منذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان، شهدت البلاد تكثيفاً للسياسات النيوليبرالية التي تعطي الأولوية للاستثمار الخاص على حساب الاحتياجات العامة. وقد أعاد منطق الخصخصة هذا تشكيل المشهد العام للمدن والقرى والمناطق بشكل عميق. في البيئات الحضرية المكتظة بالسكان مثل بيروت، أصبحت المساحات العامة المفتوحة المخصصة للعب والتجمع نادرة بشكل متزايد. وحيثما وجدت مثل هذه المساحات، فهي غالباً ما تكون مهدّدة أو سيئة التصميم أو الإدارة. حتى المساحات العامة غير الرسمية – تلك التي ولدت من رحم المخيلة الجماعية والضرورة – ليست بمأمن من هذا الزحف النيوليبرالي.
في هذا السياق، تقدّم قطعة أرض غير مبنية في زقاق البلاط مثالاً معبّراً. لسنوات، كان لهذه الأرض وظيفة مزدوجة: موقف للسيارات حتى خروج التلاميذ من المدارس المجاورة، ومساحة للتجمع وملعب كرة قدم لأطفال الحي بعد الظهر وخلال عطلة نهاية الأسبوع. قبل بضعة أشهر، تم تسييجها فجأة. يتتبع هذا المقال قصة هذا الموقف – العقار رقم 483 – ويتفحّصه ليقدّم قراءة للواقع المكاني لما يحصل.
مساحة لعب مرتجلة
تقع قطعة الأرض المعنية، وهي العقار 483 (منطقة زقاق البلاط العقارية) الممتد على مساحة 1544 متراً مربعاً، مباشرةً مقابل ما كان يُعرف باسم مدرسة ليسيه عبد القادر. عام 1910، تأسّست المدرسة عندما أسّس المبشر الفرنسي بيير ديشان شبكة من المدارس في بيروت. عام 1985، استحوذت مؤسسة الحريري على المدرسة والعديد من قطع الأراضي المحيطة بها، بما في ذلك العقار المذكور. ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة البلمند1 Majal, Academic Urban Observatory, Institute of Urban Planning. (2012, October). Urban observation: Zokak el Blat, Beirut – Lebanon. Université de Balamand, Académie Libanaise des Beaux-Arts.، كان الموقع في السابق يضم مبنًى تم هدمه بين عامي 1964 و1977. وظل العقار شاغراً منذ ذلك الحين، واستخدم في نهاية المطاف كموقف سيارات للمدرسة.

في البداية، كان الموقف يُستخدم حصرياً من قبل معلمي وموظفي مدرسة ليسيه عبد القادر. ولكن بعد ساعات الدوام المدرسي، يتحول إلى مساحة مشتركة – ملعب كرة قدم مرتجل وموقع للعب أطفال الحي. عندما نُقل موقع المدرسة عام 2019، بدأ معلمون من المدارس القريبة وسكان يركنون سياراتهم هناك، وكان أحد سكان الحي يدير المكان بشكل غير رسمي. وخلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، أصبح الموقف ملجأً مؤقتاً لسيارات العائلات النازحة. وفي نهاية المطاف، استأنف دوره كمساحة محلية للشباب والأطفال، ليتفاجأ الجميع بتسييجه مؤخّراً.
أثناء إجراء بحث ميداني، أعطانا سكان وعمال الحي أسباباً متناقضة ومتعدّدة لإقفال الملعب، كالضجيج وغيره. إلا أن أحد السكان حاول توضيح هذا التناقض والغموض الذي يخيّم حول الأسباب، بقوله “انت تعرفي يا بنتي، دائماً ما يكون حكم القوي على الضعيف”، ممّا يشير إلى قرارات اتّخذتها جهة نافذة دون أي اعتبار للاحتياجات المحلية ومصلحة السكان.

الملكية
الملكية القانونية الحالية لقطعة الأرض مُدرجة باسم “مراها ديفلوبمنت ش.م.ل.” منذ عام 2015. هذه الشركة، التي لا تتوفر عنها سوى القليل من المعلومات، يُعتقد من قبل سكان محيط المدرسة أن اسمها ما هو إلا غطاء لمؤسسة الحريري، التي يرونها المالكة الحقيقية للأرض والجهة وراء التسييج. الجدير بالذكر أنه لم يتم الإعلان عن الأرض للبيع أو التأجير، ولم تُكشف أي خطط بناء علنية، كما لا توجد أي لافتة أو بيان يوضح الأمر.
في هذا الإطار، يغذّي الغموض حول الأرض التكهّنات. فقد ذكر أحد أصحاب متاجر الحي أن المدرسة تم بيعها عام 2019، الأمر الذي دفع بالحكومة الفرنسية إلى رفع دعوى قضائية ضد مؤسسة الحريري، باعتبار أن أحد شروط البيع الأصلي في الثمانينيات كان أن تظل المدرسة مؤسسة تعليمية.وبيع أملاك المدرسة من قبل مؤسسة الحريري ليس حدثاً معزولاً: فهو يذكّرنا بمصير مدرسة كرمل القديس يوسف، وهي مدرسة استحوذت عليها المؤسسة أيضاً، و بيعت لتصبح ما يعرف اليوم باسم ABC فردان.
عام 2019، قيل لطلاب مدرسة ليسيه عبد القادر – وكاتبة هذا النص واحدة منهم – هو أن العقار سيصبح مركزاً تجارياً، وأعقب ذلك احتجاج من قبل مجتمع المدرسة. لم تتحقّق الخطة التجارية على الإطلاق، وتقبع المدرسة اليوم في حالة غريبة، مهجورة. ويعتقد مالك المتجر المذكور أن النزاع لا يزال يؤخر عملية البناء، وهو أحد أسباب تسييج قطعة الأرض.
ومع ذلك، تشير مصادر أخرى إلى أن عام 2015 هو عام البيع الفعلي، وتشير إلى أن رجل الأعمال وسام عاشور – المعروف بمشاريعه التطويرية الضخمة – قد دخل في مفاوضات لشراء قطع الأرض الثلاث التابعة للمدرسة، بما في ذلك موقف السيارات (الأخبار 2018). ويشير مصدر آخر إلى نفس الاتجاه، مدعياً أن المدرسة تم شراؤها بالفعل من قبل عاشور، وأنّه “لم يمض وقت طويل حتى طلب عاشور من القائمين على المدرسة إخلاء المبنى الذي سيهدمه لبناء مركز تجاري.”(جنوبية 2018).
وبغض النظر عن التفاصيل الدقيقة، تظل النتيجة واحدة: مساحة مشتركة كانت ذات يوم حيوية ومهمة للأحياء المحيطة، تقبع الآن خلف سياج معدني، عالقة في شبكة من الصفقات العقارية والمطالبات المتضاربة، ليصبح السياج نفسه كناية عن الإقصاء الاجتماعي والسياسي.


الحق في المدينة
ما حدث في زقاق البلاط ليس حالة منعزلة؛ فهو يعكس نمطاً أوسع في بيروت، حيث تتعارض احتياجات الجماعات المحلية مع ضرورات الملكية الخاصة. إن حق مالكي العقارات في السيطرة على ممتلكاتهم وتغييرها أمر لا جدال فيه من الناحية القانونية، إلا أنه يتعارض مع الحاجات الاجتماعية الثقافية والبيئية في الواقع الحضري اليومي الذي تعتبر فيه الأرض والمساحة من الموارد الأساسية للحياة الجماعية.
في مدينة تندر فيها المساحات العامة، أصبح موقف السيارات هذا أكثر من مجرد مساحة من الأسفلت. لقد كان مشاعاً مؤقتاً، شكّله الناس الذين استخدموه ومارسوا فيه نشاطات مستدامة من خلال ترتيبات غير رسمية. يشير تسييجه إلى ما هو أكثر من مجرد تغيير في الاستخدام: تآكل أعمق للنسيج الاجتماعي وتقلّص المساحات التي يمكن أن تنمو فيها الحياة الحضرية الجماعية.
هذا ما أسماه هنري لوفيفر الحق في المدينة: ليس مجرد الوصول إلى الموارد الحضرية، بل حق السكان في تشكيل بيئتهم والمشاركة في القرارات المتعلقة بكيفية استخدام الفضاء ولصالح مَنْ. مع استمرار بيروت في إعطاء الأولوية للربح على حساب الناس، علينا أن نسأل: من له الحق في هذه المدينة؟ وماذا يحدث لمن لا تملك هذا الحق؟
تمثّل قصة العقار 483 جوانب متعددة – من السياسات النيوليبرالية والمضاربة العقارية إلى تأثيرها على التنمية الحضرية في فترة ما بعد الحرب – ولكن قبل كل شيء، هي قصة السلطة، سلطة إغلاق الفضاء عام، والقدرة على تحديد نوع المدينة التي ستصبح عليها بيروت. إذا كان هناك أمل، فهو يكمن في إصرار أولئك الذين يرفضن ويرفضون أن يكونوا مسيّجين. لقد انتقل أطفال زقاق البلاط بالفعل إلى ساحة أخرى قريبة للعب.
- 1Majal, Academic Urban Observatory, Institute of Urban Planning. (2012, October). Urban observation: Zokak el Blat, Beirut – Lebanon. Université de Balamand, Académie Libanaise des Beaux-Arts.
