WhatsApp Image 2026-05-29 at 19.40.44

كواليس شرعنة المقالع المخالفة: كيف طوّعت الحكومة وشركات الإسمنت أُطر التنظيم المدني في الكورة؟

 تمّ إلغاء العمل بالقرار رقم 16 المتعلّق بـ”تنظيم عمل شركات مقالع الإسمنت والترابة العاملة في لبنان” وإقرار القرار رقم 59 بتاريخ 23 نيسان 2026

أقرّت الحكومة القرار رقم 16 المتعلّق بـ”تنظيم عمل شركات مقالع الإسمنت والترابة العاملة في لبنان” في جلستها المنعقدة في 9 نيسان 2026

ما هي الأسباب الموجِبة التي يذكرها القانون؟
  • مقالع شركات الإسمنت عانت من توقفٍ عن العمل تجاوز 70% من أيام العمل منذ عام 2020، وصولاً إلى توقفٍ تامٍ منذ مطلع عام 2025. 
  • الاختلافات في تفسير وتطبيق المرسوم 8803/2002 وتعديلاته ما حال دون ترخيص مقالع شركات الإسمنت عبر المجلس الوطني للمقالع.
  • توقف المقالع يهدد الركيزة الأساسية للقطاع الصناعي، وينذر بخسائر فادحة وتداعيات اقتصادية قد تفضي إلى صرف أعدادٍ كبيرة من العمال والموظفين.
من اقترح القانون

الحكومة بناءً على عرض وزارتي الصناعة والبيئة

النوع

قرار حكومي

الفاعلون

شركة الترابة الوطنية (السبع) 
شركة هولسيم لبنان 
شركة ترابة سبلين 
وزارة البيئة 
وزارة الصناعة
الحكومة 
المجلس الوطني للمقالع والكسارات
المديرية العامة للتنظيم المدني 
سكان المناطق المتأثّرة
تجمّع الناشطين البيئيين في الكورة والجمعيات البيئية والناشطين
المفكرة القانونية

المناطق المتأثرة

قضاء الكورة (خصوصاً بلدات بدبهون وكفرحزير ومحيطها المباشر)
قضاء البترون (خصوصاً بلدات شكا والهري ومحيطها المباشر)
قضاء الشوف (خصوصاً بلدة سبلين ومحيطها المباشر) 

لتحميل القوانين

في توقيتٍ شديد الحساسية، بعد يومٍ واحدٍ فقط من المجزرة الأكبر التي شهدها لبنان منذ عودة التصعيد الإسرائيلي في 2 آذار 2026، والتي شنّ فيها 100 غارة في أقل من 10 دقائق، مخلفاً أكثر من 357 شهيداً و1223 جريحاً1في حصيلة أولية صادرة عن وزارة الصحة اللبنانية.، باغت مجلس الوزراء الرأي العام في جلسته المنعقدة يوم الخميس 9 نيسان 2026، بإدراج بند ترخيص مقالع شركات الإسمنت المخالفة في الكورة ومناطق أخرى من خارج جدول أعماله.

ولم تكن تلك الجلسة عادية؛ إذ شهدت خلافاً حاداً بين وزيرة البيئة ووزير الصناعة حول صلاحيات طرح الملف، انتهى بانسحاب الأولى وإقرار المجلس للقرار رقم 16/2026، الذي وفّر غطاءً رسمياً يُشَرعِن استمرار عمل شركات الإسمنت في الكورة ومناطق أخرى ويمهّد لمنحها التراخيص اللازمة لاستثمار مقالعها. غير أن وزارة البيئة ما لبثت أن عادت وطرحت الملف مجدداً على المجلس بعد أسبوعين، ليُلغى القرار الأول ويُستبدل بقرارٍ جديد يؤدي إلى النتيجة ذاتها ويحمل الإشكاليات نفسها، بل وأكثر، وهو القرار رقم 59/2026.

لا يمكن التعامل مع هذين القرارين بوصفهما إجراءَين عابرَين، بل هما تتويجٌ لمسارٍ طويل من التواطؤ الذي خضع فيه القرار الرسمي لهيمنة “كارتيل” الإسمنت. وأمام هذا الواقع، تبرز تساؤلات حول التوقيت من جهة، وتداعيات هذه القرارات على كل المناطق، وبشكل خاص  على منطقة الكورة وسكانها.

فيما يلي، نسعى للإجابة عن هذه التساؤلات. ودون الغوص في تفصيل كافة الإشكاليات الدستورية والقانونية المتشعبة المترتبة على القرارين، سيركز هذا التعليق بشكل خاص على تفكيك إشكاليات التنظيم المدني والبعد المكاني، مع عرض الأبعاد البيئية الكارثية للقرارين على المنطقة وأهلها، بربطها بالسياق التاريخي التراكمي لعمل هذه المقالع التي استباحت الأرض طوال عقود. يدلّ هذا التعليق على أن ما يرتكب تحت اسم التنظيم المدني وتحت حجة توفير الإسمنت لإعادة الإعمار هو في واقع الأمر نهش للجبال والوديان والبراري، حيث تُعامل الأرض كمادّة استخراج مباحة للنهب والتخريب.

الإطار القانوني القائم وتاريخ استباحة المقالع لأراضي الكورة

بدايةً، لا بدّ من العودة إلى الإطار الذي يُفترض أن يحكم هذا القطاع. يخضع قطاع المقالع حالياً للإطار القانوني الناظم الذي أرساه المرسوم رقم 8803/2002 وتعديلاته (تنظيم المقالع والكسّارات). وقد رافق هذا المرسوم، بعد عدّة سنوات من الأخذ والردّ،  أول مخطط توجيهي يحدّد جغرافياً المواقع المسموح فيها بإنشاء المقالع وترخيصها على الأراضي اللبنانية عبر المجلس الوطني للمقالع في وزارة البيئة، موضحاً الشروط والمراحل الإجرائية اللازمة لذلك. ثمّ تمّ توسيعه عام 2009 بموجب المرسوم 1735/2009 ليشمل 11 موقعاً إضافياً بناءً على دراسة لوزارة البيئة. وبناءً عليه، يُعدّ أي مقلع أو نشاط استخراجيّ ينشأ خارج النطاق الجغرافي المحدّد في هذه الخرائط مخالفاً للقانون. 

تتمركز أكبر المقالع النشطة في لبنان اليوم ضمن نطاق قضاء الكورة (شمال لبنان)، وتحديداً مقلعا استخراج الحجر الجيري في بلدتي كفرحزير وبدبهون، المرتبطان عضوياً وتشغيلياً بمعملَي «شركة الترابة الوطنية» (السبع) و«شركة الترابة اللبنانية» (هولسيم سابقاً). وتُشكّل هاتان الشركتان، إلى جانب «شركة ترابة سبلين» في قضاء الشوف، بنية كارتِل احتكاري متكامل يسيطر على القطاع بكل ما يحمله المصطلح من دلالات.

تاريخياً، تمّ إنشاء شركة “هولسيم” عام 1931 إبان الاستعمار الفرنسي، بعد ان أسّسها المطران أنطوان عريضة والبطريركية المارونية، وتموضع معملها على ساحل شكا-الهري. وبعد نحو عقدين، أُنشئ المعمل التابع لشركة “السبع” التي أسّستها عائلات صحناوي وعسيلي وضومط في المنطقة ذاتها. وترافق افتتاح المعملين مع استخراج مادة الصلصال من سهل الكورة الزراعي وإنشاء مقلعي الحجر الجيري في كفرحزير وبدبهون2 كتاب “أبعد من الإسمنت: رؤية تنموية بديلة لشكا وبلدات الطوق”..

في تلك المرحلة، لم يكن هناك وزارة تصميم ولا قانون للتنظيم المدني ولا أنظمةً لاستخدامات الأراضي، سواء على المستوى الوطني أو في المناطق التي تموضعت فيها هذه الشركات. ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى عام 2002، كان قطاع المقالع يُدار عبر سلسلة من الشروط التنظيمية التي تفتقر إلى أي بعد جغرافي أو مكاني، ونادراً ما عملت السلطات على تطبيقها. وبالتالي، ظلت الرؤية التنظيمية اللازمة لتوجيه استخدامات الأراضي وتحديد مواقع المنشآت الصناعية والمقالع غائبة بشكل شبه تامّ3 كتاب “أبعد من الإسمنت: رؤية تنموية بديلة لشكا وبلدات الطوق”..

ومع توقُّف أعمال الاستخراج في السهل في الثمانينيات، استمر مقلعا كفرحزير وبدبهون بالتوسع تدريجياً وبلا قيود قانونية في الأراضي التي تملكها الشركات أو تلك التي واصلت الاستحواذ عليها بأسلوب ممنهج واستراتيجي4 اطّلع/ي على تحليل خرائط الملكية في مقالع كفرحزير وبدبهون وعمليات شراء العقارات من قبل الشركات في مقال استديو أشغال عامة المنشور على منصة جدلية باللغة الإنكليزية بعنوان Koura’s Land: From Fertile Resource to Raw Material for Cement Factories. وعند صدور المرسوم رقم 8803/2002، لم يُدرج النطاق الجغرافي الذي يقع فيه المقلعان ضمن الخريطة، كما أخفق المشرّع في استيعاب المقالع القائمة فعلياً كهذين المقلعين ضمن الترتيبات الجديدة، سواء لجهة تسوية أوضاعها القانونية أو التدخّل للحد من مخاطرها. واكتفى المرسوم بإعطاء صلاحية ترخيص المقالع الجديدة الواقعة خارج المخطط التوجيهي لمجلس الوزراء5بموجب الفقرة 3 من المادة الثانية.. وقد جاء تعديل عام 20096المرسوم رقم 1735. ليضع حداً لصلاحية مجلس الوزراء هذه، ويربط إمكانية ترخيص المقالع العاملة مسبقاً بشرط مطابقتها للمعايير البيئية المحدّدة في المرسوم، مع تحديد سقف زمني صارم للترخيص لا يتجاوز السنة الواحدة، قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط بقرار من المجلس الوطني للمقالع قبل النقل إلى المناطق المخصّصة. 

إلا أن شركات الإسمنت في الكورة لم تجد مصلحة اقتصادية في نقل مقالعها إلى المواقع المحدّدة في المخطّط التوجيهي -نظراً لكلفته اللوجستية وتأثيره على عمليّاتها- ففضّلت توظيف نفوذها لفرض واقعٍ يتجاوز المسارات القانونية، متجنبةً التقدّم بطلبات ترخيص مقالعها القائمة أمام المجلس لسنوات طويلة. وبناءً على تفاهمات سياسية، مُنحت استثناءات صريحة من القوانين والمراسيم المرعية الإجراء عبر “مهل إدارية” تتجدّد وتتمدّد مع السنوات، دأب وزراء الداخلية أو الحكومات المتعاقبة على منحها، وأتاحت لها الاستمرار في تشغيل مقالعها غير المرخصة بذريعة انتظار تعديلات على مرسوم تنظيم المقالع والكسارات؛ وهي وعودٌ لم تتحقق منذ 16 عاماً، بل استُخدمت كأداةٍ للمماطلة والالتفاف على المقتضيات القانونية7 مقال المفكّرة القانونية تحت عنوان “الحكومة تتمرّد على شورى الدولة: التخلّي عن البيئة وحقوق الخزينة من أجل شركات الترابة”، نُشر بتاريخ 30/5/2024.. وعليه، تُعَدّ أعمال الاستخراج في مقلعَي بدبهون وكفرحزير مخالفاتٍ قانونيةً مستمرةً حتى يومنا هذا.

من المهل الإدارية إلى القرارين 16 و59: التفاف مستمرّ على القانون

بعد عقود طويلة من القلع دون رادع، شهدت السنوات الأخيرة بعض التضييقات على العمل الاستخراجي لشركتَي الإسمنت في الكورة (وغيرها من المقالع غير المرخّصة). ففي مطلع عام 2019، أعلنت وزيرة الداخلية ريّا الحسن8 عقب تشكيل حكومة سعد الحريري. “أنها ستتشدّد في تطبيق القانون المتعلّق بالكسّارات والمرامل وتنفيذ القرارات الصادرة عن المجلس الوطني للمقالع والكسّارت من ناحية استيفاء الشروط المطلوبة لعملها9كان خطاب وزير البيئة آنذاك فادي جريصاتي متماشياً معها.“. أصدرت الحسن تعميماً على القوى الأمنية يحثّها على إيقاف العمل في المقالع والكسارات اعتباراً من 1 آذار 2019. غير أن ضغوط الشركات أدّت إلى تراجعٍ سريع؛ إذ أُعيد العمل بالمقالع بعد 20 يومٍ فقط، عبر منح “مهلة إدارية” مدتها 90 يوماً، في تأجيل لـ”تطبيق القانون بصورة صارمة” لحين تعديل المرسوم الناظم والمخطط التوجيهي الذي كان قيد الدرس. تلا ذلك منح مهلة إضافية لمدة شهر في آب 2019. وفي أيلول 2019، صادق مجلس الوزراء على صيغةٍ جديدة للمرسوم، لكنه أرجأ المصادقة على الخريطة المرفقة به نتيجة الخلافات حولها، قبل أن تسقط الحكومة إثر انتفاضة 17 تشرين دون التوصّل إلى توافق. هذا الفراغ استُثمر لاحقاً؛ فحكومة حسان دياب، التي اعتبرت المرسوم غير نافذ لغياب الخريطة (باعتبارها جزءاً لا يتجزأ منه)، واصلت نهج “المهل الإدارية10 القرارات الصادرة عن حكومة حسّان دياب: القرار الصادر في 28 تمّوز 2020 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها 3 أشهر)، والقرار الصادر في 24 آب 2020 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها شهر)، والقرار الصادر في 19 آذار 2021 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها شهر)“، وهو المسار ذاته الذي استمرّت فيه الحكومة التالية برئاسة نجيب ميقاتي11 القرارات الصادرة عن حكومة نجيب ميقاتي: القرار الصادر في 15 شباط 2022 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها سنة)، القرار الصادر في 28 أيار 2024 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها سنة)، القرار الصادر في 4 كانون الأول 2024 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها سنتين)، إذ توّجت هذا النهج بالقرار رقم 56 الصادر في 4 كانون الأول 2024، الذي منح مقالع شركات الإسمنت مهلةً إداريةً للعمل مدّتها سنتان12 سبق للمفكرة القانونية أن طعنت فيه بالتعاون مع اتّحاد بلديّات الكورة والجمعيّة البيئيّة “وصيّة الأرض”.

ولكن نقطة التحوّل الأبرز كانت مع استلام الحكومة الحالية، حكومة نواف سلام، وإعلان وزيرة البيئة تمارا الزين في مؤتمر صحفي عن أول قرار اتخذته وزارة البيئة وأقرّته الحكومة (القرار رقم 17 الصادر في 2 أيار 2025)، وهو إلغاء قرار مجلس الوزراء السابق رقم 56 كخطوة أساسية واستحقاق هام في “تكريس دولة القانون” كما وصفتها. وأشارت الزين إلى أن إلغاء القرار لن يؤثّر على عمل شركات الترابة في حال كان عملها مرخصاً وفقاً للقانون؛ كما أكّد مجلس الوزراء ضرورة التزام شركات الترابة بالتقدم بطلبات ترخيص لاستثمار مقالع بحسب الأصول وفقاً للمرسوم 8803/2002 وتعديلاته، وهي الخطوة التي دفعت بالفعل شركتي السبع وهولسيم للتقدّم بطلبات ترخيص. 

وفي التفاصيل، تقدّمت شركة الترابة الوطنية (السبع) العام الماضي بطلب ترخيص لـ 9 عقارات تملكها ضمن نطاق بلدة بدبهون لاستثمارها كمقالع، في حين تقدمت شركة “هولسيم” بطلب ترخيص لـ 8 عقارات في بلدة كفرحزير و4 عقارات ملاصقة لها في بلدة شكا. وتشكّل هذه العقارات مجتمعةً مساحةً إجمالية شاسعة تبلغ نحو 1,774,362 متراً مربعاً (انظر/ي الخريطة والجدول أدناه).

عند مقارنة مواقع هذه العقارات مع الصور الجوية وحدود المقالع القائمة، يتبيّن أن غالبيتها أراضٍ مقلوعة ومستنزفة أساساً. ويكشف هذا الواقع أن طلبات الترخيص المرفوعة هي طلبات “لاحقة للاستثمار”، مما يعني قانوناً أن منح أي ترخيص في هذا السياق يعدّ تشريعاً لمخالفات قائمة؛ فضلاً عن كونها تتعارض جوهرياً مع المرسوم الناظم من حيث الموقع، إذ يحدّ المرسوم إصدار التراخيص على المواقع المحددة حصراً ضمن المخطط التوجيهي. وبناءً على هذه المعطيات، امتنع المجلس الوطني للمقالع والكسّارات عن منح موافقته على ملفات الترخيص المحالة إليه. وأمام هذا الواقع، سارع وزير الصناعة إلى تخطي صلاحيات وزيرة البيئة13 النقطة 5 “في عدم دستورية تجاوز وزيرة البيئة لكونها الوزيرة المختصّة” من مقال المفكرة القانونية بعنوان “الحكومة ترضخ لابتزاز شركات الإسمنت: حين يصبح جبل لبنان غنيمة حرب”.، مستغلاً نفوذ الكارتِل، ليطرح الملف مباشرة من خارج جدول الأعمال أمام مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم الخميس 9 نيسان الماضي.

أسفرت الجلسة عن  القرار رقم 16/2026، الذي وفّر غطاءً قانونياً يُشَرعِن استمرار عمل شركات الإسمنت في الكورة عبر التمهيد لمنحها التراخيص لاستثمار مقالعها القائمة، حيث قضى بمطالبة المجلس الوطني بمنح البلديّات المعنيّة مهلة أسبوعين لإعطاء الموافقات المطلوبة على طلب  التّرخيص لمدة عشر سنوات، على أن يُمنح الترخيص لمدّة سنة واحدة في حال عدم موافقة البلديّات. كما تضمّن القرار إقرار السير بمشروع تعديل المرسوم الناظم رقم 8823/2022. واستندت الأسباب الموجبة للقرار إلى حجة مفادها أن مقالع شركات الإسمنت عانت من توقفٍ عن العمل تجاوز 70% من أيام العمل منذ عام 2020، وصولاً إلى توقفٍ تامٍ منذ مطلع عام 2025. وعزت الحكومة هذا التعطيل إلى “الاختلافات في تفسير وتطبيق المرسوم 8803/2002 وتعديلاته”—وهي ذريعة استخدمت للالتفاف على حقيقة أن المخطط التوجيهي لا يشمل أساساً مواقع هذه المقالع، ما حال دون ترخيصها عبر المجلس الوطني للمقالع. واختتم القرار تبريره بالتحذير من أن هذا التوقف يهدد “الركيزة الأساسية للقطاع الصناعي”، وينذر بخسائر فادحة وتداعيات اقتصادية قد تفضي إلى صرف أعدادٍ كبيرة من العمال والموظفين.

ينطوي قرار الحكومة هذا على جملةٍ من المخالفات القانونية والإدارية. تتمثّل المخالفة الجوهرية الأولى في الالتفاف الصريح على المرسوم الناظم للمقالع والمخطّط التوجيهي المرتبط به، عبر منح شرعيةٍ لمواقع تقع خارج النطاق الجغرافي المسموح به قانوناً. ويتعدّى الأمر ذلك إلى تكريس آلية إصدار تراخيص لاحقة لشركاتٍ استثمرت مقالعها سابقاً بلا أي سندٍ قانوني كما ذكرنا أعلاه، بما يشكّل عفواً مقنّعاً عن تعدياتٍ بيئية مستمرة، وهدراً مباشراً للمال العام عبر تفويت ومحو مستحقات الدولة المالية والرسوم المتوجبة في ذمة شركات الإسمنت لقاء سنوات استثمارها غير الشرعي. أما من الناحية الإدارية، فلا يملك مجلس الوزراء صلاحية توجيه أوامر للمجلس الأعلى للمقالع والكسارات14 والذي من المفترض أن يكون هيئة ناظمة قادرة على اتخاذ قراراتها باستقلالية وفق معايير علمية وحقوقية، بعيداً عن التدخلات السياسية (النقطة 1 من مقال المفكرة القانونية بعنوان “الحكومة ترضخ لابتزاز شركات الإسمنت: حين يصبح جبل لبنان غنيمة حرب”).، فضلاً عن كون القرار يتعدّى على حقوق البلديات15 موافقة المجالس البلدية على المشاريع التي تمسّ بيئتها وسلامة سكانها ليست إجراءً شكلياً، بل حق أصيل لا يقبل التفاوض أو المصادرة، في إطار احترام مبدأ اللامركزية الإدارية والفصل بين السلطات. (النقطة 2 من مقال المفكرة القانونية بعنوان “الحكومة ترضخ لابتزاز شركات الإسمنت: حين يصبح جبل لبنان غنيمة حرب”)..

ولكن، على الرغم من انسحاب وزيرة البيئة من الجلسة الأولى اعتراضاً على التعدي على صلاحيات وزارتها من قِبل وزارة الصناعة التي تولّت عرض الملف، إلا أنها ما لبثت أن أعادت فتح الملف أمام مجلس الوزراء في 23 نيسان، أي بعد أسبوعين. وأفضت هذه الجلسة إلى إلغاء القرار 16/2026، ولكن مع تثبيت وتكريس ذات الغطاء القانوني الممنوح للشركات لاستثمار مقالعها؛ وجاء الإخراج الجديد في القرار رقم 59/2026 عبر تعديلَين أساسيَين هما إلغاء السير بتعديل المرسوم 8803/2002 بحجة أن وزارة البيئة تعمل على مشروع قانون جديد للمقالع، وإعادة إحياء المخطط التوجيهي الذي أقرّه مجلس الوزراء بموجب القرار رقم 40 بتاريخ 8/5/1997، أي قبل قرابة ثلاثين عاماً. وتمّ الاتفاق على تشكيل لجنة وزارية16 تضمّ وزراء الأشغال العامة والنقل، الطاقة والمياه، الإقتصاد والتجارة، الصناعة، الداخلية والبلديات، المالية والبيئة. هَدَفُها تقديم اقتراحات تتعلّق بتصدير مادة الترابة إلى الخارج بشكل يُؤمن حاجة السوق المحلي منها خصوصاً لحاجات إعادة الإعمار. 

بالنتيجة، أبقت السلطة على كافة الإشكاليات القانونية والبيئية والمالية التي ذكرناها في نقدنا للقرار الأول، بل وعمّقتها عبر الارتداد عقودٍ إلى الوراء لاعتماد مخطّط توجيهي قديم صادر بقرار، والقفز بصورة غير قانونية فوق المخطط التوجيهي المرفق بمرسوم تنظيم المقالع النافذ حالياً، في خرقٍ لمبدأ هرمية القواعد القانونية17 إذ لا يجوز بأي حال من الأحوال لـ “قرار” إداري صادر عن مجلس الوزراء أن يعدّل، أو يعطّل، أو يطغى على أحكام “مرسوم” نافذ ومكتمل الشروط.. فضلاً عن أن طرح خيار تصدير مادة الترابة إلى الخارج هو توجُّه يعكس غياب أي رؤية استراتيجية للحفاظ على الثروات الوطنية، إذ يُشَرعِن زيادة استنزاف الموارد الطبيعية وقضم ما تبقى من الجبال في إبادة بيئية لا تقلّ نتائجها كارثيةً عن الإبادة البيئية والمكانية التي ترتكبها إسرائيل في الجنوب حالياً.

ما هو مخطّط عام 1997 ولماذا تمثّل العودة إليه إشكالية؟

بدأ التشريع لقطاع الاستخراج في لبنان عبر القرار الصادر في عهد الاستعمار الفرنسي رقم 253/ل.ر سنة 1935 والمتعلق باستثمار ما عُرِفَ حينها بـ “المقالع”. وعلى الرغم من إلغاء هذا القرار نظرياً بموجب قانون التنظيم المدني رقم 69 الصادر عام 1983—الذي أخضع إنشاء المقالع واستثمارها لرخصة مسبقة ولشروط تحدّدها المديرية العامة للتنظيم المدني بموجب مرسوم تطبيقي يصدر عن مجلس الوزراء—إلا أن هذا المرسوم لم يبصر النور في حينه، فاستمر العمل بأحكام القرار القديم الصادر عام 1935 سارياً بقوة الأمر الواقع طوال 11 عاماً تحت وطأة الحرب. 

لم يتحرّك الملف إلا عام 1994 نتيجة الضغوط الشعبية والتحركات المطلبية للجمعيات البيئية، والعرائض التي فرضت القضية على الأجندة الرسمية بعد نهاية الحرب؛ إذ كلف مجلس الوزراء بتاريخ 7 حزيران 1994، وللمرة الأولى، وزارة البيئة إعداد نص تنظيمي للقطاع، صَدَرَ بموجبه المرسوم رقم 5616 بتاريخ 6 أيلول 1994، مركزاً في مضمونه على آليات التراخيص وتوزيع الصلاحيات الإدارية. أما البعد الجغرافي والمكاني فقد غاب تماماً، وحاول المرسوم تداركه عبر بندٍ كَلّف بموجبه المديرية العامة للتنظيم المدني إعداد مخطط توجيهي للمقالع ليُرفق بالمرسوم في مهلة أقصاها ستة أشهر. 

بناءً على ذلك، تم تلزيم دراسة المخطط التوجيهي لـ “دار الهندسة” بكلفة وصلت إلى 800 مليون ليرة لبنانية، وضمت لجنة الدراسة 15 مهندساً وخبيراً قاموا بمسح ميداني شمل نحو 700 موقع في مختلف المناطق اللبنانية18بحسب مقال في أرشيف جريدة السفير بعنوان “700 مليون ليرة كلفة دراسة المقالع والكسارات”، المنشور بتاريخ 20 آذار 1997.. وبعد انتهاء مهلة الستة أشهر دون إنجاز المخطط، وتمديد المهلة مراراً، خلُصت الدراسة في النهاية إلى مسح شامل للمقالع العاملة والمهجورة، وحُدّدت إحداثيات ومخزون الحصى في عدة مواقع اعتبرت صالحة للاستثمار لما لها من جدوى اقتصادية؛ حيث عُيّنت مثلاً منطقة ضهر البيدر لتلبية احتياجات محافظتي بيروت وجبل لبنان، ومنطقة رعيت للبقاع، ومنطقة عرسال للشمال عبر الهرمل والقبيات، فيما خُصّصت منطقتا كفرحونة وروم لتلبية احتياجات محافظتي الجنوب والنبطية (أنظر/ي إلى الخريطة). بشكل عام، ركّزت الدراسة على الجدوى الاقتصادية على حساب المعايير العلمية لتقييم الأثر البيئي، والتي أُسقطت عند اختيار المواقع وتحديدها19 بحسب مقررة لجنة البيئة في نقابة المهندسين المهندسة سناء السيروان في تصريح مقال لها عام 2008..

وبتاريخ 12 آذار 1997، وافق مجلس الوزراء بموجب القرار رقم 4 على اعتماد المخطط التوجيهي وفقاً لدراسة دار الهندسة بشكل مبدئي، مع تكليف وزير البيئة والمحافظين بإدخال تعديلات عليه، لتنطلق بعدها المساومات على ما يشمله أو لا يشمله المخطّط التوجيهي؛ ففي اليوم نفسه، وعبر القرار ذاته، أُلغي اعتماد مناطق إقليم الخروب (موقعَي سبلين وبعاصير) وكفرحونة وروم بسبب الكثافة السكانية وطبيعة المنطقة التي ينبغي المحافظة عليها حسب ما قيل. ولحق ذلك القرار رقم 40 الصادر في 8 أيار 1997، الذي ألغى موقعي متريت والدمدومة لأسباب قيل إنها سكانية وبيئية، وأضاف في المقابل مناطق الحواكير، وزغرتا، والضنية، وجبل أكروم، وقنيا وكفرتون في عكار إلى المخطط. وفي المقابل، رسّخ هذا القرار الامتيازات الجغرافية لـ “كارتِل الإسمنت” محدّداً “بشخطة قلم” ثلاث نطاقات أساسية لمقالع شركات الترابة هي: منطقة شكا – زكرون – بدبهون – قلحات – فيع، ومنطقة كفرحزير، بالإضافة إلى مناطق سبلين وزحلتي وحيطورة. وخلال عام 1998 جرى تعديل إضافي على المخطط بإضافة 17 موقعاً جديداً20بحسب ما جاء في الدراسة التي أعدّها أنطوان عون من ضمن مشاريع ودراسات القطاع العام عام 1998 بعنوان “أوضاع المقالع والكسارات في لبنان”. (أنظر/ي إلى الخريطة)؛ حيث كان كل ذلك يجري في ظل مناخ الوصاية السورية وسياسة “تحاصص الحصى21بحسب ما جاء على لسان المتحدّثين في المؤتمر الصحفي الذي عُقد مؤخّراً بدعوة من المفكرة القانونية، وبالتعاون مع النائبتين حليمة القعقور ونجاة عون صليبا، والجنوبيين الخضر، والمعهد الاجتماعي الاقتصادي للتنمية، ومبادرة غربال، للتعليق على قرارَي الحكومة الصادرين في 9 و23 نيسان.” بمعزل عن أي معيار بيئي علمي.


غير أن هذا المخطط  المبني على قرارات حكومية سرعان ما انهار أساسه القانوني؛ فبتاريخ 7 تموز 1999، أصدر مجلس شورى الدولة حكماً قضى بإبطال مرسوم تنظيم المقالع والكسّارات رقم 5616/1994 (بناءً على مراجعة طعن تقدّمت بها نقابة أصحاب الكسارات والمقالع لأسباب إجرائية وصلاحيات). وتبعاً للقواعد القانونية، فإن إبطال المرسوم الأصيل أدّى حُكماً إلى إبطال وإسقاط المخطط التوجيهي وكل القرارات التعديلية التي تفرعّت عنه واستندت إليه (بما فيها القرار 40/1997).

ومن هذه الزاوية القانونية والتاريخية، فإن محاولة الحكومة الحالية إعادة إحياء مخطط عام 1997 وجعله مخرجاً قانونياً لشركات الإسمنت تنطوي على خللٍ فاضح. فقد صيغ هذا المخطط أساساً في ظل تغييبٍ كامل لمعايير تقييم الأثر البيئي، ممّا يجعله إشكالياً من الناحية التخطيطية منذ ولادته. أضيفي إلى ذلك، أن الإصرار على اعتماده اليوم يتجاهل تماماً التحولات الهائلة منذ 1997 حتى اليوم، وتبدّل الوقائع الديموغرافية والعمرانية على الأرض في الكورة وغيرها من المناطق طوال ثلاثة عقود، إذ لا يمكن رهن حاضر ومستقبل المنطقة بخريطة قديمة. كما لا يمكن، بأي حال من الأحوال، القفز فوق حكم قضائي مبرم لمجلس شورى الدولة، كان قد أسقط هذا المخطط ومرسومه التنظيمي من أساسه.

الانتهاك الفاضح للخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية

كل الأحوال، وسواء أحيت السلطة مخطط عام 1997 أو أصدرت تراخيص تتجاهل من خلالها مرسوم تنظيم المقالع والكسارات القائم (رقم 8803/2002) وتعديلاته، فإن استمرار عمل مقالع شركات الإسمنت في الكورة يصطدم بتعارض فاضح مع وثيقة التخطيط الأساسية في لبنان، ونقصد هنا “الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية” الصادرة بموجب المرسوم رقم 2366/2009، والتي تشكّل الإطار التوجيهي العام للتنظيم المدني ولاستعمالات الأراضي على المستوى الوطني. وقد أكّد المرسوم 2366/2009 في مادته الثانية على إلزامية هذه الخطة بالنسبة لجميع الأعمال والقرارات المتعلقة باستعمالات وتنظيم الأراضي. وبناءً عليه، يقع على عاتق الإدارات المعنية، عند النظر في أي طلب ترخيص لاستثمار مقلع، أن تتثبت من عدم وجود أي تناقض تخطيطي؛ أي التحقق مما إذا كان الموقع المقترح يقع ضمن المساحات المتاحة للاستخراج وفق الخرائط المرفقة بمرسوم المقالع (8803/2002) من جهة، وفيما إذا كان يتوافق أيضاً مع التوجهات والخرائط المرفقة بالخطة الشاملة لترتيب الأراضي (المرسوم 2366/2009) من جهة أخرى.

عند إسقاط موقع مقلعي كفرحزير وبدبهون على الخرائط التوجيهية للخطة الشاملة، تتضح معالم المخالفة التخطيطية والبيئية من خلال المستويات التالية:

أولاً: تحدّد الخطة الشاملة (كما يظهر باللون الرمادي على الخريطة أدناه) المناطق التي يُحظر فيها إنشاء المقالع بشكل مطلق بناءً على معايير بيئية واجتماعية بسيطة ومباشرة. إذ ينص التوجه الحمائي للخطة على تطبيق المنع الحاسم في محيط 500 متر حول حدود المحميات الطبيعية والمواقع التراثية المصنفة، والمناطق الآهلة بالسكان، فضلاً عن جوار الشاطئ البحري وضفاف الأنهار، والأحراج، والغابات الكثيفة، ومناطق القمم (ما فوق 1900 متر)، وشريط الأرز. وعند التدقيق في الخريطة، يتبين بوضوح أن جزءاً من مقالع كفرحزير وبدبهون يقع مباشرة داخل هذه النطاقات المحظورة قانوناً.

ثانياً: يقع المقلعان في نطاق تصنّفه الخطة الشاملة كـ”منطقة ريفية مختلطة”؛ وهي مناطق انتقالية تدريجية بين الريف والمدينة تشهد تداخلاً وتشابكاً بين الأنشطة الاقتصادية، الزراعية، والسكنية. وتشدّد الخطة على وجوب تنظيم هذه النطاقات لمنع “العمران العشوائي والمبعثر” (Sprawl)، بهدف صون المقومات الطبيعية والزراعية المتبقية وتحديد وجهة استعمالات الأراضي بدقة لحماية المساحات الزراعية ذات المردود العالي. وتأتي أنشطة الاستخراج في المقلعين لتقضي تماماً على هذه التوازنات الهشة.

ثالثاً: على مسافة قريبة جداً من المقالع، يمتد سهل الكورة الزراعي، المصنّف “ثروة طبيعية وطنية” لما يمثله تاريخياً من قيمة زراعية وبشكل خاص لزراعة الزيتون. بالإضافة إلى ذلك، يتواجد المقلعان في محيط حيوي قريب جداً من محميتين ساحليتين هما محمية رأس الشقعة ومحمية ملاحات أنفة. ورغم عدم وقوعهما داخل شعاع الـ500 متر الدقيق، إلا أن قربهما الجغرافي يجعل التأثير التدميري للمقالع على النظم البيئية للمحميتين واضحاً وجسيماً، مما يجعل استمرارهما دون دراسات أثر بيئي وجدوى متكاملة مخالفة صريحة لتوصية الخطة الشاملة التي تفرض إخضاع المقالع لدراسات أثر تتناسب مع حجم الاستخراج. يضاف إلى هذا الخطر البيئي خطر صحي مباشر، ناتج عن القرب الشديد للمقالع بالمناطق الآهلة بالسكان في بلدتي شكا وبدبهون.

رابعاً: أما من ناحية المخاطر الطبيعية، فقد حددت الخطة الشاملة المنطقة التي يقع فيها المقلعان كمنطقة معرضة بشدة لانزلاقات التربة يمنع فيها إقامة مقالع من كافة الفئات. إن أعمال الحفر، والتفجير، واقتلاع الأحراج المستمرة من قبل شركات الإسمنت في هذه البيئة الجيولوجية الهشة تضاعف من حدة هذه المخاطر، ممّا يهدد السلامة العامة والسلامة البيئية للمحيط السكني والطبيعي برّمته.

تجاوز التصاميم التوجيهية المحلية

لا يقتصر التجاوز القانوني لشركات الإسمنت على ضرب التوجهات الوطنية للخطة الشاملة لترتيب الأراضي فحسب، بل يمتد ليشكل انتهاكاً صارخاً للتصاميم التوجيهية المحلية التي تصدرها المديرية العامة للتنظيم المدني المنضوية تحت وصاية وزارة الأشغال العامة؛ وهي التصاميم التي تضعها المديرية كأعلى سلطة تخطيطية في لبنان لتوجيه استعمالات الأراضي محلياً، والتي يُفترض حكماً أن تترجم التوجهات العامة للخطة الشاملة وتلتزم بها.

فعند إسقاط الحدود الجغرافية الحالية لمقلع كفرحزير على التصاميم التوجيهية المحلية للبلدات التي يقتطع من أراضيها، يظهر بوضوح امتداد المقلع ضمن نطاق بلدة كفرحزير المنظمة بموجب المرسوم رقم 14425 الصادر منذ عام 1970، حيث يقضم مساحات تقع داخل منطقة مصنفة كـ”امتداد سكني” مخصصة قانوناً للتوسع العمراني والسكن. في المقابل، يشق جزء آخر من المقلع مساحة لا بأس بها ضمن النطاق العقاري لبلدة شكا المنظمة بموجب المرسوم رقم 4958 الصادر عام 2016، وتحديداً في منطقة مصنفة “طبيعية” يُمنع فيها البناء أصلاً ويُفرض فيها التشجير، ما يطرح سؤالاً بديهياً حول كيفية وجود مقلع جارف في عمقها.وبالتوازي مع هذا الانتهاك، يتمظهر نفوذ شركات الإسمنت بشكل فج في بلدة بدبهون المجاورة؛ إذ أن البلدة تاريخياً كانت “غير منظمة” أي أنّها تفتقر إلى أي مخطط توجيهي محلي يحدّد استخدامات الأراضي فيها، ممّا يترك مساحاتها مستباحة. وهو الواقع الذي حاولت مديرية التنظيم المدني معالجته عبر وضع دراسة لتصميم توجيهي صدر عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني بالقرار رقم 18 عام 2011، حيث تضمّن القرار إقراراً واقعياً بوجود المقلع مع حصر مساحته وتصنيفها كـ”منطقة حماية” تفرض شروطاً بيئية صارمة وتمنع أي توسّع للمقلع خارجها (أنظر/ي إلى الخريطة). إلا أن هذا التدخّل التنظيمي لم يرُق لشركة “الترابة الوطنية” كونه يضع حداً لأرباحها وغاياتها التوسعية، فرفعت دعوى قضائية ضد الدولة اللبنانية (ممثلة بوزارة الأشغال العامة والنقل) أمام مجلس شورى الدولة، وأفضت بنفوذها إلى إبطال التصميم التوجيهي وإعادة بدبهون منطقة “غير منظمة” ومستباحة لصالح كارتِل الإسمنت22كتاب “أبعد من الإسمنت: رؤية تنموية بديلة لشكا وبلدات الطوق”.. ويقدم هذا النموذج دليلاً قاطعاً على أن الشركات أصبحت أقوى من مؤسسات الدولة التخطيطية، بعد أن استغلت هذا الإلغاء لتتوسّع في مقلعها جغرافياً وعشوائياً، بكل ما يحمله ذلك من تأثيرات بيئية وصحية مدمّرة على السكان والبيئة المحيطة.

الآثار الميدانية لعمل المقالع في الكورة

عند معاينة الواقع الميداني على الأرض، تتكشّف الآثار المباشرة لمقالع شركات الإسمنت؛ وهو واقع تدميري يغيّر بشكل جذري وجسيم الطبيعة الجيولوجية والمورفولوجية لمنطقة الكورة. فالمعاينة البصرية تظهر كيف يتجاوز الأثر التدميري قضم التضاريس نحو إبادة الموائل النباتية والطبيعية؛ ويحدث ذلك بشكل مباشر عبر اقتلاع الصخور وتجريف الأتربة والرمول، وبشكل غير مباشر بفعل غبار المقالع الكثيف الذي يخنق الأشجار والنباتات المحيطة. وتأتي التفجيرات المستمرة لتحدث تصدعات عميقة في طبقات الأرض، تسبّبت عملياً في زحل مساحات زراعية، وتلقت على إثرها المنازل وخزانات المياه تشقّقات واضحة كما أفاد السكان. يترافق ذلك مع عمليات القلع التي تتم دون تدرجات هندسية آمنة، مما يخلق جروفاً شاهقة وغير مستقرة، وسط مستويات ضوضاء وتلوث هوائي وبصري كثيف، فضلاً عن تلوث المياه الجوفية. وتتمدد جغرافيا الضرر لتصل إلى المحيط الحيوي لسهل الكورة؛ إذ سجّلت فحوصات موثّقة بدراسات علمية ارتفاعاً خطيراً في نسبة المعادن الثقيلة كالرصاص في أشجار الزيتون القريبة من المقلع وفي عمق سهل الكورة23كرم وطبارة (2004): دراسة (بتمويل USAID) أظهرت تجاوز انبعاثات (SO2 و NO2 والجسيمات الدقيقة PM10) لمعايير وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، والتي تُعد أقل صرامة من توجيهات منظمة الصحة العالمية الواجب اتباعها محليًا. كفوري وآخرون (2009): دراسة للتركيب غير العضوي للهباء الجوي (Aerosol)، بينت ارتفاع كتلة الجسيمات العالقة الكلية (TSP) كلما اقتربنا من المنطقة الصناعية والمقالع. دراسة (2012): تقييم للانبعاثات أظهر مسؤولية مصانع الإسمنت عن الغالبية الساحقة من الغازات والملوثات في المنطقة، بنسب بلغت 98% لغازات (CO و CO2) و99% لكل من غازات (NO و NO2) والجسيمات الدقيقة.، وهي نسب مدفوعة وموجهة باتجاه الرياح وتغيّر شكل التضاريس. 

بناءً عليه، تتسع دائرة المتضرّرين من هذا الواقع لتشمل مستويات اجتماعية واقتصادية متعددة؛ تبدأ من سكان بلدتي بدبهون وكفرحزير الذين يواجهون الإبادة المكانية لقراهم، ويمتد الأثر المباشر ليهدد صحة وسكينة سكان البلدات المجاورة المحاصرة بالغبار والسموم (مثل فيع، وعفصديق، وشكا، وبرغون…)، والذين يرفعون الصوت باستمرار مؤكدين أن قضاء الكورة بات يسجل إحدى أعلى نسب الإصابة بالأمراض السرطانية في لبنان24 الاطلاع على مقال سعدى علاوة بعنوان “السرطان، هذا التنين الذي يسرق أبناء وبنات الكورة”، ص.16-17 من العدد 58 من المفكرة القانونية “الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟”.، على الرغم من عدم إجراء دراسات علمية أو رسمية توثّق الرابط بين  النسب والمقالع. كما يقع العبء الاقتصادي على أصحاب الأراضي الزراعية في بدبهون وكفرحزير وجوارها الذين يعانون من تراجع إنتاجية أرضهم وتلوث مواسمهم، لينعكس الضرر كذلك على مالكي الأراضي المتاخمة للمقالع الذين جُردت عقاراتهم من قيمتها المادية واستقرارها الجيولوجي، وصولاً إلى عمال المقالع أنفسهم، الذين يقعون في خط المواجهة الأول مع المخاطر الصحية.

نحو كسر الهيمنة وبناء اقتصاد بديل

لم يكن القراران 16/2026 و59/2026 مجرد إجراءين عاديين لتسوية أوضاع قطاع الاستخراج، بل هما تجسيدٌ صارخ لكيفية تطويع السلطة السياسية لأدوات التخطيط والقوانين، وتجريدها من مفاعيلها الحمائية لصالح كارتِل الإسمنت. إن الإصرار على القفز فوق المخطّطات التوجيهية المحلية، وتعطيل مفاعيل الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، وإحياء مخطط قديم ومبطل قضائياً منذ عقود، يثبت أن الدولة التي عملت لسنوات بعقلية “الاستثناء المستمر” حوّلت اليوم هذا الاستثناء إلى واقع دائم على حساب صحة الناس، وبيئتهم، وثروات البلاد الطبيعية.

وأمام استحقاق إعادة الإعمار المرتقب، يصبح طرح خيار “تصدير الإسمنت” ضمن القرار المقرّ توجهاً عشوائياً يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي. فبدلاً من تشريع جرف الجبال لتغذية الأسواق الخارجية، تفرض المسؤولية الوطنية ترشيد الإنتاج وربطه حصراً بالحاجة المحلية الحقيقية للبناء. إن تحديد السقوف الإنتاجية بناءً على دراسات فعلية للاستهلاك الداخلي هو المدخل الإلزامي لوقف الاستنزاف المفتوح للموارد الطبيعية وضبط تغوّل هذه الصناعة، على أن يقترن ذلك حتماً بحصر العمل الاستخراجي في مواقع مختارة ومحددة بدقة بناءً على دراسات علمية حقيقية لتقييم الأثر البيئي، بدلاً من ترك حاضر المناطق ومستقبلها رهينة لشهية الأرباح التصديرية للكارتِل.

في النهاية، إن كسر هيمنة قطاع القلع والإسمنت —الذي تحكّم لعقود بركائز العيش، والوظائف، ومشاريع البلديات في الكورة— يتطلّب شجاعة تخطيطية لطرح نماذج اقتصادية بديلة تنطلق من التاريخ الاقتصادي والإنتاجي المحلي للمنطقة. بناءً عليه، فإن إعادة إحياء سهل الكورة عبر دعم زراعة الزيتون وصناعاتها، وتطوير قطاع صيد الأسماك التقليدي على الساحل، إلى جانب تفعيل السياحة البيئية والثقافية، وإعادة تأهيل مواقع المقالع المستنزفة واستصلاحها لخدمة هذه الغايات؛ ليست مجرد خيارات بيئية مستدامة، بل هي مشاريع إنقاذية قادرة على تحرير البلديات والسكان من التبعية الاقتصادية والوظيفية المطلقة للشركات، وضمان انتقال عادل يحمي صحة المجتمع وأمانه السكني، ويعيد الاعتبار للمفهوم الاجتماعي والبيئي للأرض.

المراجع:

  • 1
    في حصيلة أولية صادرة عن وزارة الصحة اللبنانية.
  • 2
  • 3
  • 4
     اطّلع/ي على تحليل خرائط الملكية في مقالع كفرحزير وبدبهون وعمليات شراء العقارات من قبل الشركات في مقال استديو أشغال عامة المنشور على منصة جدلية باللغة الإنكليزية بعنوان Koura’s Land: From Fertile Resource to Raw Material for Cement Factories
  • 5
    بموجب الفقرة 3 من المادة الثانية.
  • 6
    المرسوم رقم 1735.
  • 7
     مقال المفكّرة القانونية تحت عنوان “الحكومة تتمرّد على شورى الدولة: التخلّي عن البيئة وحقوق الخزينة من أجل شركات الترابة”، نُشر بتاريخ 30/5/2024.
  • 8
     عقب تشكيل حكومة سعد الحريري.
  • 9
    كان خطاب وزير البيئة آنذاك فادي جريصاتي متماشياً معها.
  • 10
     القرارات الصادرة عن حكومة حسّان دياب: القرار الصادر في 28 تمّوز 2020 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها 3 أشهر)، والقرار الصادر في 24 آب 2020 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها شهر)، والقرار الصادر في 19 آذار 2021 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها شهر)
  • 11
     القرارات الصادرة عن حكومة نجيب ميقاتي: القرار الصادر في 15 شباط 2022 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها سنة)، القرار الصادر في 28 أيار 2024 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها سنة)، القرار الصادر في 4 كانون الأول 2024 (إعطاء مهلة إدارية مدّتها سنتين)
  • 12
     سبق للمفكرة القانونية أن طعنت فيه بالتعاون مع اتّحاد بلديّات الكورة والجمعيّة البيئيّة “وصيّة الأرض”
  • 13
     النقطة 5 “في عدم دستورية تجاوز وزيرة البيئة لكونها الوزيرة المختصّة” من مقال المفكرة القانونية بعنوان “الحكومة ترضخ لابتزاز شركات الإسمنت: حين يصبح جبل لبنان غنيمة حرب”.
  • 14
     والذي من المفترض أن يكون هيئة ناظمة قادرة على اتخاذ قراراتها باستقلالية وفق معايير علمية وحقوقية، بعيداً عن التدخلات السياسية (النقطة 1 من مقال المفكرة القانونية بعنوان “الحكومة ترضخ لابتزاز شركات الإسمنت: حين يصبح جبل لبنان غنيمة حرب”).
  • 15
     موافقة المجالس البلدية على المشاريع التي تمسّ بيئتها وسلامة سكانها ليست إجراءً شكلياً، بل حق أصيل لا يقبل التفاوض أو المصادرة، في إطار احترام مبدأ اللامركزية الإدارية والفصل بين السلطات. (النقطة 2 من مقال المفكرة القانونية بعنوان “الحكومة ترضخ لابتزاز شركات الإسمنت: حين يصبح جبل لبنان غنيمة حرب”).
  • 16
     تضمّ وزراء الأشغال العامة والنقل، الطاقة والمياه، الإقتصاد والتجارة، الصناعة، الداخلية والبلديات، المالية والبيئة.
  • 17
     إذ لا يجوز بأي حال من الأحوال لـ “قرار” إداري صادر عن مجلس الوزراء أن يعدّل، أو يعطّل، أو يطغى على أحكام “مرسوم” نافذ ومكتمل الشروط.
  • 18
    بحسب مقال في أرشيف جريدة السفير بعنوان “700 مليون ليرة كلفة دراسة المقالع والكسارات”، المنشور بتاريخ 20 آذار 1997.
  • 19
     بحسب مقررة لجنة البيئة في نقابة المهندسين المهندسة سناء السيروان في تصريح مقال لها عام 2008.
  • 20
  • 21
    بحسب ما جاء على لسان المتحدّثين في المؤتمر الصحفي الذي عُقد مؤخّراً بدعوة من المفكرة القانونية، وبالتعاون مع النائبتين حليمة القعقور ونجاة عون صليبا، والجنوبيين الخضر، والمعهد الاجتماعي الاقتصادي للتنمية، ومبادرة غربال، للتعليق على قرارَي الحكومة الصادرين في 9 و23 نيسان.
  • 22
  • 23
    كرم وطبارة (2004): دراسة (بتمويل USAID) أظهرت تجاوز انبعاثات (SO2 و NO2 والجسيمات الدقيقة PM10) لمعايير وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، والتي تُعد أقل صرامة من توجيهات منظمة الصحة العالمية الواجب اتباعها محليًا. كفوري وآخرون (2009): دراسة للتركيب غير العضوي للهباء الجوي (Aerosol)، بينت ارتفاع كتلة الجسيمات العالقة الكلية (TSP) كلما اقتربنا من المنطقة الصناعية والمقالع. دراسة (2012): تقييم للانبعاثات أظهر مسؤولية مصانع الإسمنت عن الغالبية الساحقة من الغازات والملوثات في المنطقة، بنسب بلغت 98% لغازات (CO و CO2) و99% لكل من غازات (NO و NO2) والجسيمات الدقيقة.
  • 24
     الاطلاع على مقال سعدى علاوة بعنوان “السرطان، هذا التنين الذي يسرق أبناء وبنات الكورة”، ص.16-17 من العدد 58 من المفكرة القانونية “الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟”.
الموارد الطبيعيةقطاع البناءِشكاقضاء البترونقضاء الكورةكفرحزيرلبنانمحافظة شمال لبنان
 
 
 

مسابقة أبعد من الإسمنت: نحو رؤية تنموية بديلة لشكّا وبلدات الطوق

في ظلّ ظلمٍ متعدّد الأوجه يرزح تحته سكّان شكّا وقضاء الكورة منذ أكثر من نصف قرن بفعل تواجد معامل صناعة الإسمنت ومقالعها في أراضيهما، كان من المهمّ إطلاق نقاشٍ بشأن بدائل مجديةٍ تتحدّى …

تواطؤ حكومي مع شركات الإسمنت المُخالفة 

نحو مزيد من استنزاف الموارد الطبيعية

كعادته، يغطّي مجلس الوزراء اللبناني على المخالفات القانونية. ففي قراره الأخير رقم 36 الصادر بتاريخ 28 أيار 2024، منح المجلس شركات صناعة الإسمنت تمديداً “استثنائياً” لمدة عام واحد لمواصلة استخراج المواد الأولية من …

قطاع البناء في لبنان:

كيف يدمّر العمران النيوليبرالي البيئة

قد يبدو لنا أن لبنان أخذ الآثار الضارة1“الآثار الضارّة للتغيير المناخي” تعني التغييرات التي تطرأ على البيئة الطبيعية أو الحيوية من جراء التغيير المناخي والتي لها آثار ضارة كبيرة على تكوين النظم الايكولوجية …