شهد سكان شارع المأمون في منطقة البسطة أحد أشكال جرائم الاحتلال أثناء عدوانه على لبنان، بحيث قامت طائراته بعدّة غارات على الحيّ، مسببة دماراً هائلاً. أدّت أولى الغارات، بتاريخ 10-10-2024، إلى استشهاد 14 شخص ودمار مبنيين بشكل كلّي، أحدهما كان مسكوناً ومؤلفاً من 4 طوابق، والآخر كان مهجوراً ومؤلفاً من طابقين. أما العدوان الثاني، فقد طال بشكل أساسي مبنى بيضون المؤلف من 8 طوابق بتاريخ 23-11-2024 ممّا أدّى إلى استشهاد 34 شخصاً. وقد تضرّرت بفعل هذه الضربات عدة مبانٍ محيطة.
في الوقت الذي يحاول فيه السكان النهوض من الأزمات المتتابعة، تصرّ الدولة على تكريس علاقتها المبتورة بهم كأداة توجّههم إلى التبعية للمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص، وبالذات فيما يخصّ ملف إعادة الإعمار وتأمين عودة النازحين ومأواهم. ويبرز في هذا الإطار، دور جمعية فرح العطاء التي تعمل على ترميم المباني اليوم في البسطة.
يقدَم هذا النصّ نتائج البحث الميداني السريع الذي قمنا به، من خلال مقابلات مع سكان الحي ومع مهندس المشروع ميشال طربيه، لنفهم أكثر تفاصيل المشروع وحجمه وحيثياته.
عن المشروع وآلية إشراك السكان
بعد حوالي ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار، بادرت جمعية “فرح العطاء” إلى ترميم أربعة وعشرين مبنى تحوي حوالي 200 وحدة سكنية. يشمل المشروع كل ما دمّرته الضربات الصهيونية في المباني، خارجياً وداخلياً، من ضمنها البنية التحتية من تمديدات الكهرباء والمياه. وقد بقيت تلك المباني على حالها منذ نهاية الحرب دون تدخل من الدولة في عملية الترميم أو تأمين سكن للنازحين. واقتصر الترميم فيها على بعض المبادرات الشخصية، بالإضافة إلى مساعدات “جهاد البناء” المالية، إلا أنها كانت قليلة أمام حجم الدمار.
ولا بد من الإشارة إلى وجود مبنيين مهدمين بالكامل، ليسا من ضمن مشروع الجمعية، حيث أن إعادة البناء تتخطى قدرتها حسب تصريح مهندس المشروع، الذي اعتبر أن عملية البناء هذه، تستوجب قدرات دولة. هذا بالإضافة إلى مبنيين آخرين كان ملّاكهم قد رفضوا تدخّل الجمعية في عملية الترميم. وهو ما افترض المهندس أنّه يعود للسعي لمكسب مادي استثماري أعلى من مجرد ترميم. وقد احترمت الجمعية قرارهم دون التعمّق في أسبابه ونتائجه.
أما عن مصادر تمويل المشروع، فهو يعتمد على مساهمات عينية من قبل أفراد وشركات فيما تسمّيه الجمعية “رصيد المحبة “، خاصة وأن الجمعية تعمل في مجال الترميم منذ مدّة، كترميم السجون والمباني التي تضرّرت في انفجار 4 آب.
بخصوص إشراك السكان، لم يكن هناك إشراك واسع النطاق، بل اقتصر على مستويين: توصيات السكان بشأن المحافظة على تفاصيل هندسية داخل منازلهم، وعمل بعض الشبان من أهالي الحي في بناء المشروع، حيث كانت الأولوية في التوظيف لسكان الحي. وعلى المستوى الرسمي، طلب المحافظ آلية موافقة تعتمد على موافقة خطية من السكان القاطنين بمعزل عن كونهم ملاك أو مستأجرين، دون تحديد ماهية المشروع وتاريخ العودة حتى. وفي هذا السياق، رفض مُلّاك مبنيين متضررين إقدام الجمعية على الترميم دون توضيح السبب. وقد احترمت الجمعية قرارهم كما ذكرنا، لكن لم يجر التعمق في واقع هذه المباني ولم يُعرف ما إذا كانت تحوي سكاناً سابقين كمستأجرين قدامى أو غيرهم. هذا التعمق كان مهماً، لأنه كان سيكشف ما إذا كان رفض الترميم سيؤدي إلى إخلاء سكان أو تغيير ملامح الحي.


الترميم والعودة ودور الدولة
انتهى ترميم بعض المباني بالفعل، ممّا سمح لبعض النازحين بالعودة. في المقابل، ترميم المباني الباقية قد يستمر لشهرين بحسب تقدير المهندس، ولكن هذا غير مؤكد حتى بالنسبة للنازحين خاصة وأن أوراق الموافقة التي مضى عليها السكان والتي كان قد طلبها المحافظ من الجمعية كتأكيد على موافقة السكان، لم تحدّد أي مدة زمنية للانتهاء من المشروع، كما ذكرنا. وهذا ما يطرح إشكالية تطال المدة الزمنية لعودة النازحين مع غياب الدور المراقب إن كان من قبل السكان أو من أي جهة رسمية، وهو ما يُظهر تخوفاً مكرّراً من تجربة ترميم مباني انفجار 4 آب، إن لناحية نوعية الترميم، أو حتى المدة الزمنية.
أمّا بالنسبة للسكن البديل، فقد عرضت الجمعية على النازحين اللجوء إلى مركزها الذي جهّزته خلال الحرب في “الكرنتينا”، غير أن السكان كانوا قد أمّنوا مساكن بديلة من بعد الضربة مباشرة في ظل غياب كلي لعمل أي جهة رسمية حول هذا الموضوع. وهو ما يجعل الأمر يتعدّى غياب “الدور المراقب” إلى إشكاليات تمس مقاربة النظام نفسه لمسألة السكن. فخلال الحرب، وفيما كان النازحات والنازحون يبحثون عن أي مأوى يقيهم الحرب، دفعت الدولة بالقوى الأمنية والجيش للدفاع عن الملكية الخاصة لمبانٍ فارغة بوجه النازحين وإخراجهم منهم بالقوة، فيما تختفي الدولة ومؤسساتها اليوم، حين يحتاجها نازحو البسطة والضاحية والجنوب. ولم يعد السكان يستغربون هذا الوضع، بل يضحكون باستهزاء عند سؤالهم عن تواصل الجهات الرسمية معهم قائلين أنهن\م لم يروهم إلا قبل الانتخابات النيابية، فيما علّق أحد السكان قائلاً: “لم أرَ غير جابي الكهرباء.” ويختصر مختار محلّة البسطة أولويات السلطة السياسية في النظر إلى شؤون الناس، بحيث رفض إجراء المقابلة باعتبار أنه مشغول في التحضير لانتخابات البلديات، وهو ما يعكس منهجية عمل الجهات الرسمية التي ترى في مصلحتها التواصل مع الناخبين للتصويت بدلاً من متابعة عملية الترميم وتأمين حق السكن.
هل ما يجري في البسطة نموذج يمكن تكراره؟
إن ترميم مباني البسطة، على الرغم من أهميته بالنسبة للسكان من ناحية تأمين السكن، إلا أنه يعبّر أيضاً عن نموذج يطرح إشكاليات كثيرة ويصعب تكراره في مناطق أخرى وعلى صعيد أوسع، بالأخص في ظل المرحلة التي نمرّ بها من تهديد وقصف مستمر للمباني والوحدات السكنية التي تُضاف إلى كمّ الدمار الذي تسبّب به العدوان الصهيوني طوال فترة الحرب.
الإشكالية الأولى حول التكلفة: إن حجم الدمار والمستمر في الازدياد، من الوحدات السكنية إلى البنية التحتية، يجعل من المستحيل أن يكون بمقدرة أي جمعية تغطية تلك النفقات، بالاخص مع أزمة التمويل العالمية. هذا وقد أثبتت التجارب، في لبنان وحول العالم، أن إعادة الإعمار والترميم لأي مدينة أو منطقة أو حي، تحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية من أجل إعادة الإعمار على مستوى المجتمع بأسره، ممّا يعيدنا إلى فكرة أن السكن وإعادة الإعمار هما مسؤولية الدولة بامتياز وباختلاف السياقات.
الإشكالية الثانية حول القدرة: عندما تكون إعادة الإعمار مرهونة بالتأثيرات الخارجية، تُطرح مسألة السيادة وبالتالي قدرة الدولة في إقرار الإعمار، على الرغم من معظم التصريحات الرسمية حول الإصلاحات المطلوبة من قبل الدولة، في مقابل الدعم والمساعدات المالية وإعادة الإعمار. لا يمكن فهم هذا السياق إلا من خلال إخضاع المجتمع عبر السكن. وذلك تحت سلطة الدولة حتى تستطيع أن تفاوض على حساب المجتمع بأسره، وهو ما اشتدّ مع مصادرة القوة وأشكال التأثير والمحاسبة من خلال تفتيت أشكال التنظيم المختلفة خدمةً للنموذج الرأسمالي.
الإشكالية الثالثة حضور الدولة في ملف السكن: إن غياب الدولة عن عملية الترميم، كما هو الحال في البسطة، وعن تأمين حق السكن بشكل عام، ليس مجرد نأي بالنفس بل هي سياسة مركزية في إعادة تشكيل الواقع الحضري في إعادة إنتاج الريع العقاري لمصلحة الطبقة المهيمنة. يتجلى هذا الغياب بوضوح في حالات مثل رفض بعض المالكين للترميم في البسطة. إن غياب الإطار الحكومي الواضح يخلق بيئة خصبة لاستغلال بعض الملاك للوضع. فقد يسعون إلى الاستثمار التجاري من خلال هدم المباني وإعادة بنائها بنسب استثمار أعلى أو تغيير وجهة استعمالها، مما يؤدي حتماً إلى إخلاء مستأجرين قدامى مثلاً وتغيير النسيج الاجتماعي للمناطق المتضررة، كل ذلك دون أي رقابة حقيقية أو حماية لحقوق السكن. ونستشهد في غياب القضاء عن محاسبة نجيب ميقاتي في نهب 11 مليار دولار من مصرف الاسكان وعلاقة ذلك بالمصارف، في المقابل حضور القضاء بشكل عاجل في إصدار قرارات النيابة العامة في تحريك القوى الأمنية لإخلاء النازحين. ويمتد ذلك إلى قرارات الأجهزة الرسمية في قضايا السكن لا سيما قانون تحرير الإيجارات القديمة والذي يضع المالك بوجه المستأجر. وبالتالي مسألة غياب الدولة الظاهري هو تماماً حضورها بهذا الشكل.
على الرغم من التحديات العديدة التي يطرحها هذا المشروع، إلّا أن إشكالياته لا تأتي من الجمعية بذاتها أو طريقة تنفيذه، بل من غياب الدولة. فعلى مستوى المشروع، كان من الأفضل بالتأكيد لو أنه كان قادراً على إشراك السكان بشكل أوسع، وعلى خلق مساحة للتفاوض مع أصحاب المباني الذين رفضوا الترميم وإقناعهم بذلك، كما والتفكير بالمساحات العامة إن وجدت أو الضغط لخلقها.
لكن هذه هي حدود ما يستطيع فعله مشروع من جمعية: الترميم المحدود لعدد من الشقق والمباني.
لكن الشكل الحقيقي والشامل لإعادة الإعمار، لناحية تأمين المأوى بعد الحرب، والتعويض وإعادة الحياة إلى الأحياء وفتح نقاش حول التعافي الاجتماعي والاقتصادي، لا يكون إلّا عبر سياسة إعمار ومبادرات مركزية تديرها الدولة.