يوم الإثنين 9 آذار، انتشر خبر إبلاغ القوى الأمنية النازحات\ين في كورنيش الرملة البيضا بضرورة إخلاء الأرصفة وإزالة خيامهم قبل الساعة 4 من فجر 10 آذار. مع انتشار الخبر، أصدرت قوى الأمن الداخلي بياناً توضح فيه أنها تقوم “إلى جانب مهامها الأمنية بمهام إنسانية وإغاثية كمساعدة المواطنين الذين افترشوا الطرقات وإرشادهم إلى مراكز الإيواء، وتقديم المعلومات اللازمة لهم في هذا الشأن، وأنّ الطلب من المواطنين النازحين في محلة كورنيش الرملة البيضاء الانتقال إلى أماكن الإيواء يأتي في هذا السياق الإنساني والتنظيمي، حيث جرى إرشادهم إلى أماكن الإيواء”.
قمنا بجولة ميدانية في هذا الصدد. فما التفاصيل؟
مع بداية الحرب الأخيرة وتسارع موجات النزوح، والعدد المحدود من مراكز الإيواء1 تم فتح 33 مركز إيواء في بيروت حتى يوم الخميس 5 آذار، ووصل عدد المراكز إلى 88 بعد التهديد الجماعي للضاحية في 5 آذار. يُعتبر هذا العدد قليل جداّ مقارنة مع عدد مراكز الإيواء في حرب 2024 التي وصل عددها إلى 181 مركزاً في بيروت فقط. لم يكن للكثير من النازحات\ين خيارات. لذا، أصبحت المساحات العامّة، من ساحة الشهداء في وسط بيروت إلى الكورنيش البحري عموماً والرملة البيضا خصوصاً، وأرصفة الطرقات، دون توفّر الحدّ الأدنى من الحاجات الأساسية، البديل الوحيد عن البقاء في منازلهم تحت القصف.
وفي التفاصيل، أبلغت القوى الأمنية النازحات\ين، وهم لبنانيون وسوريون، بأنهم يستطيعون البقاء حتى الرابعة من فجر 10 آذار وإلّا سيتمّ مصادرة ممتلكاتهم من فرش وخيم وثياب. كما طلبت منهم الانتقال إلى المدينة الرياضية، أو عكار، أو البيال، أو حديقة الرملة البيضاء المجاورة؛ “المهم مش عالكورنيش ليبقى للسواح”.
في المقابل، ذهب أحد النازحين إلى المدينة الرياضية ليتفقّد الوضع، فقيل له بأنها بلغت قدرتها الاستيعابية القصوى. بالإضافة إلى ذلك، ذكر أحد النازحين أنّ أغلبهم لا يملك ما يكفي من المال لتغطية نفقة الانتقال مع أطفالهم وأغراضهم من الرملة البيضا إلى أماكن اخرى.
فهل يُعدّ ذلك الإبلاغ وفي الظروف التي ذكرناها، مبادرةً في سياق إرشاد النازحين إلى أماكن إيواء كما أتى في بيان توضيح القوى الأمنية؟
لم يتم تنفيذ الإخلاء، إنما بقي النازحون مع شعور بالتهديد والقلق، ولم يتم فعلاً إرشادهم إلى مراكز محدّدة ما زال فيها قدرة استيعابية، ولم يقدم لهم أحداً ضمانات بأن هذه المراكز سوف تستقبل غير اللبنانيين. أتت مبادرة قوى الأمن في سياق طبقي بحت، يسعى إلى حجب المفقّرين عن عيون الناس في المدينة التي يريدونها للأغنياء.
فيُمكننا قراءة هذه الممارسات من خلال تماهيها مع تصريح رئيس بلدية بيروت الذي رفض نصب خيمٍ على الواجهة البحريّة في بيروت، “بذريعة أنّ مالكي الشقق في هذه المنطقة الفخمة (وهو من بينهم) اشتروا شققهم بملايين الدولارات، للإطلال على البحر لا على خيمٍ للنازحين.”
وتُعيدنا هذه المقاربة، لا إلى منع العامّة من استخدام الأماكن العامّة خاصة خلال الأزمات والحروب فقط، بما في ذلك من نظرة أحادية وإقصائية للمساحة العامّة، بل تتعدّاها إلى محاولة إخفاء النزوح والأزمات. كما لطالما عوّدتنا الدولة في حالات سابقة من محاولة إخفاء الفقر والفقراء لسنين، تسعى الدولة اليوم ل”دفش” النازحين بعيداً عن أعين السواح، وكأن إبعاد مظاهر الأزمة كفيل بحلّها…أو على الأقل، التأكّد من نسيان الناس لها.
اليوم، وبالرغم من أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المساحات العامة في الحروب كونها الملاذ الوحيد للفئات المستضعفة في ظل عدم توفر مراكز إيواء كافية، تبقى معظم الحدائق العامة مغلقة اليوم، ويتم التلويح بإخلاء الأرصفة والكورنيش من دون تقديم بدائل جديّة.
إنّ استخدام المساحات العامة في المدينة هو حقّ مكرّس والوصول إليه مضمون قانونياً في فترات السلم، فكيف بالأحرى في فترات الحروب حين تتزايد الحاجة لوجودها بهدف استخدامها كمساحة لتوفير الدعم للنازحين/ات وتعزيز شعورهم بالانتماء للمجتمع، كنقطة تجمع، أو كملجأ مؤقت، أو كمكان مخصص للإرشاد والوصول المعلومات، على سبيل المثال لا الحصر.
اليوم، لا بدّ من تعزيز هذا الدور، لا الحرص على حجب النازحين في مرئى العموم.
المراجع:
- 1تم فتح 33 مركز إيواء في بيروت حتى يوم الخميس 5 آذار، ووصل عدد المراكز إلى 88 بعد التهديد الجماعي للضاحية في 5 آذار. يُعتبر هذا العدد قليل جداّ مقارنة مع عدد مراكز الإيواء في حرب 2024 التي وصل عددها إلى 181 مركزاً في بيروت فقط.