حولها، ترفع الأكل والضيافة عن سطح الرصيف: كيس تمر، فواكهة، قهوة وغيرها ممّا توفّر. يكفي لأي نازح أن يستأذن من العائلة للجلوس والاستفادة من هذه المساحة البسيطة ليستقبل زواره أو يجتمع بجيرانه. لا أذكر أنّي رأيتها يوماٌ خالية من الأنس والناس، إلا في مرات معدودة في أوقات الصلاة، فروض تلتزم بها عائلة أبو أحمد. ويحترم الجميع خصوصية العائلة في هذه المواقيت، ليسود الهدوء في التخشيبة المتواضعة، أو في ساعات انشغال الأهالي بتأمين مقتضيات النزوح. 

كانت المقابلة الأولى مع عائلة أبو أحمد خجولة إن جاز التعبير، وهي كناية عن إجابات مقتضبة على أسئلتي الجاهزة. لربما كانت عملية تدوين الأحاديث هو ما دفع العائلة التأنّي في الكلام. جرت المقابلة بحدود حوارية – اجتماعية مرِنة ساهمت في وضعها العائلة التي تتألّف من الأم والأب والابنة أسماء التي نادراً ما كانت تجالسنا، بأساليب متنوّعة، تحرص على جعل الحضور يشعرون بالألفة، وتحفظ خصوصية تجربتهم في آن واحد.

انطلق حديث عفوي بين الجمع بعد إغلاق المدوّنة وتوقّف الأسئلة، وكان أبو أحمد محرّكه. وعند نهاية الجلسة، نظرتُ إلى أسماء مبتسمة، مدلّلة على أبيها المتكلّم، فقالت: “الحج قارئ ملتزم، مش بس القرآن حافظه، بالبيت عنده مكتبة.”

قالت أم أحمد التي تعاني من آلام مزمنة في الظهر: “بقضيها بالحرش، رايحة، جاي، كرمال ظهري. يأتونني بطبيب نفسي. ما بدي حدا، بداوي حالي”. تعلم أم أحمد أن أوجاعها الجسدية متجذّرة بما تمرّ به، وتتبدّل معه وتتأثّر به. تبتسم لي عند ختام كلماتها، وتثبّت ابتسامتها لبضعة ثوانٍ، فتمنعني عن أداء فرض التعاطف. لم ترفض أم أحمد المساعدة طبية عبثاً، بل أرادت أن ترسّخ قاعدة في ذهن الحاضرين، من أقرباء وغرباء على حدّ سواء: لا حلّاً لآلامها إلا بالعودة إلى ديارها. أحياناً، يسمح لها جسدها بالتمدّد تحت شجرة أو على مقعد داخل الحرش، فتستغلّ هذه اللحظات الثمينة كي تتابع قراءة القرآن. لن يغيب وجه أم أحمد الجميل والصريح والآسر عن ذهني ما حييت، يمدّ الحاضرين بالطمأنينة رغم ترسّبات التعب عليه من شقاء دهرٍ جاورت فيه آلة الابادة الاسرائيلية. 

عن النزوح: انكشاف ظروفه الناتجة عن واقع المدينة

أخبرتني أسماء في حديثنا الأول عن فندقٍ في منطقة الحمرا، يُؤجّر الحمّام الواحد لمدّة ساعتين مقابل ٥٠ دولار، وضحكت. أخبرتني أيضاً عن مصبغة في حيّ مجاور تطلب٢٠ دولار بدل تنظيف كيس من الثياب. تضيف أسماء: ” أول ما وصلنا كنا نروح ناكل كل يوم سندويش بنفس المطعم، لجوّا شوي، براس النبع، مناكل ومنفوت على الحمام. كانت ماشية الامور إلى حد ما. لحد ما انسرقنا… أخدولنا كل شي كان معنا. من ذهب وأموال.” وتختم: “رحنا على المخفر دغري ها، قال ما فيهن يعملولنا شي.” يا له من استقبال يا بيروت! أمّا عن التبضّع اليومي وما إذا كان سوق بدارو يلبّي حاجاتهم، أجابني أبا أحمد: “هذه منطقة سياحية” مدللاً على غلاء أسعارها ووظائف محالها بعدما جالها مرّة. والصحيح أن طول فترة تردّدي على محيط حرش بيروت، كنت أمرّ أحياناً بشارع بدارو ولا أرى أحداً من نازحي الحرش رغم بعدهم عنه مئتي متر فقط. وكأن عالماً ما ينتهي عند تعاونية الجيش على رأس الشارع، ويبدأ آخرٌ من ورائه، على خطّ سباق  الخيل. خلال الحرب الأهلية تلوّن هذا الخطّ  بالأخضر، وتحوّل إلى ساحة معركة ذابت ملامحها الحضريّة واستراحت فيها الحشائش والأشجار. دمّرت قذائف المدفعية خلال الاجتياح الإسرائيلي عام  ١٩٨٢ أيضاً جزءاً كبيراً من الثروة الحرجية في منطقة الطيونة. أما أشجاره الحالية، فأُعيد زرعها بالصنوبر الفرنسي بعد انتهاء الحرب الأهلية. سألت أبو أحمد عمّا اذا كان ملمّاً بالسياق التاريخي للمكان الذي نقف فوقه، فهزّ برأسه مغتاظاً لاستذكار ماضٍ كثر فيه سفك الدماء: “الحرش بعرفه من لمّا كان يجوا المصورين ويصوّرونه تصويراً مائي”. فاستفسرت: ما هو التصوير المائي؟” فيكمل أبو أحمد: “عندما يحني المصوّر رأسه ويدخله تحت شرشف أسود بخلوة مع العدسة”. وأراد أبو حسن الاشارة إلى المرحلة التي انتهت بإعلان الفرنسيين قيام دولة لبنان الكبير من قصر الصنوبر، أي من هذا الحرش بالذات.

الصمود والإغاثة: علاقات  تُبنى على الاحترام

لا يبخل أبو أحمد بمعلومةٍ إن امتلكها. يتحدّث بشغفٍ كبير عن تاريخ قريته وجبل عامل.  يتحدّث ايضاً عن القواعد الدينية التي يستعين بها إلى حين جلاء هذه المرحلة الدقيقة من حياته، لا سيما تلك التي من شأنها ترتيب العلاقات الاجتماعية، والثبات على الحق في وجه الظلم والطغيان. تمتلك أم أحمد ابتسامة رحيمة وصارمة في آنٍ واحد، تلقي بها على من يحدّثها. تحرص أم أحمد على عدم انكشاف أوجاعها وأحزانها وهمومها للعلن. هي هنا، موجودة بيننا، ولكن من يتعرّف عليها أكثر يشعر أنّها بعيدة عن كلّ ما يحيط بها. تأخذ عنها ابنتها هذه السمات. ذات يوم، أوصتني أم حسن، زميلة التوثيق وصديقة مشتركة بيني وبين أم أحمد، بفرش جديدة ترفع فيها أم أحمد مستوى نومها لعلّ ذلك يخفف من آلام ظهرها. عندما أوصلت مبادرات دعم صمود النازحين الشعبية الفرش إلى الحرش وكان بينهم فائض، تجمّع الاطفال، وتسلقت أجسامهم حماسة تجاه الحدث، وباتوا يمسكون بالفرش ويجرونها بقاماتهم الصغيرة نحو الخيام. لم نستطع أنا وأم حسن ضبط العملية. حينما وصلت إلى خيمة أبو أحمد، وضعت فرشتين أرضاً، ومن حولي أطفال يصرخون ويلعبون: “هيدي لوين؟” “شو بعمل باللي معي؟” “في رجال على آخر الشارع شفتو مبارح، ما عنده فرشة، بروح؟!” كان أبو أحمد يؤشّر لي بحاجبيه، يرفعهما نحو السماء، بما معناه “ما هذه الطوشة؟” وكانت تصحب الحواجب المرتفعة ابتسامة تتفهّم عدم التمكّن من حماسة الأطفال. بتّ أعرف ما يثير حساسية أبو أحمد في موضوع النزوح هذا، وما يصحبه من حاجة لدعم مادي ممّن هم من خارج ظروفه. بادلته نظرات الأسف، معتذرة عن هذه الحالة التي امتدت من مدخل حرش بيروت مقابل المستشفى العسكري إلى باب خيمته وإلى داخل تخشيبة الجلوس وأنا أحاول إبعاد نفسي والأطفال عن مساحته وعائلته بأسرع وقت ممكن. لم يكن انزعاج  أبو أحمد ناتج عن الإخلال بسكينة مساحته لبضع ثوانٍ بسبب الفرش، إنما عن حالة البلبلة التي نمَت حول الفرش على طول الرصيف. 

وبالفعل، كانت العلاقة بين الناس والمساعدات علاقة كريهة، ولا زالت. حاول النازحون مراراً لفت أنظار العالم لآليات توزيع المساعدات، ومطالبتهم بعدم المسّ بكرامة الشعب النازح، لا وبل الاجتهاد لصونها. فالعنف الإبادي الذي يتلقّاه مجتمع أصبح بكامله هدفاً لآلة الموت والتهجير الإسرائيلية لا يحتمل إضافة عنف طبقي واجتماعي أو طائفي على يد أبناء البلد الواحد، أو حتى عنف رسمي ومؤسساتي على يد الدولة اللبنانية. وإلّا أضحى مساهمة في نكبات الاحتلال للعائلات النازحة. 

كان لسلوك أبو أحمد هذا تأثير على محيطه المباشر، من حيث تنظيم المكوث على الرصيف العام والعلاقة بين النازحين، وكان يرى أن الظروف القاسية التي منيوا بها تتطلّب سلوكاً جماعياً مبني على احترام الذات أولاً والآخرين من النازحين ثانياً واحترام خصوصياتهم، وإلّا سوف يصعب الصمود. احترام الذات، أمام جزء من الرأي العام المعادي لنازحي الخيام في بيروت الإدارية والذي تعامل مع وجودهم على أطراف المدينة على أنّه مكيدة استراتيجية مدروسة تهدّد الأمن القومي لبيروت وجماليات مساحاتها وخصوصيتها كعاصمة. وهنا يطرح سؤال: من يملك العاصمة؟ أليست هي عاصمة الجميع أم أنّها خضعت هي أيضاً للانقسامات الحادة؟ أما الجزء الآخر فاكتفى بالانزعاج من المفهوم الجمالي الذي يصحب الخيام، والذي يتناقض مع تطلعاتهم للمدينة.. …. في الحالتين، كان على النازح أن ينتزع إنسانيته من ألسنة المنزعجين والمتضامنين أحياناً بشكل يومي، وهذا ما حاول أبو أحمد تثبيته داخل عائلته ومن حوله أيضاً. 

كان على من نزحوا في الخيام، أن يعتنوا بكامل عملية النزوح الصعبة، والبحث عن مأوى آمن، وتأمين  مقومات الصمود في ظل غياب شبه تام للدولة. كان عليهم أيضاً أن يثبتوا بشكل يومي، أنّهم لن “يحتلّوا” بيروت، وهو أمر لم ينوِ عليه أو يهدف له أو يعبّر عنه أحدٌ منهم يوماً. وبالتالي، فإن هذه السلوكيات الصارمة التي كان عليهم أن ينتجوها، بشكل فردي وجماعي، شكّلت جهداً وعبئاً إضافياً على جماعة كانت بكل وضوح تحمل وزر كل هذه الحرب.

خربة سلم و مجدل سلم

على بعد بضعة أمتار غرب خيمة أبو أحمد، يركن بديع دراجة نارية ثلاثية العجلات، يعلوها اكسبرس قهوة مجهّزٌ بدقة ما. كل تفصيل له أسبابه، حتى مولّد الطاقة الذي يغذّي المشروع له مخبأ داخل العربة. تواصلت مع بديع مؤخراً وسألته عمّا يريدني أن أسمّي عربته وأجاب: “قهوة السنافر”، فضحكنا. قلت له: “جدّ؟” فأجابني: “جدّ، أنا أكيد انه نصّك حزين، وكلّه نزوح ومأساة، اتركي القارئ يضحك شوي”. ما كان لي إلا أن أخضع، رغم أني على قناعة أنه لن يجد الإسم مضحكاً إلا من آلف بديع. سألته مرة عن حركة المبيعات فأجاب بصراحة: “قبل الحرب، كان إقبال المارة على شراء القهوة أكبر من اليوم، اليوم القهوة ليست أولوية الناس”.  فاستفسرت: “لماذا لا تنتقل بها إلى مكانٍ آخر؟ يمكنك ركنها حيثما شئت.” فأجاب: “حلو الواحد يكون عندو استمرارية، يثبت ولو الامور مش تمام.” إلا أن حقيقة الأمر تكمن في تعلّقه بجيرة أبو أحمد كما يستأنس بمن تجمعه بهم وحدة المصير، فهو أيضاً ابن الجنوب. تطلّ خيمة أبو أحمد على قهوة السنافر تماماً كما تطلّ خربة سلم على مجدل سلم، مسقط رأس بديع. 

انضمّ إلينا أبو أحمد في منتصف الحديث، حيث ناداه بديع، وقال له: “عم تسألني عن تاريخ المجدل والخربة” حدّثنا أبو أحمد عن درب السلطان، طريق تاريخي للقوافل والمسافرين، يمرّ عبر الوادي المشترك بين القريتين، وحدّثني بديع “عن نبع الملّول ومياهه المباركة الصافية”. أما بالنسبة للتسمية، فقد تضاربت الروايات، فالقريتين مقرونتان باسم “سلم” ويرجّح أنه شخص سكن هذه المنطقة واتخذ من المجدل حصناً له. أمّا الخربة فاحتضنت الخان الذي يستقبل الرّحالة والتجار، وخدم وحاشية “سلم.” النصوص والمقابلات عن القريتين لا تربط القريتين بشكلٍ مباشر، وكلّ منهما تتبع لقضاء مختلف. أكمل  أبو أحمد روايته بأن كان هناك أخوان اثنين من السلاطين، الأول اسمه مجد والآخر خان، وقد أخذ كل منهما تلة وتولّوا إدارة درب السلطان وخانها المربح لأهميتها  التجارية. يصعب التحقق أحياناً من جذور تسميات القرى، لغياب التوثيق في مواقع منها، أو لاختلاط القصص الشعبية مع التاريخ الواقعي.

للحياة قواعد

عند الإعلان عن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة في إسلام أباد في الـ١٥ من حزيران، ٢٠٢٦ ، كلّمتني أم حسن  مساءاً لتخبرني بأن النازحون بدأوا يحزمون أمتعتهم للعودة لقراهم وشققهم في الضاحية الجنوبية، وأنها هي بدورها تدرس إمكانية تفكيك الخيمة والعودة إلى الغبيري: “جماعة الضاحية اللي مش رايح بيتهم ضبضبوا، جماعة الخربة عم يفكّوا (الخيمة)، عِبّا تركوا، ميلة سبق الخيل ما عاد في غير كم خيمة واقفة، عم يفضى الحرش”.  توجّهت إلى الحرش في اليوم التالي عند المساء، ولاقتني أم حسن هناك، فكان لدي مهمة أخيرة، أن ألحق بعائلة أبو أحمد وأم أحمد، لأودّعهما أولاً، ولكي أقول لأبو حسن اني سأكتب نصّاً عنه وأشارك موضوعه على أمل أن يمنحني الموافقة. وصلت إلى الحرش، ورأيت رصيفاً مختلفاً: تبدّلت ملامحه، بعض خيامه صامدة وأخرى مُتدلّاة أطرافها بحرية من غير هيكل، من حولها أغراض وأكياس وشنط لا تنتهي، أضحت في العراء. 

كان جزء من النازحين لا يزال يعمل على جمع الاغراض وتفكيك الخيام، أما الجزء الآخر فبات جاهزاً للانطلاق، وجلّ ما يؤخّر انطلاقته هي الجلسات الوداعية المعدودة المتوزّعة على خطّي الطريق المحاذي للحرش. لمحت تخشيبة أم أحمد، لكني لم أجدها هي، انما وجدت عدداًَ من الرجال يجلسون حول أبو أحمد، يناقشونه في الوقائع الميدانية والمستجدات السياسية، وتحكم وجوههم فرحة لم أرها على أحد من النازحين من قبل. تلقّفتني أسماء بسلامٍ حماسي، فصحت بوجهها “شو وصلي حكي انه ماشيين!” فأجابتني بصيحة أعلى: ” شو بدك ايانا نبقى هون؟!” 

توجّهت نحو خيمة أم حسن التي فُكَّت كل الخيام من حولها، وجلست على الرصيف أنتظر، وإذ بصوت أم حسن يدمّر لحظة السكون، “شو؟ مشي الحال؟” فأجبت: ” لا، عاجقة عنده”. فقالت: “رح روح خبرو إنك هون”. بعد ٥ دقائق، ألمح أبو أحمد وهو يركض نحوي، وكان يركض فعلاً، لم أكن لأتخيل لحظة أرى رجلاً سبعينياً بهذه الطاقة، قمت عن الرصيف وأعطيته كرسي، واذ بأم حسن تفتح سيارتها المركونة وتخرج منها كرسي قابل للطيّ وتعطيني إياه، فسألتها من أين خرج هذا الشيء المفيد. فضحكت وقالت: “لو بتعرفي شو في بالسيارة لتجنّي”. 

قال لي الحاج: – أأمريني
-الحمدلله على السلامة
-الله يسلمك
-أريد أن أخبرك أني بصدد شملك في سلسلة من النصوص عن نازحي الحرش. 
-يلا (مبتسماً)
-أعتقد بأني سأركّز على شيء لم نتحدث عنه قط، وهو انضباطك وسلوكك وعائلتك في الحيّز العام. في يومٍ من الأيام بعد عودتي من حوار معك، رحت أبحث في الآيات القرآنية عمّا يمكن أن يوضح لي ما هي القواعد التي تلتزم بها، وتمنحك هذا النوع من التماسك والتوازن مع كل الصعوبات والعقبات التي مررتم بها كعائلة جنوبية. لم أجد شيئا إلّا في هذا الحديث. هل أقرأ لك الجملة؟ 
-ابتسم وقال، نعم

لن أردّد الجملة هنا لأني في الحقيقة لم أصب بتاتاً. 

-لم أقع على هذا الحديث من قبل – وابتسامته لا تزال تتّسع، محيياً جهودي.
-إذا؟
-للحياة قواعد. مثلما للشمس قواعد، وللقمر قواعد، للأماكن العامة قواعد تحكمها أيضاً وعلينا التعامل معها. لدى كلّ إنسان دين، ولدى كلّ إنسان ضمير. ضميري يحاسبني، تماماً كالشرطي. لديّ ٥ فروض في النهار، هي ضوابط لي، تلزمني بحدَ أدنى من الانضباط وسط الفوضى. أمّا النظام فهو من صنع الإنسان، فإن وضعت لنفسي نظاماً ولم أتماثل به.. ما نفعه؟ نحن على شارع عام، لن أدمّره أو أخرّبه، فهو ليس ملكي، لن أتعدّى على الناس، ولن أسرق مالهم. إذا ناداني الواجب، سألبي وأضحي. لن أسلّم للطغاة والظالمين.. ويلي ما عندو بيت، بدو ينصب خيمة..
-.. كيف تفهم هذه التجربة؟
-٣ أشهر.. هنا.. كانت مدرسة في الصبر.
-ماذا ستفعل عندما تطأ قدميك خربة سلم؟
-بدي انبسط وازعل، أتأثر بالمناظر وصور الشهداء، والأمهات والأخوات الثكالى، لولاهم، لما عُدنا.

شيّعت قرية خربة سلم في الـ ١٦ من شهر تمّوز ٢٠٢٦،  ٣٠ شهيداً من أبناء البلدة المقاومين، بعد شهر على عودة العائلة وسكانها إليها. خصّتها الشهيدة الصحفية آمال خليل بحلقة تحت عنوان: خربة سلم ممر الثوار: لماذا أصبحت قرية الشهداء الصامدة؟ تروي فيها تاريخها الغزير بالتضحية والمقاومة. في رثاء آمال خليل، كتبت زميلتها سلوى دبوق المنحدرة من  خربة سلم نصاً عن زيارة آمال لقريتها معنونة: آمال خليل في «خربة سلم»: رسالة حب أخيرة لـ «أهل الأرض».

الأملاك العامةبيروت الكبرىلبنان